حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

يوسف نصر الله - فيصل الشريف

 

 

المحور الأول

 

مايا رزق: طابت بالخير أوقاتكم مشاهدينا الكرام.

خلال الحرب العالمية الثانية، خالف ثلاثة ضبّاطٍ أوامر هتلر، فقرّر معاقبتهم بطريقة غير معتادة، فوضع كل ضابط في سجن انفرادي. قيّدهم وقال لهم إن في السجن تسرّباً لغاز سام سيقتلهم خلال ستّ ساعات. بعد أربع ساعات مات الضباط الثلاثة. وقتذاك لم يكن هناك وجود لأي غاز. خدعهم هتلر وقتلهم الخوف.

سياسة التخويف والترهيب نفسها، قتلت الملايين من حول العالم، ومزّقت الجغرافيا وشتّتت الشعوب وهجّرتها. إنها الحرب النفسية التي احترفتها إسرائيل منذ ظهور كيانها. سوّقت على مدى السنوات جيشها على أنه الأقوى في العالم. دول عربية ابتلعت الطٌعم، فابتلعت إسرائيل المنطقة قبل أن تبدأ المقاومة حربها النفسية المضادّة.

إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت. قالها الأمين العام لحزب الله من بنت جبيل عام 2000. فبدأت قوة ردع الكيان الصهيوني بالتراجع إلى درجة الانهيار واللجوء إلى فبركاتٍ إعلامية آخرها ما سمّي عملية درع الشمال.

ترهيب الشعوب سياسة اعتمدها أيضاً تنظيم داعش، انتشر في سوريا والعراق وجرود لبنان. سوّق لنفسه على أنه وحش خارق، ليتبيّن لاحقاً أنه مجرد وحش من ورَق، أتقن فنون التخويف مستغلاً ثغراً اجتماعية وسياسية ودينية.

يقول مراقبون إننا نعيش اليوم زمن الحرب النفسيّة، وخصوصاً مع وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض. تراه حيناً يهدّد بيونغ يانغ بإشعال فتيل حرب نووية، وحيناً آخر بفرض أقسى العقوبات على إيران وبمحاصرة الصين وبمعاقبة كندا وتركيع الاقتصاد التركي وإسقاط العرش في المملكة العربية السعودية خلال أسبوعين.

الحرب النفسيّة، أهدافها، أشكالها، أدواتها، وتأثيرها في الرأي العام، نناقشها اليوم في حوار الساعة مع الدكتور يوسف نصر الله رئيس مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية، والأستاذ فيصل الشريف الخبير الأمني والعسكري.

أهلاً ومرحباً بكم.

 

(فاصل)

 

مايا رزق: أستاذ يوسف، أجدّد الترحيب بك، وأجدّد أيضاً الترحيب بضيفنا من تونس الأستاذ فيصل الشريف الخبير العسكري، أهلاً بك عبر شاشة الميادين.

يقول القائد العسكري الصيني والفلسوف سان زو إن أعلى درجات الامتياز في كَسْر مقاومة عدوك تكمن من دون قتال. هل تتفق أستاذ فيصل مع هذه المقولة؟ وهل يمكن إسقاطها بطبيعة الحال على ما تعيشه المنطقة اليوم؟

 

فيصل الشريف: صباح الخير لك ولضيفك الكريم وللسادة مشاهدي قناة الميادين. فعلاً هناك اليوم الحرب النفسيّة، الحرب اليوم هي بالأساس نفسيّة، ففلسفة الحرب النفسيّة تقوم على أسس ثابتة، وهي أولاً وبالذات التعويل على كلّ ما هو خوف، أي كلّ ما يمتّ بصلة إلى الغرائز الأولية للإنسان، كالخوف أو إبراز القوة لدى الإنسان، فبالتالي كانت أول بدايات الحرب النفسيّة وقوّتها، اتخذتها ألمانيا النازية سنة 1933، ومعروف أن غوبلز كان من منظّري هذه الحرب النفسية، باعتبار أن فلسفة إعلاء الغرائز لدى الفيلسوف نيتشه تم استعمالها بكل قوّة خلال قيام الدولة النازية آنذاك.

ومن أدوات الحرب النفسية هي الإيهام بالقوّة، أولاً بالنسبة للدولة أو بالنسبة لجيش معيّن، ثمّ التخويف لدى الآخر ومحاولة إنزال وازع الخوف لديه، فبالتالي تقوم الحرب النفسية كذلك لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الرأي العام لتلك القضية التي يريد الدفاع عنها، باعتبار وجود قطبين، قطبي الخير والشر.

هذا على المستوى الفلسفي، أي نحن الخير والآخرون هم الأشرار، وبالتالي هذه الثنائية وهذا البُعد هو الأساس في الحرب النفسية، وهذا كان قائماً عبر التاريخ ابتداءً من الحرب العالمية الأولى التي كانت بدايات استعمال الحرب النفسية ولكن تجلّت بأكثر قوّة عندما بدأت أساليب الدعاية التي تحفّز هذه الحرب النفسية، كبدايات الإذاعة، الراديو، والجرائد، لأنّ الشعوب لم تكن تقرأ كثيراً، فكان الذهاب بالأساس إلى وسائل الإعلام التي كانت في بداياتها كالراديو والسينما والمسرح، وجميع الأشكال التي يمكن أن تؤدّي إلى استقطاب الرأي العام إلى تلك القضية التي يُراد من ورائها تجنيد ذلك الرأي العام في تلك الحرب النفسية، وتلك الحرب التي تريد السيطرة والهيمنة. هذا على المستوى الفلسفي والمستوى العام.

 

مايا رزق: نعم أستاذ فيصل. أعود إلى ضيفي في الاستوديو الدكتور يوسف نصر الله.

دكتور، إذا أردنا اليوم الحديث عن الحرب النفسية في خضّم ما نعيشه اليوم وتحديداً ربما مع الحرب النفسية اليوم المُستعرِة إذا صحّ التعبير ما بين الكيان الصهيوني والمقاومة.

هناك من يقول اليوم إنّه لا مكان لوجود أيّة حرب فعلية اليوم ربما بين حزب الله وبين إسرائيل، والحرب القائمة اليوم هي حرب نفسية.

