كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

عن أوروبا نتحدث

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني حرية التعبير، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية 

المحور الأول:

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن (أوروبا). السبب المباشر لهذا النقاش هو أنّه من المُقرّر أن تخرُج (بريطانيا) من الاتحاد الأوروبي في التاسع والعشرين من شهر مارس/ آذار، لكن ليس مؤكداً أننا سنخرُج في ذلك التاريخ أو إن كنّا سنخرُج أبداً. النظام السياسي البريطاني في حال انهيار، وكشخص عمل عضواً في البرلمان لنحو ثلاثين عاماً لم أشهد مثل هذه الحال قط. ربما الحكومة في حال انهيار وقد ينقسم ليس حزب المُحافظين فحسب بل حزب العمال أيضاً وأعني أنهما سينقسمان هيكلياً إلى أحزاب متفرّقة، هذا تحوّل تاريخي، وكأنّ الصفائِح التكتونيّة للسياسة البريطانية تتحرّك، ويعود ذلك إلى أنّ انقساماً في البلاد دام خمسة وأربعون عاماً حول ما إذا كان يجدُر بـ (بريطانيا) أن تكون في الاتحاد الأوروبي أو ما سبقه وهي السوق الأوروبية المشتركة، لم يُسوَّ هذا الانقسام قط ولا يزال قائِماً. أعترف أنني كنت أحد الدُعاة إلى خروج (بريطانيا) من الاتحاد الأوروبي المعروف بـ "البريكسيت" ولم أُغيِّر رأيي في ذلك، لكن لن يُسبّب ذلك أيّ تحيُّز خلال ترأُسي هذا النقاش هذا المساء. وعلى غرار العادة معنا جمهور من الخبراء المُميّزين وبعض الهواة المتحمّسين أيضاً وسنناقش، ليس خروج (بريطانيا) من الاتحاد الأوروبي وما سيعنيه ذلك بالنسبة إلى (بريطانيا) فحسب بل ما سيعنيه ذلك للاتحاد الأوروبي أيضاً، فلا يجري في الحقيقة النقاش في ذلك كثيراً. خروج (بريطانيا) من الاتحاد الأوروبي بمثابة أن تخرُج منه أصغر 17 دولة فيه، تخايلوا ذلك، خروج (بريطانيا) يُعادل خروج 17 دولة من الاتحاد الأوروبي. بالتالي خروجها هو بهذه الأهمية. فـ (بريطانيا) بلد مُساهِم صاف، ما يعني أنها قدّمت مالاً أكثر مما تلقّت طوال أربعين عاماً وبالتالي، سيولِّد خروجها فجوة كبيرة في ميزانية الاتحاد الأوروبي، لذا يُطالب الاتحاد (بريطانيا) دفع مبلغ كبير من المال، الأمر الذي نُعبِّر عنه بتسوية طلاق. لكن ما الأثر السياسي الذي سيتركه خروج (بريطانيا) في الاتحاد الأوروبي؟ وهلّ ستبدأ بلدان أُخرى بالتفكير في اتباع خطانا إلى خارِج الاتحاد؟ هلّ ذلك ممكن؟ شخصياً أعتقد أنه كذلك وأنّ الاتحاد الأوروبي بعد عشرة أعوام لن يكون على ما هو عليه اليوم، ليس بسبب خروج بعض البلدان منه فحسب بل بدل أن يتركها تخرج من الممكن أن يعود الاتحاد الأوروبي إلى ما كان عليه في السابق وأعتقد أنّ ذلك مُحبَّذ، أن يعود إلى كونه كتلة تجارية بدلاً من دولة مُفتَرَضة أو دولة اتحادية تقريباً لا ديمقراطية فيها، لكن فيها حكومة وحتّى جيش، كلّ ما سبق مسائِل مهمة جداً. من بين الضيوف المميّزين الحاضرين معنا المُشارك الأول أبرزهم، كان عضواً معي في البرلمان لسنوات طويلة وشارك في الحكومة كوزير للداخلية وترشّح مرّتين عن حزب المُحافظين لمنصب عُمدة (لندن) وهو أفضل عُمدة لم يتولَّ المنصب قط، السيّد المرموق "ستيف نوريس"، أهلاً بك في البرنامج. هلاّ استعرضت المشهد لنا؟ هلّ ستخرج (بريطانيا)؟ وإذا خرجت فكيف سيؤثِّر ذلك في الاتحاد الأوروبي؟      

ستيف نوريس – نائب ووزير بريطاني سابق: أولاً أظنّ أنّه لا بدّ من أن أُشيد بالطريقة التي طرحت بها مُقدّمتك إذ أعتقد أنّها كانت منصفة وعلى الأرجح أقول هذا لأنني أوافقك الرأي، لكنّك ذكرت أمراً لا أُوافقك الرأي فيه. فقد أشرت إلى أنّ الشرخ القائِم بين (بريطانيا) و(أوروبا) دام طوال 45 عاماً وكذلك أشرت إلى أنّ ما انضممنا إليه في الأصل بقرار من الرئيس "تيد هيث" أيّده الشعب البريطاني بالطبع في عهد حكومة "ويلسون" عام 1975  

جورج غالاواي: أبلُغ من العُمر ما يكفي لأكون قد خضت ذلك الاستفتاء أيضاً

ستيف نوريس: كلانا شاركنا في ذلك الاستفتاء أيها الرفيق، لكن على الأرجح صوّت كلانا كما فعلنا هذه المرّة وعبّرنا بصبرٍ نافذ عن أنّه ينبغي أن نُدرِك أنّه ما بعد الحرب العالمية الثانية كان امتلاك شركاء تجاريين على غرار (نيوزيلندا) و(أُستراليا) و(كندا) يوفّر أسواقاً أكبر وقريبة منّا منطقياً وربما كان الأمر مؤلماً لبعض إخوتنا القدامى في ذلك الوقت لكن تمثّلَ المُستقبل في إنشاء كتلة تجارية مع (أوروبا) أي في السوق الأوروبية المُشتركة، وهنا على الأرجح وقع الخطأ الأول، إذ تكمن المُفارقة في أنّ الآباء المؤسّسين العُظماء للاتحاد الأوروبي، وهم رجال عُظماء ولِدوا في العقد الأخير من القرن التاسع عشر وشهدوا الحرب العالمية الأولى وحاربوا في الحرب العالمية الثانية وقالوا إنّ ما حدث لا يُمكن أن يتكرر أبداً، فاستخدموا السوق الأوروبية المُشتركة كآليّة لربط البلدان الأوروبية بعضها بالبعض الآخر لكنّها تحوّلت على مرّ العقود من السوق الأوروبية المُشتركة إلى الجماعة الأوروبية، فبات الكيان يُعرَف فجأة بالجماعة الأوروبية، وبعدها من دون تدخُّل أيّ من الأنظمة الديمقراطية في الدول الأعضاء باتَ يُسمّى الاتحاد الأوروبي. أذكر أنني كنت جالساً مرّة إلى جانب السفير الفرنسي على مائِدة عشاء في "ِAdmiralty House"، وهو أحد المقار الحكومية العظيمة كما تعلم، فقلت للسفير: "هذا التحوّل الكبير من مُجرّد كتلة تجاريّة إلى كيان يرتّب علينا التزامات أكثر مما اتفقنا عليه لذا انتابتنا ريبة نحن البريطانيون"، فقال لي: "أيها الوزير، لا يُعقَل أن تعتقد أنّ الآباء المؤسّسين العُظماء للاتحاد كانوا يوماً يعتبرونه كياناً عرَضياً يقتصر على كونه مُجرّد كتلة تجارية! هذا كان دائِماً مشروعاً سياسياً عظيماً"، وهنا ينشأ الانقسام الكبير في (بريطانيا). فقد أُجريَ استفتاء بفضل السيّد "كاميرون" وشخصياً لن أشتري نسخة من مُذكّراته إذا ما نُشِرت يوماً، وكانت نسبة أغلبية بفارِقٍ بسيط تؤيِّد الخروج من الاتحاد الأوروبي لكن مثَّلَ هذا الفارق البسيط الكثير من الناس الذين اعتقدوا أنّ الاتحاد ببساطة لم يعُد يُمثِّل مصالِحهم وأنّه يخصّ بضعة أشخاص محصورين في دائِرة البرلمان في (لندن)، كذلك أنّه فشِلَ في تمثيل مصالِح بلدهم. وفي المقابل اعتقَدَ البعض أننا نتخلّى عن (أوروبا)، وأرى أنّ هذا أحد أكثر الجوانب المُحزِنة لهذا الجدال، فما من شخصٍ عاقل يتخلّى عن (أوروبا)، فنحن ندير ظهورنا لدولة غير مُنتَخبة تسلُب السُلطة من الدول الأعضاء وتفتقر صراحةً هذه المنظمة إلى الكفاءة على صُعُد كثيرة فضلاً عن أنّه لم يتمّ التدقيق في حساباتها منذ وقتٍ طويل

جورج غالاواي: كنت سأشير إلى أنّه جهاز مُكلِف جداً

ستيف نوريس: بالفعل هو جهاز مكلِف جداً، وكذلك الشعور المتزايد بعدم الرضا عن الطريقة التي تحوّلت بها السوق الأوروبية المُشتركة إلى هذا الكيان غير المعقول الذي يُسمّى الاتحاد الأوروبي ما أدّى إلى إجراء الاستفتاء، فهذا الشعور بعدم الرضا لا سيما داخل حزب المُحافظين الذي أنتمي إليه كان بالقدر نفسه داخل حزب العمال الذي يُعاني من انقسامات حادّة دائِماً ما كانت قائِمة وما تزال كذلك حتّى اليوم، وبالتالي ما الذي سيحدُث؟ أولاً لا أعرِف أيّ عضو في (البرلمان) يُحبِّذ فكرة تجاهُل نتيجة الاستفتاء ببساطة. ربما من المأساوي أنّ "كاميرون" جرّاء عجرفته لم يُصِرّ على وضع حدّ أدنى للأصوات كما حدث في استفتاء (اسكوتلندا) الذي أُجريَ في عام 1979، وهذا درس في التاريخ لبعض مُشاهدينا، ففي عام 1979 رجلٌ يُدعى "جيم كانيغهام"، وهو عضو في البرلمان تابِع لحزب العُمال ومن السخرية أنّه مثّلَ "إزلينغتون" مع أنّه اسكوتلندي، أطلقَ تصريحاً بأنّه من السخف أن يقف أمر مثل استقلال (اسكوتلندا) على صوتٍ واحد. لذا قال أنّه لا بدّ من أن نضع حداً أدنى لعدد الأصوات، أي لا بدّ من أربعين في المئة من أصوات الناخبين المؤهّلين للتصويت على الأقلّ من أجل انفصال (اسكوتلندا) عن المملكة المتحدة. في الواقع كانت نتيجة ذلك الاستفتاء لا تُصدّق بالمُقارنة مع الوضع الحالي، إذ صوّتَ 52 % لصالِح الانفصال بينما صوّتَ 48 % لصالِح البقاء وهذه نتيجة مألوفة إلى حدٍّ ما. لكن طبعاً لم تكن نسبة 52 % من أصل الـ 70 % كافية للوصول إلى الحدّ الأدنى الذي يبلغ 40 %، لذا سقط اقتراح الانفصال. ولو أن تحلّى "كاميرون" بقليل من التواضع إن صحّ القول، لكان سيُدرك أنّ هذه المسألة أهمّ من أن يستطيع أن يُقنِع بها الكثير من سكّان (إنكلترا) الشمالية الذين اعتبروه محتالاً، وربما ما كنّا لنضطرّ إلى خوص هذا النقاش الذي نُجريه حالياً وكنت لأندم على ذلك على صُعُد كثيرة. لكننا خضنا النقاش وأجرينا الاستفتاء وتخطّى عدد الذين أيّدوا الانفصال عدد الذين فضّلوا البقاء بمليون صوت، لذا سننفصل. تكمُن المُشكلة بالنسبة لي في أنّ السيّدة "ماي" العازمة والمُصمّمة والصادقة والمُبدِعة والتي تتمتّع بالكثير من الصفات الحسنة لكنّها ببساطة مُفاوِضة ميؤوس منها وزعيمة فظيعة صراحةً وقد صوّتَ أشخاص ضدّها أكثر بكثير مما صُوِّتَ لها في تصويت الزعامة المبكرة منذ فترة، ما يُثبِت أنّ ثلثيّ حزبها على الأقلّ، حتّى حين نُصِحوا بعدم إثارة المشاكل، يقولون

