كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

أميركا وحالة الحرب في كل أنحاء العالم

 

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني حرية التعبير، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية 

المحور الأول:

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن قضايا العالم. من المعتاد أن نرى الولايات المتحدة في خضمِّ حروب في جميع أنحاء العالم، مئات القواعِد العسكرية ونزاعات تكاد لا تُحصى تخوضها أحياناً على نحوٍ مُباشِر وفي أحيانٍ أُخرى على نحوٍ غير مباشر، تخوضها بالوكالة أحياناً وفي أحيانٍ أُخرى عبر فرض حصار أو عُزلة أو عقوبات أو حظر وكذلك تلجأ على نحوٍ متزايِد إلى استخدام الدولار على نحوٍ مُسيّس. إذاً، سنتناول اليوم هيمنة الولايات المتحدة الكاملة النطاق كما يودّ الأميركيون أن تكون. في هذه المرّة لن نُركِّز على الدم والحديد والنار في صراعات الولايات المتحدة الفعليّة بل على كيفية استخدام الولايات المتحدة للتجارة والعقوبات وعملة الدولار في سبيل محاولة تعزيز هيمنتها في العالم. بعض الحالات أكثر وضوحاً من غيرِها، في حال (إيران) مثلاً نرى أُحاديّة قائِمة خارِج حدود (إيران) لفرض عقوبات عليها حتّى يتم إخضاعها، كذلك الأمر في (كوبا) منذ أكثر من خمسين عاماً وفي هذه الحال تمنع الولايات المتحدة بلداناً أُخرى، بما ينتهك قوانين تلك البلدان، من إقامة علاقات تجارية طبيعية مع (كوبا). أمّا الحرب ضدّ (فنزويلا) فتأخذ أشكالاً عدّة ومن يدري، ربما في حلول عرض هذا البرنامج تأخذ شكل حربٍ حقيقية لكن الأفعال الرامية إلى تغيير النظام بأكمله هي قيد الحدوث في جميع الأحوال في (فنزويلا). (روسيا) كذلك تتعرّض لعقوبة تلو الأُخرى ولا أعلَم إن كان أحد في (واشنطن) يُحصيها لكن لا بدّ من أنّها تُحصى بالنظر إلى أنّه بالكاد يستطيع أيّ شخصٍ روسي التوجّه إلى هناك، وفي المقابل بالكاد تستطيع أيّة شركة أميركية العمل في (روسيا). في الواقع، مُنِعَ شريك "ناسا" في العمل الفضائي في برنامج الفضاء الروسي من دخول الولايات المتّحدة منذ أُسبوع أو أُسبوعين فحسب. بالطبع تدور صراعات كثيرة أُخرى في أشكالٍ مُختلفة أمّا العامل الجديد فهو التالي: دول كانت تابعة للولايات المتّحدة إضافةً إلى حلفاء مُقرّبين وأصدقاء لها بدأوا يسأمون من كلّ هذا والسبب المباشر لذلك هو انسحاب الولايات المتّحدة على نحوٍ أُحادي من الاتّفاق التي تمّ التوصل إليه بين مجموعة الدول الأعضاء الخمسة زائِد واحد والجمهورية الإسلامية الإيرانية في شأن برنامج الأخيرة النووي وتقول كلّ البلدان الأُخرى إنّ الاتّفاق يُنفَّذ على نحوٍ دقيق. في الحقيقة، وصفت الوكالة الذريّة للطاقة الذريّة أداء (إيران) في واجباتها بموجب الاتفاق بالمثالي، أي أنه شفاف وواضح ومُنتظِم بامتياز، لكن إلغاء الولايات المتحدة الأحادي لالتزاماتها بموجب الاتفاق أدّى إلى مُشكلة كُبرى في (أوروبا). الاتحاد الأوروبي الذي يؤيِّد الاتفاق النووي بشدّة يريد الاستمرار في التجارة مع (إيران)، والولايات المتحدة هدّدت الاتحاد الأوروبي في أنّ أيّ بلد أو شركة في الاتحاد الأوروبي تريد الاستمرار في القيام بالأعمال التجاريّة مع (إيران) ستواجِه هي نفسها جبروت العقوبات الأميركية، وهذا ما يُسمّى الاستثنائية الأميركية وما حفَّزَ الاتحاد الأوروبي على أخذ تدابير خاصّة لم يأخذها منذ عقود كثيرة بهدف حماية شركاته وحِفظ، يُمكنكم القول، ماء وجه البلدان التي فيه. الأكثر من ذلك، دعا وزير الخارجية الألماني، مع الإشارة إلى أنّ (ألمانيا) كانت تابعة للولايات المتحدة، إلى بديل للتعامل بالدولار في التجارة الدوليّة لأنّ سيطرة الولايات المتحدة المُحكَمة على النظام المصرفي وعلى تخليص الفواتير وعلى معاملات بطاقات الائتمان والطريقة التي تُهيمن فيها الولايات المُتّحدة بشكلٍ كامل على النظام المالي الحالي منذ إبرام اتفاقية "بريتن وودز" في نهاية الحرب العالمية الثانية ربّما بدأت تنهار الآن. عندما تقول (ألمانيا) "لا يُمكننا أن نثق بالدولار بعد الآن"، فربما تتناقص الثقة حتّى تنعدم كلياً. (إيران) تقيم اليوم تجارة مع (الصين) وبلدان أُخرى في عملات تختلف عن الدولار وأعلنت (فنزويلا) في هذا الأُسبوع تحديداً أنّها ستكفّ عن استخدام الدولار في مُعاملاتها الدوليّة. ربما سيتبيّن أنّ هذا النوع من المقاومة هو الأقوى حتّى الآن. كما جرت العادة، معنا جمهور من الخُبراء المُميّزين وبعض الهواة المتحمّسين مثلي، فلنبدأ النقاش مع  أحد هؤلاء الخُبراء. سيّدي عرِّف عن نفسك لو سمحت

شيرهام مالك – مستشار تقني: إسمي "شيرهام مالِك". أود أن أقول أنّه في الآونة الأخيرة، في شهر سبتمبر/ أيلول على ما أظنّ، نُشِرَ مقال على موقع "روسيا اليوم" يصف كيف اتفقت (الصين) و(روسيا) على التجارة بعملة كلٍّ منهما، وقد حاولت بلدان كثيرة أن تفعل ذلك في ما مضى ومنها (إيران) و(ليبيا) و(العراق)، لكن دائِماً ما كان الدولار يُدعَم بجبروت الولايات المتحدة العسكري. فكرة التجارة بالذهب بين البلدان المُسلِمة طرحها "مهاتير محمّد" الذي عاد إلى السُلطة اليوم وبدأت هذه الفكرة تُطبَّق الآن. يكمن سببان وراء فرض الولايات المتحدة عقوبات على (روسيا) و(الصين) وبلدان أُخرى مثل (باكستان)، مجدّداً لأن هذه البلدان لا تريد استخدام الدولار في التجارة، في ما بينها على الأقلّ. من المُقدّر أن تصل قيمة التجارة بين (الصين) و(روسيا) إلى ثلاثمئة مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، وهذان البلدان لا يريدان استخدام الدولار في تجارتهما ما يُعدّ تحدٍ مباشر لجبروت الولايات المتحدة وهيمنتها، بالتالي تُفرَض عقوبات ويصدُر عن (واشنطن) هذا النوع من الخطاب

جورج غالاواي: لكن بالنسبة إلى (واشنطن)، مثَّلَ إعلان (العراق) خطاً أحمر حين أعلن أنّه سيُتاجِر من الآن فصاعِداً في جميع الأسواق باليورو وكان ذلك أحد العوامل التي دفعت الولايات المتحدة إلى غزو (العراق) واحتلاله. عندما طرح "القذّافي" فكرة عملة أفريقية أُنظر ماذا حلّ به. عندما أعلنت (فنزويلا) تصريحها هذا الأُسبوع ألم تكن تُصرِّح أنّ المسألة واضحة وأنّ الولايات المتحدة تستهدفها وإذا كانت ستُعاقَب في أيّة حال فستسرق جملاً وليس دجاجة؟

شيرهام مالك: تماماً. وإذا نظرت إلى الوضع في (فنزويلا) ورأيت عدد الفنزويليين الذين يفرّون من بلدهم ستشعُر بالسوء لرؤية مدى معاناة السكّان لأنّ الولايات المتحدة تريد معاقبتهم. تملك (فنزويلا) الاحتياطي النفطي الأكبر في العالم إذ يقول بعض الخبراء أنّه أكبر من احتياطي (السعودية)، لذا من المُفتَرَض ألّا تُعاني إلى هذا الحدّ، كذلك تملك البنى التحتية لنقل هذا النفط. وفي النظر إلى أسعار النفط الحاليّة نجد أنّ البلد أكثر من مستعِدّ ليُطعِم شعبه لكن الشعب يُعاني ولا بدّ من أن يتوقف ذلك. في النهاية، تحدَّث المؤرّخون عن توازن الحضارات، وقد وصلنا إلى مرحلة سينهض الناس فيها ويتحدّون الولايات المتحدة ولن يُسهم انتخاب "ترامب" سوى في تأجيج هذه العملية وتسريعها

جورج غالاواي: "آدم غاري"، من صحيفة " Euro-Asia Future" وعضو برنامج "شباب التاريخ" معي عبر منصّة "باتريون"، أنت لست أحد أعداء "ترامب" بالتحديد لكن هلّ يُعدّ "ترامب" عاملاً خاصاً في هذه المسألة؟ هلّ يرتبط فقدان مصداقيّة العملة الأميركية وهيمنة الدولار مثلاً في (أوروبا) ارتباطاً وثيقاً في شخصيّة "دونالد ترامب"؟