هل تتّفق مع هذا الموضوع؟

 

يوسف نصر الله: أولاً تحية لك وتحية لضيفك العزيز، وتحية للمشاهدين.

 

مايا رزق: أهلاً بك.

 

يوسف نصر الله: بداية دعيني أوضح أمراً، إنّ الحرب النفسية هي قديمة، موضوع الحرب النفسية هو موضوع قديم قِدمَ الصراعات البشرية، استخدمها الإنسان البدائي بأشكال متعدّدة لكن لأغراض نفسية أيضاً، تلوين جلده، إصدار أصوات غريبة، الصراخ، ارتداء الأقنعة، هذه كانت لمُمارسات نفسية.

نعم، بعد الحرب العالمية الأولى تبلور المُصطلح، بعدما قُيّد لهذه الحرب أن تحقق أو أن تكون أداة فاعلة لتحقيق النصر في تلك الحرب، فأُدرِجت لاحقاً بعد هذه الفترة المؤثرات النفسية إلى جانب القوى البرية والبحرية والجوية لتشكّل مجتمعة ما يُسمّى بقوى الدولة الإجمالية أو قوى الدولة الشاملة.

الحرب النفسية في بادئ الأمر كانت مُفرَدة من مُفردات الحرب العسكريّة، أي كانت توظَّف في جعبة الحرب العسكرية نتيجة التطوّر الحاصل في تكنولوجيا التواصل والاتصال والمعلومات، أصبحت الحرب النفسية هي أمّ الحروب، وأصبحت أشكال الحروب الأخرى تُدرَج في سياقات الحرب النفسية، أي حتى استخدام القوّة الصلبة بات يُستخدَم في الكثير من تجلّياته في إطار نفسي، وفق ما يُسمّى عند الإسرائيلي مثلاً بعقيدة الضاحية مثلاً أو العمل خلف خطوط العدو أو ما شاكَل، وهذا بحث آخر.

نعم، نقول إن الحرب المُستعرِة الآن في ذروتها بين حزب الله وبين الإسرائيلي هي في جزء كبير منها حرب نفسية تمارس تأثيرات نفسية، هي معركة على الوعي، حزب الله أجاد إلى الآن التنكيل بالذات الإسرائيلية المُنهزمة داخلياً، ونجح في نقل هذه المعركة إلى الداخل الإسرائيلي. صحيح أنّ الهواجس أو المخاوف المتعلقة باندلاع حرب هي مخاوف تتوزّع على طرفيّ النزاع، لكن سماحة الأمين العام خلال إطلالاته المتكرّرة التي تحدّث فيها عن أطروحة الحرب وعن موضوع الحرب، كان يبرع في كل مرة في تعيين المخاطر والمهالك التي تنتظر الإسرائيليين، وكان يبرع في وصف اللعنات التي سوف تحلّ عليهم في حال تورّطت إسرائيل في مغامرة جديدة أو مغامرة أخرى.

 

مايا رزق: لا شك في أنّ هذه الحرب النفسية أثّرت بطريقة مباشرة على قوّة الردع الإسرائيلية. فمع تراجع قوّة الردع الإسرائيلية وتفاقُم الأزمات داخل الكيان المحتلّ، بات بنيامين نتانياهو يلجأ إلى فبركات إعلامية وحملات دعائية في حربه النفسية التي عادةً ما يصوّبها باتجاه المقاومة لترهيبها، وباتجاه الداخل الإسرائيلي لتقوية موقعه وغالباً ما يخفق. نتابع.

 

الميادين نت: إسرائيل والانكفاء على الداخل، حمزة أبو شنب.

خطوات دعائية واستعراضية عَمَدَ من خلالها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتانياهو إلى تسويق قضية اكتشاف أنفاق مقاومة حزب الله على الحدود بين فلسطين المحتلة ولبنان في محاولةٍ منه لاستعادة صوَر النصر المسلوب قبل أسابيع على يد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزّة.

يُدرك رئيس حكومة الإحتلال أنّ صورة النصر واستعادة الثقة لا تحمل أيّة رسائل أو معانٍ حقيقية للمقاومة اللبنانية ولن تغيّر في معادلة المواجهة، بل هي بكل تأكيد تستهدف الجمهور الإسرائيلي وتسويقاً سياسياً مُبكراً في الاستعداد لمرحلة الانتخابات الإسرائيلية.

المتابع للسلوك الإسرائيلي من تضخيم قضية أنفاق حزب الله وتهويل ما كان سينتج منها من احتلالٍ لمنطقة الجليل ، واستنفار الدبلوماسية الإسرائيلية وزيارة رئيس حكومة العدو برفقة عدد كبير من السفراء الأجانب والحديث عن الوقت المُستغرَق لإنجازها، يعي أنّ إسرائيل غير معنيّة بالتصعيد العسكري على الجبهة الشمالية في لبنان.

لم تكن إسرائيل بحاجةٍ إلى الرسالة الإعلامية من حزب الله، فهي تعي جيّداً أن القوّة العسكرية للحزب قادرة على تعطيل المصالح الحيوية للاحتلال، أبرزها الملاحة الجوية والبحرية، وعلى إمطار المدن المحتلة بمئات الصواريخ وتعطيل الحياة العامة.

ولم يعد قرار الحرب والمواجهة العسكرية سهلاً كما في السابق، في عدوان 2006 وفي الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزّة وخاصة عدوان 2014. فقد دخل مُحدّدان مهمّان في القرار الإسرائيلي لم يكونا في الماضي حاضرين، وهما الجبهة الداخلية الإسرائيليّة، وتطوّر قدرة المقاومة في فلسطين ولبنان على نقل المعركة إلى عُمق دولة الكيان الصهيونيّ، ما دفعه إلى إدراج مبدأ الدفاع ضمن عقيدته.

