حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

عبد الهادي محفوظ - جورج شاهين

 

مايا رزق: طابت بالخير أوقاتكم مشاهدينا الكرام.

عندما سُئل السلطان العثمانيّ ذات يوم، وهو في المنفى، ماذا تفعل إذا رجعت إلى يلدز، أجاب لو رجعت إلى يلدز لألقيت بجميع الصحافيين في أتون النار.

لم يعد السلطان من منفاه، إلا أنّ مئات آلاف الصحافيين منذ ذلك الوقت تمّ نفيهم أو إحراقهم أو ذبحهم أو تقطيعهم وتذويبهم.

يُقتَل صحافيٌ كلّ أربعة أيام، تقول منظمة اليونيسكو، كاشفة أنّ تسعاً من كلّ عشر حالات لا تحال على القضاء، أي أن 90 في المئة من الجناة يمضون بلا عقاب أو حتى مساءلة.

لن نسأل عن سبب اغتيال هذا الكمّ الهائل من الصحافيين، فيكفي أن نلقي نظرة على مقالاتهم أو وثائقياتهم أو حواراتهم لندرك كم كان تأثيرهم كبيراً في تكوين رأيٍ عام ناقدٍ لطبقةٍ سياسيّةٍ معينة وفسادها.

وهنا على سبيل المثال لا الحصر، أولم يتحوّل جسد الصحافية المالطية دافني غاليزيا إلى شظايا بعد كشفها تورّط رؤساء دولٍ وسياسيين حول العالم في قضايا فساد؟ هل هناك من يتذكّرها اليوم؟ هل سيذكر العالم بعد أشهرٍ قليلةٍ الصحافي السعودي جمال خاشقجي؟

ما هو دور الإعلام في إحياء قضايا وطمس أخرى؟ لماذا استفاق العالم فجأة على مأساة اليمن التي تدخل عامها الرابع بعد نشر صورة الطفلة أمل حسين؟ ولماذا توقف الإعلام الغربي فجأة أيضاً عن نشر صوَر أطفال سوريا وتحويلهم إلى أيقوناتٍ عادةً ما تكون زائفة؟ كيف يتم استخدام القضايا الإنسانية اليوم كغطاء لتمرير أجندات سياسية تمسّ الرأي العام؟

هذه الأمور وسواها نناقشها اليوم مع رئيس المجلس الوطني للإعلام في لبنان عبد الهادي محفوظ، والصحافي والكاتب السياسي جورج شاهين.

أهلاً ومرحباً بكم.

 

(فاصل)

 

مايا رزق: أهلاً بكما ضيفيّ الكريمين على شاشة الميادين.

يقول الكاتب الأميركي دان براون "الإعلام هو الذراع اليمنى للفوضى".

أستاذ محفوظ، إلى أيّ مدى هذه العبارة تنعكس اليوم على ما يحصل في عالمنا العربيّ؟

 

عبد الهادي محفوظ: هذا رأي وتوصيف. المسألة ترتبط بالنسبة للإعلام بالوظيفة التي نريد أن نعطيها للإعلام. الإعلام يمكن أن يكون بنّاءً، ويمكن أن يكون هدّاماً وفقاً للتوصيف الذي أتى به الكاتب. إذاً المقياس هو الوظيفة.

وظيفة البناء تعني بأنّ الإعلام يحترم مسائل لها علاقة بالمهنة، وهي صحّة المعلومة ودقّة المعلومة والموضوعية والابتعاد عن الإثارة والغرائزية وما شابه ذلك، والمقياس هو صحّة المعلومة، ولكن بما أنّ الحقيقة مبدئياً هي واحدة ولكن يمكن تقديم هذه الحقيقة بصوَر مختلفة، بحيث لا نقف فعلاً على الحقيقة، وهذا الأمر يمكن أن يقوم به الإعلام.

 

مايا رزق: وضع إطار للحقيقة قد يشوّه هذه الحقيقة وبالتالي يجعل منها من مادة بنّاءة إلى مائدة ربما خالِقة لفوضى؟

 

عبد الهادي محفوظ: صحيح، صحيح، في العالم العربي للأسف ليس هناك احترام فعلي للحرية الإعلامية، غالبية الإعلام هو إعلام نظام، وبالتالي الوظيفة الإعلامية تكون تكريس أحقيّة الحاكم، ولذلك يتمّ تغييب الكثير من الحقائق، وغالباً ما تكون الحرية الإعلامية هي الضحية. لذلك أيضاً المشكلة الكبيرة في إعلامنا العربيّ، هي أنه كان هناك إعلام مبدئياً يتبنّى الحرية الإعلامية، كان هو الإعلام اللبناني، لذلك كان هو الإعلام الأول في المنطقة.

 

مايا رزق: صحيح.

 

عبد الهادي محفوظ: إنما للأسف، الحرب الأهليّة في لبنان دفعت بالغالب إلى تطييف هذا الإعلام، وإلى جعله إعلاماً إمّا يهتمّ بمصلحة الطائفة، أو أحياناً بالجهة التي تنتمي إليها الطائفة، ولذلك تراجع دور هذا الإعلام اللبنانيّ، وأصبح إعلاماً أقرب ما يمكن تسميته إلى إعلام زواريب.

 

مايا رزق: هذا الواقع في لبنان، أستاذ جورج، برأيك هل ينعكس على واقع الإعلام في العالم العربي أيضاً؟ عندما يقول الأستاذ محفوظ إنّ الإعلام بات إعلام أنظمة أو إعلام أحزاب أو طوائف، هل هذا الأمر أيضاً ينعكس على العالم العربي برأيك؟ وهل هو السبب وراء هذه الفوضى الموجودة اليوم في عالم الإعلام وفي عالم السياسة بطبيعة الحال؟

 

جورج شاهين: الإعلام يعكس واقع الشعوب، الإعلام لا يمكن أن نقول أو أن نصفه بأنه يسبّب الفوضى، قد يؤدّي إلى الاستقرار أيضاً، الإعلام مسؤولية. أشار لأمر الأستاذ عبد الهادي، أن الإعلام عنصره الأساسي عند إعلان الخبر، الخبر أو الحقيقة، هل يمكن أن تتقبّل كل الشعوب الحقيقة؟ هل يمكن أن يتقبّل هذا المسؤول هذه الحقيقة؟ هل يمكن لوسائل الإعلام أن تعكس مصالح كل الأطراف المتصارعة على ساحة معينة؟

الإعلام يعكس وجهة نظر من يموّل، من يمتلك وسيلة الإعلام، أنا لديّ وجهة نظر أخرى، أنّ لبنان كان الرائد بقطاع الإعلام، وإذا أجرينا جردة للوراء، وعدنا إلى الستينات وليس أكثر، كل الصحف ووسائل الإعلام العربية الخليجية المصرية مؤسّسوها من اللبنانيين.