جورج غالاواي: بالرغم من أنها صرّحت بأنها لا تعتزِم أن تقود الحزب في الانتخابات المقبلة؟

ستيف نوريس: نعم، بالرغم من أنّها صرّحت بهذا الكلام الذي عادةً ما يدلّ على نهاية مسيرة أي سياسي، فيقول هؤلاء إنّها ببساطة ليست أهلاً للقيادة. تحول بين (بريطانيا) والخروج من الاتحاد الأوروبي، وفق شروط معقولة، مُشكلتان كبيرتان لن يذكرهما الكثير من المُحافظين الذين امتنعوا عن تأييد الخروج؛ تتعلق الأولى في مسألة الحدود الإيرلنديّة بينما تتعلّق الثانية في ما يُعرَف بترتيب المساندة. الرجل الرائِع الذي يتولّى منصب المُدّعي العام الآن في بلادنا، وهو رجل في نظري وُلِدَ ليؤلِّف أحد كتب الأغاني ويمتلك صوتاً خفيضاً وعميقاً مذهلاً وهو رجل يمتلك صوتاً رائِعاً لم نسمع له مثيلاً منذ أجيال، كان صوتك جيد جداً يا "جورج" لكن يا إلهي، أليس هذا الرجل فريداً من نوعه؟ هذا الرجل قد أعلن بوضوح في كلمة أمام مجلِس العموم إنّ الاتّحاد الأوروبي سيُحدّد متى سيسمح لـ (بريطانيا) أن تستبدل الأحكام الخاصة باتحاد جمركي جديد، حين يسمح الاتحاد الأوروبي بذلك فحسب لأنهم هم من يُحدّد إذا ما كانت الأحكام المُساندة فاعِلة أم لا. يعتبر الكثيرون منّا ذلك غير مقبول البتّة

جورج غالاواي: هذا نوع من أنواع العبوديّة

ستيف نوريس: هذا وصفٌ رائِع استخدمه الزميل المُميّز "جاكوب ريس موغ"، وأنا مُعجب بـ "جاكوب" لأسباب عدة، أحدها استخدامه المُبدِع للغة على نحوٍ مُذهِل. لكن لا تكمن المُشكلة في العبودية فحسب بل ما أزعجني وأحبطني حقاً هو أنّه إذا كان المرء يسعى إلى تحقيق أكثرية برلمانية في الاعتماد على عشرة سياسيين من الحزب الوحدوي الديمقراطي، وهذه حقيقة مُثبتة، أفلا يجدُر بهم أن يكونوا في صدارة مرافقيه إلى (بروكسيل) ليقولوا أنّ أيّة مسألة تتعلّق بالحدود الإيرلنديّة غير قابلة للنقاش وأنه لا يُمكن تهديد السلامة الإقليمية للمملكة المتّحدة، لـ (بريطانيا) العُظمى و(إيرلندا) الشماليّة؟ لكن يبدو أنّ "ماي" نسيت الأمر في مرحلة ما. أمّا بالنسبة إلى خطّة المُساندة، فكيف أمكنها وضع نفسها في مثل هذا الموقف؟ "ويل كونيس"، الذي أرى أنّه أحد أعضاء حزب المُحافظين العقلانيين والمسؤولين، استقال من عمله ووجّه رسالة إلى رئيسة الوزراء قال فيها: " اودّ أن أُرافقكِ إلى (بروكسيل) لكنني لا أستطيع لأنكِ لم تحسمي مسائل مهمة عالِقة، ومن دون تسوية هذه المسائل كما ينبغي لا أستطيع ببساطة أن أُرافقك". لذا تُرِكت لتذهب وحدها إلى (بروكسيل) وقيل لها ما كان متوقعاً، بأنه لا مجال للمُفاوضات. فعادت من دون التوصُّل إلى اتفاق ومن دون إمكانية السماح بتصويت لأنّ السماح بتصويت في الوقت الحالي يعني أنها على الأرجح ستخسر بفارِق مئة صوت أو أكثر ربما، وبالتالي الحال غير مُستقرّة أبداً. لكن هذه هي الطريقة التي تسير فيها الأُمور في الاتحاد الأوروبي، وفي النهاية هلّ تكفي هاتان المسألتان لمُحاولة دفع (بريطانيا) نحو ما قد يكون مستقبلاً بديلاً خارِج الاتحاد الأوروبي على نحوٍ كامل لتعمل عندها بقواعد التجارة العالمية وتتمكّن مُباشرةً من خفض كلفة السِلَع الغذائية لكلّ الأُسَر في البلاد بنسبة تتراوح على الأرجح بين 10 و12% تقريباً؟ إذ نفرض اليوم رسوماً جمركية مرتفعة جداً على السلع الغذائية من خارِج الاتحاد الأوروبي ولا تقتصر المسألة على نتيجة ترك الاتحاد. كلّما اقتربنا من ذلك وأقنع الناس بأنّ هذا يمثِّلُ حلاً سيتعيّن على (أوروبا) والاتحاد الأوروبي أن يُفكّرا ملياً في مسألة المال، وقد ذكرت حضرتك هذه المسألة سابقاً. يصل المبلغ إلى نحو 40 مليار جنيه إسترليني ولا بدّ من أن نُسدّد خمسة مليارات منه. فأحياناً ما يترتّب على بلدنا، كما يترتّب علينا كأفراد، التزامات قانونية يجب الوفاء بها. هلّ يُمكننا الامتناع عن ذلك؟ أنا متأكّد أننا نستطيع، فلن يغزونا أحد إن فعلنا، لكننا لن نفعل ذلك لأنّ بلدنا معروف بتحلّيه ببعض النزاهة ما يُلزمنا تسديد هذه الدفعات. لكن يُمكننا أن نحتفِظ بالـ 35 مليار المتبقية ما سيترُك فجوة كبيرة في ميزانية الاتحاد الأوروبي كما ذكرت في مقدِّمتك

جورج غالاواي: فلنتطرّق إلى هذه المسألة إذا أمكن، وأشكرك كثيراً على هذه اللمحة العامّة الرائِعة. فلندرس الآتي: في حال خرجنا من الاتحاد الأوروبي، لاسيما إذا ما خرجنا إذ يبدو هذا السيناريو مرجّحاً أكثر من غيره، ماذا لو خرجنا من دون التوصّل إلى أيّ اتفاق ودخلنا مداراً جديداً بالكامل؟ ما الأثر الذي سيتركه ذلك في الاتحاد الأوروبي؟

ستيف نوريس: أعتقد أنّه سيترك أثراً خطيراً جداً، ويتمثّل أحد الآثار الذي غالباً ما يذكره الناس هو أنّ خروج (بريطانيا) من الاتحاد الأوروبي سيدفع الكثير من البلدان إلى الخروج أيضاً. ربّما تبدو هذه الخطوة بديهية لكنّها ببساطة غير صحيحة، والسبب هو أنّ (بريطانيا) و(ألمانيا) هما أكبر مُساهمين صافيين في الاتحاد الأوروبي من دون منافِس

جورج غالاواي: لكنّك لن تخرُج إذا كنت مستفيداً صافياً

ستيف نوريس: وكلّ بلد من تلك البلدان الـ 17 التي ذكرتها هو كذلك، إذ أنّها جميعاً بلدان مُستفيدة صافية. بالتالي إنّه من السُخرية أنّ الاتحاد الأوروبي سيمضي مترنّحاً لبضع سنوات، وعلى الأرجح سيُغطّي الألمان العجز في ميزانيّة الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف لأنّهم يعتمدون كثيراً في اقتصادهم على اليورو واستمرار الاتحاد الأوروبي، لكنّه سيغدو أضعف بكثير. والأمر المُثير للاهتمام الذي أحياناً ما يُزعِج البريطانيين إلى حدٍّ كبير هو أنّ خروجنا ليس أكبر مُشكلة يواجهها الاتحاد الأوروبي بل يواجه مسألة ظهور اليمين المتطرّف في (أوروبا) الشرقيّة وفي (ألمانيا) كما هو معروف، فمع بروز حزب البديل من أجل (ألمانيا) خسرت السيّدة "ميركل" فعلياً كامل سلطتها وقد تبقى في منصبها كمُستشارة لـ (ألمانيا) للسنوات القليلة المقبلة، لكن سلطتها تلاشت بالفِعل، وفي (فرنسا) يبدو أنّ "ماكرون"

جورج غالاواي: خلال حديثنا هذا، التهبت شوارِع (باريس) من جديد

ستيف نوريس: بالفعل، وكذلك هي الحال في أماكن أُخرى في (أوروبا)، فينتاب (إيطاليا) استياء فعلي

جورج غالاواي: حيال أزمة عجز الميزانية

ستيف نوريس: بالضبط، ومن المؤكّد أنّكَ تُدرِك هذه المسائِل جيداً. أعتقد أنّ مُستقبل الاتحاد الأوروبي في ظلّ غياب (بريطانيا) سيكون أليماً جداً، وإلى حدٍّ بعيد سيخلِّف وراءه المخاوف البالغة والرغبات العميقة التي امتلكها الآباء المؤسّسين العُظماء للمنظّمة الأوروبيّة التي تهدف ببساطة إلى منع البلدان الأوروبية من مُحاربة بعضها البعض وتدمير القارة كما فعلت على نحوٍ مروّع طوال قرنين

جورج غالاواي: بالفعل، لكن هذا ليس ما يحدُث يا "ستيف" لأنه على الرغم من أنّ البلدان الأوروبية لا تتقاتل في ما بينها فإنّها تُحارِب أشخاصاً آخرين. فلا تخوض البلدان الأوروبية حروباً في ما بينها أبداً تقريباً، بينما هي الآن تخوض حروباً في (سوريا) وفي (ليبيا) وفي (العراق)، وفي مُعظم الأحيان تُمثّل كلّ من (فرنسا) و(ألمانيا) استثناءً مهماً، إذ خاضتا حرباً مع (يوغوسلافيا). كذلك مثّلت (فرنسا) الجهة الرئيسية في تدمير (ليبيا) وسواها. بالتالي، خاضت البلدان الأوروبية كثيراً من الحروب، غير أنّ أحداً منها لم يُحارِب الآخر