 

مايا رزق: أستاذ يوسف، تعليقاً على هذا الموضوع، قال وزير الأمن الإسرائيلي المستقيل أفيغدور ليبرمان صباح اليوم، قال إنه من الصعب تسمية عملية درع الشمال بالعملية، إنها تفعيل أدوات هندسية في أرضنا السيادية، الثرثرة الزائدة حول الحدث تخلق معادلة معقّدة، حزب الله واثِق من نفسه ونحن نعظّم شأنه، من الأجدر خفض الجانب الإعلامي.

ماذا نفهم من كلام ليبرمان؟ هل هذه ربما، هل هو يعلن أنّ ما حدث هو حرب نفسية وقد فشلت؟ وما هي مقوّمات نجاح أية حرب نفسية بالمُطلق؟

 

يوسف نصر الله: في البداية دعيني أقول لك، إنه إذا أردنا اختصار المشهد الذي ساد مؤخراً على الحدود مع الكيان الإسرائيلي، يمكن القول إن إسرائيل خاضت بامتياز حرباً نفسية ضد نفسها وضد شعبها وضد ما يُسمّى مواطنيها.

الحرب النفسية التي شنتها إسرائيل جاءت بنتائج عكسية وبنتائج سلبيّة حيال نفسها، الدعاية التي استخدمتها أو الأسلوب الذي استخدمته، ما يُسمّى بشائعة الخوف، عادةً يُستخدَم هذا الأسلوب لسلب إرادة الخصم، لضرب معنوياته، للنيل من معنوياته، ولكن أحياناً يُوجَّه إلى الداخل لشدّ عَصَب الجمهور الداخلي لأغراضٍ انتخابية أو سياسية، وأحيانا يُوجَّه إلى الداخل لالتفاف، لجعل الناس يلتفّون حول خيارات الدولة أو خيارات الحكومة.

المبالغة في توصيف قدرات حزب الله والمبالغة في توصيف الأنفاق واّدعاء الأنفاق المزعومة ارتدّ سلباً على معنويات الجمهور الإسرائيلي ، فباتت إسرائيل اليوم محرجة، لأن هذا الأمر جعلها تدفع أثماناً باهظة وأثماناً كبيرة، ولعلّ هذا ما جعل ليبرمان يدعو إلى تبهيت الحضور الإعلامي.

 

مايا رزق: إذاً هناك حدود في الحرب النفسية واستخدام الحرب النفسية المُبالغة قد ترتد سلباً على مَن يقوم بهذه الحرب؟

 

يوسف نصر الله: تماماً، تماماً.

 

مايا رزق: أعود إلى ضيفنا الكريم من تونس الأستاذ فيصل.

أستاذ فيصل، إلى أيّ مدى تساهم الحرب النفسية فعلاً في إضعاف القدرات العسكرية لجيش معيّن، وهنا أريد الإفادة من خبرتكم في المجال العسكري؟

 

فيصل الشريف: فعلاً، الدعاية إذا لم تكن مدروسة، الدعاية الحربيّة بالأساس لأننا نحن في وضع حرب وليس في وضع سِلم، فبالتالي إذا لم تكن مدروسة بالكافي أي بين القول والإعلام لدى الرأي العام، وحتى الرأي العام الدولي، الرأي العام المحلي، لأنك تريد تكوين جبهة داخلية لاستقطاب كافة الشعب معك في تلك الحرب التي تريد أن تقوم بها، بإيهامه أولاً بالقول إننا نحن الخير والآخرون هم الشرّ، فيجب أن تكون الدعاية مُلائمة أو مُتلائمة ما بين قدراتك الفعلية وبين كلامك الذي تريد إيصاله للرأي العام، وكذلك المقدرة العسكرية التي يجب أن تتوفّر في ما بعد للوصول إلى الهدف. هذا هو التكامل بين الدعاية، عندما تكون مدروسة جيّداً، أي الدعاية الحربية والنفسية، وبين ما بعد، كذلك الوصول إلى الميدان وطٌرق تحقيق النصر.

هذان العاملان لم يتكاملا لدى الكيان الصهيوني في إيهام الرأي العام أولاً بأنّ حزب الله قوة جبّارة، والآن يقومون بحفر أنفاق، وبالتالي فعل التخويف ارتدّ سلباً باعتبار أنه أبرز الآن أنّ حزب الله قوّة كبرى وليس هو بجيش نظامي كما كان ينتظره الجيش الصهيوني، لأنّ الجيش الصهيوني بالأساس هو جيش تقليدي غير معتاد على الحرب المتحرّكة بمجموعات صغيرة وبأنفار صغيرة، مجموعة من 4، 5، 6 مقاتلين الذين لديهم عقيدة عسكرية عالية جداً وروح استشهادية كبيرة جداً، وهو ما لا يتوافر لدى الجيش الصهيوني. فبالتالي ارتدّت العملية بأكملها على الرأي العام الذي بدأ يتخوّف أكثر فأكثر من قوّة حزب الله ومن الجبهة اللبنانية عِلماً أنّ حرب غزّة ما زالت في الذاكرة، الأنفاق وما استعملته حركة حماس آنذاك، وما قتلته من عدد كبير من الجنود آنذاك في تلك الحرب.

فبالتالي المستوى العسكري أو الانتشار العسكري ليس له معنى إذا لم يكن تقريباً في حزمة متكاملة بين دعاية حقيقية وفعليّة، أما إذا كانت الدعاية كاذبة، وهذا هو الأساس لأنّ الحرب النفسية التي قامت بها إسرائيل الآن وتقوم بها هي غير ملائمة للواقع، فبالتالي أرادت أن ترسّخ الخوف الجماعي من حزب الله، ولكن في نفس الوقت، وهذا هو الخطأ، أبرزت قوّته وخاف الرأي العام الإسرائيلي من قوّة حزب الله الذي يمكن أن يصل إلى أيّة نقطة في إسرائيل اليوم، وحتى يجب أن نرى من الطرف الآخر كذلك، قوّة الدعاية لدى حزب الله، والخطاب الذي تتّبعه جميع القنوات الإسرائيلية، وحتى الرأي العام الإسرائيلي الذي يثق كثيراً في كلام السيّد حسن نصر الله، لأنه يفعل ما يقول ويقول تقريباً المقدورات الحقيقية لديه، والكلام تقريباً يُتبَع بفعل، وهذا ما لم يحققه الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب، وهي حرب نفسية تقريباً خاسِرة لأنها عوَّلت كثيراً على الرأي العام، والرأي العام ارتدّ عليها نظراً لعدم تكافؤ الخطاب مع الفعل العسكري الميداني كما قلت.

