كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

الخليج.. وعلاقة بريطانيا المضطربة به

 

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني حرية التعبير، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية 

المحور الأول

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن الخليج، الخليج الفارسي، والدول الخليجية التي يرِد ذكرها في (بريطانيا). تلميذ بريطاني يافع، بعد مُحاكمة مدّتها أربع دقائِق لم يكن لديه فيها محامٍ، حُكِمَ عليه بالسجن المؤبّد بتهمة التجسّس. ليس واضحاً لماذا تحتاج (بريطانيا) إلى التجسّس على الإمارات العربية المتحدة، وهو بلد أنشأته (بريطانيا) على نحوٍ حاسم ويقولون تجمعه بـ (بريطانيا) علاقة استخباراتية وعسكريّة وثيقة جداً. حسناً، كنّا نعلم ذلك، لكن يبقى اللغز في سبب تجرّوء الإماراتيين على مُعاملة طالب بريطاني في هذا الشكل. لكن ليست (الإمارات) وحدها من يرِد ذكرها في الأخبار. ففي (عُمان)، بعد فترة طويلة من انسحاب (بريطانيا) من شرقيّ قناة (السويس)، انسحبت حين كان فريق البيتلز يحتل المرتبة الأولى في لائحة التسجيلات الأكثر شيوعاً لكن "البيتلز" توفّوا منذ ما يفوق أربعين عاماً ومن المُفتَرَض أننا خلّفنا كلّ ذلك وراء ظهورنا، لكننا اليوم أقمنا ليس قاعدة عسكرية جديدة واحدة في الخليج فحسب بل إثنتين وإحداهما في (عُمان). هلّ تعلمون أنّه لغاية منتصف الستّينات، عندما كان البيتلز ملوك الساحة الغنائية، كانت تُحوَّل نصف مجمل إيرادات (عُمان) إلى (لندن) مُباشرةً؟  إلى درجة أنّه في الستّينات كان كلّ وزراء الحكومة ضبّاطاً في الجيش البريطاني باستثناء واحد منهم، كذلك كان وزير الدفاع في (عُمان) جندياً بريطانياً وكانت سياسة (عُمان) الخارجية بأسرِها مجالاً خاضعاً للحكومة في (لندن). في واقع الأمر، لم يكن لـ (عُمان) علاقات دبلوماسيّة إلّا مع بلد واحد في العالم، صحيح، (بريطانيا). أرسلت (بريطانيا) جيشها ليُقاتل الشعب العُماني حين نهضوا لإطاحة دكتاتور فاسد، وأُطيح في نهاية المطاف على يدّ إبنه الذي حصَلَ على نصائِح، أعتقد يسمّونها، أمنيّة وعسكرية من (بريطانيا). أمّا في (البحرين)، فأقامت (بريطانيا) اليوم قاعِدة بحريّة دفعَ كلفتها البحرينيون، كم نحن محظوظون. إذاً، بعد انسحاب (بريطانيا) في الستّينيات من كلّ مناطق شرقيّ قناة (السويس) عادت (بريطانيا) إليها. فما نوع هذه البلدان التي ننخرِط فيها في هذا العُمق؟ (الإمارات) التي ذكرناها سابقاً ومعها (السعودية)، التي تجمعنا بها علاقة استخباريّة وعسكريّة وثيقة في القدر نفسه، تخوضان في دماء شعب (اليمن) المُجاور لهما، تغرقان في الدماء بكلّ ما للكلمة من معنى. لقد قتلا المئات ومئات المئات من الأطفال وقتلا عشرات وعشرات الآلاف المؤلّفة من المدنيين ولا يزال القتل مستمراً حتّى هذه اللحظة مع أنّ الجنرال "ماتيس"، الملقّب بالكلب المسعور، وهو وزير الدفاع في الولايات المتّحدة، أمرهما بالكفّ عن ذلك! أتساءل ما الذي حلّ بكلامه؟ قال إنّه لا بدّ من وقف الهجوم فوراً، وحتّى أنّه سمّى المطعم الذي سيتناولون الطعام فيه في (السويد)، المكان الذي أصرّ على أنّ مُحادثات السلام ستُجرى فيه، لكنهما لم يقدما على ذلك ولم يحلّ السلام في (اليمن) بل خيَّم عليه شبح الموت وشبحا الكوليرا والمجاعة. بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، أرسلت (الإمارات) و(السعودية) جنوداً الآن إلى الأراضي السوريّة الخاضعة لاحتلال أميركي، وهي ذاك الجزء من (سوريا) الذي يحتلّه "داعش" والولايات المتّحدة و(السعودية) و(الإمارات). بالتالي، عمّا قريب، إن لم يبدأ ذلك بالفعل، ستقتل قوّات سعودية وإماراتية السوريين، ومن المرجّح أن يُقتَل بعضٌ منهم في المقابل. حقوق الإنسان في تلك البلدان الخليجية مُجرّد أُسطورة، فكانت الانتخابات الأخيرة في (البحرين) مهزلة لأنّ معظم النوّاب هم الآن في (لندن)، أي أنهم يعيشون في بلدٍ آخر أو أنّهم منفيّون أو مسجونون في (البحرين)، ولن أبدأ في التحدّث عن الانتخابات في (السعودية). هذه البلدان، وبعضها ليست سوى محطات وقود ترفع أعلاماً، تؤدي دوراً حاسماً في الأحداث الإقليمية والعالمية، تؤديه بالوكالة عن (بريطانيا) والولايات المتحدة، وباتت أيديها ملطّخة بالكثير من الدماء. ما الذي رأته (بريطانيا) في (عُمان) لتقع في حبّها؟ هلّ السبب رمالها أم ساحلها؟ أم هلّ السبب كون (عُمان) تقع على باب مضيق (هرمز)، وقد سبق أن رأت (بريطانيا) أهميته الاستراتيجية؟ ما الذي تراه (بريطانيا) في (البحرين) أكثر من مرافئ الموانئ في المياه العميقة وقُربِها من (السعودية) ما جعلها تحلّ مكان (الهند) في التصوّر البريطاني الامبريالي؟ في زمن من الأزمنة تمحورت كلّ السياسة الخارجية البريطانية حول (الهند)، أمّا اليوم فتتمحور كلّ السياسة الخارجية البريطانية في الشرق الأوسط العربي حول (السعودية) و(إيران) وحول مراقبة (إيران) وإبقائها تحت سيطرة مُحكَمة وتغيير النظام فيها. هذا سبب وجودنا في المنطقة، لكن من الأصعب فَهْم سبب اعتبار العرب وجودنا هناك بالأمر الجيِد. من الصعب فهم كيف يتقبّل أيّ عربي يحترِم نفسه أو حتّى أيّ مُسلِم يحترِم نفسه وضعاً يبقى فيه الأجانب بموجبه طغاة في السلطة، ليس بهدف تنمية بلادهم بل ليستمرّوا في إثرائنا بينما يحتفظون ببعض الثروات لأنفسهم. معنا هنا جمهور من الخبراء المميّزين لا يوافقني جميعهم الرأي في أيّ شكل حول ما قلته للتوّ أو حول ما سأقوله، كذلك معنا بعض الهواة المتحمّسين مثلي. فلننتقل إلى أحد هؤلاء الخبراء أولاً. "تشارلز شو بريدج"، ضابط سابق في الجيش البريطاني وهو رجلٌ انخرط كثيراً في ما مضى في الأعمال الاستخبارية والقانونية وأعمال الشرطة، أمّا اليوم فيقول الحقيقة عبر الأثير في الكثير من الأحيان معي، أهلاً بك في هذه الحلقة "تشارلز شو بريدج". ما مفتاح علاقات (بريطانيا) مع دول الخليج، ولماذا استأنف البريطانيون أفعالهم فجأة؟ لماذا لم نبقَ على حالنا السابقة؟ ولماذا نُعيد إقامة قواعِد في أماكن خرجنا منها منذ عقود؟

تشارلز شو بريدج – مختصّ في الشؤون العسكرية والاستراتيجية: نعم، أنت مُحق تماماً. ما نراه هو توسّعٌ واسع النطاق بدأ منذ وقتٍ قريب جداً، فخلال العقد الأخير تقريباً حافظنا على علاقات وثيقة مع هذه البلدان طوال تلك الفترة. أنت مُحقّ، فقد انسحبنا في الستّينات والسبعينات من تلك المنطقة ويُقال أنّ تلك المنطقة مثّلت أهمية بالغة بالنسبة إلى (بريطانيا) من ناحية إمدادات النفط وسواها في تلك الفترة أكثر من اليوم، لكن في الأغلب انسحبنا لأسباب ماديّة، إذ أننا لم نكن نملِك الكثير من المال، لكن عند النظر إلى حملة التقشّف التي تُنفِّذها الحكومة هنا في (بريطانيا) نجد انّه جرى تقليص ميزانية الشرطة وميزانية الجيش بالطبع الذي بات يُعاني لتعيين مجنّدين

