حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

أنطوان شاربنتييه - باحث في الشؤون السياسية

 

محمد علوش: التباين في الموقفين الروسي والأميركي حول الأزمة السياسية في فنزويلا يؤجّج التنافس بين البلدين. روسيا جازمةٌ أنّ الولايات المتحدة تسعى إلى انقلاب عسكري، تحدوها رغبة للهيمنة على المخزون النفطيّ لكراكاس.

ومن أميركا اللاتينية إلى وسط أوروبا، تعتزم واشنطن مواجهة النفوذين الروسي والصيني المتصاعدين في القارة العجوز. الإدارة الأميركية تعتقد أن غياب دورها في العمق الأوروبي خلق فراغاً استراتيجياً تحاول أن تملأه الصين وروسيا.

زيارة وزير الخارجية الأميركي إلى عواصم أوروبية مطلع الأسبوع المقبل تأتي لمواجهة هذا النفوذ، فتوسّع الحضور الروسي والصيني في أوروبا لا يضرّ بالمصالح الحيوية الأميركية فحسب، بل قد يهدّد حلف شمال الأطلسي.

فإلى أين تتّجه العلاقة الأميركية الأوروبية، ولا سيما مع انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟ هل اختلاف الموقف الأوروبي عن نظيره الأميركي في الملف النووي قد يوسّع دائرة الخلاف بينهما؟ وأين تقف العواصم الأوروبية من مشروع صفقة القرن الذي تدعمه الولايات المتحدة؟

للنقاش معنا أنطوان شاربنتييه وهو باحثٌ في الشؤون السياسية.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حيّاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونرحّب بضيفنا في الاستديو الأستاذ أنطوان. أهلاً وسهلاً بك.

 

أنطوان شاربنتييه: أهلاً وسهلاً بك.

 

محمد علوش: طبعاً هناك زيارة لوزير الخارجية الأميركية إلى وسط أوروبا هذا الأسبوع، أو الأسبوع المقبل، يوم الإثنين، غداً قد تبدأ، في ظلّ تصاعد في المواقف الروسية والأميركية، لا سيما في ما يتعلق بالتحكّم بموضوع الملف الفنزويلي، الصراع حول فنزويلا من ناحية، وأيضاً تباين في الموقف من بعض الدول الأوروبية لجهة الموقف الأميركي مع إجراءات لانسحاب بريطانيا، أو تمهيد لاستكمال انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

في أيّ سياق يمكن وضع الآن الاهتمام الأميركي من تكثيف الزيارات الأميركية إلى أوروبا؟

 

أنطوان شاربنتييه: اليوم، الأميركيون، هناك بعض التباين ما بين أوروبا، خصوصاً الاتحاد الأوروبي، وأميركا، وأعتقد أنّ جولة وزير الخارجية والقادة الأميركيين في أوروبا هي لإقناعهم أو لإخضاعهم أكثر. اليوم أميركا مُهيمنة على أوروبا، وأوروبا تعتمد ما تقوله حنة آرنت، وهو الخضوع الطوعي.

 

محمد علوش: الفيلسوفة الألمانية.

 

أنطوان شاربنتييه: الفيلسوفة الألمانية. نحن نقول إنّ أميركا مهيمنة على أوروبا، لكن نلطّف الأمور بعض الشيء، لأنني أعتقد أنّ القادة الأوروبيين الحاليين هم يأخذون نفس الخيارات الاستراتيجية والسياسية كالولايات المتحدة، لكن يختلفون في تنفيذ هذه الخيارات.

 

محمد علوش: هي إفاقة متأخّرة أوروبياً؟ هذا ليس جديداً، الولايات المتحدة الأميركية عقب الحرب العالمية الثانية، وهي تقود أوروبا باتجاه ما عُرف بحلف شمال الأطلسي، ومن ثمّ باتجاه القطبية الواحدة، وتندرج ضمن هذا الإطار. فقط في مرحلة الرئيس ترامب، حصل نوع من تشجيع بريطانيا على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي من ناحية، وأيضاً الحديث عن ضرورة تمويل أوروبي لحلف شمال الأطلسي، وليس أن يكون العبء فقط على الولايات المتحدة الأميركية.

لماذا جاءت الإفاقة متأخّرة إذا كانت هناك إفاقة أوروبية اليوم؟

 

أنطوان شاربنتييه: لا أعتقد أنّ هناك إفاقة، هناك مشكلة بين الأوروبيين وبين شخص ترامب، والمشكلة ليست بين الأوروبيين والولايات المتحدة، أو سياسة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي أو على الصعيد العالمي.

 

محمد علوش: تقصد كإدارة أميركية.

 

أنطوان شاربنتييه: كإدارة ترامب خصوصاً. ربما إن كان هناك شخص آخر غير ترامب، يكون هناك تماهٍ، ولا يكون هذا التباين، وهذه الإفاقة أعتقد أنّ هناك الكثير يتكلّمون، ورأينا بخصوص مثلاً وارسو، عندما رفض الاتحاد الأوروبي المشاركة في وارسو رسمياً، قال البعض في أوروبا، وها هي أوروبا تخرج عن هيمنة أميركا، وأميركا بدأت التعديل بعنوان المؤتمر لكي يشاركوا، وأعتقد أنه من هذا المنطلق، هناك تباين بتنفيذ الخيارات وترتيب مصالح وتوزيع أدوار ما بين القادة الأوروبيين الحاليين وما بين إدارة ترامب. ولكن هذا كان منذ وقت طويل، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وخروج أوروبا من هذه الحرب، وكما قلت الولايات المتحدة تقود أوروبا، لكن الآن مع ترامب هناك زيادة في الوقاحة والغطرسة على الهيمنة على أوروبا وعلى العالم.

 

محمد علوش: أي هو قلق أوروبي من سياسات وتوجّهات الرئيس ترامب، خاصة أنها تضرّ بالاستراتيجيات والمصالح الأميركية للقارة العجوز؟

 

أنطوان شاربنتييه: تضرّ بالمصالح الاقتصادية وهم يعرفون تماماً أنّه هو، أي ترامب، لا يعتبرهم ويأخذهم كمكسر عصا، وإنّ آخر معارك أميركا من وجهة نظري ستكون في القارة العجوز.