 

مايا رزق: أعود إلى ضيفنا في الاستوديو الدكتور يوسف. بالحديث ربما عن داعش، هناك مَن يقول إن هذا التنظيم نجح في السيطرة على مساحة كبيرة من الجغرافيا العربية مُستخدماً الحرب النفسية أكثر مما له فعلياً قدرات ميدانية على الأرض.

هل تتّفق مع هذا الموضوع؟ وهل فعلاً بمقدور الحرب النفسية ربما، بمقدورها التغلّب على قدرات عسكرية؟

 

يوسف نصر الله: صحيح، دعيني أولاً أوضح فكرة بسياق العرض الذي جرى، أنّ خبراء الحرب النفسية عادةً يضعون للدعاية عتبات، أي عندما تنطلق الدعاية في بادئ الأمر تحقّق الكثير من الإيجابية، ترتقي بشكل تصاعدي، وصولاً إلى العتبة الأولى.

العتبة الأولى تمثل ذروة التأثير الدعائي. المضيّ بعدها قد لا يكون مُجدياً، وإذا استمر هي تنحدر باتجاه سلبي وصولاً إلى العتبة الثانية.

العتبة الثانية تصبح بعدها النتائج عكسية وسلبية على الجهة المُطلِقة للدعاية.

 

مايا رزق: وهذا ما يحدث اليوم؟

 

يوسف نصر الله: تماماً، تماماً، التهديدات الإسرائيلية بنحو دائم من دون إقرانها بقدرة على التفعيل يجعل من هذا الخطاب الإعلامي الدعائي غير ذي جدوى وغير ذي تأثير.

لعلّ إسرائيل الآن تشعر بأمسّ الحاجة إلى إضفاء قدر من الجدية والمصداقية على خطابها، على تهديداتها وتهويلاتها، وإلى الظهور بمظهر المتوثّب بنحو دائم للاستعاضة عن هذا النقص الموجود، لأنها تدرك أن ذلك سوف ينعكس سلباً على قدرة الردع لديها في حال اكتفائها بالتهويل. أحببت توضيح هذه النقطة فقط.

بموضوع الحرب النفسية، المعادلة القائمة الآن بمعادلات القوّة، معادلة قوى الدولة الإجمالية تقول هي الناتج، مجموع كل الموارد التي تمتلكها الجهة، أي مواد اقتصادية، إضافة لموارد عسكرية، إضافة للجغرافية، إلى آخره، وكله ضرب الروح المعنوية، أي شيء نضربه بصفر، إذا كانت الروح المعنوية تعادل الصفر، حاصل ضرب أي شيء بصفر هو صفر، كل الموارد الأخرى يتمّ تسييلها غير مُجدية إذا كانت الروح المعنوية للجهة تساوي صفراً.

ما استطاعته داعش في البدايات الأولى أن تضرب الروح المعنوية للشعوب، فكانت السمعة تسبق العمل العسكري لها، أي الرعب يدبّ في المجتمعات قبل أن تصل جحافل داعش إلى المكان المقصود وهذا كان يحقّق لها النصر. أهم أمر حصل بموضوع داعش، حصل بمنطقة إمرلي في العراق تحديداً، من قِبَل الحشد الشعبي، عندما استطاع الحشد الشعبي أن يجعل المواطن العراقي يُدرك أنّ المقاتل في داعش يفرّ ويهرب ويموت ويُجرَح ويصرخ من الألم، هذه الصورة النمطية التي ترسّبت طويلاً في وعي الشعوب والمجتمعات من خلال الدعاية المفبركة.

 

مايا رزق: كسرت هذه الهيبة المزيّفة؟

 

يوسف نصر الله: تماماً، تماماً، وهذا ما جلب الهزيمة لاحقاً لداعش بشكل أو بآخر.

 

مايا رزق: أستاذ فيصل، هل هناك مجتمعات ربما هي أضعف أمام الحروب النفسية من غيرها؟ هل الحرب النفسية كي تنجح تستغلّ ثغرات معينة موجودة لدى الخصم إذا صحّ التعبير؟

 

فيصل الشريف: فعلاً، الحرب النفسية الناجحة هي التي تضع في الميزان الخوف، أولاً الخوف الداخلي من العدو الخارجي، ثانياً ترهيب العدو، الدعاية في الأساس هي حرب نفسية كما ذكرنا، ولكن هي في الأساس تهدف إلى ترهيب العدو، ومن ذلك مثلاً أنّ عديد الشعوب التي قاتلت أو التي حاربت توهِم بأنها أكبر شعوب دموية، من ذلك مثلاً داعش، أو إلى اليوم نستذكر، نقول الواندال، وهذا شعب معروف جداً عبر التاريخ، لأنه عبر غزواته، عندما سقطت الإمبراطورية الرومانية سنة 476 قبل الميلاد، كانوا يوصفون بأنهم كانوا يهوون، وذكر المؤرّخ، يهوون شرب الخمر خصوصاً في جماجم أعدائهم.

هنا يجب أن ننتبه مثلاً إلى تلك الصوَر التي كانت تبثّها مثلاً داعش أو بعض الصوَر التي تبثّها بعض الجيوش بأنها قوية، مُدمرِّة، ليست لديها رحمة، تريد إنزال الرعب لدى العدو، لذلك كانت داعش تستعمل تلك الصوَر لقطع الرؤوس وحرق الجثث وهي حيّة، وبالتالي التنكيل بالعدو. فبالتالي كانت تريد في الأساس في هذه الحرب النفسية إنزال الرعب، ولكن في ما بعد كان ذلك هناك العمل الميداني، مثلاً الإيهام بأننا قوّة كبيرة جداً ومنتشرون في جميع أرجاء المكان، وهذا أسلوب كان يُعتمَد حتى في الحروب، مثلاً عندما كان الألمان هناك في شمال أفريقيا يبقى 3، 4، 5 جنود في جبل معيّن ويوهموننا بأنهم يُطلقون النار بكثافة لإيهامهم بأن هناك قوة كبيرة تتمركز هناك في حين أن العدد لا يتعدّى عدد أصابع اليد.