جورج غالاواي: الأمر سيّان بالنسبة إلى القوات البحرية التي ستتمركز في هذه الأماكن

تشارلز شو بريدج: بالطبع

جورج غالاواي: واشترينا حاملتيّ طائِرات لكن من دون طائِرات

تشارلز شو بريدج: هذا صحيح، لكن بالرغم من النقص الحاد في التمويل جرى الرجوع عن هذه السياسة. وكما أشرت، نقيم حالياً لا قاعِدة واحدة بل إثنتين وإحداهما قريبة جداً من الأُخرى لكن كلاهما تمثلان أهميّة استراتيجية للعلاقات البريطانية أو ربما للعلاقات البريطانية الأميركية أيضاً. إذاً الأميركيون بالطبع لديهم أساطيل أساسية أحدها في (البحرين) أيضاً، ومن دواعي السخرية أنه متمركِزّ في القاعِدة البريطانية القديمة هناك. إذاً، تبني (بريطانيا) الآن قاعِدة جديدة هناك وقد افتتحتها للتوّ، وكما أنت قلت، غطّت تكلفتها السلطات البحرينية ما يدلّ على أنّها علاقة مُفيدة للطرفين، ليس بالضرورة للشعبين البحريني والعُماني و(بريطانيا) بل للحكومتين اللتين تُديران هاتين الدكتاتوريّتين بشكلٍ أساسي، ففي (عُمان) ملكيّة مُطلقة مثلاً. تعتبر (بريطانيا) دورها هناك جزءاً من الاستراتيجية الأميركية لدعم (إسرائيل) بالطبع وغيرها من البلدان الصديقة التي تُعارِضها (إيران)، وإذا نظرت إلى الخارطة فسيبدو لك جلياً أنّ موقع هاتين القاعِدتين لا يتعلّق بالضرورة في الحصول على إمدادات نفطية من الخليج بل يتعلّق في الهيمنة على الخليج أو التمتّع بحضور قوي هناك. لا محالة أنّ القوّات الأميركية هي من سيستخدم هاتين القاعدتين في الغالب وموقعها مناسب لاستهداف (إيران). هي غاية في الأهمية في حال (البحرين) على وجه التحديد لأنّها تُشير إلى أنّ (بريطانيا) تدعم العائِلتين الحاكمتين في البلدين، ما يعني أنّها تُشير إلى أنه ربما يجري الإقدام على تدخّل عسكري، لكننا لسنا على ثقة في هذا الصدد، بغية دعم هذين البلدين أو العائِلتين الحاكمتين فيهما في حال مناهضة شعبيهما لهما. قد يكون هذا مثلاً حال (البحرين) في الأخصّ بالطبع مع الأكثرية الشيعية هناك. يُمكن بسهولة الترويج للأمر في الغرب على أنّه انتفاضة أو غزو إيراني بالوكالة كما تم التسويق عن انتفاضة أو ثورة الحوثيين في (اليمن) مثلاً من ناحية أنّه لا بدّ من أن نواجه (إيران)، وبناءً عليه يجب أن نُساعِد (السعودية) وبالتالي تُتَّبَع استراتيجية كُبرى. كذلك نشهد حالة طرف يتحكّم في الرأس، ففي النهاية يُمكن القول إنّ سياستنا الدفاعيّة طموحة جداً، وقد تطرّقت أنت إلى حاملتي الطائِرات، وهما مشروعان باهظان جداً أقدمت (بريطانيا) عليهما إلى جانب نظام الردع النووي الذي نملكه، فضلاً عن استبدال غوّاصة "ترايدنت" بطرازٍ آخر، هذه عوامل تطغى تماماً على الميزانية الدفاعية إلى درجة أنّه بات من الصعب تعيين جنود وبحّارة لتنفيذ المهمّات الواقعة على عاتقنا بالفِعل. ويُشير الكثيرون، حتّى من داخل الجيش على ما أظنّ، إلى هذين المشروعين اللذين يتطلّبان رأس مال ضخماً، أي حاملتي الطائِرات ونظام الردع النووي، ما يُضعِف القوّات الأكثر تقليديةً ويُضعِف قواها، وهي القوّات التي يعتقد الكثيرون أنّ (بريطانيا) تحتاج إليها على نحوٍ مُلحّ أكثر. ومن المثير للاهتمام أيضاً أنّه جرى تصميم القاعدتين اللتين نتحدّث عنهما هنا في شكلٍ يسمح بصيانة حاملتي الطائِرات، أي أنّهما كبيرتان بما يكفي، كما في حال (البحرين)، لصيانة هاتين السفينتين الكبيرتين جداً. والمسألة كأننا سبق أن اشترينا حاملتي الطائِرات، ولنتذكّر أنّه خلال الدفاع عنهما لا يستخدم أشخاص مثل وزير الدفاع وكبار العُمداء البحريين وسواهم ذريعة أنّ السفينتين ضروريتان جداً للدفاع عن (بريطانيا) بل يقولون نّهما ضروريتان لتتمكن (بريطانيا) من إظهار قوّتها، هذه هي العبارة التي استُخدِمت طوال الوقت. وبالتالي لا بدّ من أن نتساءل أين المكان الأكثر ترجيحاً لأن تُظهِر (بريطانيا) قوتها فيه؟ فنعود لننظر إلى الوضع الراهن في العالم. وقد أشرت إلى بعضٍ مما يحدث وأعلم أنّه سيجري التطرّق إلى سائِر المسائِل لاحقاً وبالتالي، لا بدّ من أن ننظر إلى الشرق الأوسط. إذاً، لا تزال (بريطانيا) تُحاول الحفاظ، ليس بالضرورة على سيطرة مُحكمة في المنطقة بل على تأثير حاسم فيها بغضّ النظر عن أنّ ذلك لا يُحقّق لـ (بريطانيا) نتائِج ملموسة على ما يبدو غير بيع الأسلِحة لهذه المناطق، المسألة التي أثق في أننا سنتطرّق إليها، لكن كذلك الدفاع عن هذه الدكتاتوريات التي تجمعها بالرغم من ذلك علاقات ودّية مع (بريطانيا) وبالتالي مع الولايات المتحدة. بالتالي، نرى ترتيباً يُفيد الطرفين، يُغطّي مُعظم كلفته بالطبع دافعي الضرائِب البريطانيين

جورج غالاواي: كان كلامك مفيداً جداً، واسمح لي أن أطرَح عليك سؤالين انطلاقاً مما قلته. أنت واثق، أليس كذلك، من أن ما يحدث يعكس تأدية (بريطانيا) الدور المُساعِد للولايات المتحدة وأنّه لا يُمثل أُمنية بريطانية من نوعٍ ما في الحصول على حضورٍ مستقلّ أكثر في المنطقة؟ ثانياً، حكومة أغلبية من حزب العُمال برئاسة "هارولد ويلسون" دفعت (بريطانيا) إلى الانسحاب من شرقيّ قناة (السويس)، فماذا عن أيّة حكومة أغلبية مقبلة من حزب العمّال في (بريطانيا) الآن؟ هل سيُبقي "جيرمي كوربين" على هاتين القاعدتين في رأيك؟

تشارلز شو بريدج: تكمن المُشكلة الآن في أنّ للإنفاق الدفاعي تقديرات طويلة الأمد، بالتالي لا يُمكنك طلب حاملة طائِرات مثلاً أو إلغاء طلبها في غضون لحظات من الإخطار بذلك لأنه مشروع ضخم يدوم لعقد أو أكثر وبعدها يبقى في الخدمة لمدّة أربعين سنة. سبقَ أن تبيّن أنّه لو أرادت الحكومة إلغاء طلب حاملة الطائِرات الثانية، الأمر الذي كانت تُفكِّر فيه لأسباب تتعلّق بالميزانية، سيترتّب على إلغائها الآن كلفة أكبر من الحصول عليها والإبقاء عليها في المقام الأول. بالتالي، كأنّ الوضع الذي نشهده هو أنّ لدينا هذه المشاريع الرأسمالية الهائلة التي علينا الآن إيجاد وسائل لاستثمارها، هذا أحد العوامل، لكنني أعتقد أنّ في الجيش البريطاني والمؤسسة الأمنية في البلاد، لا سيما في ظلّ وزير الدفاع الحالي المُفرَط الحماسة، مع أنه جرى التوصل إلى هذه القرارات قبل عهده، رغبة في تبنّي سياسة كنّا لننعتها بالعدائية لو كانت من النوع الذي تُعبِّر عنه (روسيا) و(إيران)، لكن هي رغبة في تبنّي سياسة خارِجية حازمة أكثر ليست مستقلة عن سياسة الولايات المتحدة إنّما مُكمِّلة لها. أعتقد أنّ كثيرين في المؤسّسة الأمنية البريطانية يعتبرون أنّه لو استطعنا تأمين أصول عسكرية أكثر فسنحظى بتأثير أكبر ضمن إطار السياسة الأميركية بالرغم من أنّ السياسة الخارجية الأميركية اليوم تغدو ضيّقة الأُفق أكثر فأكثر، أو ربما لهذا السبب كذلك لأنّ لدينا أشخاص مثل "ترامب" يدفعون الولايات المتحدة نحو سياسة انعزالية أكثر فأكثر، وأعتقد أنّ هذا أحد المخاوِف الكبيرة التي تنتاب الزعماء العرب الذين اعتمدوا على الدعم الأميركي وربما يسعون الآن إلى أن تحلّ (بريطانيا) مكان الولايات المتّحدة في حال انسحاب الأخيرة

جورج غالاواي: ماذا عن اختلاف السياسة البريطانية عن تلك الأميركية تجاه (إيران)؟ فتُمثِّل القاعدة العسكرية في (عُمان) وتلك في (البحرين) في الحقيقة تهديدين مباشرين لـ (إيران)، غير أنّ (بريطانيا) تُصرّ على استمرار العمل في الاتفاق النووي الإيراني والالتزام به، أمّا "ترامب" فمزّقه. في رأيك، هلّ لهذا الاختلاف أسباب فعليّة؟

تشارلز شو بريدج: أعتقد نعم، فالاختلاف الأساسي في هذا الصدد هو أنّ (بريطانيا) ترغب في إجراء تعاملات تجارية أكثر مع (إيران) لتحقيق مصالِح تجارية، ثانياً أعتقد أنّ لدى (أوروبا) رغبة، ففي النهاية (أوروبا) وليس الولايات المتحدة هي التي ستقع ضمن نطاق الصواريخ الإيرانية المزعومة المُزوّدة برؤوس نووية، التي ستُوضع على الطاولة في حال فشل الاتفاق النووي الإيراني، أو هذا ما يُخشى على الأقلّ. بالتالي، (أوروبا) هي مَن سيقع ضمن نطاق هذه الصواريخ و(أوروبا) هي مَن قد تُهدّده هذه التطوّرات. بالتالي (أوروبا) هي من يقف في طليعة الراغبين في الحفاظ على هذا الاتفاق إضافةً إلى أنّه من المتّفق عليه، في مسألةٍ بوضوح الاتفاق النووي الإيراني، أنّ الولايات المتّحدة قد نكثت الاتفاق إذا صحّ القول، فقد انسحبت منه، أي أنها نكثت اتفاقاً متفقاً عليه دولياً وأعتقد أنّه يسود شعور أنّ ما يحدُث يُمثِّل سابقة غير مُشجِّعة للاتفاقات المُستقبلية. إذا نظرنا بالطبع إلى خارِج الشرق الأوسط، إلى الحالة الكورية، حيث بالطبع العديد، لا بل رجل واحد فقط على الأقل ضمن ماكينة صناعة القرارات الكورية لا بد ن أن يتساءل أنّه حتّى لو أبرمت (كوريا) الشمالية اتفاقاً مع الولايات المتحدة و(كوريا) الجنوبية و(اليابان) ربما يقضي بألّا تمتلك (كوريا) الشمالية برنامجاً نووياً فهلّ ستفي الولايات المتحدة بما تأخذه على نفسها من التزامات؟ إذ يُوحي الاتفاق النووي الإيراني بالطبع أنّ الولايات المتحدة لن تفي بالتزاماتها بل عندما يتولّى الرئاسة شخص جديد ستمزِّق هذا الاتفاق بكلّ بساطة وتُطالب باتفاق مُجِلٍّ أكثر مع (إيران)، وبالتالي نعم تختلف السياستان، وبالطبع لا بدّ من أن ننتظر لنرى إذا ما كانت (بريطانيا) ستخرُج من الاتحاد الأوروبي مرّة أُخرى لأنّ في رأيي هذا عمل مؤثِّر أيضاً، لكن (بريطانيا) في حاجة ماسّة آخذة في التزايد إلى الإعلان عن اتّفاقات تجارية وعلاقات وثيقة خارِج النطاق الأوروبي الذي تعتمد عليه حتّى الآن