 

مايا رزق: صحيح.

 

جورج شاهين: نعود إلى تاريخ الإعلام اللبناني عندما أسّسنا كل هذه الوسائل، بلغنا مرحلة متقدّمة من التطوّر الإعلامي، بات يحتاج لمادة أكبر وأكثر ويحتاج لمال أكثر وكلفة أكبر، تراجع الإعلام، وبات الإعلام العربي والخليجي الذي كان يتكّل على صحيفة لبنانية، أنا أعرف أحد الرؤساء، يقال إنه كان ينتظر جريدة النهار صباحاً ليرى ما الذي سيقوم به، كان هناك طائرة تأخذ له الجريدة صباحاً إلى إحدى الدول العربية.

 

عبد الهادي محفوظ: عبد الناصر.

 

جورج شاهين: عبد الناصر، جمال عبد الناصر.

 

مايا رزق: صحيح.

 

جورج شاهين: كان ينتظر وكان لديه الأهرام والجمهورية وهذه الصحف أيضاً مؤسّسوها لبنانيون، قيصر الجميّل وجورج شامي بالخليج لدينا أسماء.

الإعلام بلغ هذا الدَرك من المستوى لأسباب مختلفة تماماً. هناك أزمة على مستوى العائلات التي تصدر مؤسّسات إعلامية، أزمة عائلات إعلامية، وليست أزمة إعلام، وهناك أزمة السباق بين التطوّر، كما سبقت الإذاعة الجريدة، سبق التلفاز الإذاعة والجريدة، واليوم وسائل التواصل الاجتماعي، واليوم لديك تلفزيونك الخاص، لديك محطة إسمها بإسمك.

 

مايا رزق: صحيح.

 

جورج شاهين: كل هذه العوامل لعبت دورها على مستوى الإعلام، لذلك الإعلام، بالنتيجة الإعلام واقع يعكس واقع الشعوب. اليوم يخرج مسؤول ويحمّل الإعلام المسؤولية، الإعلام لا يخترع خبرية، بل ينقل موقفاً، عند وقوع صراع بين طرفين الإعلام يعكس هذا الأمر.

 

مايا رزق: سنتحدّث إذا ما كان الإعلام فعلاً يعكس واقع الشعوب أم أن هناك وسائل إعلامية تعكس ربما ما يريده من هم في السلطة.

تحدّث الأستاذ عبد الهادي عن الحريات في الإعلام وأن هذه الحريات ليست على ما يرام وهذا ما ذكرناه في المقدّمة، صحافي يُقتَل كل أربعة أيام في العالم وهذا تقرير لليونيسكو.

هذا رقم فعلاً مخيف أيها السادة، ولكن هناك أرقام مخيفة أكثر. نتابع في هذا التقرير.

 

الغد الأردنية: صحافيون قتلى بلا رصاص، علاء الدين أبو زينة

مرّت نهاية الأسبوع الماضي مناسبة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين، وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد خصّصت الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) من كلّ عام للتذكير بهذه القضية. وتطلب الأمم المتحدة من الدول الأعضاء اتخاذ التدابير الواجبة لمواجهة ثقافة إفلات قتلة الصحافيين من العقاب.

تجيء المناسبة هذا العام وسط انتباهٍ إقليميٍ وعالميٍ إلى قضية استهداف الصحافيين بمختلف أشكال الترهيب والإسكات، من المضايقة إلى التسريح من العمل إلى السجن وصولاً إلى التصفية الجسدية.

ويقول موقع الأمم المتحدة، خلال السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة، أي ما بين عامي 2006 و2017، قُتِل نحو 1010 صحافيين، وهم يؤدّون عملهم بنقل الأخبار والمعلومات إلى الناس. وفي تسع حالاتٍ من أصل عشرٍ، أفلت الفاعل من العقاب.

من مفارقات هذه القضية أن يكون فرط إخلاص الصحافي لشرف مهنته وحرفيته وفعل ما يتطلّبه عمله الأسباب التي تجعله موضوعاً للاستهداف، ومن المدهش أن يكون التضييق على الصحافة أكبر في عصر الإنترنت وزوال الحدود أمام المعلومة.

سريعاً انهار الوعد الذي بذلته الفضاءات الرقمية أمام شراسة الهجمة المضادّة المنهجية للسلطات سواءٌ بإغلاق الأنترنت أو مطاردة الذين يريدون المُجاهرة بالآراء ولا مجال لأيّ حديث عن إصلاحٍ أو صلاح، عندما يكون الصحافيون مقتولين عملياً، صامتين كسكان القبور، عندما يتعلّق الأمر بقول الحقيقة من دون إطلاق رصاصة واحدة مع إفلات الفاعِل من العقاب.

 

مايا رزق: أستاذ عبد الهادي، أبدأ من حيث انتهى هذا المقال، عن إفلات الجناة من العقاب، إفلات قتلَة الصحافيين من العقاب.

من يعاقب الجناة ومن يحمي الصحافيين في عالمنا؟

 

عبد الهادي محفوظ: مبدئياً في القوانين الإعلامية المرئية والمسموعة أو في قوانين المطبوعات في العالم أو استناداً للشرعات الدولية، الصحافي محميّ وله نوع من الحرمة والحصانة، لكن في الواقع، هذا الأمر لا تتمّ ترجمته، وقد يكون السبب الفعليّ أنّ الكلمة لها وقع وفعل أقوى من الرصاص، لأنّ الكلمة مبدئياً تساهم في صنع الرأي العام، في توجيهه، في كشف أوجه الفساد، في كشف ظلم الحاكم.