آدم غاري – مدير صفحة Euro-Asia Future: أظنّ أن الإجابة على المدى القصير والمتوسّط هي نعم، أمّا في المدى الطويل فأرى أنه إن لم يكن "دونالد ترامب" موجوداً فسيضطرّ أحدهم من الولايات المتحدة إلى اختراع شخصية شبيهة به لأنّ كلّ السياسات الأحادية والمُهيمنة التي يتّبِعها هي أنّ الولايات المتحدة تريد التشبُّث بدورِها بصفتها زعيمة العالم وعلى المُقيَّدين إلى حريّة الولايات المتحدة أن يفرضوا هذه الأنظِمة الأحاديّة ويحوّلوا الدولار إلى سلاح ويتلاعبوا بعملتهم الخاصة. وفي الحديث عن التلاعب في العملات، دائماً تُعاقِب الولايات المتحدة (الصين)، حتّى قبل عهد "ترامب"، لأنها تتلاعب في العُملة، لكن ماذا في اعتقادكم يفعل الاحتياطي الفيدرالي؟ وماذا عن وزارة الخزينة الأميركية؟ إنهما أكبر الجهات تلاعباً في العالم، إذ أنّ رفع أسعار الدولار من قِبَل الاحتياطي الفيدرالي وسحب الدولار من المخزون النقدي الدولي ضغطا بقوة على الأسواق الناشئة التي في صدد تسديد ديونها بعملة الدولار حتّى باتت تقول: لا نريد ديوناً في عملة الدولار في المستقبل بل نريد قروضاً من دولٍ يُمكننا التعامل معها على نحوٍ يُلائِمنا ولها مصالِح مُشتَرَكة في نجاحنا، ويُمكن أن تتّسم علاقة (الصين) بـ (باكستان) بهذا الطابع ومن المُفارقة أنّ علاقة (السعودية) بـ (باكستان) يُمكن أن تأخذ هذا الطابع أيضاً بما أنّ كلّاً من (السعودية) و(الصين) أصبحتا حاضرتين في (كوادر) الآن، وهي المدينة في أقصى جنوب الممرّ الاقتصادي الصيني الباكستاني، بالتالي تؤثِّر في المسألة جملة من العوامل يُحرِّك أحدهما على المدى القصير تسريع "ترامب" لمُحاولات الولايات المتّحدة التشبّث بالهيمنة، لكن الوجه الآخر لهذه العُملة هو أنّ الولايات المتحدة لم تعُد تدّعي أنّها لا تفقد زخمها ونفوذها في العالم على نطاقٍ واسع  فقد بُنِيَت حملة "ترامب" برمّتها على الحنين إلى الماضي فاعتمَدَ شعار "إعادة الولايات المتحدة إلى مجدها"، أي أنها ما عادت عظيمة. يُمكن وصف "ترامب" بنعوت عدّة لكنّه تحلّى بالصدق حينذاك وما عاد اليوم في إمكانه فعل الكثير أزاء تردّيها هذا لكن للأسف، سيُعاني الكثيرون في هذه الفترة الانتقاليّة

جورج غالاواي: بروفيسورة "جود وود وارد" أنتِ خبيرة في الشؤون الصينيّة، لم تفرِض الولايات المتحدة عقوبات على (الصين) على نحوٍ رسميّ غير أنّها شنّت حرباً تجارية ضدّها أليس كذلك؟

جود وود وارد – كاتبة وخبيرة في شؤون الصين والشرق الأقصى: شنّت حرباً هائِلة بالفعل، إذ فَرَضت عقوبات على سِلَع تساوي قيمتها 260 مليار دولار وهي سِلَع يجري استيرادها إلى الولايات المتحدة مقابل تعريفات جمركيّة تبلغ 20 % من قيمة السلع، الهدف من ذلك جليّ. عندما بدأ "ترامب" يتحدّث عن الأمر خلال حملته الانتخابيّة قال أنّ (الصين) ليست عادلة تجارياً، وما قيل للتوّ، قال إنّها تتلاعب في العُملة ما أدّى إلى عجزٍ تجاري للولايات المتحدة أعرب عنه "ترامب" بغير المنصِف وأنّ لا بدّ من تسويته. هذا هو المنطق الذي استند إليه لفرض التعريفات الجمركية، لاستعادة التوازن التجاري بين الولايات المتّحدة و(الصين). لكن الهدف الحقيقي وراء ذلك كان واضحاً من ردّ "ترامب" على العرض الذي قدّمته (الصين)، فقد قالت (الصين): إن كنت تظنّ أن العجز التجاري كبير جداً فسنستورِد المزيد من السِلَع الأميركية لاسيّما السِلَع الكمالية التي تزداد شعبيّةً في (الصين) مثل الكرز واللحم البقري وسلطعون البحر إضافة إلى السيارات وغيرها ، وبالتالي سنحدّ من العجز في الميزان التجاري عبر استيراد المزيد من السِلَع الأميركية. لكن "ترامب" لم يعِر الأمر اهتماماً بل كان كلّ همّه فرض تعريفات جمركيّة على السِلَع الصينية والهدف هو تدمير (الصين) والحؤول دون أن تغدو أعظم قوّة في العالم على الصعيد الاقتصادي، وهذا ما ترمي إليه مُعظم العقوبات التي تُفرَض حول العالم، فلا تتعلّق المسألة فيمن اقترف خطأً أو من فعل عملاً صائباً بل ترتبط المسألة بمَن الذي يُمثِّل تهديداً لما تعتبره الولايات المتحدة موقعها

جورج غالاواي: أدلى الصينيون بمقولة شهيرة قبل أوانها بعقود إنّ الولايات المتحدة نمر من وَرَق وهي ليست كذلك، لا تزال نمراً بالفعل. لكن ألا تظنّين أنّ كلّ مجريات الأمور تُشير إلى أنّها نمرٌ يفقد أنيابه؟

جود وود وارد: أظنّ أنها نمر عجوز، لكنّها تبقى نمراً في جميع الأحوال إذ أنّها تتصرّف على هذا النحو. بالتالي، الدرس الذي نستنتجه هو أنّ النمر يتصرّف بطريقة مُحدّدة

جورج غالاواي: لأنّه نمر في النهاية

جود وود وارد: نعم، فإن استلقيت أمام النمر ورجوته ألّا يؤذيك فسيمزِّقك إرباً، بالتالي لا يُمكن الردّ على نمر إلّا بمحاربته وهذا ما كانت تفعله (الصين) حتّى الآن في الحرب التجارية، فقد كانت ترفض تلبية طلبات الولايات المتحدة التي كانت أساساً تريد بموجبها أن تلتزم (الصين) بمجموعة قوانين تضعها الولايات المتحدة في ما يتعلّق بتجارة (الصين)، وهذا ما رأيناه في اتفاقيّة "نافتا" الجديدة التي لم يعُد إسمها كذلك بل تُدعى اتفاقية الولايات المتحدة و(المكسيك) و(كندا)، ولا تقتصر هذه الاتفاقية على التجارة فحسب بل تهدف إلى منع (المكسيك) و(كندا) من استخدام سلاسل إمدادات السِلع أو إبرام أيّ اتفاق تجاري جديد من دون موافقة الولايات المتحدة. بالتالي، يُعدّ ذلك تدخّلاً تاماً في سيادة الدول الأُخرى ولا يقتصر على التجارة فحسب وهذه هي الحال مع (الصين)

جورج غالاواي: هائِل ما قلتِه. "فرانسيسكو"، أنت فاعلٌ جيِّد في قضيّة (فنزويلا) وأوضحت في مقدّمتي أنّ إعلان (فنزويلا) عن تخلّيها عن الدولار في تبادلاتها التجارية قد يكون آخر ورقة ترميها على الطاولة إذا أنّها تُثير عداء الولايات المتحدة المُطلق، فما رأيك في ذلك؟

فرانسيسكو دومينغيز – مُحاضر وخبير في شؤون أميركا اللاتينية: لا بدّ من أن ننتظر ما سيحدث، فالولايات المتّحدة مشغولة في الإعداد لعمل عسكري ما. تُحيط (فنزويلا) قواعِد عسكريّة تُسيطر الولايات المتحدة على عشرة منها تقع في البلد المُجاور لها أي في (كولومبيا)، وقد انضمّت (كولومبيا) في الآونة الأخيرة إلى "حلف الناتو" وترسل بالتالي   

جورج غالاواي: أجل بالتأكيد، إنها إحدى "قوى الناتو"