جورج غالاواي: هذا مُثير للاهتمام. من يودّ أن يدلي بالمُشاركة التالية؟ تفضّل سيّدي

علي الفايز – مختصّ في شؤون البحرين والشرق الأوسط: أعتقد أنّ الحكومة البريطانية تُعرِّض البريطانيين لمخاطر في المستقبل بالإقدام على توسُّع من هذا القبيل في الخليج. من المُرجّح أنّها ستحلّ مكان الحضور الأميركي أو أنّها ستُقدِّم للأميركيين دعماً هناك، لا ندري، لا نزال غير واثقين في هذا الصدد والمسألة غير واضحة بالنسبة إلينا. نعتبر الحضور البريطاني في (البحرين) اليوم غير شرعي لأنّ البريطانيين أبرموا اتفاقاً مع حكومة لم ننتخبها نحن الشعب البحريني، ولا نزال نحتفظ في ذاكرتنا أن الحكومة البريطانية هي مَن شكّل هذه الحكومة الاستبدادية في بلدنا ودعمتها طوال الفترة التي تلت انسحابها، وأضع كلمة "انسحاب" بين قوسين. نعلم أنّ البريطانيين أيضاً انسحبوا عسكرياً غير أنّهم أبقوا شخصاً تابعاً لهم في (البحرين) لسنوات كثيرة، وهو "إيان هندرسون" الذي قاد خلال تلك الفترة القوّات الأمنية. تعود (بريطانيا) إلى بلدنا علناً اليوم ونعتبر ذلك دعماً صريحاً للدكتاتوريّة والاستبداد، والسؤال هو لماذا عادت؟ فقد طالب شعبنا بتحوّلٍ ديمقراطي عبر اختيارنا طريقة سلمية، وظننا عام 2011 أنّ الحكومة البريطانية ستدعم التحوّل الديمقراطي لأنها تطرح الديمقراطية كإحدى القِيَم البريطانية، لكنّها أقدمت على العكس. كذلك نعتبر الحكومة البريطانية المؤسّس الأساسي للكيان الصهيوني في منطقتنا، أي (إسرائيل)، والمؤسّس الأساسي للاستبداد، وبالتالي نعتبر هذا المُنتَج بريطاني الصنع. الآن، هلّ ما يحدُث مرتبِط بتطبيع العلاقات بين (إسرائيل) ودول الخليج؟ رأينا "نتنياهو" يزور (عُمان)، وأعلن الآن عزمه على زيارة (البحرين)، ونرى حضوراً بريطانياً في (عُمان) و(البحرين)، فهلّ ما يحدُث هو البداية؟

جورج غالاواي: هذه نظريّة مثيرة للاهتمام وسأعود إليها بعد الفاصل، ولا تنسى أنّ (إسرائيل) زارت (الإمارات) في الآونة الأخيرة أيضاً

علي الفايز: نعم

جورج غالاواي: بالتالي، ربما يُمثل هذا الدخول، إن أمكنني تسميته ذلك، جزءاً من الحلّ لهذه الألغاز. أنتم تُشاهدون برنامج "كلمة حرة"                                                 

المحور الثاني

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بحديثٍ عن الخليج وعلاقة (بريطانيا) المُضطربة به، مضطربة كما يعتبرها البعض على الأقلّ. خرجنا مع كاميرا "كلمة حرة"" إلى شوارِع (لندن) لنسمع آراء الناس، فلنشاهد التالي

المحاور: هل تعتقدين أنّ (بريطانيا) مُحقّة في التمدّد وإقامة قواعِد عسكرية في الشرق الأوسط مرة أُخرى؟

سيدة 1: أعتقد أنّ (بريطانيا) تملك ما يكفي من القواعِد العسكرية وينبغي عليها الانسحاب من بعض الأماكن التي تملِك قواعِد عسكرية فيها. أنا إيرلنديّة في الواقع ويعود أصلي إلى جمهورية (إيرلندا)، وقد استعمَرَنا البريطانيون ولم تكن الحال رائِعة، فما من رحمة في قلوب البريطانيين. أتحدث بالإنكليزية لأنّ البريطانيين قتلوا كلّ مَن تحدثّ بلغتنا في بلدنا

رجل 1: أعتقد أنّه ينبغي على (بريطانيا) الاضطلاع بدورٍ قيادي لأنهم دائما ما اضطلعوا به. أعني كانوا أحد قادة العالم لسنوات وما زالوا كذلك اليوم، كذلك يتفهّم البريطانيون الشعوب والثقافات الأُخرى إلى حدٍّ بعيد وأعتقد أنّ الدور الذي يؤدّونه في الشرق الأوسط دوراً مُساعِداً وليس مُضرّاً

سيدة 2: لا، لا أعتقد أنّه فعلٌ صائِب ولا أعتقد أنه ينبغي علينا أن نبني قواعِد عسكريّة في بلدان أُخرى. عشت منذ سنوات كثيرة جداً في مُعسكر (غرين هام كومن) بهدف التخلّص من الرؤوس الحربيّة النووية التي حصلنا عليها من الولايات المتّحدة ولم تتغيّر معتقداتي منذ ذلك الحين

رجُل 2: لم يرحل البريطانيون أصلاً، فبين (بريطانيا) و(عُمان) و(البحرين) ارتباط طويل لسنوات عديدة ولأنّ الأمر كذلك يعملون عن كثب مع الأميركيين، فلدى الأميركيين حضور بحري بارز في (البحرين)

شاب 1: أعتقد أنّها فِكرة غير سديدة، لكن بالنسبة إلى البريطانيين هي فكرة سديدة لأنّ (بريطانيا) تنتمي إلى العالم الأول، فيحاولون مُجاراة أيّة أمّة أُخرى تحاول النهوض

المُحاور: هلّ تعتقد أنّ هذه المشاريع العسكريّة مرتبطة بـ "البريكسيت" في أيّ شكل؟

رجُل 1: لا أعتقد أنّها تمُت إلى "البريكسيت" بصلة بل هي استراتيجية أجلها طويل أكثر بكثير بين (بريطانيا) والشرق الأوسط

رجُل 2: لا أعتقد أنّ "البريكسيت" مُرتبِط بالتوسّع العسكري

شاب 1: سواء أكان "حزب العُمال" أم كان "حزب المُحافظين" أو "الديمقراطيين الليبراليين"، سيستمرّون جميعاً في التدخّل عسكرياً وما شابه ولن تتغيّر الحال. يهدفون إلى التأكّد من تعزيز أهميتهم لا سيما في المسائِل المتعلّقة بالشرق الأوسط

سيدة 1: لا أعرِف، صدقاً. لا أعلم لماذا توسّعوا في المنطقة الآن أكثر من الفترات السابقة

سيّدة 2: أعتقد أنّ على البريطانيين أن يهدأوا قليلاً وأن يكفّوا عن محاولة السيطرة على أجزاء كثيرة من العالم

جورج غالاواي: هذه خير صورة عن أبناء بلدي وبناته، لاسيما السيّدة الإيرلندية. كنّا نتحدّث قبل الفاصل عن المعاني المُحتملة لكلّ ما يحدُث بالنسبة إلى العالم، وقد تساءلت أنت حول أحد الآثار، فمن المؤكّد أنّ الأحداث الراهنة تحدُث بالتساوي مع تطبيع العلاقات بين (إسرائيل) وكلّ دول الخليج تقريباً. صعدتُ في مصعد في (الدوحة) مرّة، وعندما فُتِحَ باب المصعد خرج "شيمون بيريز" منه، وحدث ذلك قبل الإعلان عن مسائِل من هذا القبيل. ذكرتُ أنت ما يحدُث في (عُمان) بينما تطرّقت أنا إلى (الإمارات)، ولا شكّ في أنّ (السعودية) تلتقي بجنرالات وشخصيّات دبلوماسية متقاعِدة في فعاليات مُختلِفة حول العالم. لكن يبدو أنّه من غير المُرجّح في ظلِّ حُكم "محمّد بن سلمان" على الأقل أن تتخلّف (السعودية) عن هذه القافلة طويلاً. أمّا الأثر الدولي الآخر فهو الذي ذكره "تشارلز شو بريدج" والمتعلِّق في أننا عمَلنا جنباً إلى جنب مع الأميركيين. أرجو منك التعليق على ذلك وأخبرني بالتالي أيضاً، كيف ينظُر العرب إلى ما يحدُث؟ إذ أنّ الأمر بمثابة حدث مُنتظر لا يأتي أبداً نظراً إلى أن وسائِل الإعلام في هذه البلدان ليست حرّة ولا يُمكننا معرِفة موقف الناس في هذه البلدان إزاء ما يحدُث، لكنك ستتمكّن من مُساعدتنا في هذا الصدد، تفضّل أرجوك

علي الفايز – مختصّ في شؤون البحرين والشرق الأوسط: أعتقد أنّ (بريطانيا) قد فشلت في إنشاء دول في الخليج، أي إنشاء بلدان لائِقة وراسخة، فما يزال في الخليج زعماء قبائِل، وفي المقابل