مسائل من هذا النوع مبدئياً غير مقبولة في ذهنية الحاكم أياً كان الحاكم، فكيف إذا كان الحاكم ينتسب إلى العالم الثالث، إلى حيث بشكلٍ ما أو بآخر، السلطة مرتبطة بهيبة الحاكم ومكانته، وهو الذي يحدّد القوانين وترجمة هذه القوانين إلى واقع كما نشهد.

 

مايا رزق: الأمر لا يقتصر فقط على العالم الثالث، أمس طرد الرئيس دونالد ترامب صحافياً من داخل البيت الأبيض.

 

عبد الهادي محفوظ: وهذا ما أريد أن أشير إليه، أحسنتِ، وهذا الأمر ينسحب بشكل ما أو بآخر أيضاً على المشهد الذي شهدناه البارحة مثلاً في العلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والصحافي العامل في مؤسّسة الـ CNN.

هناك اتجاه لتعليب المعلومة وفقاً لمصالح الحاكم في كلّ مكان، وخصوصاً أنّ البعض كان ينظر إلى العولمة باعتبارها تكسر الحدود وتحويل العالم إلى قرية كونية، يتبيّن أن هذا غير صحيح بالمعنى الفعلي، العولمة حسب الإدارة الأميركية الجديدة ترتبط بمفهوم الأمرَكة، وبمفهوم أنّ العولمة يمكن أن يتمّ تركيبها إذا صحّ التعبير على طائفة وعلى جهة، وعلى الواقع الإثني، وهذا على ما يبدو يخدم أكثر مسألة الفوضى البنّاءة، أي أنّ العولمة تأخذ منحىً آخر الآن وفقاً لمفهوم الأمرَكة الراهنة. ولذلك أعتقد أنّه في هذا المجال، يُراد للإعلام أن يخدم وظيفة الهدم، وليس وظيفة البناء بشكلٍ عام. من هنا، الصحافيّ هو ضحية، وكما يتبيّن من التقرير الذي عرضته، أنّ 1010 صحافي قد قتلوا خلال عدد معيّن من السنوات، وهو نسبة كبيرة.

 

مايا رزق: 1010 قتلوا العشر سنوات الماضية، صحيح.

 

عبد الهادي محفوظ: وبالتالي لم نشهد فعلاً نوعاً من تحريض للرأي العام أو نوعاً من نقد للسلطات التي قامت بعملية الارتكاب لتلك الجرائم بحق الصحافيين، هذه مشكلة. والمشكلة الأكبر أيضاً، أنّه أصبح الصحافي يُحاكَم ليس بناءً على ما يقوم به من وظيفة إعلاميّة، بقدر ما يُحاكَم على تصنيفه طائفياً، وسياسياً، وجهوياً.

 

مايا رزق: أستاذ جورج، إذا أردنا الحديث أكثر عن أمثلة اليوم، هناك المثال الصارخ اليوم، قضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي. كان هناك تعاطف كبير من قِبَل الإعلام العالمي مع هذه القضية بالتحديد، كان هناك حتى دعوات من قِبَل وسائل إعلام أميركية لمعاقبة السعودية، لربما إنزال عقوبات بحق السعودية. حتى هذه المطالبات مسّت بعرش المملكة، مسّت بوليّ العهد السعودي.

برأيك، هذه المطالبات اليوم خفت صوتها قليلاً، هل يقتصر الدور الإعلامي في مثل هذه التغطيات فقط على إثارة ضجة إعلامية من دون وجود فعلاً أيّة قدرة فعلية على الأرض؟

 

جورج شاهين: عند الحديث عن هذا الموضوع، هناك عناصر كثيرة علينا أن نأخذها بعين الاعتبار. هناك جرائم تُرتكَب بحق الصحافيين، سواء هو ارتكب جرماً أم لا، خارج مهنته الصحافية أو خارج إطار القيام بعمله الصحافي، بينما تُرتكَب عشرات الجرائم بحق إعلاميين وصحافيين يقومون بمهامهم. بالأمس كنا في نقابة المحرّرين في صراع مع اليونيسكو وبعض المؤسّسات الدولية التي تريد أن تتحدّث عن أساليب الإفلات من العقاب عند الاعتداء على الصحافيين وتريد أن تستثني ما يجري في الضفة الغربية وغزّة على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي عندما يُقتَل الصحافيون بالجملة.

1010 الذين قتلوا خلال 12 سنة، أعتقد أنّ بينهم 62 شهيداً صحافياً في الضفة الغربية وفلسطين، ولدينا سبع سنوات في سوريا، هناك أكثر من 17 شهيداً من الإعلاميين، ونال لبنان نصيبه، عدا عن المفقودين كسمير كسّاب وغيره اليوم، وشهداء المنار وشهداء الإعلام الحربي.

الفصل عند ارتكاب جريمة بحق الصحافي، هناك تمييز بسيط أو خيط رفيع، بين أنّه قُتِل لأسباب تتعلق بمهنته، وإذا قتل لأسباب بمهنته لا يُجرّم على أساس ما ارتكب، يجرَّم على أساس ما أدى إليه القيام بعمله. هنا تبدأ المحاسبة على أساس المهنة. أما أن يقتل صحافي كان يتاجر أو كان يتعاطى عملاً أمنياً أو عملاً آخر، الفصل ضروري في مثل هذه الحالات.

جريمة جمال الخاشقجي جريمة لا يمكن أن يقبلها أحد، ولكن هل دوره الإعلامي هو السبب؟ أم أن هناك أسباباً سياسية أخرى أدت إلى هذه الجريمة؟ وحتى اليوم من سينطق بالحقيقة يوماً؟ يسأل الأستاذ أنه خفتت الأصوات وبعد قليل ينتفي الحديث عنها.

لذلك أقول بعض الجرائم، أنا أطالب بالتصنيف دائماً، بين أن يستشهد صحافي بحادث سير غير أن يقتله جيش عدو أو أن يخاطر بحياته.

 

مايا رزق: أو أنظمة استخباراتية معينة.

 

جورج شاهين: اليوم الإعلاميون أمام قادة الجيوش، يُقتَل الإعلامي قبل أن يقتل قائد لواء أو عسكري بالجيش، هذا الإعلام الحربي.