 

محمد علوش: كيف؟ آخر معارك تقصد من أيّة ناحية؟

 

أنطوان شاربنتييه: عندما يخسر كل معاركه ترامب، ونرى الآن أنّ هناك ملف فنزويلا وأزمة فنزويلا، وعندما يخسر كل معاركه على الساحة الدولية، يعني كما نقول بالعربي الدارج فشّة الخلق للأميركان ولترامب ستكون أوروبا، ونرى الآن الأزمات التي تعيشها أوروبا أكان داخلياً وخارجياً، والأزمات الخارجية هي آتية بشكل كبير من سياسة الولايات المتحدة التي لا تعتبرها كحليف، وهي تعلن عليها حروباً اقتصادية، والأوروبيون يفقدون سيادتهم خصوصاً في مجال السياسة الخارجية، ويشتكون من الولايات المتحدة، ليس كمتضرّرين، يشتكون كحلفاء متضرّرين بعض الشيء من سياسة ترامب أو السياسة الأميركية. ومن هذا المنطلق أعتقد أنهم، بما أنّهم يأخذون نفس الخيارات الاستراتيجية، لا يستطيعون التباين والخروج كلياً من هذا المحور الذي هو بدأ يخسر معاركه، وهذا قلق الأوروبيين.

 

محمد علوش: تصريح لأحد المسؤولين الأميركيين، يقول ما معناه، أنّ هناك فراغاً أميركياً حصل في أوروبا، تحاول الصين وروسيا الآن ملء هذا الفراغ، وبالتالي على أميركا إعادة ترتيب الوضع الأوروبي.

إلى أيّ حد الخلاف أو القلق أو دعنا نقول، التوتر الأميركي الروسي، أقلّه على صعيد التصريحات وصولاً، طبعاً سنأتي على ملف موضوع انتشار الأسلحة النووية أو الصواريخ المتوسّطة المدى، إلى أيّ حدّ يؤثّر بالفعل على أجندة الولايات المتحدة الأميركية هذا الحضور الروسي والصيني في قلب القارة الأوروبية؟

 

أنطوان شاربنتييه: نوعاً ما، الولايات المتحدة هي سبّبت المشكلة بسياستها الانعزالية، خلقت فراغاً، والعلاقات الدولية لا تحبّذ الفراغ، وهناك الصين التي تتمدّد أكثر وأكثر، وروسيا المتصاعدة على الساحة الدولية، فمن الطبيعي أن يملأوا الفراغ ويحلوا محل الولايات المتحدة التي تتبع سياسة انعزالية، وانغلاق على الذات. اليوم هذا سيؤثر كثيراً على الولايات المتحدة، وخصوصاً في أوروبا، لكن أوروبا لها مصلحة بالانفتاح على روسيا الآن في الوقت الحالي، على الانفتاح على الولايات المتحدة، وهذا سيكون في المستقبل، إن ظلّت العلاقات الدولية على ما هي عليه، وسياسة الولايات المتحدة العوجاء على ما هي عليه، سيكون أمر انفتاح أوروبا على روسيا أمراً واقعاً مفروغاً منه، سيكون أمراً واقعاً.

 

محمد علوش: هناك الآن بعض الدول الأوروبية، خاصة في شرق أوروبا، تميل إلى توطيد العلاقات مع روسيا، وتوسيع هذه العلاقات وقلق بنفس الوقت كما يقول البعض من وضع كل البَيض الأوروبي في السلّة الأميركية.

هناك سباق تسلّح جديد، البعض يقول، خاصة في صحيفة الأهرام اليوم، مصطفى السعيد، تحت عنوان سباق تسلّح جديد إلى أين يقود العالم، كتب مصطفى السعيد في صحيفة الأهرام حول التنافس الأميركي الروسي. نشاهد معاً.

 

الأهرام: سباق التسلّح الجديد إلى أين يقود العالم؟ مصطفى السعيد

فور الإعلان الأميركي عن وقف العمل باتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية المتوسّطة والقصيرة مع روسيا، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قراراً مماثلاً، ترافق مع قرار لوزارة الدفاع الروسية بزيادة مدى الصواريخ النوويّة، إلى جانب الإعلان عن بدء إنتاج أسلحةٍ روسيّةٍ جديدة، مع التأكيد أن روسيا لن تنجرّ إلى زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري.

وكانت الولايات المتحدة قد لوّحت أكثر من مرة باعتزامها إلغاء اتفاقيات للحد من التسلّح وقّعتها مع الاتحاد السوفياتي، على أساس أن الظروف قد تغيّرت، ولم تعد بحاجةٍ إلى تكبيل نفسها باتفاقياتٍ مضى أوانها ودوافعها، في الوقت الذي توسّع فيه حلف الناتو بالزحف شرقاً نحو الحدود الروسية في أوروبا، وهو ما أثار غضب روسيا التي هدّدت بإجراءات مُضادّة، وسط انزعاج دول الاتحاد الأوروبي من تنامى النشاط العسكري لكل من روسيا والولايات المتحدة قرب حدود بلدانها.

فسباق التسلّح الذي تريد الولايات المتحدة إطلاقه يرمي إلى الحيلولة من دون أن تفقد هيمنتها، لكن هذه الغاية تبدو مستحيلة، فالعالم يتغيّر بأسرع ممّا تريد الولايات المتحدة، ولا يمكن لإدارة ترامب أن تعيد الماضي الاستعماريّ القديم، ويبقى الأمل في أن يؤدّي سباق التسلّح إلى ردع مُتبادل يحول من دون اندلاع حرب لا يتمنّاها أيّ طرف، لكنها قد تُباغت الجميع، سواء لخطأ في الحسابات أو لإغفال الواقع أو بسبب ارتطامات غير مقصودة، لكنها واردة بسبب فرط القوّة وتفريط العقل.

 

محمد علوش: إلى أيّ حد تتّفق مع الكاتب في ما يتعلّق بوجود بالفعل إمكانيات، أو تحقّق سباق تسلّح جديد الآن بين البلدين؟

 

أنطوان شاربنتييه: لا أعتقد أنه سيكون هناك سباق تسلّح كما جرى في الحرب الباردة، وكما راهنت الولايات المتحدة على ضرب أعدائها من خلال سباق التسلّح الذي أخسرهم ماديات كثيرة ومبالغ مالية كثيرة أدّت إلى ضرب اقتصاد بعض الدول، ومنها الاتحاد السوفياتي. اليوم الأمور تختلف، ونرى هذا مثلاً على سبيل المثال في عملية العقوبات. أميركا تفرض عقوبات على روسيا وإيران وغيرها، وهناك ردّ بعقوبات، ونرى كيف أنّ الرئيس بوتين ردّ على ترامب، أننا نحن سنطوّر الأسلحة، وسنتسلّح. اليوم السباق متوازن.