ستيف نوريس: نعم بالضبط، ونعي أنّ الحرب التي أراد الآباء المؤسّسون تفاديها هي حرب بين (فرنسا) و(ألمانيا)

جورج غالاواي: نعم

ستيف نوريس: إذ كانتا قوّتين عُظميين

جورج غالاواي: أودّ أن أتطرّق إلى نُقطة أخيرة قبل الفاصل، إذ قد سألنا الناس عنها في استطلاع الرأي. ماذا عن الجيش الأوروبي هذا؟ عندما أثَرنا في حملة الاستفتاء مسألة أنّ البلدان الأوروبية تعتزم إنشاء جيشها الخاص قيل أنّنا نؤيِّد نظريّة المؤامرة، لكن خلال الأشهُر القليلة الماضية أشارت كلّ من (فرنسا) و(ألمانيا) إلى أنّه سيجري إنشاء جيش أوروبي، وقرّر "ماكرون"، رغم أنني متأكّد من أنّه مستعِد لإلغاء ذلك الآن، إعادة الخدمة الإلزاميّة في الجيش الفرنسي. أعطنا تعليقك إذا أردت على مسألة الجيش الأوروبي

ستيف نوريس: لطالما ساورتني شكوك بالِغة حيال الأُسس المنطقية لهذه الفِكرة وكم هي عمليّة. فنملك بالطبع قوّة دفاعية أوروبية تُدعى منظّمة حلف شمال الأطلسي، أي "الناتو"، والولايات المتحدة الأميركية هي الجهة المموّلة الأساسية لها. لكن السيّد "ترامب"، الذي يستطيع أن يُثير شجاراً بين الموتى في قبورهم حتّى، تمكّن من أن يُثير حفيظة جميع نظرائِه الأوروبيين حين اقترحَ أنّ من الجيِّد أن يُسدّد كلّ بلد حصّة بما أنها هي المُستفيد من حماية الولايات المتحدة. ربما كان ذلك نموذجاً عن سلوكه الطائِش والمُتسرِّع

جورج غالاواي: لكنّه كان مُحقّاً أليس كذلك؟

ستيف نوريس: كان مُحقّاً بالفعل، والأمر المثير للاهتمام هو أنّه خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة اضطرّت "هيلاري كلينتون" إلى أن توافقه الرأي. لم توافقه الرأي في مناسبات عدّة خلال تلك الانتخابات لكنّها وافقته في هذا الشأن، إذ لطالما انزعَجَ الرؤساء الأميركيون المتعاقبون من أنّ البلدان الأوروبية عموماً تُعوِّل على الولايات المتحدة لتمويل كلّ شيء، فلا تدفع هي فلساً واحداً. في المقابل، دائِماً ما سدّدت (بريطانيا) المُساهمات المُترتّبة عليها التي تبلغ 2 % من الناتج المحلّي الإجمالي فقط لا غير. وللمناسبة، تُنفِق الولايات المتحدة 4 % من ناتجها الإجمالي المحلّي على قوّتها الدفاعية التي يتمركز قسم كبير منها في (أوروبا) وفي أماكن أُخرى. إذاً، كما تصيب الساعة المُعطّلة مرّتين في اليوم يطرح السيّد "ترامب" قضيّة مشروعة من حين لآخَر. وفي رأيي، نتمتّع بأمان أكثر بكثير حين يكون الأميركيون إلى جانبنا وفي ظلّ وجود منظّمة قادرة على التصدّي لـ (روسيا) فعلياً. إحدى المسائِل المؤلمة التي أشار إليها "ترامب" هي أنّ (ألمانيا) تستورِد اليوم كميّة كبيرة من موارِد طاقتها من البلد نفسه الذي يبدو أنّه سيُنشئ جيشاً أوروبياً للتصدّي له، ألا وهو (روسيا)، ولا أعتبر أنّ ذلك منطقياً

جورج غالاواي: يا لها من افتتاحية. أنتم تُشاهدون برنامج "كلمة حرة". سنعود حالاً                         

المحور الثاني

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" في نقاشٍ حول (أوروبا). اصطحبنا سابقاً كاميرا "كلمة حرّة" إلى شوارِع (لندن) لاستطلاع آراء الناس، فلنُشاهِد

المُحاور: هلّ ستغدو (أوروبا) أفضل حالاً بعد خروج (بريطانيا) من الاتحاد الأوروبي؟

شابة 1: كلاّ، لا أعتقد ذلك

شاب 1: أعتقد أنّ حالها ستغدو أسوأ في المرحلة الأولى

سيدة 1: أعتقد أنّ (أوروبا) ستصبح أسوأ حالاً

سيدة 2: ستُصبِح (أوروبا) أسوأ حالاً

شاب 2: ستغدو (أوروبا) أسوأ حالاً

المُحاور: أتظنين أنّ (أوروبا) ستغدو أفضل حالاً أم أسوأ بعد خروج (بريطانيا) من الاتحاد الأوروبي؟

شابة 1: أعتقد أنّها ستغدو أسوأ في الواقع، إذ ستغدو سابقة بالنسبة إلى البلدان الأُخرى وستُفكِّر الأخيرة أنّه بات في إمكانها الخروج من هذا الاتحاد

شاب 1: أعتقد أنّ كلّاً من (أوروبا) و(بريطانيا) ستُصبحان أسوأ حالاً

شاب 2: من الصعب معرِفة ذلك، إذ ترتبط عوامل كثيرة بالأمر، فلا بدّ من أن ننتظر ونرى ما ستؤول إليه الأمور وماهية النتائِج التي سنصل إليها

المُحاور: أتظنّ أنّ دولاً أُخرى قد تحذو حذو (بريطانيا) في الخروج من الاتحاد الأوروبي؟

شاب 1: من المُحتمل أن يُمثِّل خروج (بريطانيا) جزءاً من حدثٍ أكبر، لكنني أًشكّك كثيراً في أن تكون (بريطانيا) نموذجاً حسناً، لكنك رأيت المزاج في الولايات المتحدة وسائِر أنحاء العالم، أعني أن العالم يتجه إلى أجواء مُناهِضة للعولمة. فمن المُحتمل جداً أن يُقدِم سياسيون شعبيّون آخرون في العالم وفي (أوروبا) تحديداً على تشجيع بلدان أُخرى على الخروج من الاتحاد الأوروبي

رجُل 1: أظنّ أنه أمر مُحتمل لكنني لا أعتقد أنّه مُرجّح

سيدة 1: أجل، أعتقد أنّها ستفعل

شاب 2: أظنّ أنّه حالما يخرُج بلد من الاتحاد ستحذو البلدان الأُخرى حذوه سواء أكان من المفترض أن تفعل ذلك أم لا. فمن المؤكّد أن يحذو البعض حذو (بريطانيا)

المُحاور: أتظنين أنّ دولاً أُخرى ستتبع خُطى (بريطانيا) خارِج الاتحاد الأوروبي؟

شابة 1: للأسف، أعتقد أنّ الأمر بات رائِجاً، فلا تتحدّث (إيطاليا) عن الخروج من الاتحاد الأوروبي تحديداً لكنّها تنتقِد الاتّحاد الأوروبي بشدّة

شابة 2: أظنّ أنّ بعض الأحزاب سيُحاول القيام بذلك لكنني لا أعتقد أنها ستُقدِم على الخروج قبل أن تتأكّد من أنّ ذلك سيصبّ في مصلحتها. أرى أنّها ما تزال قلقة من هذه الخطوة. لكنني إسبانية الأصل وأرى أنّ بعض البلدان والأحزاب بدأوا يُفكّرون في الأمر

سيدة 1: كلّا، ليس بالضرورة أن يكون أسوأ، لكنّه ممكن

رجُل 1: هذا وارِد. لكن بعد أن تُدرِك البلدان صعوبة الوضع الراهن قد يُعاودون التفكير

جورج غالاواي: في الواقع، لم يشمل استطلاع الرأي كثيراً من البريطانيين، فقد كان مُعظم المُشاركين أجانب، لكن بصرف النظر عن ذلك فقد أدلوا بآراء حكيمة. دكتور "راسل فوستر"، أنت تُعلِّم الدراسات الأوروبية في كليّة الملك في (لندن)، فلنُعلِّق على النقاط التي وردت وتلك التي أشار إليها السيّد "نوريس" آنفاً. مُعظم بلدان الاتحاد الأوروبي مُستفيدة صافية من الاتحاد، أمّا (بريطانيا) فهي إحدى الدول القليلة المُساهِمة الصافية، لكنّها ستنسحب الآن بينما تمرّ (ألمانيا) في فترة يسودها اضطراب سياسي وقد لا تتمكّن الحكومة الألمانية من تغطية عجز هذا العدد من البلدان. هذا يُمثّل في الأساس ديناميكية قد تُسبّب المزيد من المشاكل للاتحاد الأوروبي. أخبرنا إذا أردت، كيف ترى الاتحاد الأوروبي بعد خروج (بريطانيا) منه؟

راسل فوستر – باحث في جامعة كينغز: أظنّ أنّه يجدر بي الدفاع عن الاتحاد الأوروبي في هذه المرحلة، فقد كنت مناصراً للبقاء في الاتحاد الأوروبي وما أزال أؤمن به، إذ أعتقد أنّه الخيار الأقلّ ضرراً من بين خيارات سيّئة جداً. لكن من البارز حقاً أنّه بعد إعلان نتائِج الاستفتاء جرى تقديس السياسة البريطانية كما يُعبَّر عن الأمر، إذ ينظُر من تبقّى من مؤيّدي البقاء في الاتحاد الأوروبي إليه في عين المثالية أو كأنّه أرض الميعاد، فينسون أنّه يُعاني مشاكل كبيرة جداً كما أشار "ستيف" وبعض الأشخاص ضمن استطلاع الرأي. أحد الأسباب التي جعلت مفاوضات الخروج غير مُرضية خلال فترة السنتين ونصف السنة لا يقتصر على ضعف (بريطانيا) في المفاوضات وحسب. أُخالف "ستيف" الرأي، أظنّ أنّ "تيريزا ماي" مُفاوضِة جيّدة لكنّها تُفاوض على المُستحيل، لكن السبب الآخر لتلك النتيجة غير المرضيّة هو أنّ (بريطانيا) ليست أوليّة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي بل لديه مسائِل أهمّ بكثير ليهتمّ بها في الداخل. هذا دليل على ما أعتبره المُشكلة الكُبرى للاتحاد الأوروبي، فعندما كان يُدعى سوقاً أوروبية مُشتركة وجماعة أوروبية لم يكن ديمقراطياً وخضَعَ لقيادة نُخَب تقنية، لكنّه كان لا بدّ من أن يكون كذلك كي يؤدّي وظيفته. فنحن عامة الشعب لا نملك معرِفة في المناطق الصناعية وأسعار الصرف وما إلى ذلك، بالتالي كان لا بدّ من أن يُدير خبراء تلك الشؤون. لكن في أوائِل التسعينات، في الفترة الزمنية المُزدهرة، حين سقط جدار (برلين) وأُلقيَ الاتحاد السوفياتي في حاوية التاريخ اغتنم القادة الأوروبيون هذه الفُرصة للمضيّ في مهمّتهم السياسية التي بدأت في أواخر الأربعينيات ما أدّى إلى أن تكون (أوروبا) اليوم ما بين كتلة تجارية اقتصادية ودولة، كنموذج ولايات أوروبية متّحدة، فتؤدّي بعض المهام لكن ليس جميعها، وتتمتّع بشيء من الشرعية لكنها منقوصة ما أدّى إلى تصويت أكثر من نصف السكان لمصلحة الخروج من الاتحاد. لقد ناقشنا إذا ما كان وارداً أن تتبع بلدان أوروبية أُخرى (بريطانيا) في الخروج والجواب المُختصَر لذلك هو كلّا، ليس بعد، إذ تجلس (أوروبا) الآن مسترخية وتستمتع بمُشاهدة انهيار بلدنا كنجمٍ متلاشٍ. غلَبَ على صيف 2016 قلق كبير أو حماسة بالغة، حسبما تنظُر إلى المسألة، من أنّ تبدأ (بريطانيا) في تأثير "الدومينو" لتتبع خطاها بلدان أُخرى، لكن البلدان الأُخرى تنظر إلى أيّ مدى وضعنا كارثي