 

مايا رزق: التأكيد ربما على مدى أهمية دور الإعلام في تكوين الرأي العام.

 

جورج شاهين: لذلك هذا الدور مهم، يحاسب عليه بأشكال مختلفة.

 

مايا رزق: صحيفة الأخبار اللبنانية قامت بمقارنة تعاطي الإعلام وتعاطي السلطة مع قضيتين هما مقتل الخاشقجي واختطاف رئيس الحكومة المكلّف اللبناني سعد الحريري.

نتابع ما جاء في صحيفة الأخبار.

 

الأخبار اللبنانية: ذكرى اختطافٍ غير مُعلَن، عامر محسن

كما في قضية الصحافي جمال خاشقجي، كان الإعلام بكلامه وصمته مركزياً في قضية رئيس الحكومة سعد الحريري، وقد وجدنا أنفسنا في موقفٍ سرياليٍّ، حيث بعض الإعلام يحشد لتحرير رئيس الوزراء المخطوف، وبعضه الآخر يتصرّف كأنّ كلّ شيءٍ طبيعيُ ويقود حملة السبهان، والبعض الآخر من الإعلاميين يهرع لتغطية واقع الخطف وتدبير تمثيليّاتٍ لإثبات أنّ الرجل حرٌ ولتبديد الشكوك، أيضاً بنفس الأسلوب ومستوى الأداء الذي شهدناه حين حاول الفريق السعودي التغطية على اغتيال خاشقجي.

الأمر الثاني المشترك بين الحدثين هو اقتران الفضائحيّة القصوى بالعقم السياسي، وأن يصبح الموضوع مثار التغطية والتعليق والتسلية لأسابيع ولكن من دون أية نتيجة سياسية حقيقية.

موضوع خاشقجي دُفِن تقريباً، إلا في بعض الإعلام العربي، وبلومبرغ تقول إن الشركات الأميركية والوول ستريت رجعت إلى التعامل الاعتيادي مع الرياض، وشخصيات اقتصادية أميركية تصرّح بأن ردّة الفعل كان مبالغاً فيها ولم تفد بشيء، وأن من الأفضل أن نترك الموضوع خلفنا.

الإعلام كأية مؤسّسة اجتماعية هو تمثيل لمجموعة مصالح، وهو مهمٌ لأنّ الدولة والمؤسّسات والمصالح تنطق عبره، وبخاصةٍ في عصرنا، وهو المسرح الذي تجريه عليه السياسة، وهو في الوقت ذاته ليس مهماً، ويجب ألا نخلط بينه وبين الفاعلين السياسيّين، لأنه لا يمتلك قدرة مستقلة على الفعل خارج وظيفته كممثلٍ لمصالح وتيّاراتٍ وأموال.

 

مايا رزق: إذاً أستاذ عبد الهادي، كما ذكرنا أنه يبدو أن هذه القضية، قضية خاشقجي وغيرها من القضايا، وكأنها لم تكن إذا صحّ التعبير بعد فترة وجيزة من الوقت.

ولكن هل تتفق على ما ورد في المقال عندما يقول إنّ الإعلام لا يمتلك قدرة مستقلة على الفعل خارج وظيفته كممثل لمصالح وتيارات وأموال؟ هل فعلاً بات كلّ الإعلام هكذا؟

 

عبد الهادي محفوظ: بشكلٍ عام قد يكون هذا التوصيف في مكانه باعتبار أنّ الإعلام يحتاج إلى تمويل، وإذا تطلّعنا إلى ممارسة المهنة الصحافية حالياً، الإعلام في الأساس يعتمد على مصدرين ماليّيْن، هو مبيع الصحيفة بالنسبة للصحف اليومية، إضافة للإعلان. وبالنسبة للإعلام المرئي والمسموع والإلكتروني يعتمد فقط على مصدر واحد، في القانون أتكلم وهو الإعلان، والصناعة الدرامية، ما يمكن تسميته بالصناعة الدرامية وصناعة البرامج.

صناعة البرامج في عالمنا، آخذ نحن العالم العربي، في عالمنا الصناعة الدرامية ليست مصدراً بالمعنى الفعلي مربحاً، بحيث أن القانون يملي على المؤسّسة المرئية مثلاً عدداً معيّناً من البرامج ينبغي أن تنجزها، وغالبية هذه المؤسّسات لا تنجز هذا الأمر لأسباب مالية.

بالنسبة للإعلام، إذا أخذنا المثال اللبناني حالياً، بالنسبة للإعلان، لم يعد الإعلان مصدراً كافياً، لا في الصحيفة اليومية، بحيث أن كلفة الجريدة هي أكثر من حجم المبيع، بالنسبة للمؤسّسات المرئية كانت سابقاً الطائفة مصدراً من مصادر الإعلان لهذه المؤسّسة أو تلك، الآن أصبح في كل طائفة أكثر من ثلاث مؤسّسات وأحياناً أربع مؤسّسات، وبالتالي الإعلان لم يعد مصدراً.

أنا في تقديري هذا الإعلام يتّجه إلى الموت سواء الإعلام المكتوب في لبنان ومستقبلاً الإعلام المرئي.

 

مايا رزق: وهذا ما حصل فعلاً مع أكثر من صحيفة وأكثر من دار للنشر.

 

عبد الهادي محفوظ: قد يكون ما ذهب إليه هذا التقرير لا يتناسب فعلاً مع الإعلام الإلكتروني، لأن الإعلام الإلكتروني غير مكلف قياساً على الإعلام، لذلك الازدهار سوف يكون في مجال قطاع الإعلام الإلكتروني، ولكن الإعلام الإلكتروني أيضاً لا يعتمد اعتماداً فعلياً على المعلومة، أحياناً كثيرة يعتمد على الشائعة وعلى الهواة.

 

مايا رزق: وهنا يكمن الخطر.

 

عبد الهادي محفوظ: هناك خطر كبير بإعلام التواصل مثلما نحن نرى، تشعرين بإعلام التواصل اللبناني تتحكّم الغرائز، وانظري لموضوع تشكيل الحكومة، الواقع هو متاريس، وهذا ما لفت إليه فخامة الرئيس.