فبالتالي الحرب كما قلت هي تكون على المستوى النفسي بإيهام العدو بأننا نحن قوّة كبيرة جداً، وقادرون على إنزال أقسى الألم بكم، وبالتالي سنمحوكم من الوجود. هذه هي الفكرة العامة، وبالتالي تأليب الرأي العام كذلك بأن هؤلاء هم القتلة، هم الذين يريدون تدميرنا، فبالتالي اللعب على الخوف الجماعي هو الأساس في هذه الحروب.

ولكن كما قلت، هذا النجاح يكون نسبياً، إذا لم تكن هذه المُكاشفة كذلك بالحقائق، وهنا يصعب، لأنّ الدعاية النفسية تقوم بالأساس على المُغالطة، وإعلاء الغرائز، ولا ترتقي أبداً إلى مستوى عَقلَنة الخطاب، أو التوجّه إلى العقل لدى الرأي العام، وهذا واضح في جميع هذه الدعايات، وربما سنعود أكثر من خلال الدعاية السياسية لبعض رؤساء الدول الذين يقومون بمثل هذه الدعاية.

 

مايا رزق: سنتحدّث عن هذا الموضوع بالتفصيل أستاذ فيصل معك ومع الأستاذ يوسف، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

مشاهدينا الكرام ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

مايا رزق: من جديد أهلاً بكم مشاهدينا الكرام ونرحّب أيضاً مُجدّداً بضيفينا الأستاذ فيصل الشريف من تونس، والأستاذ يوسف نصر الله معنا في الاستوديو.

أستاذ يوسف، قال المساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني للشؤون الدولية حسين أمير عبد اللهيان، قال إن 70 في المئة من العقوبات على إيران هي جزء من الحرب النفسية التي تشنّها الولايات المتحدة ضد إيران، و30 في المئة فقط تُصيب الاقتصاد الإيراني بشكل فعلي، إن تغلّبنا على الأولى فلا معنى للثانية. ويُضيف أنه بعيداً عن العقوبات فقد دخلت الولايات المتحدة السوق الإيرانية من خلال قنوات أخرى.

إذا أردنا التعمّق أكثر بهذا الموضوع وإذا أردنا ربما تسليط الضوء أكثر على الحرب النفسية التي تُخاض اليوم ما بين الولايات المتحدة وإيران؟

 

يوسف نصر الله: لا شك أن فشل الخيار العسكري الأميركي في إسقاط النظام، فشل رهاناته الأخرى جميعها جعله يبحث عن خيارات بديلة. من هذه الخيارات مثلاً الحرب الاقتصادية، ما يُسمّى بالعقوبات وفرض العقوبات وهي مكوّن أو مركّب من مركّبات الحرب النفسية، أحد أساليب الحرب النفسية هي العقوبات الاقتصادية، والغاية من هذا المسار.

 

مايا رزق: عذراً على المقاطعة ولكن حتى في هذه الحال، هذه العقوبات لم تكن فعلاً كما قال ترامب، عندما يقول سنفرض أقسى عقوبات على إيران وفعلياً كانت مُشابهة للعقوبات السابقة. وهنا نريد أن  نتحدّث عن الحرب النفسية بالتحديد؟

 

يوسف نصر الله: صحيح، الغاية من هذه العقوبات هو التأثير على المزاج الداخلي في إيران وتأليبه على النظام ودقّ إسفين في المكوّنات الاجتماعية الإيرانية وإثارة التوتّرات وتوسعة الحساسيّات الاجتماعية الموجودة داخل المجتمع الإيراني.

حقيقة، كان الأميركي يرغب في تصفير حسب ما ادّعى ترامب، تصفير الصادرات النفطية الإيرانية، كان يتعاطى مع المرحلة وكأن أميركا من عقدين إلى الخلف، أي تستطيع أن تُملي على الشعوب ما تقول وتستطيع أن تُملي على الشعوب إرادتها السياسية، لكن المشهد الدولي تبدّل وتغيّر.

روسيا، الموقف الروسي، الموقف الصيني، الموقف الأوروبي، جعل هذا الطَوْق الذي أراده الأميركي لإحكامه على العنق الإيرانية، جعله ضعيفاً، وبالتالي الدعاية التي رافقت العقوبات وحجم التهويل الذي رافق العقوبات هو أكبر بكثير من حجم التأثير الفعلي على الاقتصاد الإيراني وعلى المجتمع الإيراني.

لا نقول إنه لا يوجد إزعاج، ولا نقول إنه لا يوجد تأثير سلبي. لا شك أن هناك تأثيرات، في النهاية هذه حرب، ولكن هذه التأثيرات بلِحاظ ما كانت عليه العقوبات السابقة وبلِحاظ كلّ ما مرّت به إيران خلال عقدين من الزمن يجعل بالمقدور التعاطي مع هذه العقوبات بنوع من الإيجابية.

بخلاصة الأمر، الأميركي يسعى بشكل أو بآخر إلى ممارسة مسارات متعدّدة في حربه النفسية، منها المسار القضائي مثلاً، وما يُسمّى مسار الحرب على الوعي لكل محور المقاومة، شيطنة هذا المحور، الإساءة إلى علاقاته، إلى مكانته مثلاً من خلال الإيحاء مثلاً بربط مصادر تمويل حركات المقاومة بالاتّجار بالمخدرات وبتبييض الأموال، السعي إلى إدراج فصائل المقاومة المختلفة ومن ضمنها إيران أيضاً في المحافل الدولية بوصفها منظمات إرهابية وبوصفها منظمات إجرامية وما شاكَل.

 

مايا رزق: هذا ضمن ربما سياسة شيطنة العدو؟

 

يوسف نصر الله: المحور بشكل عام تماماً.