فرانسيسكو دومينغيز: وترسل الولايات المتحدة أقوى العتاد إلى الدولة المُجاورة لـ (فنزويلا). كذلك لدى الولايات المتحدة قواعد عسكريّة في (بورتوريكو) و(هندوراس) ومناطق أُخرى لا تُعَدّ ولا تُحصى، وبالتالي (فنزويلا) مُحاصرة تماماً. يبدو لي أنّهم مقبلون على فترة عصيبة إذ يملك الفنزويليون السلاح، وتُشير كلّ التحليلات إلى أنّ الصراع سيكون كبيراً في حال جرى الإقدام عليه. المشكلة الأكبر في نيّة الولايات المتحدة هي في قدرتها على استمالة الدول الإقليمية لشنّ الحرب، وكدليل على ذلك، الأمين العام لمنظّمة الدول الأميركية "لويس ألماغرو"، الذي يعمل في نحوٍ أو في آخر لحساب الولايات المتّحدة لأنه يفعل كلّ ما تريده منه، دعا في الآونة الأخيرة إلى عملٍ عسكري من قِبَل الولايات المتّحدة وغيرها لإطاحة الحكومة الفنزويليّة، قال ذلك حرفياً. وفي اليوم التالي، مجموعة دول "أليما" الأربعة عشر، المتواطِئة مع الولايات المُتّحدة في مُحاولة إطاحة حكومة (فنزويلا)، استنكرت الأمر ولم تؤيِّده إضافةً إلى مسألة أُخرى أيضاً. فقد دعا وزير الدفاع البرازيلي القائِد العام للقوات المُسلّحة في (فنزويلا) إلى لقاء في (البرازيل) حيث شاركا في ما يدعونه علناً تكاتفاً لتلافي اتخاذ أية جهة خطوات ساذِجة أو غير مسؤولة وسوى ذلك مع أنّه في ظلّ انتخاب يميني متطرِف كرئيس لـ (البرازيل) يُمكن لذلك أن يتغيّر. لكن إذا أخذت في الحسبان الوضع الإقليمي برمّته، تواجه الولايات المتحدة صعوبة بالغة في الشروع في هذه الحرب ليس بسبب المقاومة التي ستواجهها فحسب بل لأنّ البلدان الأُخرى غير مستعِدّة لخوضها أيضاً. أمّا حالياً، إن سمحتم لي بإضافة التالي، تحاول الولايات المتحدة خنق اقتصاد (فنزويلا) وتترتّب على هذا عواقب وخيمة، ويقاوم الفنزويلّيون على نحوٍ جيِّد. في الواقع، الوضع فيها هذه السنة أفضل بكثير من السنة الماضية وسيتحسّن في ما بعد، ويُدرِك الكثير من الفنزويليين المُهاجرين كم العيش غير مؤاتٍ في (البيرو) و(الأكوادور) و(البرازيل) وغيرها لذلك يعودون، ونظّم "مدورو" نقلاً جويّاً لإعادتهم. عاد بضعة آلاف منهم بالفعل وبالتالي الوضع قيد التحسّن، فهُم يعودون بملء إرادتهم إذ لا أحد يتمنّى العيش في ظلّ ما يدعوه الإعلام بالدكتاتورية. أخيراً، أصدرت (فنزويلا) عملة إسمها "البترو"، "البترو" هي عملة رقميّة لكنّها مدعومة من احتياطيات النفط، ما يعني أنّ سعر "البترو" يعتمد على سعر برميل النفط، وللمرة الأولى لدى (فنزويلا) عملة متقلّبة الأسعار في السوق العالمية وستعكس نشاطاً اقتصادياً فعلياً. بالتالي، في هذه السنة في (فنزويلا) جرى تنظيم خمسة عشر مزاداً علنياً لبيع الدولار ويُساوي الدولار الواحد 60 إلى 61 "بوليفاراً سيادياً" وهي العملة الجديدة في (فنزويلا). بمعنى آخر، بدأ التضخّم الشديد فيها في التبدّد، وقد أسهم في ذلك كثيراً موافقة (الصين)، بعد أن زار "مدورو" (بكين)، على التجارة مع (فنزويلا) بـ "البترو". كذلك وافقت (تركيا) على ذلك، ومن المُحتمل أن تلتحق (روسيا) بالقافلة أيضاً وبلدان عديدة غيرهما. إذاً (فنزويلا) تخرُج من تحت وطأة الضغوط، وهذه هي المرحلة الأخطر، إذ أنّ الولايات المتحدة باتت اليوم أكثر يأساً من أيّ وقتٍ مضى، بالتالي قد ينطوي الوضع على احتمال غزوٍ وشيك من الولايات المتّحدة لكن يبدو لي أنّ ذلك لن يتّسم بالسهولة، وفد تتلقّى صفعة

جورج غالاواي: كما يبدو جلياً، الفرق بين الماضي والحاضر هو أنّه عندما قرّر (العراق) الانسحاب من استخدام الدولار كان يقف وحيداً إلى حدٍّ ما، وأحد الآثار غير المتعمّدة لاستهتار الولايات المتحدة في سياساتها المهيمنة هو أنّها ضاعفت أعداءها عدداً وكذلك عزّزت اقتصادات الشعوب التي تواجهها اليوم. سنعود بعد الفاصل    

المحور الثاني

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن استخدام الحصار والحجز والعقوبات، هذه تُعدّ أشكالاً من الحرب وغالباً ما تؤدّي إلى حربٍ فعليّة، ونحن ننظُر إلى من يقف في مواجهة رغبة الولايات المتّحدة في إحكام هيمنتها على العالم. خرجنا مع الكاميرا إلى شوارِع (لندن) لاستطلاع آراء الناس، فلنُلقِ نظرة

المُحاور: فرضت الولايات المتحدة وشركاؤها عقوبات شديدة على (إيران) و(روسيا) و(فنزويلا)، في رأيكِ ما الذي ستُحقّقه جرّاء ذلك؟

شابة 1: أظنّ أنّ الأمر يتعدّى أسبابه الرسمية، وأعتقد أنّ الولايات المتحدة مُصابة بمتلازمة الإمبريالية التي تُريد أن تفرِض بواسطتها السيطرة على بعض الدول النامية

شابة 2: أظنّ أنّها ستثير بذلك المزيد من شكوك الدول الأُخرى حول مجيء شعوبها إلى الولايات المتحدة وأعتقد أنّها تولِّد أعداءً أكثر مما تُنشئ تحالفات، وأعتقد أنّ هذه الأفعال ستؤول إلى أزمة في السنوات المقبلة وليس الآن

رجل 1: غالباً ما قد تؤول العقوبات الاقتصادية إلى قمع البلدان، فلننظر أساساً إلى ما حلّ بـ (كوبا) خلال السنوات الخمسين الأخيرة. لا، أنا أُعارِض العقوبات التي تفرضها الولايات المتّحدة، وهنا يكمن الفرق بيننا نحن في (كندا) وبين الجنوب حيث "دونالد ترامب"، فهو متنمّر كبير مُختال بنفسه وبتُّ أخجل الآن من العيش قرب الولايات المتحدة

شاب1: لا أعلم، أظنّ أن العقوبات هي كمسرحية للأشخاص العاديين، فأنا متأكّد من أنّه حتّى (روسيا) والولايات المتحدة لا تزالان تزاولان الكثير من الأعمال، لكن العقوبات ربّما هي إشارة للعالم إلى عدم رضانا عن أفعال (روسيا). لذا أعتقد أنّ الأمر يُعدّ عرضاً موجّهاً للأشخاص العاديين أو مُشاهدي التلفاز. أظنّ أنّ هذا هو الهدف الذي ترمي إليه

المُحاور: أتظنّ أنّ فرض العقوبات على هذه الدول عادل؟

شابة 1: أُدرِك أنّ "ترامب" يُحاول منع الأجانب من المجيء إلى بلادنا لأنّه يرى أنّ مجيئهم سيّئ لكنني أظنّ أنّ بعض العقوبات ليس جيّداً وأعتقد أنّ المطاف سينتهي بردّ فعلٍ عكسيّ

جورج غالاواي: كانت آراء الناس مُثيرة للاهتمام، فالولايات المتحدة هي المتنمِّر الكبير كما وصفها ذاك الكندي أو أنّ الإعلان عن هذه الأمور مُجرّد مسرحية، وهي شكل آخر للسياسة. لكن ذلك لا يعني في ضرورة أنّه يجري الإعداد للحرب. فلنُكمِل نقاشنا، نعم الشاب الجالس في المنتصف

جوشوا ميغان – معلِّق جيو سياسي: إسمي "جوشوا ميغان". أظنّ أنّ الجهة الناشزة عن كلّ ذلك والتي لم نذكرها إطلاقاً حتّى الآن هي (كوريا) الشمالية. هي الوحيدة الخارِجة عن نطاق القبضة المُحكمة للولايات المتّحدة التي تُطاول الكثير من أرجاء العالم. أظنّ أنّ ما يجري هو إمّا أنّها أكبر حال تضليل وخداع يُمكن للمرء رؤيتها حتى لو أن الفاعل شخص مثل "ترامب"، أو أنّه تحذير من أنه إذا قاومتمونا بتحدٍّ فسنُضيِّق الخناق على اقتصادكم لكن إذا كنتم مُستعدّين للعمل معنا ومُفاتحتنا دبلوماسياً فستكون النتائِج أكثر إشراقاً. بالتالي، أظنّ أنّ "ترامب" يُقدِّم لنا دبلوماسيّة مُزدوجة

جورج غالاواي: أي يعتمد أسلوب الثواب والعقاب؟

جوشوا ميغان: بالضبط. وفي رأيي قال أيضاً لـ (إيران) في الواقع أنه ما من شروط، وإذا كانت تريد التوصّل إلى اتفاقٍ جديد فكلّه آذانٌ صاغية. أنا لا أُدافع عنه، فلا مُبرِّر لما تفعله الولايات المتحدة في اقتصاد (فنزويلا) فهي بشكلٍ أساسي تمنع عنها أبسط الصادرات ويموت الناس جرّاء الفشل العُضوي لأنّهم لا يستطيعون الحصول على أدوية الكبت المناعي، كذلك يموتون من الجوع لأنهم لا يستطيعون استيراد الأطعِمة. بالتالي، يُعدّ الوضع مأساوياً وينبغي ألّا يجري التغاضي عنه، لكن أعتقد أنّ "ترامب" يُحاول تقديم بديل وفقاً لعقليّته المُزدوِجة ويظنّ أنّ هذا التعارُض المُزدوِج هو الطريقة الأمثل لتحقيق ذلك

جورج غالاواي: "آدم غاري"، هلّ تُعدّ (كوريا) الشمالية خارِجة عن القاعِدة؟ إذ يبدو لي أنّ صديقنا قد يكون مُحقاً! لم تُقدِّم (كوريا) الشمالية أيّة تنازلات تُذكَر لكن بعد أن كان رئيسها يُهان في لقبه "رجل الصواريخ الصغير" باتت إلى حدٍّ ما الصديقة الجديدة المُفضّلة للولايات المتّحدة. فهلّ هذا خروج عن القاعِدة أم أنّه أمرٌ قد تعتمده البُلدان الأُخرى مثلاً؟