 

محمد علوش: بحسب الكاتب أنه في الماضي ربما حقّق نجاحات هذا السباق في التسلّح، لكن اليوم مضت هذه الحقبة الاستعمارية، ولا يمكن أن يُبنى على الشيء مقتضاه قياساً مع التاريخ.

 

أنطوان شاربنتييه: نعم، وهذه العبارة بعض الشيء، إن سمحت لي، غباء، الغباء السياسي لترامب وإدارته، لا يعون أنّ اليوم ليس كالسابق، وأنّ العلاقات الدولية تغيّرت، وأنّ القوّة على الساحة الدولية تغيّرت، وأنّ مبدأ القطب الواحد والهيمنة الأميركية انتهى، ولو كانت الولايات المتحدة مُتأزّمة، أو لها قوّة الإزعاج في بعض مناطق العالم، لكن هذه المنظومة، هذا الفكر انتهى، وعلى الولايات المتحدة إما التماهي مع هذه المعطيات الجديدة على الساحة الدولية، وإلا الذهاب إلى الهاوية، ليس لها أيّ خيار. وبما أنّ الولايات المتحدة لم تفهم أنّ العلاقات الدولية تغيّرت، وأنّ المعادلات الاستراتيجية ومعادلات القوّة تغيّرت في العالم، وهي ليست لمصلحتها، بل لمصلحة من تعاديهم، أعتقد أنّها ستذهب إلى الهاوية وخصوصاً مع ترامب وغباء ترامب السياسي وإدارته، التي ليس لها نهج. في بعض الأوقات نتساءل ما هو مشروعهم ورؤيتهم السياسية، لا نرى بوضوح ماذا يريدون.

 

محمد علوش: حضرتك قادم من أوروبا. إلى أيّ حد هناك تململ بالفعل في وسط أوروبا، لا سيما في العاصمتين، العاصمة الألمانية والعاصمة الفرنسية، لجهة السياسات الأميركية في التعاطي مع الاتحاد الأوروبي الذي لا يريد أن يخسر الغاز الروسي من ناحية، وفي نفس الوقت لا يريد أيضاً أن يتطوّر الخلاف بينه وبين الولايات المتحدة الأميركية التي تنظر بقلق من اعتماد أوروبا بشكل عام على الغاز الروسي؟

 

أنطوان شاربنتييه: هناك نقطتان. أوروبا، الاتحاد الأوروبي هو مبني على فرنسا وعلى ألمانيا، فرنسا الخاضعة خضوعاً طوعياً لأميركا، وألمانيا المتباينة بعض الشيء وخصوصاً في موضوع روسيا والغاز الروسي مع الولايات المتحدة، وهي في تصادم، ورأينا هذا الشيء عدّة مرات، وعندما زار ترامب أوروبا، سمعنا التصاريح والتصادم بينه وبين أنجيلا مركل. واليوم القوّة العظمى الاقتصادية والسياسية القائدة للاتحاد الأوروبي هي ألمانيا وليست فرنسا، مع احترامي لفرنسا.

 

محمد علوش: بحُكم القوّة الاقتصادية لألمانيا.

 

أنطوان شاربنتييه: هي التي تقود أوروبا، واليوم من هذا المنطلق، هناك تململ أوروبي، وقد نقول تململاً ألمانياً، أنّ اليوم في بعض الملفات وفي بعض الأحيان، أوروبا هي ألمانيا، ومن هذا المنطلق هناك تململ ألماني، لكن الألمان لا يستطيعون، ليس لهم اليوم الإمكانيات لتصادم مباشر مع الولايات المتحدة، قد يكون في المستقبل عندما تهيمن ألمانيا كلياً، ومن هذا المنطلق يجب أن نراقب ما يجري من توقيع معاهدات واتفاقات ما بين الرئيس الفرنسي، وأنجيلا مركل، الذي يخدم ألمانيا وسيجعلها تقود كلياً الاتحاد الأوروبي، وبهذا النوع قد تستطيع بشكل ما أو بنوع ما مواجهة الولايات المتحدة بطريقة مباشرة.

 

محمد علوش: طبعاً الولايات المتحدة الأميركية حثّت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، والآن إجراءات وترتيبات لجهة خروج بريطانيا بشكل كلّي إلى حد ما من الاتحاد الأوروبي، إلى أيّ حد هذا يخدم الولايات المتحدة الأميركية من ناحية، ويؤثر في المقابل على الاتحاد الأوروبي؟

 

أنطوان شاربنتييه: يخدم الولايات المتحدة من منحى ضرب الاتحاد الأوروبي. أميركا أعلنت الحرب الاقتصادية وتريد بعض الشيء، من دون أن أبالغ بالتعبير، تفتيت الاتحاد الأوروبي، فالهيمنة والغطرسة الأميركية على الاتحاد الأوروبي ليست سياسية فقط أو اقتصادية، هي اجتماعية، فهي بعض الشيء بالحياة اليومية. ومن هذا المنطلق، حثّ بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي هو لزعزعة الاتحاد الأوروبي بعض الشيء، لكي يظلّ في نهج ومحور الولايات المتحدة ولإضعافه أكثر وأكثر.

 

محمد علوش: بريطانيا تقصد، أم عموم دول الاتحاد الأوروبي؟

 

أنطوان شاربنتييه: خروج بريطانيا قد يضعف الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت عينه يضعف ألمانيا المتواجهة، التي تريد قيادة الاتحاد الأوروبي، ومتواجهة مع أميركا، وتميل أكثر إلى روسيا، فنعود إلى نفس الصراع الدولي القائم ما بين روسيا وما بين الولايات المتحدة على عدة ملفات ومنها هذا الملف، وهذه الجبهة من الجبهات.

 

محمد علوش: وبالتالي تجري بريطانيا مفاوضات مع بروكسيل لجهة الانسحاب الآمن لكلا الطرفين من الاتحاد الأوروبي.

اليوم في صحيفة الشرق الأوسط، وتحت عنوان بين جحيم المفاوضات وفردوس التعاون، يكتب عادل درويش. نشاهد معاً.

 

الشرق الأوسط: بين جحيم المفاوضات وفردوس التعاون، عادل درويش

أضاعت بروكسل فرصة تاريخية يوم الخميس عندما ذهبت رئيسة الوزراء البريطانية باقتراح وافق عليه مجلس العموم، خصوصاً جناح الخروجيين المتشدّدين في حزبها، ومعهم العشرة من الحزب الوحدوي الديمقراطي لآيرلندا الشمالية.