جورج غالاواي: لا أعتقد أنّ (بريطانيا) فشلت بل أعتقد أنّها قصَدت فعل ذلك      

علي الفايز: نعم، لكن

جورج غالاواي: وفي هذه الحال عليك في الحقيقة إعادة صوغ كلامك لتقول إنّنا نجحنا

علي الفايز: يحتاج البريطانيون إلى الترويج لهذا الكيان بشكلٍ ما على أنّه دولة، يحتاجون إلى إضفاء الاستقرار على المنطقة في شكلٍ ما، ومن دون إقامة شبه دولة لن يدوم هذا الوضع إلى الأبد. إذ تفُوق نسبة الشبّان في الخليج اليوم عن 50 في المئة وقد درس هؤلاء في (أوروبا) والولايات المتحدة وغيرهما ويريدون أن يُشاركوا في عمليّة صنع القرارات، وبالتالي فشلت (بريطانيا) في توقُّع المُستقبل. كذلك فشل البريطانيون والأميركيون في تطبيع العلاقات بين ما يُسمّونه (إسرائيل) والعرب والمُسلمين، وبدأوا يستشعرون خطر وجود هذا البلد. ولأنّ (بريطانيا) هي التي أنشأته أعتقد أنّهم يعودون إلى الخليج لهذا السبب أيضاً. بالنسبة إلى عودة البريطانيين إلى دول الخليج، هلّ هم بديل عن الأميركي أم يدعمونه؟ هذا سؤال آخر يجب أن نتناوله، لكن في أيّة حال، أُريد أن تصل هذه الرسالة إلى (بريطانيا)، يُخاطر البريطانيون في هذا بالمصلحة البريطانية على المدى البعيد لأنّهم يبنون علاقة مع دكتاتوريات وأنظمة استبدادية وهي أنظِمة لا نتوقّع أن تبقى موجودة في السنوات العشر المقبلة. يطالب الناس في الخليج بالديمقراطية، ولا يُمكن تطبيق الديمقراطية في وجود الصهيونيّة ووجود (إسرائيل). يدعم الناس في الخليج (فلسطين) وسيستمرّون في دعمها. بالتالي، يعود البريطانيون إلى الخليج ويريدون التأكّد من استمرار أمثال "محمّد بن سلمان" وآل "خليفة" وبقائهم في الحُكم في الخليج  

جورج غالاواي: تعتمد كلّ رهاناتنا على بقاء هذه الأنظمة في السلطة وفي حال سقطت، ستخسر، كما أشرت، (بريطانيا) لكونها المثلّث الداعِم الأساسي لها. سأعود للاستماع إليك لاحقاً. إسمحوا لي بالانتقال إلى السيّد في الصفّ الأوسط هناك

عصام محمّد – رجل أعمال: مرحباً "جورج"

جورج غالاواي: نعم سيّدي، ما وجهة نظرك؟

عصام محمّد: لا تزال (بريطانيا) تعيش في الماضي، ولا نزال نؤمن بأنّها إمبراطورية لكنها ليست كذلك بتاتاً، غير أننا نتمتّع بتأثيرٍ في شتّى الأماكن لأنّ الحُكم فيها تابع لنا ولا تُريد (بريطانيا) التخلّي عن هذا التأثير لسببٍ وجيه وهو إنك إن نظرت إلى أيّة قوّة عالمية، سواء أكانت الولايات المتحدة أم كانت (روسيا) أو (الصين)، لا تُريد أيّ منها التخلّي عمّا تتمتّع به من تأثير في مُحيطها، فمن الصعب جداً الإقدام على ذلك. أمّا السبب الثاني فهو أنّ (بريطانيا) لا تُريد أن تغدو بلدان الخليج ديمقراطية وإلّا سيفقدون تأثيرهم هناك. ففي ظلّ الديمقراطية تغدو السلطة في أيدي الشعب وستضطرّ هذه البلدان عندها، سواء أكانت (البحرين) أم كانت (السعودية) أو (عُمان)، أن تفعل ما يريده شعبها. بالتالي، لا بدّ من أن يُعيِّن البريطانيون ما أُسميه "أنظمة صُوَريّة" لكي تمتثل لهم وتُنفِّذ أوامرهم. وما تحصل عليه هذه الأنظِمة في المقابل هو الأمان وضمان استمراريتها كحال "محمّد بن سلمان" الذي يُحاول الجميع إنقاذه بمَن فيهم "ترامب". إذاً، لا أتوقّع أيّ تغيير على هذا الصعيد، الأمل الوحيد الذي امتلكته شخصياً كان عام 2010 – 2011 مع اندلاع "الربيع العربي"، لكن حاول الجميع إفشاله في طريقة أو أُخرى، وكان ذلك أملي الوحيد. أمّا اليوم، فقد اضطرّ الناس في بلدان كـ (البحرين) إلى العودة إلى الصفر والبدء من جديد، تماماً كما نفعل هنا مع "جيرمي كوربين". لكنني لستُ متفائِلاً

جورج غالاواي: لستُ متفائِلاً، هلّ من شخصٍ متفائِل؟ السيّد في الصفّ الأمامي، وهو ليس متفائِلاً البتّة أيضاً، فلنستمع إذاً إلى كلّ المتشائمين أولاً. تفضّل سيّدي

توبي كادمان – محام وناشط في مجال حقوق الإنسان: لستُ متفائِلاً البتّة. بالنسبة إلى المُشكلة التي نشهدها الآن، تحدّثنا عن غاية البريطانيين سواء أكانت إقامة دول ديمقراطية مستقرّة أم لا. في رأيي، مهما كانت الغاية، لا بدّ من أن ننظر إلى ما بين أيدينا الآن

جورج غالاواي: إلى ما حصل هنا

توبي كادمان: ما من دول ديمقراطية مُستقرّة في الشرق الأوسط، فقد أشرت إلى دور (الإمارات) في عدد من الدول الأُخرى. لننظر إلى ما فعلته في (ليبيا) حين سلّحت "خليفة حفتر" وما الذي فعلته حين دعمت "السيسي" في (مصر)، ولننظر إلى ما تفعله في (اليمن). أعني، يُنظَر إلى (الإمارات) في بلدنا عموماً على أنّها بلد الرمال والشمس ومكان رائِع لقضاء عُطلة، غير أنني أعتبرها شخصياً أحد أكثر الأماكن خطورة في الشرق الأوسط إلى جانب (السعودية). لكن في الحقيقة جميعها دول دكتاتورية وليست دولاً ديمقراطية. ما من أحزاب سياسية مُعارِضة ولا صحافة حرّة. أكبر مخاوفي، بصفتي كمحام متخصّص في حقوق الإنسان، هو أننا وصلنا اليوم إلى مرحلة أزمة عالمية في ظلّ افتقار العالم إلى المُساءلة وآليّات حماية حقوق الإنسان. أعني، في الاستماع إلى ما قاله وزير الخارجية عن قضيّة "ماثيو هيدجز"

جورج غالاواي: أريد أن أسألك عن هذه المسألة، فأنت لست أيّ محام بل مُحامٍ معروف ومميّز جداً. إذا كانت (الإمارات)، كما اعتقدت أنا وأشرت منذ مدّة طويلة، هي دولة وصاية أميركية وبريطانية بالفعل، لماذا تصرّف الإماراتيون على هذا النحو مع طالِب بريطاني يافع؟ فبعد مُحاكمة مدّتها أربع دقائِق لم يكن لديه فيها محام حُكِمَ عليه بالسجن المؤبّد! في الواقع لا تتصرّف حكومة صُوَريّة في هذا الشكل عادةً

توبي كادمان: في رأيي، ما نراه في عددٍ من البلدان الدكتاتورية والأوتوقراطية هو أنّها ستتمادى قدر المُستطاع، وإذا لم يوضَع لها حدّ واضح فستستمرّ في التمادي. أعني، إذا نظرنا إلى ثلاث حالات على وجه التحديد وهي قضيّة "ماثيو هيدجز" ومسألتا "جمال خاشقجي" ومسألة إبنة حاكم (دبي) نفسها التي نعتقد أنّها خُطِفَت وقُتِلَت لتعبيرها عن رأيها بصراحة. في النظر إلى هذه المسائل الثلاث ذات الصلة نلحظ أنّ هؤلاء الأشخاص في مواقع السلطة هذه لا يعتبرون أنفسهم خاضعين للقواعِد والقوانين مثلنا، لا يعتبرونها تُطبّق عليهم فيستمرّون في التمادي. يُدرِكون ضعف (بريطانيا) ونظام الأُمم المتحدة وأنّهم لن يخضعوا للمُساءلة. طُرِحَ سؤال في استطلاع الرأي عمّا إذا كان ما يحدُث مرتبطاً بـ "البريكسيت"، أنا أؤمن كثيراً أنّ بينهما ارتباطاً بالفِعل. فقد رأينا فعلاً خلال الأشهُر الإثني عشر إلى الثمانية عشر الماضية أنّ (بريطانيا) تتقبّل إلى حدٍّ أبعد بكثير هذه الأنظمة الأوتوقراطية. إذاً، إن لم تنهض (بريطانيا) لتقول: "لقد طفح الكيل ولن نتقبّل ما يحدُث بعد الآن، أنتم لستم من أصدقائِنا"، تقول بلدان أوروبية أُخرى ذلك لـ (الإمارات) و(السعودية)، فلماذا لا نقول نحن ذلك؟ لماذا نتقبّل ما يحدُث؟ أعني، إذا قرأت تصريح "ترامب" في الآونة الأخيرة في صدد ما يظهر من أدلّة عن "جمال الخاشقجي"، التصريح ينصّ على أنّ "محمّد بن سلمان" ربما عرِفَ بالأمر وربما لم يعرِف، لكن ما يهمنا هو الاتفاقات التجاريّة، هذا ما يهُمنا

جورج غالاواي: لكن دائِماً ما يُمكنك الاعتماد على أن يتحلّى "ترامب" بالصدق على نحوٍ سوقيّ. قال: "لا يُمكنكم أن تصمدوا مدّة أُسبوعين من دون دعمنا"، هذه حقيقة لم يُصرِّح بها الساسة الأكثر تهذيباً من أصحاب الألسنة كالشوكة. لكن "ترامب" مُحقّ أليس كذلك؟ هذه البلدان ليست جهات مُستقلّة، فبلدان مثل (السعودية) و(عُمان) و(الإمارات) و(البحرين) بلدان تبعيّة بحتة، تعتمد على دعم الغرب المُستمرّ عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً

توبي كادمان: بالطبع، هذا حتميّ. لكن لا تقتصر المسألة على أنّ البلدان الخليجية لا تمتثِل لقوانين الغرب، بل تُدرِك أنّها تحظى خلف الكواليس بدعم الغرب الكامل وأنّ الغرب لن يأخَذ أيّ تدبير ضدّها لأنّ ذلك ليس في مصلحته. لكن في العودة إلى موقف "ترامب"، أنا لستُ من داعمي (إيران)، إذ أعتقد أنّ وضع حقوق الإنسان في (إيران) سيّئ كسائِر البلدان التي نتناولها، ومع ذلك كان بيانه بأسرِه عن (إيران) بينما كان يجدُر بأن يتمحور البيان حول (السعودية). ركّزَ بيانه بأكمله على أنّ (إيران) سيّئة و(السعودية) صديقتنا، أعني بيانه الكامل