 

مايا رزق: أعود إلى تونس مع الأستاذ فيصل الشريف. هذا التكتيك بالتحديد، تكتيك شيطنة العدو وترهيبه وتخويفه، ربما اعتمدته أيضاً الولايات المتحدة إزاء كوريا الشمالية، لاحظنا كان هناك ترهيب مُتبادَل بين ترامب وبين كيم جونغ أون، هناك تهديد ربما بالضغط على زرّ الأسلحة النووية. هذا الترهيب، هذه الحرب النفسية أدّت أخيراً إلى لقاء بين الرجلين.

كيف تفسّرون هذا الموضوع؟ وهل فعلاً من الممكن تسخين الحرب النفسية وهذا الكمّ من الرعب العالمي فقط لإجراء مفاوضات أو لقاء معيّن أو الحصول على تنازلات؟

 

فيصل الشريف: فعلاً التلويح بالعقوبات واستعمال السلاح الاقتصادي في الحرب النفسية هو دليل ضعف على المستوى العسكري أو عدم المغامرة بقوات عسكرية كبيرة، الولايات المتحدة الأميركية كانت لا تريد أبداً المواجهة لا مع إيران، إلى اليوم، وهذا خيار غير مطروح تماماً، بالنسبة لكوريا أو إيران أو عديد الدول، لأنّ المغامرات العسكرية المباشرة أخذت فيها الولايات المتحدة درساً كبيراً عبر التاريخ، آخرها التدخّل في العراق، فبالتالي أصبحت أميركا اليوم تقوم تقريباً بحرب بالوكالة مع عديد الشركاء لديها، أو حتى في عديد المناطق في العالم، فبالتالي هذا الباب سُدّ تقريباً، بقي الباب الكبير الذي يطرح لديها هو الباب الاقتصادي والضغط على الأنظمة التي هي خارجة عن سرب المعسكر الرأسمالي الأميركي بالأساس وليس الأوروبي، لأننا نرى حتى انشقاقاً داخل هذا الحلف الرأسمالي الأميركي والأوروبي، وهو فرق كبير خصوصاً مثلاً لو أخذنا المسألة الإيرانية، أنّ أوروبا اليوم لا تتماهى ولا تتماشى مع الولايات المتحدة الأميركية، لأنها توصّلت إلى اتفاق نووي مع إيران.

بقيت كوريا الشمالية، وهنا نرى كيف أنّ كيم جونغ أون أحسن الحرب النفسيّة وأتقنها كثيراً مع الولايات المتحدة الأميركية بتلك التجارب النووية التي كان يقوم بها، وبالتلويح بأن صواريخه قادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية، فبالتالي لعب نفس اللعبة التي قامت بها الولايات المتحدة الأميركية عبر التهديد بحرب نووية، ولكن الإثنين يعرفان جيداً ألا أحد سيُطلق الصاروخ، فبالتالي وصل بالأخير إلى تقريباً استعمال تلك الورقة النووية كسلاح ضغط للتفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية.

فبالتالي نرى أنّ من الطرفين هناك ضغط وأحسنت كوريا الشمالية التفاوض والوصول إلى نتيجة، وربما لكَسْر كذلك هذا الطوق، رأينا في ما بعد توجّهاً كورياً شمالياً نحو التفاوض مع كوريا الجنوبية، ونعرف جيّداً أن المسألة الكورية والحرب الكورية التي نشبت هي حرب رأسمالية بالأساس قسّمت كوريا إلى شطرين، كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية، وتمّ دعم كوريا الجنوبية، ونرى اليوم المستوى الذي وصلت إليه وكوريا الشمالية وهما في نفس الجزيرة، بمعنى أنهما بلد واحد.

فحاول كيم جونغ أون وهنا في حربه النفسية التي ربما نجح فيها أكثر من ترامب، هو التوجّه إلى الإخوة، إلى الشطر الثاني من كوريا، والقول بأننا اليوم ونحن في هذه القوّة نتفاوض من موقع قوّة وليس من موقع ضعف، وهنا خَفَتَ صوت الولايات المتحدة الأميركية تجاه كوريا، وهي تعمل وفق العقلية القطبية، أنا القطب الأكبر في العالم، وربما بالتخلّي عن أوروبا، وفي مواجهة ما تسمّيه هي قطب الشرّ، جمعت فيه بعض الدول التي تهدّد ربما كيان أميركا، الولايات المتحدة الأميركية، ولكن  تغاضي هذه الدعاية أو تريد أن تتغاضى عن أصل المشاكل وعن أصل الداء في هذه البلدان كالإحتلال الصهيوني لفلسطين، كتقسيم كوريا إلى شطرين وهي بالأساس معركة أميركية، وعديد مناطق النزاع في العالم اليوم التي هي في الأساس وتاريخياً كانت من نتاج المعسكر الرأسمالي، وأرادت حَشْر هذه الدول في ما تسمّيه هي معسكر الشر ومعسكر الخير. وإذا أردنا الحصر في المسألة النووية، فلا نجد أن إيران تمثل تهديداً مباشراً ولا كوريا الشمالية، بل من تمثل قوّة اليوم محتلة ولديها القوّة النووية الكبرى ولم تُدرَج حتى في جدول منظمة الطاقة النووية هي إسرائيل، تمتلك أكثر من 180 رأساً نووية، وهنا أساس المشكل، لنرى أنّ المسألة غير مُعقلَنة وهي بالأساس حرب نفسية.

 

مايا رزق: صحيح، والمسألة هي بحسب توليف الموضوع، أي كيف نُعظّمه ونجعله يأخذ حجماً أكبر منه بالتحديد.

إلى أي مدى دكتور يوسف، يلعب الإعلام دوراً في تغذية هذه الحرب النفسية خصوصاً مع هذا التطوّر الملحوظ الذي نلحظه اليوم في عالم الإعلام؟

 

يوسف نصر الله: صحيح، لا شكّ أن الحرب النفسية بعد الطفرة الهائلة في دنيا التواصل وتكنولوجيا المعلومات ووسائط الاتصال والمعرفة والتطوّر الهائل في العلوم الإنسانية، لا سيما ذات الجانب التحليلي النفسي، قد جعل الحرب النفسية حرباً إعلامية بامتياز، ولعلّ هذا الأمر هو الذي جعل محور المقاومة وفصائل المقاومة تلتفت إلى أهمية دور الإعلام في هذه الحرب، في سياق الحرب المفتوحة مع الإسرائيلي وسواه، فأولت هذا الأمر بالغ الاهتمام وبالغ العناية، وقد قامت المؤسّسات الإعلامية كما نعرف بجهود جبّارة وبمهام استثنائية على هذا الصعيد.