جورج غالاواي: أخبرنا، لماذا يُعتَبر الوضع كارثياً؟

راسل فوستر: يعتبر كارثياً لأنّ انهيار بلدنا أمرٌ وارِد، وقد لمسنا ذلك في الدعوة إلى إجراء استفتاء آخر في (اسكتلندا)

جورج غالاواي: لكن هذا الوضع مستمرّ منذ مئة سنة

راسل فوستر: أجل، لكنّه تصاعَدَ على نحوٍ كبير، حتّى أننا سمعنا عن الاقتراح المُضحك عام 2016 في أن تعلِن (لندن) استقلالها وتُقدم طلباً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لدينا حزبان، كما ذكرت آنفاً، يقفان على شفير الانقسام، وبعد أن انشقّ المُجتمع البريطاني إلى فئتين، فئة مناصرة للبقاء وفئة أُخرى مناصرة للخروج، بات منشقاً إلى ثلاث فئات: الفئة المناصرة للخروج العنيف من الاتحاد، الفئة المناصرة للخروج السلس منه، وتلك المُناصِرة للبقاء، ولا تُعامَل بعض هذه الفئات البعض الآخر على نحوٍ لائق وحضاري سياسياً بل تستبعد بعضها البعض من النقاش بتهمة الهرطقة، وترى البلدان الأُخرى ما يحدُث مدركةً أنّها إذا أجرَت استفتاءً من دون وضع حدّ أدنى له أو أغلبية ساحقة فستتكبد النتائِج نفسها، وقد يعرِض عليها الاتحاد الأوروبي اتفاقاً قاسياً، إمّا أن تنفِّذ أوامره أو تواجه خروجاً قاسياً منه ومُستقبلاً مجهولاً. يواجه الاتحاد الأوروبي مشاكل أكثر أهمية، ففي طريقةٍ ما تعود "البريكسيت" بالمنفعة على الاتحاد الأوروبي، فدائِماً ما كانت (بريطانيا) عضواً ممانعاً في الاتحاد، لم نشعر يوماً في الحقيقة بأننا أوروبيون لا على الصعيد الثقافي ولا الجغرافي والعرقي، لكن بسبب الحروب النابليونية والحربين العالميتين شعرت (بريطانيا) بعُزلة سياسية وبالتالي لم تنتمِ يوماً إلى العائِلة الأوروبية. إذاً مع مضيّ (بريطانيا) في طريقها للخروج يُمكن للاتحاد أن يتقدّم بخطط لتحقيق المزيد من التكامل، وقد شهِدنا ذلك في اتفاقيّة التعاون الدفاعي المُنظّم الدائِم "بيسكو" التي وُقِّعت في العام المنصرِم. فخلال السنوات الستّين الأخيرة كانت (بريطانيا) هي التي تضع حداً للتكامل العسكري الأوروبي، وبما أننا سنخرُج الآن سيتسارع تحقيق ذلك فعلاً بعضّ النظر عمّا إذا كان مُثمراً أم لا. الآن، وبعد خروج النواب البريطانيين من البرلمان الأوروبي، أي سيترك البرلمان 56 عضواً، ستتعزّز قوّة الهيئات والفئات المؤيِّدة للاتحاد في البرلمان الأوروبي الذي سيُجري انتخابات في شهر "مايو" لانتخاب رئيس جديد للمفوضيّة الأوروبيّة لاستبدال "جان كلود يونكر". بالتالي، "البريكسيت" مفيدة بشكلٍ ما ومن جهة أُخرى ستأتي بكارِثة على (أوروبا) والبريطانيين على حدٍّ سواء. أعتقد أنّ الخروج من الاتحاد الأوروبي على نحوٍ عنيف سيكون كارثياً لـ (بريطانيا)، لكن ليس في وسعنا رؤية المُستقبل عبر بلّورة سحريّة، وبالتالي هذه مُجرّد تخمينات. إن كان الخروج العنيف كارثياً على (بريطانيا) فسيكون كذلك لـ (أوروبا) بالقدر نفسه، إذ ستختفي مُساهمتنا الصافية في خزينة الاتحاد الأوروبي وسيفقِد كلّ أولئِك المنتجين والصانعين في (هولندا) و(ألمانيا) و(إيطاليا) سوقاً ضخمة، فليست (لوكسمبورغ) التي تخرُج من الاتحاد بل بلد يشمل سبعين مليون مواطن ومعهم ما ينفقونه من المال. بالتالي، إن كان الخروج العنيف من الاتحاد سيّئاً لـ (بريطانيا) فسيكون سيّئاً جداً للاتحاد الأوروبي ما يصل بنا إلى القضيّة التي تُذكَر عن موجة تجتاح (أوروبا) من التشكيك في (أوروبا) ومناهضة العولمة، وأُثبتَ أنّ "ماكرون" سيبقى على حاله، فهو رئيس الأغنياء، ولا يُحبّه الشعب الفرنسي ويُنظر إليه على أنّه وجه الاتحاد الأوروبي ومُخلّصه

جورج غالاواي: أجل، لو كان للاتحاد الأوروبي إسماً فكان فسيكون "إيمانويل ماكرون" أليس كذلك؟

راسل فوستر: بلى، وقد صوّرَ نفسه على أنه المُخلِّص لـ (أوروبا) الليبرالية، ومن الواضح أنّ الأمر لا يُفلح، إذ أنّ (أوروبا) تتجه نحو تشكيكٍ أكثر فيها وينبغي مراقبة الألمان إذ سيُجرون قريباً انتخابات لاستبدال "ميركل"، وأياً يكون من سيحلّ مكانها فسيواجه شعباً ألمانياً يُحجِم إلى حدٍّ ما عن إعطاء المزيد من الأموال لبلدان أُخرى في الاتحاد الأوروبي وسيواجه نهضة لا في البديل من أجل (ألمانيا) فحسب بل في حزبيّ "دي لينكه" والخضر أيضاً ما يُمثل تهديداً للدولة، وبالطبع سيواجه الاتحاد الأوروبي الذي خسر مُساهمة (بريطانيا). وإن عُدنا بالتفكير إلى عام 2012، عند ذروة إقدام (اليونان) على مُحاولة الخروج من الاتّحاد كان يُمكن لـ (اليونان) أن ينسحب، لكن استطاعت (ألمانيا) انتشال الاقتصاد اليوناني من أزمته لأنّ الاقتصاد اليوناني صغير جداً بصراحة، واستطاعت (ألمانيا) سياسياً ومالياً أن تُنقِذ (اليونان). لكن عندما تحلّ عليها الأزمة المالية المُقبلة، التي ستحلّ حتماً، فهذه طبيعة الرأسمالية، وإن حلّت أزمة مالية على (إيطاليا) أو (أسبانيا) أو (إيرلندا) أو (اليونان) مُجدّداً فلا تملك (ألمانيا) الإرادة السياسية لإنقاذها، ومن المستحيل أن تستطيع إنقاذ بلد كبير كـ (أسبانيا) أو (إيطاليا) لاسيّما بعد غياب مُساهمة (بريطانيا)، وبالتالي لا يبدو مُستقبل الاتحاد الأوروبي مُشرقاً، لكنني انتهيت لتوّي من تأليف إصدار خاص لمجلّة أكاديمية حول مُستقبل (أوروبا) وورَدَ فيها أمران. أولاً، لم تتوقع دراسات الاتحاد الأوروبي والباحثون فيه احتمال انهياره وكان في الثمانينات فرعٌ دراسي بأكمله لم يعُد موجوداً الآن، يُدعى علم الاتحاد السوفياتي يُدرِّس اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية، وعجز علماء الاتحاد السوفياتي تماماً

جورج غالاواي: شخصياً لا أزال أدرّسه، لكن تفضل وأكمل

راسل فوستر: لكنك تدرّسه بصفتك مُختصاً في علم التاريخ وليس في علم السياسة، إذاً عجز علماء الاتحاد السوفياتي تماماً في أواخر الثمانينات عن توقّع انهيار الاتحاد السوفياتي الذي حدث بسرعة ولم يتوقّع أحد وقوعه

جورج غالاواي: هذه فكرة سديدة

راسل فوستر: الأمر سيّان في الدراسات حول الاتحاد الأوروبي، فمنذ الخمسينات ونحن نُركِّز بصورة مُستحوذة على التكامل والإرث الأوروبي ولم يتطرّق أحد إلى احتمال تفكّك الاتحاد الأوروبي وإلى سيناريوهات تدهور (أوروبا). أمّا النقطة الثانية التي وردت في هذا الإصدار هي أنّ الاتحاد الأوروبي يترنّح من مصيبة إلى أُخرى كشخص مخمور، كأزمة منطقة اليورو وأزمة اللاجئين، وهذا مُستمرّ منذ عام 2015 عندما رفضت كلّ من (فرنسا) و(هولندا) الدستور الأوروبي المُقتَرح. أوروبا تترنّح من أزمة إلى أُخرى، وربما الأزمات هي الوضع الطبيعي في الاتحاد الأوروبي

جورج غالاواي: ذكرت أمراً لم نتطرّق إليه أنا والسيّد "نوريس" وهو أزمة اللاجئين. كم أثرت هذه الأزمة في تردّي شعبية الاتحاد الأوروبي كمؤسّسة؟