المملكة المتحدة لم تطلب إعادة التفاوض، أو إعادة صوغ اتفاقية الخروج، وإنما مذكرة تفسيرية إلزامية بشأن تحديد الفترة المؤقتة التي تربط فيها المفوضية الأوروبية أيدي المملكة بلوائح الاتحاد. مذكرة تمنح أياً من الطرفين حق إنهاء الفترة المؤقتة للارتباط، فأحد أهم دوافع التصويت بالخروج هي حرية عقد الصفقات مع أطراف خارجية كبلدان الخليج والصين و"الكومنولث"، وهو ما تحول عضوية الاتحاد الأوروبي دونه.

وبدلاً من تلقّف فرصة مشروع قرارٍ يوافق عليه برلمان وستمنستر بموافقة أغلبية حزب المحافظين الحاكم، فوجئنا بغاي فيرهوفشتادت، رئيس اتحاد الديمقراطيين الليبراليين الأوروبي يزيد من جرعة إهانة رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك لجناح المحافظين الذين تمكّنت السيّدة ماي من الحصول على موافقتهم على مشروعها.

هذا الموقف من زعماء الاتحاد الأوروبي يبدو منافياً للمنطق، لأن الضرر الواقع بالمملكة المتحدة في حال الخروج بلا اتفاق سيتكرّر بمضاعفاتٍ في عددٍ من بلدان الاتحاد. فالهولنديون يرتعدون من تحوّل التجارة بعيداً عن موانئهم، وكذلك البلجيكيون، أما موانئ فرنسا الشمالية ككاليه، فيشكو مسؤولوها من تعاقد المقاولين مع موانئ أخرى لتحويل التجارة، وممثلو صناعات السيارات الألمانية يضغطون على حكومتهم للتوصّل إلى اتفاق مع لندن، بينما أعلن مكتب الإحصاءات الألماني أنّ اقتصاد البلاد دخل مرحلة الكساد لا النمو.

لكن إذا نظرت من بروكسل سترى صورة أخرى. الرؤساء الستة وجيش الموظفين البيروقراطيين التابعين لهم لا يرون المملكة المتحدة "أقوى وأهم شريك وصديق وحليف لأوروبا"، بل يرون "بريكست" تهديداً.

محمد علوش: طبعاً المقالة تشرّح بشكل واضح جداً المخاوف الأوروبية سواء كان عند الهولنديين أو البلجيكيين لجهة الموانئ، التجارة، وحتى أنّ مكتب الإحصاء الألماني بحسب ما تقول المقالة، يقول إنّ اقتصاد البلاد دخل مرحلة الكساد، أي الاقتصاد الألماني الذي هو قلب أوروبا. الفرنسيون متضرّرون بطبيعة الأحوال. بريطانيا تريد من هذا الخروج، هو حرية عقد الصفقات مع دول خارج العالم، بعيدة عن الوصاية الأوروبية، مثل دول الخليج وغيرها.

تقديرك، هل هذا الخروج بهذه الطريقة هو يصبّ في صالح الاتحاد الأوروبي على المدى البعيد، أم لا يصبّ؟

 

أنطوان شاربنتييه: لا، لا أعتقد أنّه يصبّ في مصلحة الاتحاد الأوروبي، لأنّه سيضرّ به ويخلخله بعض الشيء، وهو خلق أزمة، هناك أزمة اليوم، الولايات المتحدة التي حثّت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، لا تساعدها كما يجب لكي تستطيع الخروج، وأوروبا.

 

محمد علوش: كيف ستساعدها؟ مادياً تقصد؟

 

أنطوان شاربنتييه: تستطيع أن تساعدها مادياً.

 

محمد علوش: هناك اتفاقات شراكة استراتيجية بين البلدين على مستويات عالية في ما يتعلق بقضايا اقتصاد وثقافة وغيره.

 

أنطوان شاربنتييه: نعم، لكن لا أعتقد أنّها كافية لحلّ الأزمة مع الاتحاد الأوروبي، واليوم الاتحاد الأوروبي يريد بعض الشيء، هذا من وجهة نظري، يريد بعض الشيء البريكست، أي خروج بريطانيا لكي يعرفوا ماذا يفعلون في المستقبل، على أي نغم سيغنّون، لكن بريطانيا عندها صعوبة في الخروج من الاتحاد الأوروبي، لأنّ هناك أيضاً معاهدات اقتصادية ومعاهدات استراتيجية.

 

محمد علوش: وحتى حدود مع إيرلندا التي هي جزء من الاتحاد الأوروبي، هناك إشكالية حول هذه العلاقة بين البلدين ضمن القارة أو الجزيرة.

 

أنطوان شاربنتييه: ضمن المنطقة الواحدة، الاتحاد البريطاني، وهذا سيشكل أزمة كبيرة. إيرلندا ستكون في أوروبا، وهي على حدود بريطانيا، وبريطانيا ليست في أوروبا. نرى أيضاً كيف الإيرلنديون وأونيكوس يتظاهرون، الناس يتظاهرون، سياسيون يناهضون البريكست، وهذا يخلق مشكلة كبيرة لبريطانيا، ونرى تيريزا ماي كيف تحاول أن تتحايل على قرار الشعب البريطاني والبرلمان البريطاني لكي لا تخرج من أوروبا، وهذه أزمة كبيرة تجعل من بريطانيا الحلقة الأضعف اليوم في القارة العجوز، وهذا سيؤدّي إلى تداعيات سلبية، لأنها هي بين شقّين، لا تستطيع العودة إلى الاتحاد الأوروبي ولا تستطيع الخروج منه.

 

محمد علوش: الخروج الآمن. في مقابل الإجراءات التي تقوم بها بريطانيا للخروج الآمن من الاتحاد الأوروبي، طرح الرئيس الفرنسي ماكرون فكرة إنشاء جيش أوروبي. الألمان يبدون متشجّعين لهذه الفكرة.

إلى أي حد تبدو منطقية؟ هل هو قفز للأمام أو قفز في المجهول، في وقت تخرج دولة كبيرة جداً من الاتحاد الأوروبي وهي بريطانيا؟

 

أنطوان شاربنتييه: تتحدّث عن الجيش الأوروبي الموحّد؟

 

محمد علوش: الجيش الأوروبي الموحّد، طبعاً.