 

مايا رزق: ميشال عون بتغريدة على موقع تويتر.

 

عبد الهادي محفوظ: وبالتالي أعتقد أن الإعلام حتى يقوم بمهمته الفعلية، ينبغي أن يكون إعلاماً مستقلاً، لم يعد هناك حتى على صعيد عالمي إمكانية بالمعنى الفعلي لإعلام مستقل.

الإعلام الآن أصبح محكوماً من 400 مؤسّسة في العالم، هي مصدر المعلومات، شركات، وهي في غالبيتها أميركية، بحدود 179 شركة أميركية، وهناك بحدود 70 شركة أوروبية، والباقي شركات يابانية، وليس هناك من شركة في معنى تصدير المعلومات عربية واحدة أو إسلامية للأسف، لأن إعلامنا إعلام حاكم لا يتوجّه إلى أن الاستفادة من ظرف، أنه مثلاً منطقة الشرق الأوسط الآن هي المنطقة التي كل التركيز عليها، لا توجد شركة لتصدير المعلومة بالمعنى الفعلي إعلامية إلى العالم الغربي، العالم الغربي هو الذي يصوغ المعلومات عنا وهو يصدّرها لنا.

 

مايا رزق: سنتحدّث عن هذا الموضوع بالتفصيل وعن هذه الأخبار المعلّبة التي تأتي من الخارج، عن القضايا المعلّبة التي تثار من الخارج هنا في منطقتنا العربية، ولكن بعد هذا الفاصل القصير. ابقوا معنا مشاهدينا الكرام.

 

 

المحور الثاني

 

مايا رزق: من جديد أهلاً بكم مشاهدينا الكرام، وأجدّد الترحيب بضيفيّ في الاستوديو رئيس المجلس الوطني للإعلام في لبنان عبد الهادي محفوظ، والصحافي والكاتب السياسي اللبناني جورج شاهين. أهلاً بكما.

أستاذ جورج، قبل الإعلان كنا نتحدّث ربما عن سيطرة الإعلام، مَن يسيطر على الإعلام في العالم، وعلى ما يبدو هي كلها شركات غربية وأجنبية.

إذاً يبدو أن هناك إذا صحّ التعبير سيطرة تامة على هذه المواد التي تُصاغ في الإعلام، وكما شاهدنا هناك ربما فجأة إحياء لقضايا معينة تموت بعد فترة أخرى لأسبابٍ نجهلها.

على سبيل المثال إذا أردنا الحديث ربما عن تغطية الحرب في سوريا لاحظنا أن هناك صوَراً لأطفال يتم التداول بها عبر وسائل إعلام غربية على أن هؤلاء الأطفال هم ضحايا، ضحايا القصف الذي يقوم به النظام السوري أو الجيش السوري، وبعد فترة وجيزة يُعلَم للعالم أن هذه الصوَر مفبركة ربما.

لاحظنا اليوم بعد تبدّل المعطيات على الأرض، المعطيات الميدانية وحتى السياسية، غابت كل هذه الصوَر وسقطت إذا صحّ التعبير هذه الراية الإنسانية التي كان يلوّح بها الغرب. وهنا السؤال، مَن يقوم بإشعال هذه القضايا؟ ولماذا؟ ولماذا فجأة تختفي هذه القضايا؟

 

جورج شاهين: للأسف، وأنت تسألينني، وردت في ذهني فكرة سريعة، أن المال عربي والتخطيط غربي والطبخة أميركية أو غربيّة. أنظري، عندما فقدت الدورة الاقتصادية طبيعتها بالتعاطي مع الإعلام، دعيني أقول والأستاذ عبد الهادي يوافقني، منذ العام 85 وحتى العام 2000، كنا ملوك الإعلام، كنّا ملوك الإعلام من دون تربيح جميلة أحد، ولم نكن محتاجين لمساعدة من أحد، كانت الوسيلة الإعلامية تموّل نفسها، كان الإعلان الإذاعي الدقيقة بـ 1000 دولار اليوم الخمس دقائق بـ 20 دولاراً ولا يوجد إعلان، كانت حصّة لبنان من الإعلان تتجاوز 180 مليون دولار، 4 أو 5 مؤسّسات محتكرة وهي أساسية، فقدان هذه الدورة الاقتصادية وضعت وسائل الإعلام في فم الطائفة وفي فم الملياردير، في فم المرجعية السياسية.

 

مايا رزق: ودخلتم ربما المنظومة الإعلامية الكبرى.

 

جورج شاهين: وأيضاً هذه المرجعية عندما كانت هذه المرجعية المالية ليبية أو قطرية أو عراقية أو مصرية او خليجية أيضاً فقدت هذه الصفة، عندما أصبح لديهم محطاتهم وفضائياتهم انعكس كل شيء على هذا الإعلام.

لذلك عندما نتحدّث عن دور الإعلام، الحقيقة دائماً يخجل الصحافي من نفسه إذا تعاطى بطريقة غير دقيقة أو غير منهجية مع خبر إعلامي، إلا في حال واحدة، عندما تتحوّل الوسيلة أو هذا المنبر إلى بوق، فقد الدور الإعلامي، فقدت الإشارة إلى عناصر الخبر الحقيقية. أنا أعرف إعلاميين اليوم يتعاطون ببعض المؤسّسات، لا يعرفون ماذا يقرأون، أو يخرجون ويعتذرون من نفسهم، أنا أعرف أحداً يقول لي أحياناً أقف أمام المرآة واعتذرت من حالي عندما قدّمت هذه النشرة الإخبارية أو هذا الخبر.

هذه كلها عوامل اقتصادية نفسية اجتماعية تربوية سياسية، لا أعرف، بالنتيجة هي ثقافة أن نتعاطى مع الإعلام أو أن نترك للرأي العام أو للجماهير أن تتلقّى الرواية الصحيحة لتحكم على من أخطأ ومن أصاب، من عدل في هذا الموقف ومن ارتكب.

لذلك أمام كل هذه اللعبة، اليوم الإعلام يقف عاجزاً عن النيل من الحقيقة، أو أن كما أشرنا مطلع الحلقة، أن تنيري إلى جانب من الحقيقة، أو أن نستعجل الأحكام، نستعجل التحقيقات، نستعجل كل القرارات، ونستبق الأمور لنلقي حكماً، الإعلام ليلقي حكمه السياسي وليس حكمه الإعلامي.