راسل فوستر: كان أثرها هائِلاً، فإحدى مشاكل الاتحاد الأوروبي التي ليست ذنبه هي أنّه يقع كبش محرقة حين يسأم الأشخاص من حكومتهم الوطنية، فإن سارت الأمور على ما يُرام تأخذ الحكومة الوطنيّة أيّاً كانت الفضل في ذلك بينما إذا لم تجرِ الرياح بما تشتهي السُفن تُلقي باللوم على الاتحاد الأوروبي. شهِدنا ذلك في استفتاء "البريكسيت" الذي لم يكن في الواقع تصويتاً ضدّ الاتحاد الأوروبي بل كان تصويت سبعين مليون شخص على مدى عدم رضاهم عن حكومة تتمحور حول مصالِح (لندن) بقدر عدم رضاهم عن الاتحاد الأوروبي، ولا يقع ذنب أزمة اللاجئين على الاتحاد الأوروبي بل نجم عن عوامل اقتصادية واجتماعية تعود إلى عقود منصرِمة وتفاقمت بسبب الربيع العربي وحملات "الناتو"، وقد تفاعل الاتحاد الأوروبي مع الأزمة لكنّه لم يكن مُسبّبها. لكن مع أزمة اللاجئين شاهدنا ظهور بعض المشاكل بالتزامن مع أزمة اللاجئين، أولاً انقسم الاتحاد الأوروبي إلى ثلاثة أقسام: شمال غرب (أوروبا) حيث تقع البلدان الصناعية الغنيّة التي تشتكي شعوبها من هدر ضرائِبهم، التي تعبوا لتحصيلها، على بلدان شرق أوسطيّة ولدينا (أوروبا) المتوسّطية التي كانت على خطوط المواجهة مع اللجوء والتي مُنيَت بضربة موجِعة جرّاء تقشّف الاتحاد الأوروبي والتي تشتكي أنّها تُريد مُعالجة الموضوع لكنّها لا تتلقّى أية مُساعدة منه، ثم في الشرق حيث تقع البلدان السوفياتية الاشتراكية السابقة التي لا تستقبل لاجئين والتي تشتكي من أنّ الاتحاد الأوروبي يغدو متأسلماً وأنّ ذلك نوع من النزوح العرقي، وقد حققت أزمة اللاجئين أمراً أراده مؤسّسو الاتحاد الأوروبي. ففي أواخر الأربعينات، تحدّث أشخاص مثل "ريتشارد فان كودينهوف كلرغي" عن أنّه لا بدّ من تشكيل الهويّة الأوروبيّة، ومثَّل السعي إلى الهويّة الأوروبيّة أساساً للتكامل الأوروبي منذ أواخر الأربعينات، هذه الهوية الأوروبية تتشكّل الآن لكنّها ذات رؤية بغيضة ومُظلمة إذ تشمل أوروبيين بيضاً ومسيحيين ومقيمين، أمّا الوافدون إلى (أوروبا) فليس مرحّباً بهم. بالتالي، الأثر الأكبر لأزمة اللاجئين هو أنها تُشكِّل هويّة أوروبيّة تتناقض مع الاتحاد الأوروبي نفسه

جورج غالاواي: هذه مواد تلفزيونية من الطراز الرفيع، أنتم تُشاهدون "كلمة حرّة" وسنعود بعد قليل           

المحور الثالث

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم بحديث عن (أوروبا) وعن خروج (بريطانيا) من الاتحاد الأوروبي والفجوة التي سيُخلّفها ذلك وكيفيّة تطوُّر الاتحاد الأوروبي في السنوات المقبلة. خرجنا مع كاميرا "كلمة حرة" إلى شوارِع (لندن) فلنستمع إلى آراء الناس

المُحاور: في رأيكِ، لماذا يودّ الاتحاد الأوروبي إنشاء جيش أوروبي؟

شابة 1: شخصياً، لا أُريد أن ينشأ جيش أوروبي إذ لا أعتقد أنّ هدف أوروبا عسكري بل يغلِب عليه الطابعان الثقافي والاقتصادي

شاب 1: أعزو ذلك إلى الأمان الذي يضمنه إنشاء جيش مُستقلّ، فضلاً عن أنّه يوحِّد جميع البلدان وسيكون لديها جميعها مصلحة مُشتركة في الجيش المُشتَرك. بالتالي سيتم التوصلّ إلى القرارات على نحوٍ متماسِك أكثر

سيدة 1: لا أعرِف السبب تحديداً

شاب 2: بصراحة لم أُفكِّر في الأمر، إذ ينبغي لنا أن نُفكِّر في مسائِل كثيرة أُخرى تتعلّق بـ "البريكسيت"، وبصراحة لم اُفكِّر في الجيش بتاتاً

شابة 2: في رأيي، إن اتحدّنا معاً لن نحتاج إلى جيش 

رجُل 1: إن استطعت أن تُفسِّر مَن هي الجهة التي سيقاتلها الجيش الأوروبي من الممكن أن أوافق عليه، لكن بما أنني لا أعرِف من عساه الجيش الأوروبي أن يُقاتل لا ألمس الجدوى منه

المُحاور: في رأيك، هلّ ستستفيد الولايات المتحدة من تفكُّك الاتحاد الأوروبي أكثر؟

شابة 1: أعتقد أنّها قد تستفيد، فإذا بقيَ "ترامب" رئيساً هناك، مع أنني آمل ألّا يبقى في منصبة، لكن إن بقيَ رئيساً فسيسعد بالمزيد من الحلفاء وفي أن يرى بلداناً مُستاءة من الاتحاد الأوروبي قد تغدو صديقة للولايات المتحدة ليستفيد من جيوشها وما شابه. بالتالي، أعتقد أنّه سيستفيد من التفكّك بالفِعل

شابة 2: لا أعرِف فعلاً، لكن على الأرجح نعم بسبب الرئيس هناك. أعني هذا اتجاه شعبي إلى حدٍّ ما يسعى إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي، وأعتقد أنّ بلداً يقف وحيداً سيكون أضعف من اتحاد كامل

سيدة 1: أعتقد أنّ الأميركيين سيستفيدون من مزيد من الانقسامات

شاب 1: من الصعب الإجابة عن ذلك لكنني أثق أنّه مع الوقت سيتوصّل الأميركيون إلى طريقة للاستفادة من الأمر لكنني لستُ واثقاً من ذلك

شاب 2: مع خروج بلدان أكثر من الاتحاد سينخفض سعر اليورو وبالتالي يغدو الدولار الأميركي عملة أقوى

شابة 3: أعتقد أنّ الولايات المتحدة دائِماً ما تستفيد من انقسام (أوروبا)

شاب 3: لا أعرِف صدقاً لكنني أعتقد أنّ ذلك جزء من أجندة "دونالد ترامب"، ولستُ واثقاً إن كان الشعب الأميركي سيستفيد مما يحدُث، لكن من المؤكَّد أنّ "دونالد ترامب" سيفعل

جورج غالاواي: كم كان ذلك مثيراً للاهتمام. "آدم غاري"، أنت مؤرِّخ مرموق وتُقدِّم برنامجاً إلى جانبي بعنوان "فتيان التاريخ" وأنت من أُصول أميركية بريطانية، هلّ توافقني الرأي في أنّ (بريطانيا) يشوبها بعض الانفصام؟ أعني بالرغم من روعة أن يقول المرء أنه أوروبي لا أشعُر بأنني كذلك كثيراً بل أشعُر أنّ ما يجمعني بالشعب الأميركي أكثر بكثير مما يجمعني بـ (أوروبا) وهذا اعتراف صريح، كنت أُشاهِد المحطّات والأفلام الأميركية وأستمِع إلى أغانٍ أميركية وأتابع بطولات المُلاكمة وسوى ذلك. لن أكون صادقاً إذا قلت أنّني أجلس في المساء لأُشاهِد أفلاماً إسبانية أو أستمع إلى الأغاني الشعبية في (فرنسا)، إذ أنّني لا أفعل، هلّ ما نراه هو انفصام في ما يتعلّق بخروج (بريطانيا) من الاتحاد الأوروبي وعلاقتنا بالقارة الأوروبيّة؟