جورج غالاواي: قام على هذه الفِكرة

توبي كادمان: وأشار في الواقع إلى نُقطة مهمة فعلاً لم أنتبه إليها، وأعتقد أنّ كثيرين لم ينتبهوا إليها، لكن لفت نظري إليها زميل لي بالأمس. عندما تحدّث "ترامب" عن الأزمة الإنسانية في (اليمن) قال إنّه إن انسحبت (إيران) يُمكن أن تُقدِّم (السعودية) المُساعدة الإنسانية اللازمة، أي يُمكن للسعوديين تقديم مساعدة إنسانية متى شاؤوا، وأعتقد أنّ هذه مسألة مهمة، وهي أنّ "ترامب" لم يدرُس كلامه جيداً حين جهَّزَ خطابه ما يُظهِر فعلاً موقف الإدارة الأميركية الحالية بما يتعلّق بـ (السعودية) والخليج و(إيران)، وهذا مُقلق جداً

جورج غالاواي: كلّ ما سبق يستنِد إلى مسألتين، وليس بالضرورة أن تكونا ثابتتين. فكما رأينا في رأيي في استطلاع الرأي إلى حدٍّ ما، يُعتمَد على ألّا تنهض الشعوب العربية أبداً لتُطيح حكّامها، وكذلك يعتمد على ألّا يأبه الرأي العام في بلدنا لما يحدُث. غير أنني شعرت بعد مسألة "خاشقجي" تحديداً بأنّه يُمكِن أن يُثار الرأي العام في بلداننا اشمئزازاً من علاقتنا بهذه الأنظمة، ألا تعتقد ذلك؟ ألا يدعو ذلك إلى التفاؤل؟

توبي كادمان: أعتقد أنّه يدعو إلى التفاؤل بالفعل، وأعتقد أنّ قضيّة "جمال خاشقجي" على وجه التحديد مرتبطة بإعلام شعب بلدنا بما يحدُث هناك فعلاً. أظنّ أنّ الأشخاص العاديين لا يُدرِكون فعلاً مدى سوء الحال، لهذا يستمرّ الناس في الذهاب إلى (الإمارات) مثلاً، لأنهم لا يعلمون مدى سوء الوضع حتّى تغدو العواقب علنيّة، لا يعلمون قبل ذلك. فلننظُر إلى المرأة التي أُلقيَ القبض عليها لتناولها مشروباً كحولياً في رحلة على طيران (الإمارات)

جورج غالاواي: لم أفهم ذلك قط

توبي كادمان: مُعظم البريطانيين

جورج غالاواي: كان طيران (الإمارات) يقدِّم نبيذاً للمرأة، لكن أُلقيَ القبض عليها لشربها الكحول حين وصلت

توبي كادمان: بصفتي محامياً يُمكنني القول أنّ ذلك يُعتبر مُساعدة على ارتكاب جريمة جنائِيّة وتحريض عليها

جورج غالاواي: بالفعل

توبي كادمان: لذا لا بدّ من أن نستيقظ لما يحدُث

جورج غالاواي: ويروّجون لخدماتهم عبر الشاشات البريطانية مُشيرين إلى أنهم يُقدّمون الكحول

توبي كادمان: نعم بالفعل

جورج غالاواي: سنعود حالاً                      

المحور الثالث:

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن الخليج وكذلك بالطبع علاقات الأسى بين (بريطانيا) والولايات المتحدة أيضاً وبين الخليج. خرجنا مع كاميرا "كلمة حرة" إلى شوارِع (لندن)، فلنشاهد ما سجّلته

المُحاور: في هذه الأثناء توقّفت (فرنسا) و(ألمانيا) عن بيع الأسلِحة إلى (السعودية) لكن (بريطانيا) لم تفعل. هل تعرفين السبب؟

سيدة 1: لماذا لا يتوقف الناس عن بيع الأسلِحة؟ الأمر واضح، لأنهم يجنون المال من ذلك بالطبع

رجُل 1: السبب البسيط هو أنّ (فرنسا) و(ألمانيا) لا تبيعان كثيراً من السلاح إلى (السعودية) بل تحصل (السعودية) على مُعظم أسلِحتها من (بريطانيا) ومن الولايات المتّحدة، وسبب استمرارنا في هذه التجارة هو المال بكلّ بساطة

رجُل 2: أعتقد في الحقيقة أنني أُفضِّل النظر إلى أيّ نوعٍ من التجارة على أنّه ممارسة اقتصادية، وآمل ألّا تُمثِّل ممارسة عسكريّة. لكن للأسف، في الحديث عن الأسلِحة فأنت تتحدّث عن الجانب العسكري

شاب 1: من الواضح أنّها لم تكُفّ عن بيع الأسلحة. كلّ مدنيّ لقيَ حتفه جرّاء القصف السعودي هو جريمة ارتكبتها (بريطانيا)

سيّدة 2: أعتقد أنّه في حال أقدمت (ألمانيا) على ذلك علينا أن نُفكِّر في السبب. كما تعلم، نجمع المال طوال الوقت لغايات مثل إجراء أبحاث حول السرطان لكنّك لا ترى كثيراً من المؤسّسات الخيرية تجمع المال لتصنيع أسلِحة إذ لديهم ما يكفي من المال لفعل ذلك، بالتالي لماذا علينا جمع المال للحفاظ على صحّة الناس بينما يُسعِدنا أن نُخصّص أموالاً لتفجير الناس؟

المُحاور: في رأيك، هلّ سيكون لحضور (بريطانيا) في المنطقة تأثير جيِّد أو سيّئ لبلدان مثل (اليمن)؟

شاب 1: سيكون تأثيره سيّىء جداً، سلبي تماماً. لأن ما الذي يفعلونه الآن؟ الجنود البريطانيون ليسوا هناك، حسب علمي ليسوا هناك الآن لكنّ الحال كأنّهم هناك فعلاً، كأنّ الجيش البريطاني حاضرٌ في المنطقة ويقتُل المدنيين لأنّ (بريطانيا) تبيع الأسلِحة إلى السعوديين

رجُل 1: أعتقد أنّه سيكون لحضورها تأثيرٌ جيِّد إذ تتصِف الحكومة البريطانية والشعب البريطاني بالعالمية ويتجوّل البريطانيون حول العالم وأعتقد أنّ الناس يُدرِكون أنّهم في المنطقة للمُساعدة وليس لإلحاق الأذى وآمل أن يُدرِك الناس ذلك، أنّ هذا كلّ ما يهدُف إليه البريطانيون

سيّدة 1: قد يكون لحضور البريطانيين أثرٌ جيِّد إذا اتّسمَ بالاعتدال. كذلك أعتقد أنّه لا بدّ من توجيهٍ لائِق وواضح عن سبب حضور البريطانيين في المنطقة لكي تفهم القوّات على الأرض سبب وجودها هناك. لكنني أعتقد أنّ هذه هي الصورة المُثلى

رجُل 2: بصراحة، لا أعتقد أنّه سيترتّب على حضورها أيّ تأثير. أظنّ أنّ حرب (اليمن) ناجمة عن منافسة إقليمية بين (إيران) و(السعودية) وبين الشيعة والسُنّة وتنعكِس تبعات ذلك في جميع أنحاء (تركيا) و(قطر) وفي ما يحدُث بين (السعودية) و(قطر) وبين (السعودية) و(تركيا)

سيدة 2: لا أعلَم إذا ما كان طبعُ (بريطانيا) لبصمتها في بلدٍ آخر فكرة جيدة

جورج غالاواي: تفضّل "جوليان"

جوليان مورو – ناشط سياسي: شكراً "جورج". بدا أنّ "الربيع العربي" أكثر نجاحاً في البلدان التي حكمها رئيس وليس ملِك، وربما يُصحِّح أصدقاؤنا العرب كلامي إن كنت مُخطئاً. لكن يبدو أنّ الشعوب العربيّة أكثر تقبّلاً لدكتاتور ورث السُلطة من رئيس وصل إلى السلطة. بالتالي، من الأفضل بالنسبة إلى (بريطانيا) أن تدعم عائِلات بدلاً من

جورج غالاواي: لكن جرى إطاحة الرؤساء أيضاً، فأُطيح "مُبارك" لكنّ "السيسي" مثله أو أفضل منه أو أسوأ منه بحسب وجهة نظرك. كذلِك أُطيح الرئيس التونسي لكن أتباعه في معظمهم عادوا إلى السلطة. لذا، لستُ واثقاً من أنّ "الربيع العربي" حقّق أيّة نتائِج في نهاية المطاف

جوليان مورو: لكن هلّ بدأ "الربيع العربي" أصلاً في البلدان الملكيّة؟

جورج غالاواي: هذه فكرة سديدة

جوليان مورو: فـ (الأردن) مستقرّ و(المغرب) كذلك على ما يبدو، ولا أعلم إن كانت (البحرين) مُستقرّة

جورج غالاواي: تبدو جميع الأماكن مُستقرّة إلى أن تفقد استقرارها. بدت (تونس) مستقرّة للسياح وبعدها انطلقت شعلة بكلّ ما للكلمة من معنى حين أضرمَ شخصٌ النار بنفسه وخُضّت البلاد، لكن ذلك لم يستمرّ طويلاً. أعتقد أنّ هذا بيت القصيد، فليس بالضرورة أنّ الأميركيين والبريطانيين خسروا كلّ شيء عند إطاحة زعيمٍ ما في حال استطاعوا السيطرة على الأحداث التالية وتصويبها وتوجيهها نحو قنوات مُفيدة. لكن ربما يتماشى ذلك مع وجهة نظر السيّد، أنّ القبليّة ما تزال قويّة في هذه البلدان الملكيّة ويستجيب الناس للدعوة القبليّة وليس للديمقراطية. "تشارلز"، أردت أن أطرح عليك سؤالاً ساذجاً في هذه ظاهِرِه، لكن تُدهشني رغبة السعوديين في الأسلِحة، لا أعلم فعلاً أين يُعقَل أن تكون كلّ هذه الأسلِحة! (السعودية) ليست قوّة عسكرية كما يُمكننا أن نرى في (اليمن)، فقد فشلت هناك تماماً في قمع مقاتلين يملكون أسلِحة ودفاعات رديئة للغاية. ماذا لو أخبرتك أنّه منذ ثلاثين عاماً أرسلتني الحكومة البريطانية إلى (السعودية) ضمن مجموعة صغيرة من البرلمانيين الذي يهتمّون بالمصلحة العربيّة بهدف تسوية بعض المشاكل البسيطة التي كانت تقع بين (السعودية) و(بريطانيا)، وقاد الفريق وزير الخارجية البريطاني السابق الراحل "فرانسيس بيم" الذي عُرِفَ في ما بعد باللورد "بيم". أخبرنا اللورد "بيم" إنّ مهمّتنا تهدُف إلى الإقناع عبر المُهادنة، فقال: "اعتمدوا المُداهنة فلا يُمكننا الاعتذار ولا التبرير، لكن يُمكننا الإكثار من المُجاملة والإطراء". كان سبب ذلك أننا كنّا قد وقّعنا في فترة قريبة أكبر صفقة أسلِحة في التاريخ، وربما لا تزال الأكبر حتّى الآن، وهي صفقة "اليمامة"، وتساءلت حينها، ما الذي ستفعله (السعودية) بكلّ هذه الأسلِحة؟ فلا تملك ما يكفي من الجنود لاستخدام كلّ هذه الأسلِحة، وحدثَ ذلك قبل ثلاثين عاماً. يشتري السعوديون الأسلِحة على نحوٍ جنوني منذ ثلاثين عاماً! ما كمّ الأسلِحة الذي تريده (السعودية)، أم هلّ يعطونا المال مقابل حمايتهم فحسب؟