 

أنطوان شاربنتييه: هذه الفكرة فعلاً كانت مطروحة منذ العام 2016، بدأ التداول فيها فعلياً في الاتحاد الأوروبي، وهناك كتاب للصديق علوان علم الدين، كتب كتاباً وشرح في أول فصل من كتابه الجديد عن هذا الموضوع. هذه ليست فكرة جديدة، لكن ماكرون نطق فيها خدمة لألمانيا، وهذا تبادل الأدوار ما بين ماكرون وأنجيلا مركل، أخذ على عاتقه عندما أتى ترامب مؤخراً إلى أوروبا، النطق لأخذ الحرارة، لجسّ النبض، ورأينا كيف أنّ ترامب غضب غضباً تويترياً لا مثيل له، وماكرون سكت، لم يعد يتكلّم عن الموضوع.

لكن الفكرة غير منطقية، لأنه اليوم هناك تباين حتى ما بين دول الاتحاد الأوروبي، على النطاق السياسي والاستراتيجي، فكيف لهم أن ينشئوا جيشاً موحّداً وهم مختلفون في ما بينهم؟ هذا أولاً. ثانياً، عليهم الخروج من الناتو إذا كانوا يريدون جيشاً أوروبياً موحّداً، وهذا لا يمكنهم في الوقت الحالي، فرأينا كيف أنّ ساركوزي عندما أتى رئيساً للجمهورية الفرنسية، أول شيء فعله، أعاد فرنسا إلى حلف الناتو، واليوم الخروج من حلف الناتو ليس بهذه السهولة، وأعتقد أنّ اقتصاد أوروبا لا يحتمل إنشاء جيش أوروبي موحّد، فهذه الفكرة أعتقد هي أكثر مناورات من أنّها فكرة واقعية ستترجم على أرض الواقع في أوروبا.

 

محمد علوش: في ظلّ هذه التحديات والعقبات التي تعيشها القارة الأوروبية لا سيما في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، مؤتمر وارسو القادم الذي ترعاه الولايات المتحدة الأميركية كيف يمكن أن يحقّق النجاح؟ الأزمة الفنزويلية كيف هي حاضرة في هذا الصراع الروسي الأميركي؟

بعد الفاصل مشاهدينا، أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نحيّيكم من جديد مشاهدينا.

الولايات المتحدة الأميركية لا تخفي محاولاتها تحجيم الدور الإيراني في المنطقة. مؤتمر وارسو تهيّئ له الولايات المتحدة الأميركية في الرابع عشر من الشهر الجاري في قلب أوروبا، أي في العاصمة البولندية. المعلومات تقول هو لمواجهة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

صحيفة الغد الأردنية كتب فيها باسم الطويسي، تحت عنوان، مؤتمر وارسو وبعد. نشاهد معاً.

 

الغد الأردنية: مؤتمر وارسو: ماذا بعد؟ باسم الطويسي

العنوان الرئیس للمؤتمر المزمع عقده في العاصمة البولندیة وارسو یومي الثالث عشر والرابع عشر من الشھر الحالي برعایة الولایات المتحدة الأميركیة، یتمثل في مناقشة الدور الإیراني في المنطقة، ثم تمت إضافة عملیة السلام في الشرق الأوسط والصراع الإسرائیلي الفلسطیني على أجندة الاجتماع، وفي الوقت الذي أعلنت فيه السلطة الوطنیة الفلسطینیة رفضھا المشاركة في المؤتمر یبدو أن الدور الإسرائیلي ھو الأبرز، حیث تذھب بعض التسریبات الإعلامیة إلى القول إن الولایات المتحدة سوف تعلن في ھذا المؤتمر تفاصیل خطتھا للتسویة السیاسیة في الشرق الأوسط التي باتت تُعرَف بإسم "صفقة القرن".

الجدید في مؤتمر وارسو المنتظر ھو المزید من الاستنزاف الاقتصادي والسیاسي للمنطقة وخلق إزاحة استراتیجیة وھمیة في تعریف العدو وفي تعریف الصراعات ومصادر التھدید، وخلق اصطفاف استراتیجي جدید تنتقل فیه إسرائیل من دور الخصم التاریخي للدول العربیة وتحدیداً الخلیجیة إلى دور الحلیف المُعلَن في مواجھة إیران وھو ما یُعرَف الیوم بالناتو العربي.

بينما يستمر الغموض داخل المدارس السیاسیة الغربیة وبما فیھا الأمیركیة ھناك اتجاه یبدو أكثر واقعیة یقول إن الحراك الأميركي في وارسو لا یعدو أكثر من عمل تكتیكي آني لا یرتقي لمستوى الأعمال الاستراتیجیة التي یمكن البناء علیھا، وتأتي في إطار التخفیف من آثار قرار الانسحاب من سوریا وطمأنة الحلفاء في منطقة الخلیج. أما القناعة الفعلیة فالذھاب إلى وارسو وفق ھذه الصیغة لن یتجاوز التطبیع المجاني.

 

محمد علوش: إلى أي حد تقديرك أستاذ أنطوان، الملف الإيراني هو المحرّك الأساسي لهذا المؤتمر في السياسة الأميركية المعروف مدى تشابكها وتعقدها خاصة في الشرق الأوسط؟

 

أنطوان شاربنتييه: أولاً، مؤتمر وارسو ولِدَ ميتاً.

 

محمد علوش: لماذا؟

 

أنطوان شاربنتييه: لأنه لا يجدي نفعاً، إن كانت الولايات المتحدة الآن تريد مراقبة إيران، أو الحد من عمل إيران في الشرق الأوسط، فأعتقد أنّ سياسة الولايات المتحدة المُتعجرفة والمُتغطرسة، الإمبريالية في الشرق الأوسط، جعلت عدّة قوى ومنها إيران تنهض لمناهضة شعوبنا التي لا تطلب إلا العيش بكرامة وبحرية، وهذه كانت ردّة فعل على سياسات أميركا منذ سنين وسنين في منطقتنا. فاليوم أعتقد أنّ الولايات المتحدة وصلت بمؤتمر وارسو متأخّرة جداً، ولا تستطيع لا الحدّ إن أردنا بين هلالين قول التمدّد الإيراني، وهو ليس تمدّداً، لكن هي قوّة عظمى في الشرق الأوسط يجب أخذها بعين الاعتبار، أعتقد أنّ الأميركيين فهموا خسارتهم، أكان في الشرق الأوسط وخصوصاً في سوريا.