آدم غاري – مدير عام أور-آسيا: قال "برنارد شو" إنّ البريطانيين والأميركيين شعبان مختلفان تفصلهما لغة واحدة لكنّه لم يكن يتحدّث بالفرنسية أو الألمانية حين قال ذلك، بالتالي يكمن الشيطان في التفاصيل ولكنه شيطان يزداد صغراً في منحى متصاعِد. يُنظَر إلى هذا الانفصام من منظورين، أحدهما منظور تعاون أطلسي يؤيِّد الولايات المتحدة إلى حدٍّ بعيد، أمّا الآخر فيُناهض الولايات المتحدة لكنّه يُشكّك في (أوروبا) في آن واحد، وسأتحدّث عن المنظور الثاني أولاً. رجُل كان يجلس في الجانب المُقابل لك في مجلِس العموم لسنوات طويلة لكنّه توفّى منذ فترة طويلة وهو "إينوك باول" الذي كانت آراؤه مثيرة للجدل، لكن يجب أن ننتبه إلى مجال تطرّق إليه بحكمته إن صحّ القول وبكلّ صراحة بالطبع، حين ناقشَ كيف تُحيط (بريطانيا) و(روسيا) بـ (أوروبا)، فكلاهما يقعان على مقربة من (أوروبا) وتتداخل كذلك تجاربهما التاريخية مع (أوروبا) لكنّهما ليستا بالضرورة جزءاً من تاريخ (أوروبا) على الصعيدين الثقافي والتاريخي ومن ناحية روح العصر السياسية عموماً، ولا تؤاخذني على استخدامي تعبيراً ألمانياً خلال تعبيري، ويقول هؤلاء أنّ على (بريطانيا) أن تنظُر إلى الخارِج نحو المشرق و(آسيا) و(أفريقيا) والعالم الأوسع وينبغي ألّا تحدّ (بريطانيا) فكرة أننا أوروبيون ، إذ ها هي (أوروبا) على الضفّة المقابلة للقناة، كذلك ينبغي ألّا تنحصر في فلك أميركي إنكليزي إذ تجمعنا لغة مُشتركة ونتشارك القانون المُشترك فضلاً عن تجارب ثقافية أُخرى تتشاركها الولايات المتحدة و(بريطانيا) وما كان يُسمّى بلدان الكومونولث البيضاء خلافاً لمناطق في الإمبراطورية البريطانية السابقة غدَت مُستقلّة بعد عام 1945. كذلك أمامنا منظور التعاون الأطلسي الذي يعتقد بالآتي: بما أنّ في البلدين النظام القانوني نفسه أو نظامين متشابهين ينبثقان عن القانون المُشتَرك، مع أنّ النظام في (اسكتلندا) مختلِف قليلاً، لكن من ناحية الإرث يغلب على الولايات المتحدة طابع اسكتلندي أكثر من ذلك الإنكليزي، بالتالي ينتج من ذلك توازن إضافة إلى العوامل الكثيرة الأُخرى التي أشرت إليها، إذ قد يُشاهد الشعبان البرامج نفسها. من المثير للاهتمام أنّه لغاية عصر الثورة الصناعية، عندما بدأت الولايات المتّحدة و(بريطانيا) التصنيع في الوقت نفسه لكن كلٍّ على حدة، بات لدينا الكثير من الكلمات التي تختلِف بين الإنكليزية البريطانية وتلك الأميركية، وحدث ذلك في فترة أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حين ظهرَ مُصطلحان أميركي وبريطاني للإشارة إلى المصعد مثلاً وآخران للإشارة إلى الرصيف. مع ذلك يغدو العالم أكثر ترابطاً على مُستوى التواصل الشفوي والمكتوب بحيث إذا نظر المرء إلى المعاني الضمنيّة على التلفاز البريطاني وفي وسائِل الإعلام الأميركية يرى أنّ الأميركيين يعتمدون بعض الشعارات البريطانية، ولا تؤاخذني على تلفّظي بكلام سوقي، لكن منذ خمسة عشر أو عشرين عاماً لم يعرِف أيّ أميركي التعبير البريطاني للمضاجعة لكنّهم باتوا يعرفون هذا التعبير الآن، ليس بسبب "أوستين باورز" فحسب. كذلك، ما عليك سوى أن تذهب إلى اجتماع حزب استقلال المملكة المتحدة في منطقتك الذي يُشارك فيه مؤيدو "الناتو" ومحبّو "رونالد ريغان" لتعرِف كم يكرهون واقع أن اللفظ الأميركي يتغلل في اللفظ البريطاني المُعتَمد. بالتالي، تغدو (بريطانيا) والولايات المتحدة متشابهين ثقافياً أكثر على نحوٍ غريب بسبب التكنولوجيا التي أسهمت في أن تبقى اللغة المُشتركة مشتركة، بالتالي نحن اليوم على المسافة نفسها في الاتجاه المُعاكِس مقارنةً بعصر "جورج برنارد شو" ما يُقدِّم برهاناً قوياً على الصعيد الثقافي. أمّا اقتصادياً، فأعتقد أنّ الموقف الأفضل بالنسبة إلى (بريطانيا) بصفتها قوّة مثّلت امبراطورية في السابق هو أن تعتمد عدم الانحياز على الصعيدين الاقتصادي والعسكري. لذلك، على (بريطانيا) أن تنظُر إلى بعض أسباب فشل الاتحاد الأوروبي أو مُعظم أسباب نجاح رابطة دول جنوب شرق (آسيا) حسبما أرى. اعتمد الاتحاد الأوروبي أسلوب أمر واقع خانق وشرَعَ في عمليّة التكامل بأسرع وقتٍ ممكن، أمّا "آسيان" فلم تفعل ذلك بل اعتمدت التوافق بحيث يستطيع أيّ عضو في "آسيان" ممارسة حقّ النقض "الفيتو" ضدّ أيّة خطوة مُستقبلية، أي تعتمد التوافق إلى حدٍّ أبعد بكثر ولا بدّ من أن ينطوي هذا الإطار على التدرُّج، ولا بدّ من أنها القاعِدة المُعتَمدة. عندما تنظُر إلى ميثاق "آسيان" الذي كُتِبَ عام 2007، أي في الفترة نفسها التي كانت (أوروبا) تناقش فيها ما يُسمّى دستور الاتحاد الأوروبي الذي تطوّرَ في ما بعد ليغدو معاهدة (ليشبونة)، تقرأ أنّه يتمحور حول احترام الدول ذات السيادة وحول خوض تجربة جماعيّة وليس على إنشاء نظام سياسي جماعي، وعندما تنظُر إلى ما يحدُث في جميع بلدان "آسيان" باستثناء (ميانمار) ربما ترى ازدهار التفاؤل وترى الاقتصادات تنمو وتُحسِّن معايير المعيشة أكثر فأكثر على الرغم من أنّها أُجبِرت على تحمّل احتلال ياباني فظيع في الأربعينات وبعد ذلك خاضت صراعاً مناهضاً للاستعمار ضدّ القوى الأساسية الأوروبية، أي تلك الغربية منها، وذلك بعد مُعاناتها ضدّ اليابانيين. بالتالي، عندما تنظُر إلى أصول الاتحاد الأوروبي و"آسيان" اللذين هدفا إلى منع اندلاع الحروب، من الساخر أنّ كليهما هدفا إلى منع انتشار الشيوعيّة، ترى أنّهما تطوّرا إلى كيان مُختلِف. فباتت "آسيان" ذات طابع جماعي أكثر من ناحية المسؤولية، كذلك ازداد احترامها للدول بينما سار الاتحاد الأوروبي في الاتجاه المُعاكس. وبما أنّ وزراء خارجية (بريطانيا) كانوا يعرِفون الكثير عن الطبيعة الجغرافيّة لـ (آسيا) عموماً ولجنوب شرق (آسيا) أيضاً، أعتقد أنّ (بريطانيا) ستكسب الكثير اقتصادياً في اعتماد سياسة (آسيا) أولاً على صعيد الترابط الاقتصادي مع احترام أنّ الترابط بين (بريطانيا) والولايات المتحدة سيبقى قائِماً بسبب لغتهما المُشتركة التي باتت تُستخدم على مواقع الإنترنت كما في أيّ مكانٍ آخر

جورج غالاواي: هذا مذهل، إسمح لي أن أبحث فرضيّة معك. أتحدّث بصفتي لا آبه بالدول القومية البتّة ولستُ قومياً في أيّ شكلٍ من الأشكال لهذا أُعارِض القومية الأسكتلندية وأكره القومية البريطانية، لكن الاتحاد الأوروبي، كما قد يُعبِّر "جورج بوش" عن الأمر، "قد أخطأ حين استخفّ بالدولة القومية" أليس كذلك؟ في الحقيقة، مُعظم الأشخاص وليس في (بريطانيا) فحسب بل في (فرنسا) أيضاً، وأثق أنّ ذلك ينطبق على كثيرٍ من البلدان الأوروبية الأُخرى، فيعتبر معظم الناس أنفسهم أولاً وبالصورة الأهم ليسوا أوروبيين بل بريطانيين أو فرنسيين، وفكرة أنّه يُمكن أن تملي عليهم ما يفعلونه، لاسيما وأنّ بلدهم مُساهم صاف، من قِبَل أشخاص لم ينتخبونهم ولا يستطيعون عزلهم هي فكرة بات إقناع الناس بها أكثر صعوبةً يوماً بعد يوم لاسيما أنّه من الجليّ أنّ القوانين لا تُطبّق بالقدر نفسه من قِبَل الجميع. فقد نشرَ "ماكرون" اليوروهات في شارع (الشانزليزيه) في مُحاولة لتخفيف وطأة الثورة في (فرنسا) وكسر جميع القواعِد الماليّة عندما فعل ذلك فبات مُعدّل العجز في (فرنسا) يزيد على 3.5 % بينما رُجِمت (إيطاليا) للتوّ لتفكيرها في تحديد مُعدّل نسبة العجز في ميزانيتها بـ 2.5 %، بالتالي اضطرّت إلى التراجع وتحديد المُعدّل بـ 2.04% واقترح أن تُمعِن (بروكسيل) النظر في الحسابات في نهاية العام إذ لستُ واثقاً من أن يلتزِم الإيطاليون بذلك، لكن المغزى من كلامي هو الآتي: لم تصل القومية والدولة القومية في أيّ شكلٍ كان إلى نهايتها من الناحية التاريخية وكان التظاهر بعكس ذلك خطأ

آدم غاري: هذا صحيح. أُكرّر أيضاً أنّ أحد الفوارِق بين مُعظم مناطق (آسيا) ومعظم مناطق أوروبا بعد عام 1945 هو أنّ القومية في (آسيا) كانت ظاهِرة تدريجيّة أكثر، إذ كان الناس يبنون أُمماً          ويُعيدون تشكيل هوياتها بعد عقود أو قرون في حالات كثيرة من الهيمنة الأجنبيّة. أمّا في (أوروبا) فعلينا العودة إلى كلام " كلرغي" الذي قال قبل الحرب العالمية الثانية حتّى أننا في حاجة إلى قوميّة أوروبيّة وعلينا أن نعتبر أنفسنا أوروبيين لكن من الواضح أنّه لم يقرأ كلام "نيتشه" الذي قال أنّ "بيتهوفن" كان المُلحّن العالمي الأخير ومن بعده اتّسمَ كلّ الملحنين في جميع الأعمال الكلاسيكية الأوروبية، بما فيها الروسية والبريطانية، بالكثير من القومية وكان "نيتشه" محقاً جداً، كم هو ساخِر أن لحّن النشيد الوطني للاتحاد الأوروبي هو من تأليف "بيتهوفن". الأمر ساخِر إلى درجة أنني شاهدت منذ أيام شخصاً بريطانياً من اليمين المتطرِّف عبر التلفاز يقول: لا نريد أن نُغنّي ألحان "بيتهوفن"

جورج غالاواي: Roll over Beethoven كما قال "البيتلز"

آدم غاري: بالفعل، هذا عنوان أُغنية أميركية أعاد فريق "البيتلز" غناءها وبالتالي بيننا تآزُر ثقافي، إذ نتشارك

جورج غالاواي: عليّ الإشارة إلى أنّ مقاعِد الدراسة جمعت السيّد "نوريس" بالسير "بول ماكرتني"

آدم غاري: هذا ممتاز، وأنا من أشد المعجبين بـ "البيتلز" لكن دعونا لا نبتعِد عن الموضوع كثيراً. في العودة إلى الحديث عن الاتحاد الأوروبي ما نراه في (أوروبا) هو أكبر هدف يُسدّده لاعب في شباك فريقه لهذا القرن، وأعلم أنّ في الغُرفة بعض مُشجّعي كرة القدم وما أزال عند كلامي. جرى تصوُّر الاتحاد الأوروبي وفقاً لأفكار "كلرغي" الكمالية جداً وهي الأفكار حول التخلّص من الدول القومية أو على الأقل التخفيف من تأثيرها في وعي الناس. لكن الناس اليوم قوميّون أكثر من أي وقتٍ مضى، إذ تشعُر (أوروبا) بشيء من العزلة الآن ويشعُر الناس أنّ الحلول تغدو محدودة أكثر مع الوقت إذ أنّ الحكومات لا تستجيب، كذلك باتت أنظمتها الديمقراطيّة زائِفة وينتابها قلق من أزمة اللاجئين لأسباب بعضها منطقي أمّا البعض الآخر فلا، إذ لا تستنِد هذه المسألة إلى ثوابت واضحة، وبالتالي ترى أنّ القوميّة تتزايد لكن في الوقت نفسه ترى أعلاماً بولنديّة تُرفَع في أحد تجمّعات "البريكسيت" لكنّه من التجمّعات المتطرّفة وليس من النوع الذي يدعمه كثيرون من الناس هنا، كم هذا ساخِر، ومن جديد ينتج ذلك من أن الهوية الأوروبية هي الرجل الأبيض ضدّ الرجل غير الأبيض، هذا هو الخطاب السام عن الهويّة الأوروبية، الكلام الذي سمعنا مثله من قبل في زمن "إيان سميث" في (روديسيا) التي باتت اليوم تُعرَف بـ (زمبابواي) وسمعناه في ظلّ دولة الفصل العُنصري في جنوب (أفريقيا) وفي ظلّ نظام العزل العنصري في جنوب الولايات المتحدة. بالتالي، تغدو (أوروبا) شبيهة ببعض الأماكن التي استعمرتها من قبل على صُعُد مُختلفة، وبصراحة