تشارلز شو بريدج – مختصّ في الشؤون العسكرية والاستراتيجية: (السعودية) أكبر مستورِد للأسلِحة في العالم، أعتقد كذلك أنّ ميزانيتها العسكرية تقع ضمن أكبر خمس أو ستّ ميزانيات عسكريّة في العالم، بالتالي أنت محق تماماً، إنفاقها هائِل. لكنني أعتقد أنّه يُمكن تناوُل بعض العناصر التي أشرت إليها من وجهات نظرٍ عدّة. أولاً، أنت مُحقّ تماماً. أعتقد أنّ شراء كميات هائِلة من الأسلِحة من الولايات المتّحدة ومنّا في (بريطانيا) يمنحهم بعض الحماية. تجلّى ذلك في بيانات "ترامب" نفسه الذي يستمرّ في ذكر تجارة الأسلِحة مراراً وتكراراً بالرغم من أنّ كثيراً من هذه الصفقات، أو حتّى معظمها، أُبرِمَ في ظلّ إدارة "أوباما" وليس إدارته. وفي حال "ترامب" هذه الصفقات هي من خطوات "أوباما" القليلة التي يوافق "ترامب" عليها ما يمنح السعوديين مساحة من الحريّة، ورأينا ذلك في قضيّة "خاشقجي"، لو تورّطت فيها بلدان لم تُنفِق إلى هذا الحدّ ربما كانت النتيجة لتختلِف من ناحية الإدانة وما إلى ذلك. للمناسبة، بالنسبة إلى مسألة "ترامب" و "خاشقجي" لا بدّ بالطبع من أن ننظُر عن كَثب إلى تعاملات "ترامب" الشخصية، لاسيما مُعاملات صهره والعلاقات التجارية بين عائِلة "ترامب" والسعوديين، لاسيما "محمّد بن سلمان" نفسه. على الرغم من أننا نبتعِد عن الموضوع قليلاً لا بدّ من أن نُبقي ذلك نُصب أعيننا عند تناوُل وضع السياسات. لكن مع ذلك، رأينا في استطلاع الرأي أنّ أناساً عموماً، كما أظهرت استطلاعات الرأي مراراً، يُعارِضون هنا في (بريطانيا) الاستمرار في بيع الأسلِحة إلى (السعودية) و(الإمارات) بسبب ما يحدُث في (اليمن)، وقد سبق هذا الموقف حادثة "خاشقجي"، ونرى أنّ هذا الموقف قد تعزّز أكثر بعد ذلك، وهو أنّه ينبغي علينا ألّا نتعامل مع هذه البلدان على هذا النحو، ومن غير المؤكّد كم تملِك تأثيراً بفضل مالها لكن المغزى أنّ مالها لا يمنحها تأثيراً في الشعبين الأميركي والبريطاني مثلاً بل تأثيراً في القلّة في بلدان كهذه. فأظهرت الدراسات أنّه بالرغم من أنّ المبالِغ في تجارة الأسلِحة بين الولايات المتّحدة و(السعودية) مهولة فهي تُمثّل نسبة صغيرة نسبياً من الصادرات إلى الناتج المحلّي في الولايات المتّحدة

جورج غالاواي: وعدد الوظائِف الذي توفّره صغير جداً

تشارلز شو بريدج: بالفعل، صغير جداً بالنظر إلى سوق العمل الأميركي، يُمثِّل أقلّ بكثير من واحد في المئة، أي يُمثِّل جزءاً من واحِد في المئة. لكن يجب أن نبحث، أو يجب أن يسأل الناس: من المُستفيد هنا؟ بالتالي، ليس بالضرورة أنّ الأميركيين هم من يستفيد إلى حدٍّ بعيد ولا حتّى الاقتصاد الأميركي يستفيد كثيراً، لكن عند النظر إلى من هُم المموّلون الأساسيون للساسة والأحزاب في الولايات المتّحدة ترى أنّ شركات النفط والأسلِحة تتصدّر هذه اللائِحة، بالتالي، كالحال في (بريطانيا)، يتمتّعون بقدرٍ غير متكافئ من التأثير في صنّاع القرار السياسي، وبالطبع يريدون الوضع أن يكون كذلك. تطرّقنا إلى جوانب الرأي العام، وفي العودة إلى ما قلته، لا يُحدِث الرأي العام فرقاً إلّا حين يطفح الكيل. بعدما حلّ بـ "خاشقجي" بدا أنّ الكيل كاد يطفح لكنّ المُحاكمة لا تزال قائِمة ولا نعرِف بعد ما الذي ستتوصّل إليه، لكنّ الأمور تسير نحو

جورج غالاواي: توقّعت أن يطفح الكيل لهذا السبب، لكنّك توقّعت على نحوٍ أكثر حكمة أنّه لن يفعل

تشارلز شو بريدج: قلت فلننتظر لنرى ما الذي سيحدُث، لكنني شككت في أنّه بالنظر إلى قوّة الأطراف المتورّطين قلت أنّه من المُرجّح أن يُجروا تحقيقاً زائِفاً يُبرّئ "محمّد بن سلمان" ويُدين مسؤولين أدنى رتبةً وهذا ما يحدُث لأنّه أُسلوب مُجرّب

جورج غالاواي: ما بأيدي هؤلاء حيلة إلّا الامتثال لأوامره وتنفيذها ولتُقطع رؤوسهم بعد ذلك لهذا السبب، لكن يبدو يا "توبي" أنّ هذا ما سيحدُث في حال "خاشقجي"، فسيدفع الأشخاص الذين أمرهم "محمّد بن سلمان" بارتكاب هذه الجريمة في (إسطنبول) حياتهم ثمناً

توبي كادمان – محام وناشط في مجال حقوق الإنسان: هذا ما يُحاولون تحقيقه

جورج غالاواي: إلّا إذا اختفى هؤلاء الأشخاص ولم يجرِ إعدامهم

توبي كادمان: فعلاً نعم، هذا مُرجَّح أكثر لأنه لا بدّ من النظر أيضاً إلى الرتبة الرفيعة لبعض الأشخاص المتورّطين، بالتالي لن يجري التخلّص منهم وقطع رؤوسهم، فهذا غير مُرجَّح. كذلك، بالنسبة إلى طبيعة الفِعل وإلى من انخرَط في ارتكابه ترى أنّ من المُستحيل ألّا يكون "محمّد بن سلمان" متورطاً فيه بنحوٍ ما. فإمّا أنّه أعطى الأوامر أو أُعلِمَ بالفِعل بعد ارتكابه، فليس من الممكن أنّه جرى الإقدام على ذلك من دون معرِفته. نُدرِك أنّ السعوديين لن يأخذوا أيّة إجراءات فاعِلة، وهذا واضح جداً، كذلك لا يستطيع الأتراك أخذ أيّة إجراءات مُلائِمة، إذ لن يُسلَّم الجناة إلى (تركيا)، بالتالي يبقى السؤال، كيف يُمكن تحقيق مُستوى من المُساءلة في منأى عن ذلك؟ وتتوافر طُرُق لذلك بالطبع، وهي طُرُق تنظُر مجموعتنا فيها، فتنظُر تحديداً إلى مصالِح هذه البلدان في الدول الغربيّة حيثُ يُمكن محاكمتهم أو رفع قضايا مدنيّة ضدّهم حتّى

جورج غالاواي: ألا تحتاج مرتكزاً لذلك؟

توبي كادمان: بلى، والمُرتَكز متوفِّر

جورج غالاواي: تُحيّرني فعلاً قضيّة "خاشقجي" تماماً مثل قضيّة "هيدجز" في (الإمارات). كيف يُعقَل أن يُمثِّل "خاشقجي" ما يكفي من الأهمية والخطر بالنسبة إلى النظام السعودي ليرتكب السعوديون فعلاً وعملاً متهوراً في هذا الشكل في حقّ شخصٍ مُقرّب من مُعظم مجلِس الشيوخ الأميركي ومُعظم الكونغرِس، فضلاً عن أنّه شخصيّة مُطّلِعة في (واشنطن)

توبي كادمان: لأنّ العلاقة التي ربطته بأشخاص كُثر في الولايات المتحدة وعالم السياسة الغربي هي ما جعلته تهديداً خطراً بالنسبة إلى "محمّد بن سلمان" على وجه التحديد. كذلك يجب أن نذكُر أنّ قضيّة "خاشقجي" هي الأبرز على الأرجح لكنّها ليست الوحيدة بالطبع. بالتالي، أيّ نوع نقد، سواء أكنت تتحدّث عن الحُكّام الإماراتيين أم كنت تتحدّث عن "محمّد بن سلمان"، سُمعتهم العالميّة هي ما يُحرِكهم، ولمسنا ذلك تحديداً مع حاكم (دبي)، فتتعلّق إحدى القضايا التي أعمل عليها باختطاف اإنته نفسها وإعدامها كما نعتقد، وجرى التنسيق لهذه العمليّة بين (الإمارات) و(الهند) مع تدخُّل أميركي، ويُمكننا إظهار أنّ الولايات المتّحدة لها يد في الأمر، يعود كلّ ذلك إلى رغبتها في الإفلات من قبضة والدها لتعيش حياة طبيعية  ولأنّها وجّهت النقد علناً لوالِدها، وتمحور كلّ ما حدث حول سُمعته وكيف ستكون سُمعته في بلدنا حين يجلِس قرب الملِكة سواء سترغب الملكة في الجلوس قربه بعد سماعها كلّ هذه القصص أم لا. بالتالي تنتابهم درجة عالية من الريبة، ويشعرون أنّ شخصاً واحداً يتمتّع ببعض التأثير في السياسة الأميركية يُمكنه إلحاق ضرر جدّي في موقع "محمّد بن سلمان" وتقويضه، ففكّر: "حسناً، يُمكنني أن أفعل ما أشاء، لذا سآمر بقتله، هذا ما سأفعله". لكن يبقى سؤال لم تجرِ الإجابة عليه بعد، هلّ كان من المقرّر إعدامه أو اختطافه والعودة به إلى (السعودية)؟