آدم غاري – مدير صفحة Euro-Asia Future: أدعو ذلك خروجاً استراتيجياً عن القاعِدة على نحوٍ استعراضي جداً لا ينجح فيه أحد إلّا "ترامب". أعتقد أنّه ينبغي الإشادة بـ "كيم جونغ أون" على نحوٍ لا يُقدِم عليه كثيرون. يسير اليوم على حبلٍ مشدود مثير للأهميّة، لكنّه حقق النتائِج الآتية: في هذا الوقت من السنة الماضية كانت (روسيا) و(الصين) والولايات المتحدة في إحدى لحظات التوافق التي تغدو أكثر نُدرة في مجلِس الأمن التابع للأُمم المتّحدة، كانوا يقولون إنّ العقوبات على (كوريا) الشمالية مُحقّة، أمّا ألان فتختمر حرب مُزايدات ساكِنة بين (الصين) و(روسيا) والولايات المتحدة وستنضمّ دول أُخرى. (الهند) تحديداً هي ما لا يودّ أحد التطرُّق إليه، للتسابق إلى من سيكون المُستثمر الرئيس في هذه الحقبة الاقتصادية الجديدة المفتوحة التي باتت قاب قوسين أو أدنى بالنسبة إلى (كوريا) الشمالية. إذاً تُدرِك الولايات المتحدة تماماً أنّه بعد أن صافحت (ليبيا) بالأيدي مع "بوش" قتل "أوباما" "القذّافي" بعد ذلك، وكما في الكثير من الحالات، دمّرت الولايات المتّحدة أُمّة سبق أن عقدت اتفاقاتٍ معها. ففي (العراق) مثلاً كان "صدّام" صديقاً مُقرّباً لـ "دونالد رامسفيلد" في الثمانينات ونعلم جميعاً ما هو الدور الذي أدّاه "دونالد رامسفيلد" في أوائِل الألفيّة الثانية. بالتالي، ليس الأشخاص الذين يُشاركونني هذا المنظور الجيو سياسي وحدهم يُدرِكون ذلك فحسب بل الولايات المُتحدة تعي ذلك تماماً، فهي تُريد أن تجعل (كوريا) الشمالية مثالاُ تُثبِت بواسطته للعالم أنّها لا تقتل كلّ من تعقِد معه اتفاقاً، والسبب الاستراتيجي لهذا الخروج عن القاعدة هو أولاً، عدم قدرة الولايات المتحدة واقعياً على أن تشنّ حرباً عالمية ثالثة على حدود (الصين) و(روسيا). بالتالي، الحرب على (كوريا) الشمالية من أيّ مُنطَلَق واقعي غير وارِدة إطلاقاً ولطالما كان الأمر كذلك منذ أن عزلَ "ترومان" "دوغلاس ماكرثر" عن القيادة جرّاء اقتراحه إسقاط قنابل نووية عدّة على (كوريا) الشمالية و(الصين). فإن لم تستطيع إلحاق الهزيمة بهم انضمّ إليهم، وإن لم تستطع الانضمام إليهم فلا ضير من منافستهم. فبين الولايات المتحدة و(الصين) صراع شدٍّ وجذب هادئ طمعاً بالمرتبة الأُولى بينما تلحق بهما (روسيا) و(الهند) عن قرب وسيكون مثيراً للاهتمام أن نرى كيف ستتطوّر الأمور خلال السنتين إلى الخمس سنوات المُقبلة

جورج غالاواي: هذا مثير للاهتمام. تفضّل يا سيّد، ما رأيك؟

شيخ شوجا – عالِم إسلامي: إسمي شيخ شوجا". تستوقفك الدول المتزايدة التي تخضع لهيمنة الولايات المتّحدة وخصوصاً تلك الأوروبية، وكما يبدو الآن (البرازيل) و(الهند) باتت جميعها تتبع التيّار اليميني ويبدو أنّ هناك تناقصاً، إذ أنّ الشعوب الخاضعة لهذا النظام الرأسمالي تُعاني، فلماذا لم تُدرِك بعد أنّ هذه السياسات لن تفلح على المدى البعيد؟

جورج غالاواي: لا أظنّ أنّ التيار اليميني قد يدلّ دائِماً على الرضوخ للسيطرة الأميركية، فالدولة الإيرانية ليست يسارية لكنّها ترفُض فكرة الخضوع لسيطرة الولايات المتحدة، أمّا الدولة الفنزويلية فهي يسارية وترفض الفِكرة أيضاً، أمّا الدولة الإيطالية فتنقسم إلى يسار ويمين وترفض العولمة وليس الهيمنة الأميركية تحديداً وكذلك الأمر في بلدان أوروبيّة أُخرى، وينطبق ذلك أيضاً على تصويت "بريكست" هنا في (بريطانيا)، فالأمر ليس مرتبطاً بالضرورة في الجناح اليساري. هو إن شئت رفض إخضاع حياتك لسيطرة أشخاص لا يمتّون لك بصلة ولا يُمكنك انتخابهم ولا عزلهم، ألا توافقني الرأي؟ من يودّ الإدلاء برأيه؟ دكتورة "جود" تفضّلي          

جود وود وارد – كاتبة وخبيرة في شؤون الصين والشرق الأقصى: الوضع برمّته ليس ببساطة الانتماء إلى اليمين أو إلى اليسار، لكنني أعتقد أنّه ينبغي علينا أن نكون واضحين جداً، أنّه في ظلّ فوز "بولسونارو" في الدورة الثانية من الانتخابات البرازيلية سنشهد تغييراً جيو سياسياً ملحوظاً لأنّ "بولسونارو" ليس يمينياً فحسب بل هو فاشي أيضاً. إضافةً إلى ذلك، هو صريح جداً في صدد أنه كان يعمل مع "ستيف بانون"، والآن عندك عملاء أميركيون من اليمين واليمين المتطرّف حول (البرازيل)، كذلك تربط "بولسونارو" و"بانون" علاقة وطيدة. بالتالي، يُعدّ ذلك انتقالاً لـ (البرازيل) لتعود في مدار الولايات المتّحدة. (البرازيل) بلد ضخم وأظنّ أنّ اقتصادها هو ثامن أكبر اقتصاد في العالم أو شيئاً من هذا القبيل، لا أذكر ذلك بدقة، وبالتالي هذا تعبير جيو سياسي ضخم ولا أظن أننا مررنا بأمرٍ مماثل منذ عشرين سنة

جورج غالاواي: أجل، ولكن فلنتحقّق من صحة ذلك. مثلاً يُعدّ رئيس وزراء (الهند) "كودي" يمينياً بامتياز لكنّه لا يُحبِّذ إعطاء الولايات المتّحدة صلاحيّة إعطائِه تعليمات. لم يتقبّل فكرة منعه من شراء العتاد العسكري من (روسيا) مثلاً، ولهذا أشرتُ آنفاً أنّ الانقسام بين اليمين واليسار لا بُفسِّر الوضع الراهِن على نحوٍ تام

جود وود وارد: أظنّ أنّ ما يُميِّز "بولسونارو" أنّه ليس برازيلياً قومياً بل لديه سياسة صريحة لإعادة وضع (البرازيل) ضمن إطار سياسات الولايات المتّحدة، أمّا "مودي" فقد كان منذ بداية ترشّحه للانتخابات يمينياً بوضوح لكنّه هندي قومي أيضاً ولم يكن يريد أن تكون (الهند) لعبة بين يدي أحد سواء أكانت الولايات المتحدة أم أيّة جهة أُخرى. بالتالي

جورج غالاواي: نحن أيضاً كذلك ألا تعتقدين؟

جود وود وارد: أجل بالطبع                                

جورج غالاواي: أعني لا يعجبني "مودي" لكننا أيضاً كذلك

جود وود وارد: نعم، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح وأنا أؤيِّد حقّ دول العالم في تحديد مصيرها بنفسها من دون تدخُّل الولايات المتّحدة، لكن إن أعاد "بولسونارو" الولايات المتّحدة إلى الصورة فستغدو الأمور أكثر صعوبة لـ (فنزويلا) مثلاً

جورج غالاواي: نعم، أؤيِّد هذه الفِكرة. تفضّل بتعليقك على الأمر يا "فرانسيسكو" لو سمحت

فرانسيسكو دومينغيز: أوافقكما الرأي على أنّ "بولسونارو" فاشي وهذا سيولِّد تحوّلاً كما تصفون. لكن مع بداية شهر ديسمبر/ كانون الأول سيُنصَّب "لوبيس أوبرادور" رئيساً يسارياً لـ (المكسيك) وقد بدأ بالفِعل في اتخاذ إجراءات. مثلاً، ألغى أوامر شراء مروحيّات عسكريّة عدّة كانت قد أمرت بشرائِها الإدارة السابقة وليس الإدارة المحلية في (المكسيك). كذلك أخذ خطوات، فعَرَض على الهندوراسيين المهاجرين في قوافل، إذا أنّ الآلاف منهم يُحاولون الوصول إلى الولايات المتحدة     لأنهم يئِسوا بعد الانقلاب الذي نظّمته الولايات المتّحدة والذي أدّى إلى قمعٍ شديد في بلادهم، عرَض عليهم "أوبرادور" تأشيرات عمل، ويتعامل مع الأزمة على هذا النحو وقال في مقابلات عدّة إنّ (المكسيك) لن تُسهِم بأيّ شكلٍ في الاعتداء على سيادة الأُمم الأُخرى وتحديداً (أميركا) اللاتينية، أمّا الإدارة الحاليّة فلها دور أساسي في مجموعة (ليما) وفي مهاجمة الدولة الفنزويليّة ونصب العداء لها، هذا أولاً

جورج غالاواي: قبل أن تنتقل إلى فكرة أُخرى وكما قالت البروفيسورة، "النافتا" الجديدة أسوأ من القديمة بكثير إذ أنّها تُقوِّض على نحوٍ صريح أجزاء مهمة من سيادة (المكسيك)

فرانسيسكو دومينغيز: حتماً ونتيجة لذلك قال "أوبرادور"، في شتّى الطُرق المُباشرة أو غير المُباشرة، إنّه يريد لـ (المكسيك) أن تُحدّد وجهتها، فإمّا أن تكون إلى (أميركا) اللاتينية أو إلى (آسيا) التي يعني بها (الصين)، فالأخيرة تستثمر على نحوٍ كبير في مُستقبل (المكسيك) وهذا ما يحدُث، وأعتقد أنّ من المُهمّ الأخذ في عين الاعتبار أنّ فوز "بولسونارو" لن يكون نهاية العالم وسيكون الأمر سيئاً بالفِعل وسيوفِّر فرصاً للولايات المتّحدة، لكن فازت الولايات المتحدة في انتخابات (الأرجنتين) إن صحّ القول

جورج غالاواي: لا تجري الأمور على ما يرام هناك

فرانسيسكو دومينغيز: وتلك الدولة في حال إحباط. عندما تركت الإدارة اليسارية الدولة كان الدَين الخارِجي لـ (الأرجنتين) 150 مليون دولار أي أنّه كان مبلغاً يُمكن لأيّ أحد تسديده متى شاء، أمّا الآن فأصبح 150 مليار دولار، وحصل ذلك في غضون سنة تقريباً في ظلّ إدارة "ماكري" النيو-ليبرالية