الإعلام يشكّل بؤرة مركزية لممارسة الحرب النفسية، وسائط التواصل المتوافرة الآن سواء على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي أو على مستوى التلفاز أو سائر الوسائل الإعلامية تمارس دوراً هائلاً في ترسيخ الأفكار وفي التسويق للدعاية المرجوّة، لا سيما وأن هذه الدعاية المرجوّة، من شرائط الحرب النفسية أن تكون هذه الدعاية هي موضع اهتمام جَمْهَرة المُتلقّين، أي لا يمكن صوغ نوع من الدعاية إلا من خلال إحاطة بالمزاج العام الحاكِم والتوجّهات الحاكِمة لجمهور المُتلقّين، وينبغي أن يكون هذا الأمر موضع اهتمام أيضاً، وينبغي أن يُصاغ بشكل تبسيطي لكي يلقى التأثير المناسب، وهذا ما يمارسه الإعلام الآن.

 

مايا رزق: مشاهدينا الكرام، إن كانت الحرب النفسية سلاحاً فعّالاً، فلا شك أن الإعلام هو ذخيرة هذا السلاح الذي بات يزداد فتكاً، مع التطوّر الإعلامي الملحوظ الذي نشهده. ولعلّ تعاطي الإعلام مع مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي خير دليل على ما تقدّم. نتابع.

 

موقع عربي 21: بوليتيكو: لماذا اهتمّ الكونغرس فجأة باليمن

نشرت مجلة بوليتيكو مقالاً لكل من أستاذ عِلم النفس في جامعة أوراغون بول سولفيك، والباحِث أندرو كويست، يقولان فيه إن حالة وفاة واحدة مأساة، ومليون وفاة رقم إحصائي.

ويعلّق الكاتبان في مقالهما، قائليْن إنّ هذه المقولة التي عادة ما تُنسَب إلى جوزف ستالين تعطينا فكرة عمّا يُسمّيه علماء النفس حسابات التعاطف، فعندما نحاول تقييم أهمية الأزمات الإنسانية، نجد أنه كلما كان عدد الضحايا أكبر قلّ اهتمامنا. ويرى الباحثان أن هذه النظرة العميقة إلى السايكولوجيا الأخلاقية تساعد على توضيح الاهتمام المُفاجئ للكونغرس والإعلام الغربي بإنهاء دعم الحرب السعودية في اليمن.

ويتساءل الكاتبان ما الذي تغيّر؟ هذه المرة كانت هناك ضحية واحدة للنظام السعودي لكنه بارز، لاقت جريمة قتله البشعة اهتماماً واسعاً لم يحظَ به ضحايا آخرون قبله.

جمال خاشقجي مواطن سعودي وكاتِب في صحيفة واشنطن بوست قُتِل في القنصلية السعودية في إسطنبول في تشرين الأول (أكتوبر). وأقرّ السيناتور تيم كين من خلال حديث له على "ناشونال بابليك راديو" بأنه مع وجود الملايين الذين يواجهون المجاعة في اليمن فإن قَتْل خاشقجي مثل الشرارة التي جعلت مجلس الشيوخ يقف ويقول كفى، كفى.

ويستدرك الباحثان بأنه بالرغم من أنها ظروفٌ محزنةٌ، إلا أنها من ناحية سيكولوجية معقولة، فقد أظهرت دراسات مُتعدّدة أن الناس يميلون إلى الشعور مع ضحية واحدة يمكن التعرّف عليها مثل خاشقجي أكثر ممّا يشعرون به مع ضحايا مُتعدّدين مجهولي الهويات.

 

مايا رزق: أستاذ فيصل، أعود إليك. هناك مَن يقول إن الحرب النفسية التي تقودها اليوم تركيا بعد مقتل خاشقجي من خلال تقطير المعلومات حول مقتله وربما إظهار تفاصيل قاسية على المتابعين، من خلال طبعاً سياسة التقطير نفسها، أثّرت كثيراً وبدّلت الكثير من المعطيات في عالمنا العربي وحتى في العالم.

هل تتّفق مع هذا الموضوع؟ وبرأيك هل هذه الحرب النفسية التي تقودها اليوم تركيا ستصل إلى أين؟

 

فيصل الشريف: فعلاً، يجب أن ننتبه إلى أنّ الإعلام بصورة عامة أو المعلومة، المعلومة المُحايدة والتي تأتي إلى الناس بصورة عقلانية، أو ما يُستعمَل في المعلومة لدى الإعلام بصورة عامة، للدعاية أو لإيهام بحقيقة أو حتى لوسيلة ضغط على مستوى الرأي العام الوطني أو الدولي، وهذا ما يتمّ الآن من قِبَل تركيا في هذه القضيّة بالأساس، فنرى التنقيط، والمعلومات التي تُعطى تباعاً، ولكن بتفاصيل بسيطة جداً في كلّ مرّة، ولا نعرف مصير القضية، في حين أن خيوط القضية كاملة تقريباً موجودة لدى تركيا. فبالتالي هنا نتساءل، هل هي معلومات صحيحة وتُعطى تباعاً، أم هي وسيلة ربما للضغط على الطبقة السياسية أو الحكّام في العربية السعودية؟

وهنا نرى أهمية الإعلام في أولاً استقطاب الرأي العام، ثانياً الطبقة السياسية تستعمل الإعلام أو إعطاء المعلومة التي يمكن أن تكون صحيحة أو تكون مغلوطة أو إعطاء نصف الحقيقة في بعض الأحيان، وهذا أسلوب مُعتمَد منذ الحرب، منذ الثلاثينات من القرن الماضي، حيث يتمّ تجييش جميع وسائل الإعلام تقريباً، إما للإيهام بحقيقة، وحتى أخيراً نتذكّر جيّداً الحرب على العراق عندما تمّ إيهام أن صدّام حسين كان لديه أسلحة دمار شامل وكان يمتلكها، لكن في النهاية وحتى اليوم وأخيراً اعترف طوني بلير وربما كان يعرف جيّداً أن تلك المعلومة لم تكن حقيقة وقامت حرب، واقتنع العديد من الرأي العام داخل هذه الدول بأنها حرب حقيقية وأن صدّام حسين تقريباً يُهدّد السلم العالمي، وهنا نرى أهمية الإعلام الذي هو في جوهر الحرب النفسية.