جورج غالاواي: أعتقد أنّ احتواء حقيبة اليد على منشار عِظام يُلمِّح إلى الإجابة

توبي كادمان: ليس بالضرورة أنه يُبيِّن تلك النيّة، لا بد من النظر إلى موعِد وصول ذلك الرجُل، هذا ما يهمّ، فهل كان مقرّراً اختطافه وإعادته إلى (السعودية)؟ كالطريقة التي اعتُمِدت مع "الحريري" من (لبنان) حين أُجبِرَ على الظهور عبر التلفاز إلى جانب وليّ العهد، ربّما هذا ما اعتزموا فعله، أن يُحاولوا إقناع "خاشقجي" بأن يخرس تماماً. لكن كان قد أُسيئ التخطيط للعمليّة بأسرها ما أدى إلى موت "الخاشقجي"، هذه إحدى النظريات ولا يعني هذا أنني مقتنع بها لكنّها إحدى النظريات

جورج غالاواي: نعم. تلقّى الرجل الذي كان يحمل منشار العظم تعليمه في (غلاسكو) وكنتُ ممثلاً عنه في البرلمان لفترة، نفذت من خطرٍ وشيك إذاً. سنعود حالاً           

المحور الرابع:  

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بحديث عن الخليج وعلاقات الغرب به. فلنُكمِل مع الفقرة الأخيرة ونسمح بمُشاركة أكبر عدد من المتحدثين. السيّد في الصفّ الأول

جوشوا ميغان – ناشط سياسي: إسمي "جوشوا ميغان"، أعيش في منطقة (باترسي) وأعمل في مُستشفى "سانت جورج". في نحوٍ أساسي ما يحدُث شبيه بردٍّ ساخر للغاية. في رأيي، كلّما تدخلت بلدان وأطراف في تلك المنطقة ازدادت إمكانية اندلاع نزاعات إذ لن يملِك أيّ بلدين المصالِح نفسها. بالفعل سيكون لديها جميعاً بعض المصالِح المُشتركة في مرحلة ما، لكن كلّما تدخلت بلدان وأطراف أكثر في (اليمن) و(عُمان) و(الإمارات) ارتفعَ احتمال اندلاع نزاعٍ وإمكانيّة ذلك

جورج غالاواي: لهذا قسّمنا المنطقة على هذا النحو أليس كذلك؟ لأنه ينبغي منطقياً أن تُمثِّل كلّ هذه البلدان جزءاً من شبه جزيرة عربية مُتحدة، جعلنا الحال هكذا على نحوٍ يضمن حدوث انقسام ما يسمح باستمرار حُكمنا، بالتالي من جديد، هذا ليس فشلاً بل نجاحاً

جوشوا ميغان: أقصد أنّه من المنطلق المنطقي، الشرور التي تعرِفها أفضل من تلك التي تجهلها. لو كانت وحدها (إسرائيل) و(السعودية) والولايات المتحدة التي تهتمّ بهذه المناطق وتتدخّل فيها فسيزداد احتمال الهيمنة على تلك المنطقة والسيطرة عليها. لكن عند تدخُّل طرف آخر وآخر، يغدو من المُحتمل أكثر أن ينشأ خلاف في شكلٍ لا يسمح ببسِط قوّة إمبريالية واحدة هيمنتها على تلك المنطقة، إذ دائِماً ما ستتعارَض المصالِح. وبينما أنا لا أعتبر تدخُّل (بريطانيا) في تلك المنطقة أمراً جيداً في حدّ ذاته، على الأقلّ نرى من حادثة "خاشقجي"، وفي آونة أقرب حادثة البريطاني الذي حُكِمَ بالسجن المؤبّد، على الأقلّ باتَ ظاهراً أنّ الاختلاف بين (بريطانيا) وحلفائها المزعومين، وسأضع كلمة حلفاء بين قوسين، إذ من المؤكّد أنّهم لا يتوافقون حول كلّ المسائِل، على الأقلّ بسبب التعارُض الإيديولوجي بينهم لن يتمكّنوا من فرض هيمنة تامّة على المنطقة كما نرى في تعاملهم مع (إيران)

جورج غالاواي: يمكنك قول ذلك، فقد طالبت لفترة طويلة بانسحاب (بريطانيا) من "الناتو" مثلاً لكنني أتقبّل أنّه لو كان "جيرمي كوربين" رئيس مجلِس وزراء (بريطانيا) فسيُمثِّل البقاء في "الناتو" فكرة جيدة جداً، إذ سيُعرقِل ذلك مُخططات "الناتو" إلى حدٍّ بعيد

جوشوا ميغان: مع تولّي "ترامب" السُلطة سيُمثِّل ذلك التضارب الأعظم بين الجليد والنار، أليس كذلك؟

جورج غالاواي: بالفعل، تفضّل "جوليان"

جوليان مورو – ناشط سياسي: هلّ ألقوا القبض على العناصر الإسرائيليين الذين قتلوا عضواً من "حماس" في فندق؟

جورج غالاواي: يا له من سؤال جيِّد، ليتني فكّرت فيه وسأتطرّق إليه بالفعل. السيّد في الخلف

جيمس راندولف – باحث سياسي: ساعدَ "توني بلير" في التغطية على صفقة "اليمامة"

جورج غالاواي: بالفعل، أوقف تحقيق الشرطة فيها

جيمس راندولف: نعم، ووجّهت محكمة له النقد، وهذا ما يُمثّل مشكلة بالنسبة إلى "كوربين". فيُلاحقه مؤيّدو "بلير" في "حزب العُمّال" الذين سيمنعونه من الكشف عن الحقيقة حول مسألة مثل صفقة "اليمامة" لبيع الأسلِحة، وهذه إحدى المشاكل حول العالم، إذ قد يقرأ الناس فضائِح كثيرة حول "كوربين"، لكن "كوربين" قدّيس مقارنةً بأسلافه في حزب العُمّال، كلّ الذين حثّوا على إبرام الصفقة وغطّوا عليها

جورج غالاواي: نعم، هذه فكرة جيّدة بالفعل. سيّدي، أنت من (البحرين)، مرّت فترة دارت فيها معظم أحاديثنا قليلاً عن (البحرين) أو ما عدا عن (البحرين). كان هناك ثورة سلمية لكننا لا نسمع أيّ كلام عنها ولا نشعُر بها. هلّ فاز النظام في (البحرين)؟ هلّ وصل شعبكم إلى النهاية في هذا الصدد؟

علي الفايز – مختصّ في شؤون البحرين والشرق الأوسط: سأُعطي صورة واضحة عمّا يحدُث، إذ تحدّث السيّد عن "الربيع العربي". نرى الغرب يدعم مطالب الناس في (تونس) و(مصر) و(ليبيا) و(سوريا) وأماكن أُخرى ويدخل عسكرياً لدعم الثورات هناك

جورج غالاواي: نعم، تدخّلوا عسكرياً في (ليبيا) بالفعل

علي الفايز: وفي (سوريا) أيضاً. لكن في المقابل يدعم الغرب عسكرياً الدكتاتوريات في (البحرين) و(السعودية) و(اليمن)، كذلك شُنَّت هذه الحرب على (اليمن) بزعم حماية الدولة الشرعية، والحرب مستمرّة الآن منذ سنوات ومئات الآلاف عند خطّ المجاعة وسيُناهزون الملايين، بل هُم يُعانون المجاعة بالفعل. في حال (البحرين)، الأُسطول الأميركي الخامس فيها، وباتت فيها اليوم القاعِدة البحرية البريطانية، وفيها الجيش السعودي والجيش الإماراتي، كذلك فيها مُرتزقة من (اليمن) و(الأُردن) و(باكستان) ومن شتّى البُلدان، لا لهدف إلّا لدعم آل "خليفة". تقع هذه البدان التي يدعمها الغرب إلى أبعد الحدود في الخليج، والخليج موطن البترو – دولار، وأعتقد أنّ (بريطانيا) تعود إلى هذه المنطقة بهدف السيطرة عليها وإدارتها، وفي حال (البحرين) لا يزال الناس يدلون بمطالبهم، لكن حكمت الحكومة البحرينية على زعيم المُعارضة الشيخ "علي سليمان" بالسجن المؤبّد لمُجرّد أنّه طالبَ بملكيّة دستوريّة، وفي الانتخابات الزائِفة التي تُجرى، مُنِعَ الناس من الإدلاء بأصواتهم فيها. وفقاً لرئيس البرلمان السابق، جُنِّسَ 120 ألف شخص على الأقلّ لأسباب سياسية في (البحرين)، بالتالي، تُغيِّر الحكومة شعب (البحرين)

جورج غالاواي: أودّ أن أسألك، هلّ يُغيّرون التوازن العرقي والطائِفي لأنّهم يُجنّسون أجانب؟

علي الفايز: نعم، هذا ما يفعلونه لأنهم يريدون أن يتخلّصوا من المطلب الديمقراطي في (البحرين) أو يُريدون قمع الناس في استخدام هذه الأداة، لكنني لا أعتقد أنّهم سينجحون إذ سينجم عن التجنيس السياسي في (البحرين) أثر في الخليج ككلّ، على المُستويات الأمنية والاقتصادية والثقافية، ونسمع صرخة من (قطر) و(الكويت) و(الإمارات) و(السعودية) أيضاً بسبب التجنيس السياسي في (البحرين)، لذا عليهم الكفّ عن ذلك. لكنني أعتقد أنّ البريطانيين يعرِضون خدماتهم الآن لإدارة الأمور والسيطرة عليها بما يخدُم هذه الدكتاتورية

جورج غالاواي: مصيركم مُرتبط بالمصير السعودي، أليس كذلك؟ طالما بقيت (السعودية) دكتاتورية غاشمة من الصعب رؤية كيف يُمكن أن تغدو (البحرين) حرّة