جورج غالاواي: إنها كارثة اقتصادية في دولة حليفة للولايات المتّحدة

فرانسيسكو دومينغيز: إذاً في المقارنة مع (الصين) التي تُقرِض البلدان المال وتوفِّر لها الأسواق والتكنولوجيا والاستثمارات، لا تستطيع الولايات المتّحدة أن تُقدِّم سوى القواعِد العسكرية و"ماكري" هو النتيجة لذلك، وكما تعلم ستسوء حال (البرازيل) في هذه الحال، بالتالي أرى أنّ الولايات المتّحدة عاجزة تماماً أمام رفضه تقديم أيّ شيء لتعزيز مُخطّطها السياسي الحالي لذا أظنّ أنه يُمثل نقطة ضعفهم وتنخفض الآن قيمة الدولار بشدّة

جورج غالاواي: فلنقصّ هذا الجزء وننشره على شبكة الإنترنت، من يودّ المُشاركة أيضاً؟  دكتور، تفضّل

د. توم بييرشونيك – طبيب وصحافي: أنا "توم بييرشونيك"، طبيب وصحافي حرّ. بصرف النظر عن قول "ترامب" أنّه يريد أن يُعيد الولايات المتّحدة إلى مجدِها، يبدو لي أنّ ما يحدُث هو نوعٌ من التقشّف الإمبريالي، أو إمبريالية بنسخة مُصغّرة، فلا يُمكن أن تُظهِر الولايات المتّحدة سلطتها كالسابق فاضطرّت إلى الانسحاب من الشرق الأوسط إلى حدٍّ ما ومن (أفريقيا) ولذلك تعود إلى أُسلوبها التقليدي الذي تُعامِل بموجبه (أميركا) اللاتينية كأنّها حديقتها الخلفيّة كما كانت تفعل في أواخر القرن التاسع عشر وأوائِل القرن العشرين. فبدل أن تفرض سُلطتها في الخارِج تُحاول تركيز سلطتها للسيطرة على البلدان الأقرب إليها، وكما أنت قلت يا "جورج"، أصبحت (كولومبيا) العضو الجديد في "الناتو" وتدعم الولايات المتّحدة قوّات سياسية يمينية في أنحاء (أميركا) اللاتينية، لكن تجدر الإشارة إلى أنّه بالرغم من أنّ الولايات المتّحدة تُحاول إطاحة الحكومة الفنزويلية يخوض "مدورو" نقاشات مع (روسيا) كي يكون لدى الأخيرة قاعدة عسكريّة في (فنزويلا) وأظنّ أنّ ذلك سيُوسِّع نطاق التعاملات بينهما. حالت (روسيا) دون أن تسلك (سوريا) الطريق التي سلكتها (ليبيا) و(العراق)، وإن كان لدى (روسيا) قاعدة عسكرية في (فنزويلا) فسيُفسِد ذلك خطط الولايات المتّحدة

جورج غالاواي: ما مدى خطورة ذلك؟ إذ يُعدّ إقدام "بوتين" على ذلك مُجازفة

د. توم بييرشونيك: قد يُمثِّل مُجازفة، لكن

جورج غالاواي: أتريد القول أنّه يُحبّ المُجازفات؟

د. توم بييرشونيك: أظنّ أنّ "بوتين" غاية في الحرص، فهو لا يُقدِم على شيء إلّا إذا كانت الظروف مؤاتية له

جورج غالاواي: أعتقد أنها نُقطة مهمة جداً، فكما كان "ستالين" شخصاً صريحاً جداً "بوتين" أيضاً قائِد حريص جداً، لذلك سأُفاجأ كثيراً إن أقام قاعدة عسكرية في (فنزويلا). أنتم تُشاهدون "كلمة حرّة"، سنعود حالاً     

المحور الثالث

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن المُحاولة الأميركية لشنّ حربٍ في وسائِل أُخرى، أي بفرض العقوبات والعِزلة والحروب التجارية، وفي استخدام الدولار المُهيمن. خرجنا مع الكاميرا إلى شوارع (لندن) لنعرِف آراء الناس، فلنُشاهِد

المُحاور: الاتحاد الأوروبي ودول عديدة غير راضين عن تأثير العقوبات في اقتصادهم وباتوا الآن يبحثون عن سُبل لتفادي العقوبات الأميركية، أتظنّ أنّها فِكرة جيدة؟

شاب 1: أظنّ أنّ الولايات المتّحدة لا تزال قويّة جداً، وهي تفعل ما تشاء عادةً، وأحياناً أظنّ أنها تتصرّف على هذا النحو بطريقة مُفرِطة. أعتقد أنّ سائِر الدول يجب أن تحظى أحياناً بفُرصة أكبر للتعبير عن رأيها

شابة 1: قطعاً لا. كما ذكرت سابقاً سيؤثِّر ذلك سلباً فينا في نهاية المطاف، وأعتقد أنّ الدول الأُخرى ستُدرِك أنّها ليست في حاجة إلينا وأنّنا لم نعُد مركز القوّة كما كنّا في السابق. لذلك أعتقد أنّه في نهاية المطاف ذلك سيؤثِّر فينا سلباً، فحالما تتخطّى الدول كلها الولايات المتحدة ستُلاحظ أنها ليست في حاجة إلينا لأيّة غاية سوى التجارة في بلدنا لأننا بلد استهلاكي كبير، لكن كلّا، لا أعتقد أنّها فُكرة جيدة بالنسبة إلينا بغضّ النظر عن الدول الأُخرى

رجل 1: لم يعد الأميركيون اللاعب الأكبر لكنّهم يُحبّون أن يعتقدوا ذلك، ما يزالون يعتقدون أنهم اللاعب الأكبر، لكن إذا نظرنا إلى دول "البريك" أي (البرازيل) و(روسيا) و(الهند) و(الصين)، فسنرى أنها ستسيطر على الساحة إذ يفوق عدد مُستخدمي الهواتف النقّالة في (الهند) وحدها ضعف عدد سكّان الولايات المتّحدة. لذا في ما يخصّ القوّة الاقتصادية، لا شكّ في أنّ تفادي الولايات المتّحدة هو تصرُّف ذكي

شاب 1: تُعدّ الولايات المتحدة قوّة عُظمى وتفرِض عقوبات وينبغي على الجميع أن يحذو حذوها، وعندما تفعل الولايات المتّحدة ذلك لا تواجهها أيّة قوّة معارِضة. لذا أعتقد أنّ الموضوع أساساً يتعلّق في طرح فكرةٍ ونقيضها. عندما تطرح الولايات المتّحدة فكرة للتعامل مع أمرٍ ما يجب أن نرى قوى مُعارِضة تُحارِب هذه الفِكرة لتُحرِز تقدّماً. لذا أظنّ أنّ مِن الجيِّد تفادي العقوبات

المُحاور: هلّ تعتقد أنّ الدولار الأميركي سيبقى العملة الأساس في العالم؟ أم تعتقد أنّ دولاً أُخرى ستتقدّم وتسلِب الولايات المتّحدة هذا الدور؟

شاب 1: في رأيي، على الأرجح ستتولّى دول أُخرى هذا الدور قريباً لا سيّما في ظلّ توافُر العملات الرقمية وسواها هذه الأيام، وأعتقد أنّ حال العملات يتغيّر كثيراً مع مرور الوقت وأنّ الدولار لا يتمتّع بقوّة كبيرة

شاب 2: حسبما أذكُر حاول الناس القيام بذلك في الماضي لكن بعدئِذٍ اندلَعت الحروب الأهلية فجأة في تلك الدول، لذا لا أظنّ أنّ الدول الصغيرة يُمكنها أن تفعل ذلك لكن قد تُفكِّر دول "البريكس" في خطّة ما وربّما تتصدّى للدولار

رجل 1: ستُساعِد كلّ الأمور التي ذكرناها في إنشاء مجموعة اقتصادية أقوى وأعتقد أنّ تفادي الولايات المتّحدة أمر ذكي جداً لأنّ ذلك سيعكُس نفوذاً في سائر دول العالم ويُريها أنّ الولايات المتّحدة لم تعُد في موقع يُخوِّلها أن تكون الطرف الأقوى والأشدّ بعد الآن

جورج غالاواي: المارّة في شوارِع (لندن) شديدو الذكاء وأعتقد أنّه يُمكننا تأليف حكومة جيّدة من استطلاعات الرأي هذه، فلنستكمل نقاشنا. نعم، السيّد المرموق الجالِس في الخلف، تفضّل

جوليان مورو – باحِث ومُنظِّر: شكراً جزيلاً "جورج"، إسمي "جوليان مورو" وأنا هاوٍ متحمّس مثلك. تحّدث "جيرمي كوربين" مؤخراً عن أنّه إن عُيِّنَ رئيساً للوزراء فسيعترِف بما يُسمّى "الدولة الفلسطينية"، لكن لماذا لم يقُل أنّه سيدعو إلى فرض عقوبات على (إسرائيل)؟ ألا يجدُر بالمُجتمع الدولي أن يفرِض عقوبات على دولة تنتهِك القانون الدولي؟ أعلم أنه سؤال غبي لكن

جورج غالاواي: ليس غبياً لكنّه يُعطي فكرة خاطِئة عن مجموعة القوى داخل "حزب العُمّال" والمُجتمع البريطاني. الموقف الذي تبنّاه "كوربين" على مدى نصف قرنٍ تقريباً إزاء حقوق الفلسطينيين سبَقَ أن كلّفه الكثير في الساحة السياسية، وأنا واثق من أنه من المُقدَّر أنّ اتّخاذ أية خطوات إضافيّة كالتي تدعو إليها ستكون مُكلِفة سياسياً أكثر مما تستحِقّ. ففي نهاية المطاف، إذا أُلغِيَ احتمال تأليف حكومة برئاسة "جيرمي كوربين" أساساً فلن ينتفِع من أنّ ذلك عزّز موقفه السياسي تجاه (إسرائيل). لذا، بدلاً من مُطالبة "جيرمي كوربين" بفرض عقوبات على (إسرائيل)، وبالنظر إلى أننا نظهر على شاشة ناطِقة بالعربيّة، ربما علينا أن نبدأ بالدول العربيّة ونُطالبها بفرض عقوبات على (إسرائيل) أولاً