 

مايا رزق: إلقاء الحكم السياسي للأسف يتم الآن ربطه أيضاً بالقضايا الإنسانية.

برأيك أستاذ عبد الهادي، هل فعلاً يتم استغلال القضايا الإنسانية اليوم لتمرير أجندات سياسية معينة أكان ذلك في سوريا أو حتى في اليمن مؤخراً؟

 

عبد الهادي محفوظ: بالتأكيد، مثلاً في الموضوع الذي أشرت إليه عن الأطفال في سوريا وما شابه ذلك، كان الأمر مرتبطاً بمسألة التصعيد الغربي العسكري في سوريا ضد النظام، بمعنى أنّه كان هناك توجّه إلى تغليب الحلّ العسكري، وفشل هذا التوجّه الغربيّ بحكم أمور كثيرة، منها قد تكون أسبابه سورية، ومنه أسبابه روسية، ومنه أسبابه أنّ أكثر من جهة تريد أن تأخذ مكاناً في المنطقة، وأن تصبح جزءاً من النسيج الاجتماعي لهذه المنطقة، لأنّه لأول مرة مثلاً نجد أن هناك وجوداً عسكرياً روسياً في سوريا، وجوداً عسكرياً أميركياً في سوريا وفي المنطقة، أي أن القوى العظمى اضطرت إلى أن تكون جزءاً من هذا النسيج الاجتماعي باتجاه قد يكون إعادة صوغ الوضع. بفترة من الفترات الإعلام الغربي كان كله ضد النظام السوري.

 

مايا رزق: صحيح.

 

عبد الهادي محفوظ: الآن تتغيّر الصورة لأن الوجهة العامة أصبحت الحل السياسي، ومحاولة انتزاع القوى الدولية على اختلافها أمكنة في الحسابات السياسية لوضع المنطقة وفي الجغرافية السياسية. لذلك تغيّرت المعطيات. نجد بأنّ التركيز الأميركي الآن أصبح على داعش، أنّ داعش هي مصدر الخطر، وتبرير كل الوجود العسكري الأميركي بموضوع داعش.

اللغة، الخطاب السياسي للمعارضة السورية بدأ يتغيّر ويغلب أيضاً الحل السياسي. استخدام الجوانب الإنسانية التي كانت تعتمد في وجه النظام السوري قد تكون تغيّرت وجهتها باتجاه داعش والتنظيمات المتطرّفة، لأن الغرب أصبح يدرك أنّ المردود الفعلي لداعش وللنصرة وللتنظيمات المتطرّفة سوف يأتي مردوده سلباً في الداخل الأوروبي أو حتى في الحسابات الأميركية.

لنأخذ مثلاً موضوع اليمن. صورة الطفلة التي حرّكت إلى حد ما الرأي العام، هذا التحريك بتقديري، وهذا التوظيف أيضاً يترافق مع موجة جديدة تدعو إلى تغليب الحل السياسي والتسوية السياسية.

لنأخذ موضوع الخاشقجي، الصحافي الخاشقجي، كلّنا كصحافيين نتضامن مع مسألة كشف ما حصل لهذا الصحافي في تركيا، وهناك بالتأكيد جانب إنساني يشهد نوعاً من التعاطف لدى الرأي العام معه، ولكن إذا نظرنا إلى الحسابات السياسية، ما جرى للخاشقجي هو نتيجة فائض الدعم الأميركي للنظام السعودي في الأساس، ليس المهم من الذي أمر أو استخدم هذه المسألة، ولكن إذا تطلّعنا الآن بموضوعية، نجد أنّ هناك حسابات سياسية تستثمر على شخص الخاشقجي. الأميركي يريد استمرار بيع الأسلحة، الأميركي يريد مزيداً من ارتهان القرار السعودي للسياسة الأميركيّة.

التركي تحديداً لم ينل ما أراده وما يريد تحصيله في هذه المسألة، لأنّ هناك شيئاً قد يكون من الممانعة إلى الآن السعودية، التركي يريد تحسين وضع قطر، رفع الحصار مثلاً عن قطر.

 

مايا رزق: إذاً هذه التغطية الإعلامية يتمّ استثمارها بمطالب سياسية معينة لدول وحتى قد ترسم ربما خريطة سياسية جديدة لهذه المنطقة؟

 

عبد الهادي محفوظ: أكيد، لذلك أعتقد أنا شخصياً أنّ قضية الخاشقجي لم تنتهِ الآن، لأنّ الجهات التي يمكن أن تستفيد من هذا الوضع لم تحصّل حتى الآن ما تريد من المملكة العربية السعودية.

 

مايا رزق: صحيفة الحياة عنونت اليوم، الصورة الإعلامية وتأثيرها في الفضاء العام. نتابع.

 

الحياة: الصورة الإعلامية وتأثيرها في الفضاء العام، خالد عزب

تتعدّد وسائل نقل الصورة الإعلامية، ما يقود إلى صورة ذهنية محدّدة لدى المتلقّي، لكن في عصر تدفّق المعلومات، بات هذا المتلقّي قادراً، بخاصةٍ حين يساوره الشك، على البحث عبر شبكة الإنترنت لتحليل مضمون هذه الصورة.

فتنامي التفاعل بين الجمهور وأدوات الإعلام الاجتماعي أدى إلى شبكاتٍ جديدة للتواصل، وما حدث في تونس ومصر في العام 2011 خير دليل على ذلك، إذ برهنت هذه الأدوات على فعالية واسعة النطاق، أقوى بكثيرٍ من وسائل الإعلام التقليدية، لتشكّل هذه الظاهرة ما يسمّى دولياً الصحافة الشعبية التي تقوم على أداء الجمهور لوظائف الإعلام.