أعطي مثالاً، أنّه لتحضير الحرب العالمية الثانية آنذاك، نشأ العديد من الإذاعات الناطقة باللغة العربية متوجّهة إلى الرأي العام العربي منها راديو باري في إيطاليا سنة 1934، ثم راديو برلين، الذي استقطب يونس البحري الذي عرفنا في ما بعد أنه كان يعمل، هو عراقي وكان خطيباً كبيراً جداً في الإذاعة الألمانية ولكن عَلمنا في ما بعد بأنه كان يعمل لحساب بريطانيا، وبدايات الـ b b c، وكنت كتبت مقالين في هذا الشأن حول بدايات الإذاعة البريطانية باللغة العربية ردّاً على هاتين الإذاعتين، وكانت تغطي كامل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكانت مدينة طنجة في المغرب القطب لهذه الدعاية لهذه البلدان.

فنرى أن الإعلام هو في جوهر الحرب النفسية كما قلت لأنك تتوجّه إلى الرأي العام، الرأي العام لا يقرأ الصحف كثيراً أو الكتب كثيراً، فكانت البدايات أولاً بالإذاعة التي شهدت طفرة بداية العشرينات، والجرائد، ولكن في الأساس الصورة التي استخدمها النظام النازي كثيراً في السينما، في المسرح، والوثائقيات، وكانت الأخبار تُبثّ قبل الأفلام للسنيما لأنه لم تكن التلفزيونات موجودة آنذاك، فكانت نشرة الأخبار والمعلومات حول الحرب والمشهد السياسي في البلاد تُبثّ قبل الفيلم، ممّا يعطي للمشاهد الفكرة بأنّ هذا ما يقع فعلاً في بلادنا وما يقع في العالم، وكان كلّ ذلك موجَّهاً توجيهاً تاماً من قِبَل السلطات الحاكمة.

نقول اليوم ربما هناك حرية تعبير أكبر وهناك قنوات خاصة، ولكن ذلك لا يمكن أن يبتعد عن الخط العام للدولة ولسياساتها، وهو كما قلت مثلاً إنّ ما يحدث في تركيا، تقريباً هناك رأي عام متّفق تماماً، وطبقة سياسية تحاول من خلال قنواتها، تركيا لديها قنوات رسمية، العديد من الدول لديها قنوات رسمية، وهناك خط تحريري يقترب أكثر ما يمكن إلى الخط السياسي لتلك الدولة، وربما نعود في ما بعد إلى سياسات ترامب والإعلام الذي يقترب منه، رأينا كيف أنه يريد مُعاقبة بعض الإعلاميين الذين لا يتماهون أو لا يتماشون مع ما يقوله، وتمّت مُعاقبة صحافي بعدم دخوله إلى البيت الأبيض، وهنا نرى التماهي ما بين السياسي والإعلام.

 

مايا رزق: بالعودة إليك دكتور يوسف، وبالحديث ربما عن قضية خاشقجي، برأيك هل تحوّلت هذه القضية من قضية مقتل شخص إلى حرب نفسية ستؤثّر على ملايين الأشخاص حول العالم؟

 

يوسف نصر الله: دعيني بداية أقول بالموضوع التركي، هذا التنقيط بالمعلومة هو رغبة تركية في إبقاء هذه القضية حاضرة في المزاج العام العالمي وفي الرأي العام العالمي، لأنها كانت تخشى أنّ الأميركي يستفيد من عامل الوقت لإماتة هذه القضية ولجعلها في آخر الخط وفي المؤخّرة.

نعرف نحن في البدايات الأولى، كانت الخبر الأول بالإعلام، ثم صارت تتدنّى، وهذا الوقت ليس لمصلحة التركي، لذلك هو يحاول دائماً أن يستفيد من هذه المعلومات المُسرّبة تدريجاً للحصول على مكاسب أكبر في مقابل هذه القضية.

نعم، تحوّلت هذه القضية إلى قضية كبيرة، إلى قضية عالمية، إلى قضية إنسانية بلحاظ الأسلوب الذي مورِست به عملية القتل، الإعلام الذي تعاطى بإيجابية مع هذه الحادثة.

 

مايا رزق: حتى أنه أحيا قضية اليمن، بعد مقتل الآلاف في اليمن وصَمْت العالم، اليوم هناك مجدّداً صحوة إذا صحّ التعبير عالمية تجاه اليمن انطلاقاً ممّا حصل في القنصلية.

 

يوسف نصر الله: علينا ألا نربطها لهذه الدرجة، الموضوع اليمني موضوع مختلف، تزامناً بالطرح لكن الموضوع مختلف، الجرائم التي تحصل في اليمن باتت تشكل أزمة أخلاقية وقِيَمية لكل الغرب الذي لطالما تغنّى بموضوع القِيَم الإنسانية.

فشل السعودي والتحالف السعودي في تحقيق مُنجزات عسكرية ميدانية في الموضوع اليمني جعل وقف حرب اليمن هو حرص على الخروج بما تيسّر من ماء الوجه السعودي ليس إلا.

نعم، موضوع الخاشقجي ساعد في طرح هذا الموضوع من الباب العريض، من الباب الواسع، ولكن لموضوع اليمن أسباب أخرى.

 

مايا رزق: شكراً لك الدكتور يوسف نصر الله الباحث في الشؤون الاستراتيجية، والشكر موصول أيضاً لضيفنا في تونس الأستاذ فيصل الشريف الخبير الأمني والعسكري.

مشاهدينا الكرام شكراً لطيب المتابعة. وإلى اللقاء.