جوليان مورو: "وين الملايين"؟ أين هم؟

جورج غالاواي: بالفعل. نعم، تفضّل يا سيّدي

أمير بيلم – ناشط: في الواقع أودّ أن أُضيف بعض الأفكار إلى هذا النقاش في ما يخصّ تأثير اليمين واليسار. تتمثّل، بطبيعة الحال، العيوب التي أراها في "ترامب" في أنه يتكلّم بطريقة جامحة وهو صريح جداً وسليط اللسان بعض الشيء وربّما يتكلّم بهذه الطريقة قِسم مُعيّن من المُجتمع الأميركي يأخذ الجانب اليميني من الساحة السياسية، أمّا هنا في (إنكلترا) فلدينا "كوربين"، وهو سياسي يساري صريح لكنّه أكثر تهذيباً من "ترامب". سؤالي هو: ماذا سيحدُث إن اجتمع هذان الاثنان وعُقِدَ لقاءٌ بينهما؟ لأنني أعتقد أنّ الكثير من الحقائِق ستظهر فعلاً

جورج غالاواي: في الواقع أعتقد أنّ هذا قد يكون موضوع حلقة أُخرى، لكن ماهيّة اليمين واليسار هو رأي فلسفيّ مُثير للاهتمام. يعتقد الكثير من الناس في شوارِع (لندن) اليوم أنّهم يساريّون في حين أنّ مطالبهم في رأيي يمينيّة

أمير بيلم: هذا صحيح

جورج غالاواي: ويؤيِد الكثير منهم شنّ حروب ضدّ دول فقيرة في الخارِج، الكثير منهم من مؤيّدي "توني بلير" ورئيس المكتب الإعلامي "أليستر كامبل" وسواهما. بالتالي يظنّون أنّهم يساريّون، يعتقد كثير من الناس أنّهم يساريون لكنني لا أعتقد أن تأييد "الناتو" أو الاتحاد الأوروبي أو الحرب على (العراق) يمُتّان إلى اليسار بصِلة. يبدو لي أنّ من يفعل ذلك يكون عكس اليسار، وكذلك يُصنّف الكثيرون من الذين يستنكرون المسيرة في (لندن) اليوم إنهم يمينيون. لكن إذا تناولنا كلّاً من هذه المسائِل على حدة فقد نلحَظ أنّ هذين التصنيفين لم يعودا مُجدِيين تماماً. السيّدة الجالسة أمامك

أمير بيلم: لديّ فكرة بعد

جورج غالاواي: أتودّ أن تُدلي بنقطة إضافية؟ طبعاً تفضّل فقد قاطعتك

أمير بيلم: أودّ أن أُضيف بُعداً جديداً. في العودة إلى النقاط التي ذكرتها سابقاً حول الدول الأُخرى التي فيها جناحا اليمين واليسار، في (الهند) ذكرت أنّ "مودي" يميل إلى الجناح اليميني إلى حدٍّ كبير. دائِماً ما يُنسى المُجتمع الباكستاني الذي أنتمي إليه، ومن الواضح أنني مُسلِم باكستاني وُلِدَ في (بريطانيا)،

إنّ الباكستانيين يتمتّعون بنزعة وطنيّة أيضاً وأنّ المُجتمع في (باكستان) يميني إلى حدٍّ ما، فتجد الباكستانيين يلوّحون بالأعلام في العيد وسوى ذلك، وانطلاقاً من ذلك أُحاول أن اُقارِن كيف يبدو الأمر مقبولاً ومعبّراً عن روح الجماعة عندما تُلوِّح دول مُعيّنة بأعلامها بينما تُعَدّ دول أُخرى يمينية متطرّفة أو عُنصريّة عندما ترفع أعلامها، أظنّ أنّ ذلك ليس عدلاً

جورج غالاواي: أعتقد أنّ ما قلته يؤكِّد الفِكرة التي أشرت إليها للتوّ

أمير بيلم: أمّا فكرتي الأخيرة فتتعلّق بالاتحاد الأوروبي وموضوع الجناحين اليميني واليساري وما فيه من مجموعات أُخرى. على سبيل المثال، سأتناول مسألة قروض الطلبة، ربما قد تُساعدني في توضيح هذه المسألة لكونك في طبيعة الحال اسكتلندياً مشهوراً، إذ سآخذ قروض الطلبة كمثال. في رأيي، ظهَرت قروض الطلبة كسلعة بسبب الاتّحاد الأوروبي لأنّه قبل أن يحدث الاتحاد كان التعليم هنا مجّانياً وكنّا نحصل على مِنَح جامعية وما يزال في إمكانك الاستفادة من ذلك في (اسكتلندا) إن كنتَ مواطناً مولوداً هناك. إذاً، بموجب قوانين الاتحاد الأوروبي إن لم أكن مُخطئاً، إن كنت تُطبِّق قانوناً على مواطنيك عليك أن تُقدِّم المزايا نفسها إلى أيّ شخص يدخل إلى بلدك بموجب حريّة التنقّل. إذاً، هلّ يؤهّلهم ذلك للحصول على تعليم مجّاني بموجب القوانين الاسكتلنديّة؟ وهل هذا هو سبب ظهور القروض الطلّابية اليوم؟

جورج غالاواي: ما من تعليم مجّاني بل هناك أحد يدفع تكاليفه، فيُعطي دافعوا الضرائِب الإنكليز الأموال إلى الحكومة الأسكتلندية من أجل منح تعليم مجّاني للطلّاب الأسكتلنديين والفرنسيين والألمان والسلوفاكيين، بينما على الطلّاب الإنكليز الذين يرتادون جامعات أسكتلندية أن يدفعوا الرسوم الدراسية يا للغرابة

أمير بيلم: بالفعل، شكراً  

جورج غالاواي: السيّدة الجالسة هنا

تامي القباني – ناشطة: مرحباً، إسمي "تامي القباني" وأنا عايشت العقوبات الأميركية على نحوٍ مُباشَر لذا أعلم كيف تؤثِّر في الناس، لكنني أودّ أن أُضيف أنّ علينا ألّا نقسوا على الأميركيين

جورج غالاواي: أخبرينا إلى أيّ مدى شعرتِ أنّ أثر تلك العقوبات خطير؟ إذ أودّ أن أستوضِح الفِكرة التي طرحها أحد المُشاركين في استطلاعات الرأي، أنّ في الواقع كلّ تلك الأمور ليست إلّا استعراضاً وأنّ الواقع الحيّ الذي يعيشه سكّان البلد لا يتغيَّر كثيراً عندما تُفرَض هذه العقوبات، هلّ ينطبق ذلك على تجربتك؟  

تامي القباني: كلّا بل تتغيّر الحال بالفعل فترتفع أسعار المواد الغذائية وتتأثر عمليّة تحويل الأموال وأسعار المنازل كلّ شيء يتأثّر بما في ذلك الأدوية، فلا يستطيع السكّان الحصول على الأدوية الأساسية وحتّى السكّان في دول مثل (سوريا) التي زرتها كانوا يصنِّعون مُعظم أدويتهم بأنفسهم ثمّ أتت الولايات المتّحدة وقصفت المُستشفيات والمصانِع لتضمن أنّهم لن يتمكّنوا من القيام بذلك. بالتالي نعم تؤثِّر هذه العقوبات في الناس وتؤثِّر في أسعار الخبز وفي أمور أُخرى والهدف منها هو إحداث الاضطراب، فيضطرب الناس ويتذمّرون وفي النهاية يلومون حكومتهم في حين عليهم أن يلوموا الحكومات التي تفرِض هذه العقوبات. إذاً نعم، الأمر صعب لكن ستتلافى بعض الدول أثار هذه العقوبات. إذا كانت دولة ما في وضعٍ صعب فإمّا ستغرق في هذه العقوبات أو ستتجاوزها وتتصدّى لها

جورج غالاواي: الضربات التي لا تقصم ظهركِ تقوّيكِ

تامي القباني: بالفعل، إنهم أقوى

جورج غالاواي: وهذا في طبيعة الحال ما حدث في (كوبا) حيثُ كانت الحرب الاقتصادية التي شُنَّت عليها على مدى أكثر من نصف قرن هي أمّ الاختراعات في (كوبا)، فتملِك (كوبا) اليوم صناعات رائِدة ذات مُستوى عالمي واختصاصات لا تحلم أيّة دولة في العالم أن تمتلكها. إذاً تستطيع هذه الدول أن تلجأ إلى الاستعاضة عن الوارِدات والاعتماد على نفسها والبحث عن أصدقاء آخرين وإقامة علاقات جديدة. أعني أعجبني ما قالته الشابة الأميركية الجميلة ذات البشرة السوداء في استطلاعات الرأي وآمل أن تدخُل عالم السياسة، إذ قالت أنّ الناس سيسألون عمّا هي حاجتهم للولايات المتّحدة، وأنا أطرح السؤال نفسه: لماذا نحتاج إليها؟ فقد أرغب في شراء سيارة "فورد موستانغ"، وهي إحدى السيارات المكشوفة التي تُشبه سيّارات الخمسينات، لكنني لا أرغب أن أشتري شيئاً آخر من الولايات المتّحدة، وإن أرادوا أن يمنعونني من شراء السلع فلن أُمانِع إذ يٌمكنني شراء الكثير من السِلَع الأُخرى من أماكن مُختلِفة كثيرة. تفضلي، تعليقكِ الأخير

تامي القباني: أودّ أن أُضيف شيئاً ذكرته في السابق، علينا ألّا نقسوا على الولايات المتّحدة عندما يتعلّق الأمر بـ (فنزويلا) لأنه على الرغم من أنها فرضت كلّ تلك العقوبات على الشعب الفنزويلي وكانت على وشك فرض عقوبات على قطاع النفط لكنّها لم تفعل إذا قالت أنّها لم ترِد أن تدفع الشعب إلى الهاوية لذا كانت تتصرّف بلطف ولم ترِد أن تذهب إلى حدّ فرض عقوبات على قطاع النفط، بالتالي فيهم شيء من الخير أليس كذلك؟