ولطالما كان المذياع وسيلة الناس في مختلف أنحاء العالم لمعرفة الأخبار العاجلة، فضلاً عن أنّه كان مثلاً قناة اتصال العرب من المحيط إلى الخليج ولسنوات ممتدة بصوت سيّدة الغناء العربي أمّ كلثوم. وبظهور التلفزيون، باتت لدى الناس وسيلة إضافية لمتابعة أحداث مهمة بالصوت والصورة، مثل اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي عام 1963. وباتت تلك المتابعة أفضل وأسرع بفضل الأقمار الاصطناعية وأجهزة التقاطها كما حدث عند وقوع هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2001 مثلاً.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة محو الأميّة المعلوماتية لتفعيل القدرة على تحديد المعلومات التي يمكن استخدامها بنحوٍ فعّالٍ في حلّ قضيّةٍ أو مشكلة، ولكن مع الكمّ الهائل من المعلومات المتاحة على الإنترنت فإن هذه المهمة تمثل تحدياً كبيراً. وإلى جانب ذلك، يجب أن يتحلّى مستهلك المعلومات بوعي معلوماتي، فترشيد وتنقيح وتدقيق المواد المتدفّقة عبر الأنترنت يُعَدّ مشكلة كبرى.

 

مايا رزق: أستاذ جورج، تطرّق هذا المقال إلى ما يسمّى اليوم دولياً الصحافة الشعبية التي تقوم على أداء الجمهور لوظائف الإعلام، نرى أنّ هناك هجمة على هذا النوع من الإعلام الحديث عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الأمر لم يقتصر فقط على المواطنين العاديين، هناك رؤساء دول يستعينون بهذه الوسائل، ومن بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يصدر أهمّ القرارات من خلال موقعه أو صفحته على تويتر، وبذلك ربما كسر الرئيس الأميركي هذا التعاطي البروتوكولي ما بين السلطة والإعلام.

كيف تقرأون هذا الأمر؟ كيف ترونه؟ وهل هو برأيكم، ما هي سيئاته أو خطورة هذا الأمر؟

 

جورج شاهين: خطورة الإعلام الإلكتروني بقياس سرعته، قياس سرعته، عند قياس سرعة الخبر، عدا عمّا أشرت إليه، الرئيس ترامب، الرئيس ماكرون، الرئيس ترامب أقال وزراء، وزير خارجيته كان بجولة في كوريا، قال له أقلتك عبر تويتر.

 

مايا رزق: هو الأكثر تغريداً الرئيس ترامب.

 

جورج شاهين: لم يعد هناك سبق إعلامي تتسابق إليه وسائل الإعلام الغربية أو غيرها بأية نقطة بالعالم، صرت أنت تمتلكين وسيلتك الإعلامية وأنا أمتلك صفحتي وكل واحد يمتلك صفحته، هذه السرعة، هذه خطورتها بمدى القدرة على التثبت من المعلومات أو القدرة، إنما الإنسان إن كان يتابع ملفاً أو يتابع حدثاً عليه أن يشغل رأسه قبل تشغيل ردّة فعله تجاه أية رواية أو تجاه أية تسريبة. بالأمس مثلاً تسريبة أن الشيخ الأسير مات بالسجن، أو أي حدث أمني يمكن أن يطرأ بخبر يمكن أن يشعل العالم قبل التثبّت، وعندما أشرنا إلى كلفة الإعلام الإلكتروني الزهيدة، اليوم أنا أعتقد أنّ كلفة جريدة في النهار تدير موقعاً لشهر كامل، كلفة جريدة ليوم تدير موقعاً إلكترونياً كاملاً لشهر، واليوم إن كان أحد لديه نجله يعمل بالمجال التقني وابنته لو من عملها تدير موقعاً إلكترونياً، وهذه للأسف يمكننا أن نتباهى بها بإنجاز عالمي على المستوى الإنساني والإعلامي والأخلاقي، لا، يجب أن تكون هناك ضوابط والضوابط مفقودة.

كنا نتحدّث وسألت عن الضوابط اليوم لحماية الصحافي، أيضاً أريد ضوابط لحماية الناس من الصحافة، بتنا بحاجة لضوابط لحماية المجتمع من الإعلامي كما ضوابط لحماية الإعلامي من المجتمع.

لم أعد أنا أعلامياً، رجلاً له تأثير، إن كان رئيس حكومة لديه مليون ونصف مليون  متابع على تويتر، هل يحتاج لفضائية أو تلفزيون او إذاعة إن كان لديه مليون ونصف مليون على تويتر وثمّ تتباهى وسائل الإعلام الأخرى من يذيع التويت قبل غيره؟ كل هذه الفورة الإلكترونية التي ليس لها حدود، يومياً من الصباح وحتى المساء عليك توقّع تطوّر جديد بعالم الإعلام، وهذا ضحيته، الجانب الإنساني من أخطر الضحايا.

أشار الأستاذ عبد إلى استغلال الصوَر، الطفل السوري على شاطئ تركيا، هناك حقيقة، قبل أن تقولي استغليت صورة هناك حقيقة وراء هذه الصورة، الخطر أن تضيع هذه الحقيقة عندما تُستثمَر في هذا الاتجاه أو ذاك.

اليوم بحرب اليمن، بحرب اليمن أو بحرب سوريا، النظام استخدم هذه الصورة أحياناً والعالم الغربي استخدم هذه الصورة أحياناً، أمس بملف خاشقجي، أتوا بصورة من فيلم أن لديه لحية أو شفة تشبه خاشقجي وقالوا أنه صوِّر يقطع داخل السفارة السعودية، واكتُشِف لاحقاً أن هذه الصورة من فيلم سينمائي.

 

مايا رزق: لا حدود للفبركة التي تُستخدَم اليوم في الإعلام.

 

جورج شاهين: لذلك المطلوب إلى جانب المسؤولية الشخصية، ثقافة التعاطي مع وسائل الإعلام ووسائل التواصل، قدرة على محاسبة الذات قبل محاسبة الغير لأنه أيضاً للحرية حدود.

 

مايا رزق: وهذا ما تحدّث عنه رئيس الجمهورية ميشال عون عندما دعا شباب لبنان إلى أن يجعلوا من وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة لتواصل حقيقي ولتبادل الآراء ولنقاشات تحترم المنطق والحقيقة للنقد البنّاء، لا وسيلة لتبادل الشتائم وتغذية الحقد وبثّ الشائعات.