 

محمد علوش: تجد الدول الأوروبية غير مُتحمّسة لمؤتمر وارسو أو للأجندة المُبتغاة من خلف هذا المؤتمر؟

 

أنطوان شاربنتييه: ليسوا مُتحمّسين بالمظهر، بالمظهر ليسوا مُتحمّسين، لكنهم لا يستطيعون غضّ النظر عن مؤتمر وارسو الذي سيكون على أراضيهم، وهو في بولندا، وبولندا هي من أكثر الدول المُهيمَن عليها من أميركا في أوروبا الشرقية، وهي لها عداء مع روسيا، عداء مُبالَغ به، وعداء وهمي في بعض الأحيان.

 

محمد علوش: له أسباب تاريخية.

 

أنطوان شاربنتييه: وتاريخ، وهم يبالغون في التاريخ، يأخذون من التاريخ ويبالغون فيه، لكن لا يستطيعون المشاركة رسمياً. من هنا هنالك تعديل في بعض العبارات عن وارسو، وسيأتي الأوروبيون بشكل فردي.

 

محمد علوش: ليس ككتلة موحّدة في الاتحاد الأوروبي وإنما كدول.

 

أنطوان شاربنتييه: لا يستطيعون، لأنّهم لا يريدون، اليوم الأوروبيون يريدون شيئاً في سوريا، يجب التحدّث عنه، يريدون المشاركة.

 

محمد علوش: السؤال الذي يطرح نفسه أستاذ أنطوان، إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية بالفعل تخطّط لمواجهة إيران من خلال هذا المؤتمر، لماذا تعقده في الاتحاد الأوروبي أو في دول الاتحاد الأوروبي، ولا تعقده في الشرق الأوسط، في دولة حليفة لها على سبيل المثال؟

 

أنطوان شاربنتييه: لأنها تريد جرّ أكثر الأوروبيين إلى مواجهة مباشرة مع إيران، ومع محور إيران، لأنّ المواجهة ليست مع إيران فقط، مع المحور الذي تنتمي إليه إيران، الذي تقوده إيران، وهو محور المقاومة، ومحور المقاومة الذي يُناهض الكيان الغاصب والمحتل لفلسطين. ومن هذا المنطلق، هم يورّطون الأوروبيين في هذا المؤتمر، ورأينا كيف قال الاتحاد الأوروبي أنا لا أشارك رسمياً، لأنني لا أريد التدخّل، وهذا الاتحاد الأوروبي يريد ويسعى اليوم إلى المشاركة في إعمار سوريا، ولكي يشارك في إعمار سوريا، يجب أن يكون بالحد الأدنى على علاقة جيدة مع محور المقاومة الذي إيران هي فيه عضو كبير.

 

محمد علوش: على ذِكر إعادة إعمار سوريا، هناك قانون الآن جديد في الولايات المتحدة الأميركية، مع القيادة السياسية للكونغرس في الولايات المتحدة الأميركية، ينصّ على معاقبة أو فرض عقوبات على أية جهة، دولة أو أفراد، تشارك في إعادة الإعمار في سوريا، ما لا يكن هناك عملية سياسية ترعاها الأمم المتحدة.

إلى أي حد هذا يؤثر على الأوروبيين أو رسالة موجّهة إلى أوروبا التي تُبدي بعض الدول فيها بالفعل رغبة حقيقية في أن تكون مشاركة في إعادة الإعمار في سوريا؟

 

أنطوان شاربنتييه: أولاً، سيعاقبون، مَن سيعاقبون؟ سيعاقبون حلفاءهم الذين سيشاركون في الإعمار، ولنكن صريحين، سوريا وإعمار سوريا ليس بحاجة لا لأميركا ولا لحلفائها ولا لأوروبا، أتوا أو لم يأتوا، لسنا بحاجة لهم. سوريا على خط الإعمار، وها في آخر فصول الحرب، وانتصرت سوريا، وهم الذين يريدونه، الذين يريدون أن يأخذوا بالاقتصاد الذي لم يستطيعوا أخذه بالسياسة. من هذا المنطلق، فلتعاقب أميركا إن أرادت أوروبا وفرنسا وألمانيا، فنحن لسنا بحاجة لا لأوروبا ولا لفرنسا ولا للولايات المتحدة لإعمار سوريا.

 

محمد علوش: ولكن إلى أيّ حدّ يفرمل بالفعل القرار الأوروبي أو الرغبة الأوروبية بالمشاركة في إعادة إعمار سوريا؟

 

أنطوان شاربنتييه: عفواً؟

 

محمد علوش: أقصد الولايات المتحدة الأميركية، هذا القرار أو هذا القانون إلى أيّ حد يفرمل الرغبة الأوروبية في المشاركة في إعادة إعمار سوريا؟

 

أنطوان شاربنتييه: أعتقد أنّ أوروبا إن كانوا محنّكين بعض الشيء، وهم ليسوا أغبياء، سيجدون طريقة ما للالتفاف على القرارات.

 

محمد علوش: كما فعلوا الآن مع الملف النووي الإيراني تقصد؟

 

أنطوان شاربنتييه: نعم، وفعلوا هذا أيضاً، وسنرى كيف أنّ الشركات الأميركية أيضاً ستتموّه تحت راية الشركات الفرنسية للمشاركة بهذه المنظومة، ويمكن أيضاً أنّ ترامب يعود إلى المفاوضات مع إيران على الملف النووي من خلال هذه المنظومة المالية التي وضعتها أوروبا، لأنّ أوروبا إن وضعت هذه المنظومة، وضعتها برضا وباتفاق مع الولايات المتحدة. لا أستطيع التفكير أنّ أوروبا أخذت القرار من تلقاء نفسها لوضع هذه المنظومة احتراماً للاتفاق النووي.

 

محمد علوش: من ضمن الأمور المطروحة دائماً في مؤتمر وارسو، موضوع صفقة القرن، يُقال إنّ الولايات المتحدة الأميركية هي المهندس الفعليّ لها، بالشراكة مع بعض دول عربية ربما، إضافة إلى أنّ إسرائيل هي مَن كانت وراء هذا الطرح الأميركيّ.

الموقف الأوروبي بالفعل من صفقة القرن هل هو موقف واضح؟ هل هم لديهم اطّلاع على هذا المشروع؟ البعض ينفي أصلاً وجود صفقة قرن، يقول هي مجرد أطروحات أميركية لمحاولة حلحلة بالصراع العربي الإسرائيليّ.