جورج غالاواي:  جيد جداً. نعم، السيّد الجالس في الأمام

كوريس مكغورتي: إسمي "كوريس مكغورتي" وأنا مواطن إيرلندي واسكوتلندي مثلك

جورج غالاواي: نعم       

كوريس مكغورتي: إجابةً على سؤالك يا "جورج" أليست الولايات المتحدة الدولة الرائِدة في مجال الأدوية وتطوير التكنولوجيا الطبيّة؟

جورج غالاواي: كانت كذلك في السابق ولكن الوضع الصحّي للشعب الأميركي يتدهور بدرجة كبيرة. فالطفل المولود في (هافانا) يعيش حياة أطول من حياة الطفل المولود في (واشنطن) ويملك فُرصة أكبر للبقاء على قيد الحياة بعد الولادة مقارنةً بالطفل المولود في (واشنطن)

كوريس مكغورتي: نعم

جورج غالاواي: لذا، أعني أننا بارعون في مجال الطبّ و(كوبا) رائِعة في مجال الطبّ وهي على الأرجح الأفضل في العالم. بالتالي، طبعاً لا أقصد أن أُشوِّه سمعة الولايات المتّحدة فالشعب الأميركي شعب عظيم ونريد أن نكون أصدقاء معهم فنحن شعبان مُختلفان تجمعهما لغة مُشتركة وأنا أُحبّ موسيقاهم وملاكميهم وما إلى ذلك، لكنني لا أُريد أن أخضع لحُكم هذا الشعب ولن أتقبّل أن يُخبرونا ما علينا فعله، هذا منطق سليم أليس كذلك؟ التعليق الأخير لك في هذه الفقرة، تابع يا "كوريس" 

كوريس مكغورتي: هلّ يُمكنني طرح الفكرة التي أردت إخبارك عنها؟

جورج غالاواي: بالطبع

كوريس مكغورتي: يتمثّل أحد الأسباب الجذريّة لفرض عقوبات على (إيران) أنها تريد تطوير طاقة نووية وأسلحة نووية وهذا من حقها وهو قانوني تماماً، لكن ما الفرق الذي سيُحدِثه امتلاك (إيران) لسلاح نووي مقابل امتلاك (إسرائيل) لمئات الأسلِحة النوويّة أو امتلاك "ترامب" لآلاف الأسلِحة النووية؟ فـ (إيران) لم

جورج غالاواي: لم أتمكّن من فهم الجواب عن ذلك قط، لكن لا تملِك (إيران) أسلِحة نووية ولا تنوي إنتاج أسلِحة نووية، وقد أعلَنت الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة المعنية بهذه القضايا أن (إيران) بريئة تماماً من هذه التُهمة، وفي أيّة حال يُعدّ الملفّ النووي مجرّد ذريعة، إذ يريدون القضاء على (إيران) بسبب نفوذها السياسي وقوّتها المتزايدتين وتحديداً في العالم العربي. سنعود بعد الفاصل

المحور الرابع:

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" حيث نناقشٍ الهيمنة الأميركية على جبهة الأعمال والتجارة والنقد. بروفيسورة "وود وارد"، كما ذكرتُ سابقاً، أنتِ كاتبة بارِزة وأكاديمية متخصّصة في الشؤون الصينية، فلنستمِع إلى تعليقكِ الأخير

جود وود وارد – كاتبة وخبيرة في شؤون الصين والشرق الأقصى: يجب ألّا نستخِفّ بالسلطة المتبقية التي تمتلِكها الولايات المتّحدة. شركاتها من بين أهمّ الشركات في العالم ومرّت (الصين) حديثاً بتجربة سيئة جداً جعلتها تُدرِك هذا الأمر، إذ فرضت الولايات المتّحدة عقوبات على أضخم شركة تصنيع هواتف نقّالة في (الصين) وهي شركة "زد تي إي" وجعلت إسهام أيّة شركة أميركية فيها مخالفاً للقانون. يبلغ عدد أنظمة تشغيل الهواتف الذكيّة في العالم إثنين فقط وهما نظاما "أندرويد" و"آبل"، وإذا مُنِعت شركة "زد تي إي" من الوصول إلى تلك التقنيات فلن تتمكّن من تصنيع هواتف ذكيّة وسينتهي أمرها. تبقى سلطة الولايات المتحدة الأميركية المتبقية السبب في أنّ شنّ الحروب التجارية وفرض العقوبات هي واحدة من السياسات المتبقيّة الأكثر فعالية في جعبة الولايات المتّحدة

جورج غالاواي: لمَ لا نسرق تلك التقنيات؟ كنت أتردّد إلى (كوبا) كثيراً وكنّا نُشاهد الأفلام الأميركية في السينما، لكن (كوبا) لم تدفع ثمن تلك الأفلام بل سرقتها، لمَ لا؟ لمَ لا تسرق أفلاماً أميركية إن كانت الولايات المتحدة تفرِض عليها حصاراً؟

جود وود وارد: أظنّ أنّك تستطيع أن تفعل ذلك إن كنت ستنجو بفعلتِك، لكن المُشكلة هي أنّه بعد ذلك تنعكِس أفعالك عليك سلباً، أي عند خرق العقوبات المفروضة على أمرٍ ما يجري فرض عقوبات جديدة على أمور أُخرى، وهذا ما توصَّل إليه الاتحاد الأوروبي في ما يتعلّق بالعقوبات المفروضة على (إيران)، إذ تبيّن له أنّ سلاسل امدادات السِلع الخاصة به مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالولايات المتّحدة. ورغم أنّ الاتّحاد الأوروبي لا يُريد أن يتماشى مع قرار فسخ الاتفاق مع (إيران)، تتماشى الكثير من الشركات الأوروبية مع قرار العودة إلى نظام العقوبات وإلّا ستعاني هذه الشركات فقدان القدرة على الوصول إلى الشقّ الأميركي من سلاسل امدادات السِلع. نحن نعيش في عالَم مُعولَم وما تزال الولايات المتّحدة تضم بعض أكبر شركات التكنولوجيا تحديداً في العالم وهذا الواقع بتغيَّر تدريجاً لكنّها لا تزال تتمتّع بتأثير كبير ولهذا تعتمد أُسلوب فرض العقوبات وشنّ حروب تجارية حالياً لأنّ قوّتها تكمن في هذا الأُسلوب

جورج غالاواي: "فرانسيسكو"

فرانسيسكو دومينغيز – مُحاضر وخبير في شؤون أميركا اللاتينية: أظنّ أنّ أحد الأمور الإيجابية في هذا الوضع، المتمثّل في مقولة "الضربات التي لا تقصم ظهرك تقوّيك"، هو أنّ هذه الدول تملك احتمالاً وحيداً وهو المُقاومة وعدم التعامل مع العقوبات الأميركيّة بصلابة. فعادةً ما تكون هذه العقوبات تمهيداً لأمرٍ أسوأ بكثير. عدد الأشخاص الذين تمّ اغتيالهم في (أميركا) اللاتينية بالتحريض وعلى نحوٍ مُنسّق ومنظّم ومموّل على يد الولايات المتّحدة يبلغ مئات الألوف. فقد قُتِلَ في (غواتيمالا) وحدها 720 ألف شخص على مدى عشرة أعوام وقُتِلَ في (الأرجنتين) 13 ألف شخص، وقد أواصل العدّ. بلَغَ عدد القتلى في (العراق) وأماكن أُخرى الملايين. إذاً، يكمُن عدم رغبة الولايات المتّحدة في وقف إمدادات النفط من (فنزويلا) إلى الولايات المتّحدة لأنها في حاجة إليه، وكانت (فنزويلا) ذكيّة بما فيه الكفاية لتحدّ من الاتّكال على صادِراتها إلى الولايات المتّحدة. ففي عام 2002، عندما نظَّمت الولايات المتّحدة انقلاباً ضدّ "تشافيز" كانت (فنزويلا) تُصدِّر 58 في المئة من نفطِها إلى الولايات المتّحدة لكنّها باتت تُصدِّر 13 في المئة اليوم، ويُمكن لـ (فنزويلا) الاستغناء عن هذه الصادرات في غضون أسبوع لو أرادت ذلك. لكننا نعلم أنّه إذا أقدمت (فنزويلا) على ذلك فسيُعدّ ذلك فعلاً حربياً وسيليه تدخُّل عسكري. تُعدّ (نيكاراغوا) أحد الأمثلة على المقاومة، إذ أطلقت الولايات المتّحدة العنان لكامل لقوّتها خلال الفترة الأخيرة ضدّ هذا البلد الصغير الذي بلغ عدد سكّانه نحو خمسة ملايين، وهو ثاني أفقر بلد في المنطقة، فتمكّنت حكومة "الحزب السانديني" من مقاومة الهجوم الذي شنّته الولايات المتّحدة بنجاح. وإذا نظرنا إلى وضع الولايات المتّحدة الاقتصادي، وسأختُم بهذه الفِكرة، فسنجِد أنّ ناتجها المحلّي الإجمالي يبلُغ قرابة 18 تريليوناً وأنها مدينة بـ 22 تريليوناً للغير. مع ذلك زاد "ترامب" حجم النفقات العسكرية بقيمة 1.5 تريليون خلال العامين الأخيرين على أساس الدَين ثمّ خفّض الضريبة على الشركات من 35 في المئة إلى 15 في المئة، من أين لنا أن نعرِف ماذا يُحاولون فعله؟ لأنّ أفعالهم تنمّ عن جنون وكلّ ما يُفكّرون فيه هو اللجوء إلى الخيار العسكري. بالتالي، يُمكننا أن ننجح عبر مقاومتهم ولا أُريد أن يأخذ أحد انطباعاً بأننا يجب أن نستخِفّ في نيّاتهم، فهي قبيحة وشرّيرة بالفِعل