علي الفايز: للأسف نعم، ولهذا يحمون "محمّد بن سلمان" إلى أبعد الحدود على الرغم من أن تورّطه في قضيّة "خاشقجي" واضح، وتعلم وكالة الاستخبارات المركزية ذلك و(بريطانيا) أيضاً وسواهما

جورج غالاواي: "ترامب" يرفض الاستماع إلى التسجيل الصوتي حتّى. توبي"، سألتك في السابق إن كنت متفائِلاً وأجبت بلا وأتفهّم السبب، لكن كيف يُمكننا تغيير توازن الرأي العام هذا في بلدٍ ديمقراطي، إن كنّا كذلك بالفعل وإذا بقينا كذلك، ليتمكّن يوماً من التأثير في البرلمان وبالتالي في الحكومة؟

توبي كادمان – محام وناشط في مجال حقوق الإنسان: أودّ الردّ على الفِكرة التي أدليت بها حول (البحرين) على وجه التحديد، فكانت (البحرين) إحدى أول مناطق الشرق الأوسط التي عمِلتُ عليها.  كنّا نُطالب بفصل النائِب العام في ذلك الوقت من الرابطة الدوليّة للمُدّعين العامّين، فكيف يُعقَل أن يكون المسؤول القانوني الأرفع في البلد الذي يُعاقب بالتعذيب يجلس في الواقع في منظمة دوليّة في (لاهاي)، ولحُسن الحظّ أنّه انسَحب، لم يُفصَل لكنّه ما عاد في اللجنة التنفيذيّة. لكنني أعتقد أنّ مُشكلة (البحرين) تحديداً هي أنّ فترة انتباهنا لما يحدُث فيها محدودة جداً وذلك ناتِج من الأزمة العالمية، إذ تدور نزاعات كثيرة كالتي في (البحرين)، وما حدث في (غزّة) في وقتٍ قريب جداً، وآمل أن نرى المسؤولين عن ذلك يخضعون للمُساءلة أمام المحكمة الجنائيّة الدولية، وأنا متفائِل من هذه الناحية. لكن تكمن المُشكلة في كثرة النزاعات كالنزاع في (سوريا)، ودائِماً ما سنختلف حول الوضع في (سوريا)، فأعتبر أنّ نظام "الأسد"  يجب أن يخضع للمُساءلة، لكننا نرى الآن ما يحدُث في (اليمن) و "الروهينغا" في (ميانمار). ننتقل من نزاع إلى آخر وبالتالي نُركِّز أقلّ على ما حدث في السابق، إذ ننظُر إلى نزاعٍ مُختلِف وكذلك تتغيّر الأولويات، وكيف يُمكننا تغيير ذلك؟ لا بدّ من توافُر مبدأ مُساءلة فعليّة بنحوٍ يُحاسب الأفراد على أفعالهم. هذا سبب إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، لكنّها مُقيّدة للأسف من قِبَل مجلِس الأمن التابع للأُمم المتّحدة، وبالطبع في ما يتعلّق بـ (سوريا)، أعاقت (روسيا) إحالة الملفّ إلى المحكمة الجنائية الدولية، لكن الولايات المتّحدة فعلت ذلك أيضاً، فرفضت إحالة الملفّ السوري إذا ما انطوى على أية تحقيقات في هضبة (الجولان)، بالتالي لا أُركِّز على (روسيا) وحدها، لكن في ظلّ استمرار قدرة الأعضاء الخمسة الدائِمين في مجلِس الأمن على الحؤول دون المساءلة ستبقى هذه المُشكلة قائِمة. والمسألة الأُخرى التي ينبغي أن ننظُر إليها فعلاً هي الآتية: ضرورة دراسة الوضعين السوري واليمني جدياً، فالبلدان مُدمّران بالكامل. أين الالتزام الطويل الأمد؟ لدى المُجتمع الدولي فترة انتباه قصيرة الأمد، إذ ينظُر إلى النزاعات ويُرسِل إلى مناطق النزاع قوّات، ويُطيح القوّة السياسية القائِمة حينذاك، وبعدها يخرُج من الصورة و(البوسنة) مثال على ذلك، إذ لا تزال (البوسنة) تُعاني توتراً سياسياً شديداً لأنه لم يجرِ التعامل معها كما ينبغي، فما الالتزام الطويل الأمد؟ نتحدّث عن إعادة إعمار (سوريا)، فلا بدّ من إعادة إعمارِها لكن كيف سنفعل ذلك؟

جورج غالاواي: أعتقد أنّ (سوريا) تستطيع إعادة إعمار نفسها وكلّ ما تحتاج إليه من الغرب هو رؤية أفراد القوات التي أرسلوها من الخلف أثناء انسحابهم بلا عودة

توبي كادمان: وعند مُحاكمة النظام على موت نصف مليون شخص، الأمر الذي يقع على عاتقه، ولا أقول 

جورج غالاواي: سأتناقش معك حول هذه المسألة متى تشاء، لكن هذه الحلقة عن الخليج. لكن موقفك تماماً مثل مواقف حكومات (السعودية) و(البحرين) و(عُمان) وكلّ الدكتاتوريات الخليجية التي تُناهضها

توبي كادمان: لا، ليس كذلك

جورج غالاواي: هلّ يُشعِرك ذلك بعدم الارتياح؟

توبي كادمان: لا، ليس كذلك، لأنّ الموقف الذي ناديت به دائِماً هو أنّ الجرائِم ارتُكِبت على نطاقٍ واسع على يدّ كلّ أطراف النزاع، ولا بدّ من أن يخضعوا جميعاً للمُساءلة، إذ لا يُمكنهم إنشاء ديمقراطية مُستقرّة إلّا إذا خضعَ هؤلاء الأشخاص للمُساءلة. سأذكُر (بنغلاديش) مثالاً، التي شهِدت نزاعاً عام 1971. يقول الخبراء أنّ ثلاثمئة ألف شخص لقوا حتفهم بينما يقول آخرون أنّه قُتِلَ ثلاثة ملايين شخص، لكن لم تجرِ مُحاكمات ولم يخضع أحد للمُساءلة، أي أنهم لم يفعلوا شيئاً مدّة أربعين عاماً، وبعد ذلك بدأوا يُحاكمون الناس، لكن المُحاكمة استندت إلى دوافع سياسية. ونظراً إلى غياب المُساءلة، لا تزال حلقة العُنف مُستمرة ولا تزال التوتّرات نفسها قائِمة، ويعجز الناس عن المُضيّ قُدماً والتصالُح كشعب. سواء أكنّا نتفق أم كنّا نختلِف الأمر نفسه بالنسبة إلى نزاعات أُخرى كثيرة، مهما حاولنا أن نفعل لحلّ مُشكلة المُساءلة ستتحمّل                 الشعوب اليمنية والسورية وأية دولة تشهدُ نزاعاً الحِمل الأكبر خلال إصلاح البلد بغضّ النظر عن الجانب الذي نُسانده. لا أعتقد أنّه يُمكن تسوية الوضع في (سوريا) إلّا عند إطاحة الدكتاتورية القائِمة والسماح للشعب السوري كاملاً باختيار مستقبله عبر إعادة بناء بلده بدعمٍ منّا. لكن لا بدّ من التزامٍ طويل الأجل، إذ لا يُمكن تحقيق ذلك في إثنتي عشر شهراً، يجب إدراك أنّ هذا يستغرِق عشرين إلى ثلاثين عاماً

جورج غالاواي: أثق بأنّ السوريين سيهتمون بوجهة نظرك وأنت جالِس هنا في (لندن) في ما يتعلّق بمن ينبغي أن يحكمهم. "تشارلز شو بريدج" أخيراً، الهدف المُعلَن لقاعدتي (بريطانيا) في (البحرين) و(عُمان) هو مُحاربة "داعش" و"الإرهاب" بغضّ النظر عن أننا نُساعِد "داعش" في (سوريا)، وعن أنّ مُختلف مجموعات التطرّف الإسلامي مثَّلت حليفاً لنا خلال هذه السنوات في (سوريا)، كيف يتضاءل دعم التطرّف من خلال إقامة قواعِد عسكرية أجنبية ونشر أفراد عسكريين ليتبختروا في بلدان عربيّة مُسلِمة

تشارلز شو بريدج – مختصّ في الشؤون العسكرية والاستراتيجية: لم أرَ هذه الحُجة، لكنني أُصدِّق أنّها طُرِحت. إنها تُمثل تبريراً رجعياً للقرارات التي سبق أن اتُّخِذت في إقامة هاتين القاعِدتين وتنفيذ المشاريع التي تتطلّب رأس مالٍ ضخماً مثل حاملتيّ الطائِرات، فمن دونهما مثلاً ما كنّا لنحتاج هاتين القاعدتين ربما كما يقولون الآن، لصيانتهما في هذه المناطق. سبق أن وضع هذه القرارات ظهور "داعش" وأسلافه، وكان "داعش" لفترة كما أشارت "هيلاري كلينتون" في المُذكّرات التي سرّبتها "ويكي ليكس" وسوى ذلك، كانوا هؤلاء حلفاء في (سوريا) لأنهم كانوا يسعون إلى جانب الحكومات البريطانية والفرنسية والأميركية والسعودية والقطرية إلى إطاحة حكومة "بشّار الأسد". كذلك مثّلوا حلفاء لنا في (ليبيا) قبل ذلك، ولم يكن يُسمّى التنظيم بـ "داعش" حينذاك بل كانوا أسلافه. بالتالي إن شئت، هذا وضع تقليدي كما أشار كثيرون إلى أننا ننشئ أو نُعزّز على الأقل مُشكلة تطرُّف في بلدان مُعينة تُحقق أهدافنا بالنيابة عنّا وتُقوِّض الأنظمة والحكومات التي لا نُحبها. وبعدها، حين تسوء الأمور نتذرّع بهذه المُشكلة لإقامة قواعِد عسكرية. على سبيل المثال، هذه هي الحجّة نفسها التي تتذرّع بها الولايات المتحدة لكي تسحب قوّاتها من (سوريا) على الرغم من أن السبب الحقيقي هو مُساعدة (إسرائيل) على الحؤول دون توسُّع نفوذ (إيران)

جورج غالاواي: أخبرتكم أننا لن نتّفق جميعاً لكنني آمل أن تكونوا جميعاً قد استمتعتم وتعلّمتُم شيئاً من هذا النقاش. كنت معكم "جورج غالاواي" في برنامج "كلِمة حُرة"