 

أنطوان شاربنتييه: لا أعتقد أنّ الأوروبيين يعرفون ماذا، ربما بعض القادة، لكن كاتحاد أوروبي، كأوروبا، لا أعتقد أنّهم مطّلعون على ما يوجد في صفقة القرن، على ما هي صفقة القرن، وكما تقول، إذا كانت موجودة صفقة القرن، فهم ليس لهم رؤية واضحة في هذا الموضوع، وفي الوقت عينه، يخافون من صفقة القرن، لأنه ستكون هناك تداعيات سلبية على الصعيد الدولي تنقلب عليهم.

 

محمد علوش: كيف؟

 

أنطوان شاربنتييه: أوروبا اليوم.

 

محمد علوش: إذا بارك العرب هذه الصفقة، خاصة العرب المقتدرين مالياً، أين سيكون الضرر على القارة الأوروبية؟

 

أنطوان شاربنتييه: سيكون الضرر مع العرب الآخرين الذين لا يرغبون بهذه الصفقة.

 

محمد علوش: تقصد في العلاقات الدولية؟

 

أنطوان شاربنتييه: نعم، في العلاقات الدولية، ومن هذا المنطلق، ستكون هناك مشكلة كبيرة مع الكيان الصهيوني، لأنه هو بعض الشيء متداخل في أوروبا، وسيجبرها، وسيجرّها على التوافق معه بصفقة القرن، وهذا لا تستطيع أوروبا المنادية بحقوق الإنسان وبالديمقراطية ولو أفرغتها من كلّ معانيها، وخصوصاً في الملف الفنزويلي وفي القضية الفلسطينية وفي حرب اليمن، لا تستطيع تحمّل هذا الأمر. فمن هذا المنطلق، أعتقد أنه ليس لهم رؤية، وإن كان لهم رؤية، لا يستطيعون التماهي مع صفقة القرن كما هي حال الولايات المتحدة وبعض الدول العربية التي لها الإمكانيات المالية وغيرها.

 

محمد علوش: طبعاً فنزويلا الآن محلّ التقاء وافتراق في العلاقات الدولية، في التباين في المواقف الأميركية الروسية، وفي المحاذاة أيضاً، أوروبا. هناك دراسة أجريت، يقال إنّ السبب الذي دفع واشنطن لفتح الحرب على الرئيس مادورو، الرئيس الفنزويلي، هو ثلاثة إجراءات قام بها مادورو. الإجراء الأول أنه حاول جمع الذهب الفنزويلي من جميع البنوك، ووضعها في البنك المركزي. الإجراء الثاني طرح فكرة بيع النفط مقابل الذهب. الإجراء الثالث هو محاولته إنشاء عملة إلكترونية مشفّرة على غرار البتكوين. وبالتالي هذا ألحق ضرراً كبيراً بالسياسة الأميركية التي ترسّخ فكرة البترودولار.

إلى أي حد تقديرك، بالفعل هذه هي الأسباب الحقيقية خلف الصراع الأميركي الروسي في الوضع السياسي الفنزويلي؟

 

أنطوان شاربنتييه: أعتقد أنّ هذه حجج أخذتها الولايات المتحدة، وهي حجج لا تناسب مصالحها، أخذتها لكي تضرب فنزويلا نوعاً ما. اليوم هناك مواجهة أميركية روسية صينية في فنزويلا. هناك خسارة فادحة لا مثيل لها للولايات المتحدة وحلفها، وخصوصاً حليفها.

 

محمد علوش: خوان غوايدو رئيس البرلمان.

 

أنطوان شاربنتييه: نعم؟

 

محمد علوش: تقصد رئيس البرلمان الذي نصّب نفسه رئيساً.

 

أنطوان شاربنتييه: هذا غوايدو، هذا خائن، مثل كل الخونة الذين رأيناهم عندنا بعد الربيع العربي وحرب سوريا، وماذا هم الآن؟ هم لا ينفعون شيئاً ولا نسمع عنهم شيئاً.

 

محمد علوش: على ماذا يتمّ الصراع في فنزويلا؟

 

أنطوان شاربنتييه: يتم الصراع، أنا أعتقد، في مكان معين، ورأينا ترامب يقول دفعنا المليارات والمليارات في الشرق الأوسط، وخسرنا المعركة، وهو خسر المعركة في الشرق الأوسط وخصوصاً في سوريا، والسيطرة على النفط والغاز، ومواردنا الطبيعية وقرارنا الحرّ. ومن هذا المنطلق، انتبه أنّ أميركا اللاتينية متّجهة بنفس الخط، بنفس خط المقاومة والمناهضة للقطب الواحد الأميركي وهي تخرج عن إرادته، وكما يعتبر بوقاحته المبالغ بها، وقح ومتغطرس، يعتقد أنّ أميركا اللاتينية هي حديقته الخلفية، ومن هذا المنطلق، لا يناسبه أن يكون هناك فنزويلا بما هي عليه الآن، فنزويلا تشافيز ودورها، التي تناهض الولايات المتحدة، موجودة بقربه، ويريد التعويض عن خسارته في سوريا بالسيطرة على النفط الفنزويلي وعلى القرار الفنزويلي، وهو سيذهب حتى ضرب فنزويلا عسكرياً، وهناك مَن يقول.

 

محمد علوش: وهذا ما تحذّر منه روسيا من أنّ الولايات المتحدة الأميركية ربما تعدّ العدّة لعملية انقلاب عسكري أو عملية عسكرية لإزاحة مادورو.

بحسب الدراسة، أعود إلى الدراسة، تقول إنّ السبب الرئيس الذي يدفع موسكو لدعم فنزويلا هو أنّ مادورو يسير في بناء هيكلية اقتصادية تتماشى مع التوجّه الروسي الذي يخفّف القبضة الأميركية على الاقتصاد الدولي من خلال بناء هيكلية اقتصادية جديدة بعيداً عن تأثير معادلة البترو دولار.

 

أنطوان شاربنتييه: وهذا شيء طبيعي، وهذا شيء يجب أن يكون في الواقع.