هناك من يقول اليوم إنّ الحروب قد تشتعل بالبندقية ولكنّ من يغذّيها هو الإعلام الذي ربما ككل شيء في عالمنا العربي، بات رهن الخارج. كل شيء نشتريه اليوم هو صُنِع في الخارج وحتى الإعلام والسياسة وغيرها.

أتطرّق معك أستاذ عبد الهادي أخيراً لما قاله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم أمس في منتدى للشباب في شرم الشيخ. سُئل الرئيس المصري عن صفقة القرن، كانت إجابته كالتالي، إن صفقة القرن هي عبارة اليوم يتم تداولها في الإعلام، وهو شخصياً ليس لديه معلومات عن هذه الصفقة سوى ما يتم التداول به عبر الإعلام، حتى أنه لمّح أنه يتم التداول بهذه العبارة ربما لجسّ نبض الرأي العام.

هل فعلاً تحوّل الإعلام إلى بالون اختبار للرأي العام؟ يموت كل يوم شهداء في غزّة جرّاء هذه العبارة.

 

عبد الهادي محفوظ: على ما أعتقد، صفقة القرن تعبير استخدمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو يروّج له ويقوم بمسألة الترويج وقام بمسألة الترويج لهذه الفكرة أيضاً صهره كوشنر، وبالتالي هناك تصوّر أميركي على ما أعتقد لصفقة القرن، وهذا التصوّر يعتمد كركيزة فعلية من الجانب الأميركي على الفوضى التي تمرّ بها المنطقة، والتي يعتبرها المحافظون الجدُد في الولايات المتحدة ظرفاً مناسباً لتمرير صفقة القرن.

 

مايا رزق: ما دور الإعلام اليوم في تمرير هذه الصفقة بالتحديد؟

 

عبد الهادي محفوظ: بالتأكيد الإعلام يجتهد، وقرأت أنا مثلاً أكثر من مقال، أو تقرير يتحدّث عن صفقة القرن، ماذا تريد، المهم في صفقة القرن كيف يمكن تحويل دولة إسرائيل إلى أن تكون جزءاً طبيعياً من العالم العربي، وإلى قيام علاقات اعتيادية، وعلى ما أعتقد أنّ هناك الآن ترجمة فعلية لصفقة القرن، كيف ننظر إلى زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية نتانياهو إلى دول الخليج.

 

مايا رزق: إلى سلطنة عُمان.

 

عبد الهادي محفوظ: نعم، إلى قيام أيضاً أكثر من وفد إسرائيلي، أعتقد أنه بدأت عملياً مسألة تنفيذ صفقة القرن، وبالتالي لا يمكن مواجهة هذه الصفقة إلا إذا فعلاً حصل نوع من انتفاضة فعليّة في الضفة الغربية وقطاع غزّة بالتواصل مع الداخل الفلسطيني، وإلى تحريك الرأي العام العربي، وهذا ما لا يحصل حالياً، ما لا يحصل. هل لمست فعلاً أنّ هناك اعتراضاً حقيقياً على زيارة نتانياهو إلى دول الخليج؟ لا، أكثر من ذلك، أنه يتم تحويل الأنظار الآن، ويلقى ذلك قبولاً من الأنظمة العربية، أنّ الخطر الفعلي يأتي على المنطقة من إيران، ولم تعد إسرائيل هي العدو.

 

مايا رزق: وللإعلام ربما دور بهذا الموضوع وأريد التركيز على هذا الدور معكما.

أستاذ جورج، ما هو دور الإعلام اليوم إن كان الإعلام الإلكتروني أو حتى وسائل التواصل الاجتماعي، في تغيير وجه المنطقة اليوم؟ هناك تغيّر كبير والحملة لا تُساق فقط بالرصاص، توقّف الرصاص، سيتوقّف في سوريا، توقّف في العراق.

هناك حملة جديدة إعلامية. ما رأيك في هذا الموضوع؟ وهل توافقني الرأي بهذا الموضوع بطبيعة الحال؟

 

جورج شاهين: الإعلام سينقد كل شيء بالنتيجة، إنما المسؤولية أن تتوضّح الصورة. أطلقت صفقة القرن، هل هناك من تفسير واضح وصريح لهذه الصفقة وشكلها؟

 

مايا رزق: ربما لا يراد.

 

جورج شاهين: أنا أريد تقديم بعض الأمثلة وأسال أسئلة واضحة، قد تكون الأسئلة فيها أجوبة لكن أنا لا أؤمن ببعض الأجوبة.

اتهمت دول الخليج بتسهيل نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وجدنا ردّة الفعل في الخليج أقسى من غير دول. اليوم يجول نتانياهو في مسقط عُمان، وزيرة الثقافة تجول بدبي وأبو ظبي، وفي قطر زيارات. اكتشفنا على تويتر ملكة جمال لبنانية تعطيها شهادة زميلتنا سوسن السيّد في طرابلس، طردتها لأنها تصورت مع ملكة جمال إسرائيل. لم يقل أحد بمسقط عُمان ما الذي جرى بين رئيس حكومة إسرائيل، لم ينادِ أحد منا وقال نريد قطع العلاقات.

نكتشف بضاعة عليها شعار إسرائيل ينتفض البلد، وما يجري اليوم لا نسأل عنه. هل هذا هو التقاطع؟ هل هذه هي صفقة القرن؟

أنا باعتقادي العنوان فضفاض وليس هناك ما هو واضح قبل أن يقول الإعلام.

 

مايا رزق: أعتذر على المقاطعة، ولكن انتهى وقت الحلقة.

 

جورج شاهين: لا يمكننا أن نطالب الشعب بقيادة الإعلام، نريد مادة واضحة لنعرف عما نتحدّث وبأيّ منطق لأن المنطق مرفوض للأسف.

 

مايا رزق: نعم أستاذ جورج شاهين الكاتب السياسي اللبناني شكراً جزيلاً لك.

 

جورج شاهين: شكراً لك.

 

مايا رزق: والشكر موصول أيضاً إلى رئيس المجلس الوطني للإعلام في لبنان الأستاذ عبد الهادي محفوظ. شكراً لكما على هذه الحلقة.

مشاهدينا الكرام شكراً لطيب المتابعة، وإلى اللقاء.