جورج غالاواي: عليّ القول، فات الأوان لأن يرغب المرء في أن يكون كلّ سكّان (أوروبا) من العرق الأبيض وتبعث هذه الرغبة على الاشمئزاز

آدم غاري: بالفعل

جورج غالاواي: حتّى إن كان المرء يرغب في ذلك فقد فات الأوان

آدم غاري: صحيح، والحلّ الوحيد في رأيي هو حلّ اقتصادي، حين يعيش الناس في جوٍّ مُزدهر تقلّ شكواهم وينخفض مُعدل إثارتهم للمشاكل ويغدون أسعد. فإن أردت أن يكون السكان راضين فالطريقة الموضوعيّة لتحقيق ذلك ليست بفرض رقابة على الأخبار لأنّ الناس سيتوقفون عن تصديق كلّ ما يسمعونه كما جرى في آخر أيام الاتحاد السوفياتي أو قد يثورون. كذلك لا تتعلّق الطريقة بالهندسة الاجتماعية التي تغدو أكثر فأكثر إحدى خصائِص (أوروبا) التي اتّسمت بالليبرالية من قبل، غير أنّها تتحوّل إلى استبدادية. لكن إذا سمحت أن يحصل الناس على أُجور أعلى وإذا اعتنيت بهم على نحوٍ أفضل وإذا استطعت تأمين المزيد من فُرص العمل وإذا سمحت بأنّ تُحقق التجارة مصلحة الأكثريّة وليس الأقليّة، وهذا تعبير مُقتَبَس، فستتضاءل كلّ هذه المشاكل بدرجة كبيرة، لن تختفي لكنها ستغدو أصغر حجماً

جورج غالاواي: سنعود في الحال       

المحور الرابع:

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين". "ستيف نوريس"، أرجو منك الردّ، مع وصولنا إلى الفقرة الأخيرة، على ما سمعته في استطلاع الرأي ومن الجمهور معنا

ستيف نوريس – نائب ووزير بريطاني سابق: سأفسح مجالاً للجمهور ليتحدّث، لذا سأدلي بفكرة واحدة تطرّق إليها "آدم" باقتضاب وهي مسألة القوميّة، وقد تطرّقت إليها أنت كذلك. أوافق على أنّ "الجينغويّة" باتت ظاهِرة ملموسة أمّا القومية فهي ميل طبيعي، ومن المفارقة أنّها لا تعني تجانساً كلياً. وأعتقد أنّ الأمر المُثير للاهتمام في ما شاهدناه، وهو ما أشرت إليه، هوّ أنّ في أيّ يومٍ عاديّ في (لندن) الكثير من الناس فيها ليسوا إنكليزاً أو بريطانيين بالضرورة، ولا أعتقد أنّ أياً منّا يُمانع ذلك البتّة بل هو من العوامل الباعثة على السعادة عند العيش هنا، لكن بالنسبة إليّ مثلاً، كان الجانب المهمّ في الاستطلاع هو الفِكرة التالية: أمّة، أو بالأحرى منطقة عاجزة عن السيطرة على مَن يدخلها أو يخرج منها تُعتبر سلطة محليّة وليست أمّة، ومنطقة تفرض القوانين

جورج غالاواي: لا يُعتَبَر البلد دولة إن لم يمتلِك حدوداً

ستيف نوريس: إن لم تضع القوانين التي ينبغي أن تعيش بموجبها لأن من وضعها طرف من الخارِج فلستُ دولة على الإطلاق، ولا أُشير إلى ذلك لأنني أطمح لدولة متزامنة، تماماً كما أشار "آدم"، لكنّه أشار إلى فكرة مهمّة جداً في رأيي في ما يتعلق بـ "آسيان"، أي رابطة دول جنوب شرق (آسيا) التي تُمثّل على صُعد كثيرة ما ينبغي أن يكون الاتحاد الأوروبي عليه. فقال إنّ "آسيان" تحترم السيادة الوطنيّة عبر التأكّد من أن تجري جميع عمليات التصويت بالإجماع. بالنسبة إليّ، أكثر ما أحزنني هو مدى عجز (بريطانيا) وسائِر بلدان الاتحاد الأوروبي عن إدارة أنفسهم بما يُحقق مصلحتهم. أنا أؤمن أنّه من المُهمّ استعادة السيطرة على حدودنا، وأنا بالقدر نفسه واضح جداً أن إغلاق حدودنا هو انتحار اقتصادي، وعندما أسمع ما تقوله السيّدة "ماي" التي دائِماً ما تتحدث عن إلغاء حريّة التنقل. أرى أنّ هذه الخطوة لا تُمثِّل استعادة السيطرة على الحدود بل بالنسبة لي تتمثّل بالتمتُّع في الحق لفعل ذلك إن استدعى الأمر في المُستقبل، أن نفرض بعض القيود على الدخول إلى (بريطانيا)

جورج غالاواي: نعم، إذ أنّ اليد العاملة من عوامل الإنتاج، وإذا كانت اليد العاملة متوافرة بإفراط فسيؤثِّر ذلك سلباً في الأكثرية وليس في الرأسماليين بالضرورة، تماماً كما ينبغي إضفاء التوازن على أجزاء أُخرى من الاقتصاد

ستيف نوريس: تقلّ نسبة البطالة في (بريطانيا) عن أربعة في المئة بقليل، ووفقاً للمعايير الحديثة، البطالة بنسبة 4 % نسبة جديرة بالإهمال، وتُمثل نسبة 4 % الأشخاص الذين لا تريدهم أن يعملوا لمصلحتك، أو أنّهم هم لا يريدون ذلك. لكن في الواقع، نحتاج أشخاصاً من جميع المهن، من نادلين إلى جرّاحي الدماغ بصراحة، وهم على الجانب الآخر من الحدود، وإذا لم نأتِ بأشخاص من الاتحاد الأوروبي لسبب ما، فمن أين نأتي بهم؟ من الساخر أنّنا سنأتي بهم من البلدان خارِج الاتحاد الأوروبي وفي استطاعة الحكومة أن تحدّ من دخول هؤلاء الأشخاص لو أرادت ذلك، لكن لشدّة حكمتها لم تفعل. بالتالي، هذا الكلام عن إلغاء حريّة التنقل هو أحد أسباب تضاؤل حماستي كثيراً في شأن موقف "تيريزا ماي" في المُفاوضات أكثر مما أُشير آنفاً

جورج غالاواي: دكتور "راسل"، تطرّقت إلى هذه المسألة سابقاً، فلتردّ أرجوك

راسل فوستر – باحث في جامعة كينغز: يعتمد ذلك على المخاطر التي ستُحدِق في الاتحاد الأوروبي في المُستقبل القريب، فستخرج منه (بريطانيا) في مرحلة ما، ومن المُرجّح أن نحصل على تمديد بسيط لنُجري استفتاءً آخر، ويبدو أنّ الأمور تتجه نحو ذلك، وأتوقّع أنّه حين يحدث ذلك سيحصل أحد الجانبين على الأكثرية لكن بفارِق بسيط جداً وستستمرّ الفوضى. لكن في نهاية المطاف سنخرُج من الاتحاد. علينا التفكير بما هو الخطر الذي سيحدق بالاتحاد الأوروبي مُستقبلاً وهو ليس البطالة ولا هو انهيار مالي ولا هم الروس الذين يتمتّعون بقوّة أقلّ بكثير مما يريدنا "الكرملين" أن نعتقد. ما سيهدّد استدامة الاتحاد الأوروبي وبقاءه هي القومية. بعد الحربين العالميتين خرج الأوروبيون من تحت ركام نظام "هتلر" الجديد وأدركوا أنّ القومية ليست بالضرورة نزعة جيدة، وفي النصف الثاني من القرن العشرين جرى التوصُل إلى إجماع عام في صفوف الأكاديميين وصنّاع القرارات وهو أنّ التقدّم المُستمرّ في الازدهار الاقتصادي وتعزيز التواصل والترابط سيؤدّي إلى إضعاف الهويات الوطنية وزوالها، لكن ما حدث هو العكس. ففي عالم تغلب عليه العولمة على نحوٍ متزايد ومتسارِع يتشبّث الناس بهويتهم الوطنية كأنّها صخرة يُمكن للمرء أن يتمسّك بها وسط فوضى العالم الجديد وهي الظاهرة التي وصفها عالِم الاجتماع الألماني العظيم "إريك فروم" الذي عاش في الستّينات بـ "قلق اللا معنى"، وهي اعتقاد المرء أنّه من دون هوية وطنية لن يعرِف مَن يكون. هذا أدّى إلى تمسُّك الناس بصورة أكثر تطرفاً بهويتهم الوطنية. الفِكرة الأخيرة في شأن (أوروبا) والقومية هي التالية: فلننظر إلى ما كان يحدُث في "ساحة الميدان" في (أوكرانيا) عام 2014، وانظر إلى ما كان يحدُث في ميدان "ترفلغار" في (بريطانيا) في تظاهرات الناس منه نحو البرلمان. فالأشخاص الذين يشعرون بهويّة أوروبيّة على نحوٍ ملموس أكثر هُم من يقفون خارِج البرلمان، ونشهد ظهور قوميّة أوروبيّة بالفعل، وليس بالضرورة أنها حسنة الصورة، فيُمكن أن نرى في بلدنا كم أنّ مؤيدي البقاء ومؤيّدي الخروج مؤذيين بالقدر نفسه خلال تنديد أحدهما بالآخَر. في عام 1963 توقّعَ "ديفيد متراني" أنّ تعزيز التكامل الأوروبي لن يؤول إلى ارتقاء على صعيد القومية بل إلى توسيع نطاقها فحسب. وعلى الرغم من مزاعمهم بأنهم يُمثّلون الكزموبوليتيّة والقِيَم العالية، هؤلاء الذين يلوّنون وجوههم باللون الأزرق ويسيرون نحو البرلمان يفعلون تماماً ما يفعله القوميّون اليمينيون المتشدّدون، أي يقولون: "نحن ننتمي إلى هنا أمّا أنتم فلا وها هي حدود منطقتنا". إذا استطاع الاتحاد الأوروبي أن ينجو من ذلك فقد يبقى قائِماً، إنّما إذا وُظِّفَ ذلك لمصلحته فقد يتحوّل إلى كيان سيّئ الصورة إلى حدٍّ ما

جورج غالاواي: أجل، إنها نظرية مثيرة للاهتمام لم أُفكِّر فيها من قبل لكن عليّ القول أنّ تلك التظاهرات المزعومة الداعِمة للاتحاد الأوروبي هي أكثر التظاهرات غروراً وثراء رأيتها في حياتي، فلا تكاد تسمعهم يقتربون بسبب انتعالهم أحذية جلديّة ولا بدّ من أنهم كانوا يتبضّعون في شراء "الكينوا" من متجر فاخر قبل أن يخرجوا إلى المُشاركة في التظاهرات. إن ذهبت إلى مسقط رأسك (ساند ويل) ورفعت علم الاتحاد الأوروبي فستقتل فوراً لأنّ هذه كانت ثورة الفقراء