جورج غالاواي: تماماً، السيّدة الجالِسة خلفك

شيريل سانشير – ناشطة: وددّت أن أقول أنّني شاهدت مقطع فيديو على موقع الـ "يوتيوب" يظهر فيه الكثير من الأميركيين الذين غادروا الولايات المتّحدة إلى (المكسيك). كان الأمر غريباً لأنّ كلّ ما نسمعه عن (المكسيك) هو كلام عن حرب المُخدّرات ومُعدّلات جرائِم القتل وما إلى ذلك، لكن بدا هؤلاء كأنّهم يُشكّلون جماعة ضخمة من الأميركيين الذين غادروا الولايات المتّحدة في عهد "بيل كلينتون"، حين غدت اتفاقيّة "نافتا" سارية المفعول ونشأت المُجمّعات الصناعيّة الخاصّة وبدأت أُجور الناس في الانخفاض، وتدهور نظام الرعاية الصحيّة، حينئِذٍ انتقلوا، ويدّعون أنّهم كلّما ذهبوا إلى الولايات المتّحدة الآن لا يُطيقون صبراً حتّى يعودوا إلى (المكسيك)، وهذا أمر غريب جداً. لا يعتزِم هؤلاء العودة إلى الولايات المتّحدة

جورج غالاواي: يبدو من استطلاعات الرأي أنّ عدداً لا بأس به منهم يعيش في (لندن) أيضاً، شكراً لكِ على هذه المُداخلة. دكتور، فلنستمع إلى تعليقك الأخير

د. توم بييرشونيك – طبيب وصحافي: قد تُحاول الولايات المتّحدة أن تستعرِض قوّتها من خلال العقوبات لكن الحصار على (كوبا) فشل، وبالتأكيد لن يجدي فرض العقوبات على (روسيا) نفعاً، وبالطبع تُعدّ الولايات المتّحدة قوية بما يكفي لتحتمل حرباً تجارية مع (الصين)، في الوقت الحالي على الأقلّ، قد تكون قويّة بما يكفي لتحتمل العقوبات ضدّ (روسيا)، لكن من يُعاني هم حلفاء الولايات المتّحدة. فقد دفعَت الولايات المتّحدة دول الاتّحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على (روسيا) وتكبّدَ الاتحاد الأوروبي في الواقع خسائِر تجاريّة تُقدَّر بالمليارات إذ خسرت (المجر) ثمانية مليارات دولار خلال السنوات القليلة الماضية وخسرت (إيطاليا) المليارات، لذلك ضغطت أوساط الأعمال في تلك الدول، أي في (إيطاليا) و(ألمانيا) و(المجر)، على حكوماتنا لتخالِف الولايات المتّحدة ولا تتبعها ولتبرم اتفاقيات خاصّة بها مع (روسيا). في الواقع، تغدو (روسيا) أقوى حالياً إذ باتت تعتمِد أكثر على الإنتاج المحلّي بدلاً من التوريد فاستبدلت الوارِدات بالمنتجات المحليّة وكذلك وطّدت علاقاتها بـ (الصين) و(الهند) والدول الأُخرى في الشرق. فبينما يزداد الاتّحاد الأوروبي ضعفاً تزداد الكتلة الأور – آسيّة قوّة

جورج غالاواي: كيف يزعمون أنّه ما من إله؟ تفضّل "آدم"

آدم غاري – مدير صفحة Euro-Asia Future: أعتقد أننا إذا عُدنا ونظرنا إلى تطوُّر كلّ ما تطرّقنا إليه على المدى الطويل، لا بد من إدراك أنّ المفتاح في نظري لكلّ ما جرى النقاش فيه هنا تقريباً يكمن في سياسة (الصين) النقديّة. فقد تبيع (الصين) كلّ الديون المُستحقّة على وزارة الخزانة الأميركية لديها وتسمح بتحرير سعر لـ "الرنمينبي" فترتفع قيمته ما قد يُسبّب صدمات اقتصادية. في المقابل، قد لا تُحرِّك (الصين) ساكناً ما سيسمح للحرب التجارية أن تضع ضغوطاً متزايدة على (الصين) ما يؤدّي إلى التضخُّم. لكن عوضاً عن ذلك، لجأت (الصين) إلى حلٍّ وسط وهو حركة محترِفة تتمثّل بالاعتدال، ويُعدّ فهم العقليّة الصينية التي تنطوي على امتلاك نظرة بعيدة المدى واتّباع نهجٍ تدريجي السبب الرئيسي فيما أعتقد أنه بحلول العام 2040 كحدّ أقصى سيكون الناتج المحلّي الإجمالي في (الصين) هو الأعلى في العالم وستكون العملة الصينية هي العملة الاحتياطية. إذاً، ماذا تفعل (الصين) من أجل تفادي المزيد من الضغوط التضخّميّة التي يفرِضها عليها المتلاعبون بالعُملة في الاحتياطي الفيدرالي والبيت الأبيض؟ تبيع (الصين) بعض سندات الخزانة الأميركية لتدعم عملتها. في الوقت نفسه، لن تُكرِّر (الصين) التصرّف الكارِثي الذي أقدمت عليه (اليابان) في عام 1985 وتسمح بارتفاع قيمة العملة على نحوٍ مُفرِط ما يقضي على قدرتها على التجارة وعلى تأمين مُستوى معيشة لائِق لشعبها من التجارة. سيؤدّي اتّباع نهج معتدل في السياسة النقديّة تحديداً وكذلك في تطوير العلاقات الثنائية حسب الطلب إلى (الصين). يقتصر كلّ شيء بالنسبة إلى (أميركا) على الأرباح الفوريّة والحروب التجارية الفوريّة والعقوبات الفورية، أمّا (الصين) فلن تفعل اليوم ما نتوقّع أن تفعله الولايات المتّحدة غداً، لكن على المدى الطويل، بعد ثلاثة عقود، لن تكون (الصين) متقدِّمة على الولايات المتّحدة فحسب بل ستغدو هذه حلقة قديمة مصوّرة في عام 2018 وستكون (الصين) متقدّمة على نحوٍ صادِم ولن يُصدِّق الناس أنّ هذا كان موضوع نقاش حتّى، وستتضح الإجابة لكن تدريجاً

جورج غالاواي: التعليق الأخير لك سيّدي

شيرهام مالك – مستشار تقني: أنا أوافق هذا السيّد الرأي. يجب اتّباع النهج البطيء على المدى الطويل لأن ذلك يضمن أن تملِك (الصين) سياسة إعادة إنشاء طريق الحرير. هي سياسة طويلة الأجل لكن ستُحقق فوائِد. وأحد أسباب دعوة (السعودية) إلى المُشاركة في إنشاء مدينة نفطية رئيسية في (كوادر) يكمن في الرؤية الطويلة الأجل للتدفّق الاقتصادي الشامل الذي نعيش فيه. ما يزال تعويم شركة "أرامكو" مسألة كبيرة وأظنّ أنّها ترتبط بجريمة قتل "جمال خاشقجي"، لكن سنتطرّق إلى هذا الموضوع في برنامج آخر. بصورة عامّة أرى أنّ (الصين) ستكون رهاناً آمناً أكثر من الولايات المتّحدة بعد عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة

جورج غالاواي: نعم سيّدتي

تامي القباني- ناشطة: بناءً على استنتاجي، أعتقد أنّ من المهمّ جداً توضيح أنّ فرض العقوبات هو أحد أعمال الحرب، وفي الكثير من الأحيان نعتقد أنّ أعمال الحرب تقتصر على القصف واستخدام السلاح ولكن فرض العقوبات جزء من ذلك أيضاً

جورج غالاواي: العقوبات من أعمال الحرب فعلياً. في حال لم يأذن بها مجلِس الأمن التابع للأُمم المتّحدة تمثل عمل غير مشروع. أنّها أحد أعمال القرصنة والحرب تماماً كالأفعال العسكرية الأميركية والبريطانية في (سوريا)، تلك أيضاً أعمال غير مشروعة لا بل أكثر من ذلك، الأعمال الإجرامية يُحاسب عليها المرء في عالمٍ عادل ويُسجَن بسبب قصف (سوريا) من دون أيّ أساس قانوني، عفواً

تامي القباني: لا مُشكلة، أردت أن أقول أنّ العقوبات تستهدِف الفِئة الأكثر ضعفاً، فمن لا يُطاوله القصف تنال منه العقوبات كالأطفال المرضى والمُسنّين، أي الفِئات الأكثر ضعفاً في المُجتمع. لذا أظنّ أنّ من المهمّ جداً توضيح أنّ فرض العقوبات هو عملٌ من أعمال الحرب، فهي قاتلة. تطرّقنا في السابق إلى موضوع الأسلِحة النووية وأودّ أن ألفت انتباه الجميع إلى أنّ الولايات المتّحدة و(بريطانيا) بالتأكيد تتذكران أنّهما وقّعتا مُعاهدة حظر الأسلِحة النووية واعِدتين بإزالة الأسلِحة النووية، لكنّهما بعيدتين عن القيام بذلك. لم تقوما فقط بتوسيع نطاق أسلحتهما النووية بل هما يمليان الأوامر على سائِر دول العالم أيضاً وأظنّ أنّ عليهما أن يتذكّرا أنّ تلك المُعاهدة هي عقدٌ يجب احترامه. يهتمّ "ترامب" بأعماله وعقوده كثيراً لذا عليه أن يعي هذا الأمر

جورج غالاواي: لا أظنّ أنّه معروف باحترامه لعقوده نوعاً ما. إذاً، ما تزال الولايات المتّحدة نمراً وقد لا تكون أنيابه تتساقط لكنّها تضعف، وتظهر في هذه الأثناء نمور صغيرة على الساحة ولا يُقلِق ذلك أحد سوى الأميركيين، فقد أرادوا أن يكون القرن الحادي والعشرين قرناً أميركياً جديداً لكن لم تدُم تلك الفكرة نصف عقد حتّى، فقد هُزموا في (العراق)

شيرهام مالك: وفي (أفغانستان)

جورج غالاواي: وعجزوا عن تغيير النظام حتّى خارِج وسط مدينة (كابول)، وقد أنفقوا عقوداً من الوقت والمليارات على (أفغانستان) لكن هؤلاء الذين حاربوهم يتربّصون على الأبواب من جديد. إذاً، تتلاشى هيمنة الولايات المتّحدة لكنّها لا تزال تتمتّع بالقوة لكن هذه القوّة في طريقها إلى الزوال وأظنّ أنّ هذا بالتأكيد ما نستنتجه من نقاشنا هذا المساء هنا في (لندن). كان لقاءً رائِعاً وكنت معكم أنا "جورج غالاواي" في برنامج "كلمة حرّة" على قناة "الميادين". إلى اللقاء