 

محمد علوش: هل بالفعل هذا السبب الأساسي الذي يدفع روسيا لمساندة مادورو؟ وهل بالفعل مادورو خلافه مع الأميركان ينصبّ هو حول بناء هيكلية اقتصادية متحلّلة، متحرّرة تماماً من هيمنة البترو دولار؟

 

أنطوان شاربنتييه: أعتقد أنّ هذه الحجّة الأساسية، وهناك من بعدها لائحة حِجَج ولائحة أسباب، تجعل الولايات المتحدة تعلن حرباً نوعاً ما على فنزويلا، لكن يجب أن نعرف ترامب عقله ليس سياسياً، عقله مادي واقتصادي، وهذه عملية، الخروج عن البترو دولار، هو عزل أميركا بعض الشيء والاستغناء عنها وعن الدولار وعن منظومتها الاقتصادية، وهذا قد يؤدي إلى انهيار الولايات المتحدة، وأنا شخصياً من وجهة نظري أتمنّى أنّ النظام العالمي الجديد الذي هو يولد الآن، قد يولد معه نظام اقتصادي يحرّرنا من نظام البترو دولار ومن نظام أميركا الاقتصادي والأوروبي الذي هو لا يخلق إلا الحروب، والحروب والصدامات، ومن هذا المنطلق.

 

محمد علوش: الموقف الأوروبي بدا لم يكن موحّداً، أو بدا غير موحّد لجهة أزمة فنزويلا. في الوقت الذي دعمت فيه دول في أوروبا الغربية مثل ألمانيا وفرنسا جهود الولايات المتحدة الأميركية في إزاحة مادورو، خرجت إيطاليا واليونان لديهما توجّه يبدو مختلفاً.

البعض يقول، الأمر مرتبط بخوف هذين البلدين من جدوى مشاريع أنابيب الغاز المصرية الإسرائيلية التي كانت ستصبّ في موانئهما باتجاه أوروبا، وأنّ الولايات المتحدة الأميركية تريد أن تعوّض بالغاز الذي سيؤخَذ من فنزويلا ما بعد إزاحة مادورو لضخّه في أوروبا، أيضاً لتخفيف النفوذ الروسي على أوروبا عبر ما يُعرف بغاز السارين 2.

إلى أيّ حدّ تقديرك هذا هو التباين الحقيقي داخل الاتحاد الأوروبي؟ وهل يمكن أن يتطوّر؟

 

أنطوان شاربنتييه: لا أعتقد أنه يمكنه أن يتطوّر، وقضية المرافئ والأنابيب هذه حُكي فيها في أوروبا كثيراً، وترامب أراد أن ينشئ موانئ لضخّ الغاز المُسيّل إلى أوروبا.

 

محمد علوش: من أين؟ من أين يأتي هذا الغاز المُسيّل؟

 

أنطوان شاربنتييه: يأتي من الولايات المتحدة، أو من سلطة غاز ونفط فنزويلا، بعد إزاحة مادورو.

 

محمد علوش: أي أنّ المشروع هو حقيقي، الخوف هو جدّي من بعض الدول الأوروبية؟

 

أنطوان شاربنتييه: المشروع هو متداول، والمشكلة أنّ ترامب سيبيع هذا الغاز بأسعارٍ كبيرة، والموانئ التي يريد أن يبنيها، يطلب من الأوروبيين تمويلها، لا يريد تمويل الموانئ، يريد فرض الموانئ وتمويلها من الأوروبيين، لهذا هناك بعض الدول الأوروبية لا ترضى بهذا الشيء.

 

محمد علوش: ألا يُعتبَر ذلك فرصة حقيقية لأوروبا أن تتحرّر ممّا تسمّيه قلقاً روسياً تاريخياً، وهو بإعادة السيطرة على قلب أوروبا؟ عندما تتحرّر من موضوع الغاز الروسي عبر شريك لها وهو الولايات المتحدة الأميركية، ألا يحثّها هذا على دعم بالفعل الرئيس ترامب بإزاحة مادورو في فنزويلا؟

 

أنطوان شاربنتييه: لا، لا أعتقد، اليوم مشكلة أوروبا هي مشكلة فقدانها رجال دولة بكل معنى الكلمة، وهي تعاني من انحطاط ليس فقط سياسياً، فهو اجتماعي، واليوم لا تستطيع أوروبا التحرّر بهذه السهولة. الذي يمكن أن نتمنّاه، وأعتذر عن مبالغتي ربما بهذا الأمر، الذي يمكن أن يتمنّاه أن يخرج نبيّ ما في أوروبا لإخراجها ولتحريرها من الأزمة التي تعيش فيها، أكانت داخلية أو خارجية. لكن أريد العودة إلى موضوع ألمانيا وفرنسا، وماذا قالوا، دعمهم للولايات المتحدة في قضية مادورو. الرئيس مادورو منتخب بأكثر من 80 في المئة من الشعب الفنزويلي، والجيش هو يدعمه ومساند له، وهم يقولون إنّه ليس شرعياً، هم الذين ينادون بالديمقراطية، الذين يستعملون اليوم الديمقراطية كسلاح ضد شرفاء هذا العالم. أنا من الأشخاص اليوم، هناك الملحدون الدينيون، أنا أصبحت من الملحدين الديمقراطيين، بمعنى لا أؤمن بهذه الديمقراطية.

 

محمد علوش: الديمقراطية الغربية.

 

أنطوان شاربنتييه: الديمقراطية الغربية.

 

محمد علوش: المفصّلة على قياس المصالح الخاصة.

 

أنطوان شاربنتييه: نعم، والمشكلة اليوم، هم يدعمون الولايات المتحدة، ورأينا الرئيس ماكرون الذي أعطى ثمانية أيام للرئيس مادورو لتنظيم انتخابات مبكرة، وعليهم أكان في ألمانيا أو فرنسا، أن ينظروا إلى حال الديمقراطية عندهم، فمنذ شهرين أو أكثر من شهرين، الشعب الفرنسي يتظاهر كل سبت، السترات الصفراء، ضد شخص ماكرون وسياسة ماكرون ومنظومته ويطلبون استقالته، فإن كان يحب الديمقراطية بهذا الشكل، وفي بلجيكا كذلك، وفي إسبانيا، فلينظّموا انتخابات مُبكرة ويعودوا بالديمقراطية إلى أوروبا، ويتركوا فنزويلا بحالها، ليست بحاجة لهم، وهناك ديمقراطية، وشرعية دولية، والموقف الروسي هو الشرعية الدولية، وليس موقف الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا. ومن هذا المنطلق، هناك نفاق سياسي لا مثيل له في الملف الفنزويلي.

 

محمد علوش: كل الشكر والتقدير لك أنطوان شاربنتييه على هذه الإفادة، وأهلاً وسهلاً بك، باحث في الشؤون السياسية.

 

أنطوان شاربنتييه: شكراً لكم.

 

محمد علوش: ونشكر لكم مشاهدينا حُسن المتابعة. وإلى اللقاء.