راسل فوستر: بالفعل، فقد تلقيت دعوة من مركز متنقِّل خلال المعركة الانتخابية في السنة الماضية في رحلة إلى مُدن شمال الشرق بالنيابة عمّن تبقّى من مناصري البقاء في الاتحاد لإقناع الناس أنّ حسابات روسيّة مبرمجة خدعتهم على وسائِل التواصل الاجتماعي وأنّهم لم يعرِفوا على ماذا كانوا يُصوّتون، وقد دعاني إلى الانضمام مدير الرحلة الذي سأتحفّظ عن ذكر إسمه قائِلاً إنني من المنطقة وبالتالي يُمكنني التحدّث إلى أولئِك الناس، فأجبته قائلاً: كم في رأيك عدد الأفراد الستينيين في (ميدلزبرا) و(كارلايل) الذين يتلقّون أخبارهم من "إنستاغرام" و"فيس بوك"؟ فقد صوّت الناس ضدّ أربعين سنة من تجاهُل كلّ أحزاب (لندن) لهم ولم يكن تصويتهم ضرورةً ضدّ الاتحاد الأوروبي بل ضدّ الوضع الراهن عموماً

جورج غالاواي: أجل، ضدّ الوضع الراهن، تفضلي سيّدتي

شيريل سانشيز – ناشطة سياسية: مرحباً، إسمي "شيريل" ويُمكنك اعتباري من الهواة. يعود أصلي إلى (ترينيداد) في البحر الكاريبي تحديداً، وعندما أتيت إلى هذا البلد ظننت أنّه من الغريب وجود برلمانين فيه، ففي مُعظم بلدان العالم برلمان واحد، فكان هذا بيت القصيد بالنسبة لي، فقمت بالتصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي لأنّه لم يرُقني ما كنت أسمعه. وللأسف، عندما يتولّى شخص يُفضّل البقاء في الاتحاد منصب رئيس الحكومة مثل "تيريزا ماي" تتوقّع الأعمال التخريبية والمآسي، فقد حلّت المآسي منذ تولّيها المنصِب. كانت أولى محطات الجنون عند قضيّة "سكريبال" الذي قضى بجرعة زائِدة من "الفينتانيل" ثمّ التحذير من الذهاب لمُشاهدة بطولة كأس العالم في (روسيا) بذريعة أنّ خطراً هائِلاً يحدق بنا هناك، وبعدها استمرّت في التعبير عن عدائِها لـ (روسيا) في أنحاء البلاد لصرف انتباهنا عن أداء مهامها في دعم قصف (اليمن) والأفعال في حقّ السوريين، ولا تولي اهتماماً حتّى الآن للأحداث في (أوروبا). الخلاصة أنّه تبيّن أن (أوروبا) غير ديمقراطية إذ أنّ الشعب لا يكنّ حباً لها، فغالباً ما نجهل ما الذي يفعله "يونكر"، إذ أنّه يبدو ثملاً معظم الوقت

جورج غالاواي: يهمّه أن يكون الغذاء لذيذاً

شيريل سانشيز: أجل، وتبيّن أنّ "ماي" ليست سوى زعيمة ضعيفة ومُخادعة وفاسدة وفوضوية تؤجّج نيران الحرب، وآخِر ما أودّ قوله هو ما يريد "جيرمي كوربين" قوله: أنّ حكومتها تشكّلت بانتهاك حرمة البرلمان، وهي شخص مُهين

جورج غالاواي: حسناً

شيريل سانشيز: وهي زعيمة ضعيفة

جورج غالاواي: حسناً، فهمت أنّكِ لا تُحبينها، لكن في الواقع مُعظم تلك الصفات لا تنطبق عليها فهي ليست مُخادِعة ولا أيّ من تلك الصفات فيها، بل هي شخص مُحتَرَم تماماً، لكنني أظنّ أنها غارِقة في مأزق، ألا تظن ذلك يا "ستيف"؟

ستيف نوريس: أجل هذا بالضبط ما عبَّرَت عنه، فهي في الواقع امرأة غاية في الجديّة تتسم بيقظة الضمير والعناد، وهي مسيحية وإبنة كاهن ولا تشوب مؤهّلاتها الشخصية أيّة عيوب، لكن يُصادِف أنها زعيمة ميؤوس منها ومهاراتها في التفاوض أسوأ. صحيح أنّها تُنصَح بممارسة بعض الحيَل البرلمانية، ومن إحدى الحيَل الذكيّة أن تقول: "حسناُ، أتريدون التصويت؟ إذا فلنُجرِ تصويتاً اليوم عند الساعة السادسة مساءَ قبل أن يُتاح لكم التحايل"، وربما لهذا السبب نجحت "ماي" في أن يقف معها على الأقل 200 من زملائِها في الصفّ. هي ليست شخصاً سيّئاً بل مُجرّد شخص غير مُناسِب للمفاوضة في هذه النُقطة البالغة الأهمية في مُستقبلنا الوطني

جورج غالاواي: لم يتم تطوير قيادة في (أوروبا) يا "راسل"، فبالنسبة إلى أشخاص امتلكوا مشروعاً أوروبياً مُشتركاً من اللافت للنظر صغر حجم قيادة ذلك المشروع، فلا يخطُر في بالي أحد سوى "ديلور" الذي كان إسمه مألوفاً للجميع في كلّ البلدان، لكن ولّى عهده منذ 25 سنة، فغريب حقاً أنّ (أوروبا) لديها كلّ تلك الأموال والسُلطة ومع ذلك كان خيارها الأفضل "يونكر"

راسل فوستر: هذا صحيح جداً، فبقدر ما أدعم الاتحاد الأوروبي، أنا أوّل من أقرّ بأنّه يُعاني مشاكل تعجيزية يتصدّى لها على نحوٍ سيّئ جداً. مثلاً، في الشهر الماضي تماماً جريدة معروفة لن أذكر إسمها قدّ تقدّمت بطلب يُعنى بحرية المعلومات إلى البرلمان الأوروبي لمعرِفة الأمور التي ينفق عليها ممثلو برلمان الاتحاد الأوروبي الـسبعمئة، فليست بشيء فضيحة نفقات النواب في (بريطانيا) مقارنةً مع ما يحدُث في (بروكسيل)، إذ يحصل النواب على أموال طائِلة، ويردّون على هذا الطلب بقولهم: "الأمر ليس من شأنكم". إذاً، سبق أن أعطى الاتحاد الأوروبي انطباعاً بأنه غير ديمقراطي، وهو كذلك فعلاً، وكان ينبغي أن تكون السوق الأوروبية المُشتركة على هذا النحو كي تؤدّي عملها. لكن الاتحاد الأوروبي غير ديمقراطي ولا يُحرِّك ساكناً لتغيير هذه الصورة عنه. في العودة إلى الحديث عن "تيريزا ماي"، أعتقد أنّها شخص مُحتَرَم كان يُحاول تأدية المُستحيل، فلا يُمكن لأحد أن يُفاوض على اتفاق جيِّد مع الاتحاد الأوروبي لأنّه عنيد ويُدافع عمّا يراه مصلحة له. فحتّى لو تولّى "جيرمي كوربين" أو "جاكوب ريس موغ" منصب رئيس مجلِس الوزراء لن يتوصّلا إلى اتفاقٍ مُرضٍ، إذ لا يُمكن لأحد تأدية المهمّة على نحوٍ أفضل. بالإشارة إلى أزمة القيادة، هي سرّ شعبية أشخاص مثل "دونالد ترامب" و"فيكتور أوربان" أو حتّى "شي جين بينغ" في (الصين) إذ يُمكنهم أن يظهِروا بسهولة على هيئة الشخصية الغربية التي تُحارب النظام الفاسد، وسنرى شخصيات أكثر من هذا القبيل لا سيما في (بريطانيا). فبعد أن تتنحّى "تيريزا ماي" عن المنصب، ما هي الخيارات المتبقية؟ "جيرمي كوربين" الذي لا يستطيع حتّى إدارة حزبه والتعامل مع أزمته المؤرِقة حول مُعاداة السامية أو "بوريس جونسون" الذي تبيّن أنّه يُكثِر من الكلام الذي لا جدوى منه؟ بالتالي سنشهد بروز شخصية رجل شعبوي قويّ في (بريطانيا) أيضاً

آدم غاري – مدير عام أور-آسيا: أودّ أن أزيد على ما قيل. أظنّ أنَّ أحد الأشياء التي لم يأتِ أحد على ذِكرها في النقاش الأوسع نطاقاً حول البريكسيت" حتّى الآن ولم نتطرّق إليها هنا تتعلّق بكلمة تبدأ بحرف الكاف، وهي "الكاريزما". لا يملك الاتحاد الأوروبي أيّ قائِد يتمتّع بجاذبية جماهيرية ولا تملك "تيريزا ماي، بكلّ مزاياها وعيوبها التي سمعناها، أيّة جاذبية جماهيرية وأعتقد أنّ حتّى أشدّ مؤيِّديها لا يستطيع أن يُعارِض هذا الكلام.  في (بريطانيا) كانت كلّ الشخصيات التي تتمتّع بهذه الكاريزما خارِج البرلمان في عام 2016 وبشكلٍ عام قد نسمّي من بين الشخصيات التي تتمتّع بهذه الكاريزما "جورج" هنا الذي كان أحد أكثر مؤيِّدي البريكسيت صراحةً إضافةً إلى "نايجيل فاراج" الذي ينتمي إلى الطرف المُعاكس من الساحة السياسية. أمّا داخل البرلمان فالأشخاص الذين يجلسون على أطراف المقاعِد الخلفيّة مثل "ريس موغ" الذي قد نشتبِه أحياناً في أن يكون عضواً في حزب المُحافظين في القرن 19 وليس الـ 21، لكن لا يُمكننا القول سوى أنّ متحدّثاً لبِقاً مثله لا يتمتّع بجاذبية جماهيرية. أعتقد أنّ الناس مُحتارون في شأن اتّفاق البريكسيت ليس لأنّهم حمقى كما تقول بعض الفئات في (لندن) التي تؤيِّد البقاء بل لأنّ معايير الصحافة في (بريطانيا) تدنّت على نحوٍ مُشين، وإذا روّجَ قائِدٌ يتمتع بجاذبية جماهيرية اتفاق "تيريزا ماي" الفظيع الذي يبغضه الجميع فأظنّ أنّ بعض الناس سيؤيّدون هذا الاتفاق فعلاً، لكن تكمن المُشكلة عندما تُروِّج لورطة في أنك تتمتّع بشخصية ضعيفة، بالتالي أنت تُعاني نقصاً في الجاذبية الجماهيرية، ولأسباب سمعناها سابقاً يجب ألّا يتجاهل الناس أنّ في بلد ديمقراطي الجاذبية والتواصل أمران مُهمّان

جورج غالاواي: إذاً "ستيف"، يفتقر البرلمان إلى الجاذبية الجماهيرية وقد يتعيّن علينا أن نعود إليه. نحن في انتظار أن تدعونا الأُمّة ممتنّةً للعودة إلى الصفوف الأمامية. كان لقاءً رائِعاً بالنسبة لي وآمل أنّه كان كذلك بالنسبة لكم. كنتم مع برنامج "كلمة حرة" على قناة "الميادين"