كلمة حرة

برنامج حواري نصف شهري تفاعلي يتناول قضايا متنوعة من العالم والأحداث الآنية فيه، ويعرض لوجهات نظر عربية وأجنبية حول القضية موضوع النقاش في الحلقات، سياسية كانت أم اجتماعية. يقدّم البرنامج النائب البريطاني "جورج غالاوي" المعروف بآرائه الداعمة للقضية الفلسطينية خصوصاً والعرب عموماً. ويتمّ تصوير حلقاته بالكامل في العاصمة البريطانية لندن، وتتخلل حلقاته مداخلات من الشارع البريطاني.

ماذا حدث للجزائر؟

 

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني حرية التعبير، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية 

المحور الأول:

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن (الجزائِر). وكما جرت العادة، معنا جمهور من الخبراء المُميّزين وبعض الهواة المتحمّسين أمثالي. بالنسبة إلى شخص في عُمري، دائماً ما ستُمثِّل (الجزائِر) مكاناً مميزاً، فقد خاض الشعب الجزائِري صراعاً لمُناهضة استعمار الإمبراطورية الفرنسية له على نحوٍ ملحمي، كذلك تكبّد تضحيات هائِلة، إذ استشهد أكثر من مليون جزائِري في سبيل التحرّر من الحُكم الاستعماري الفرنسي أكثرهم في (الجزائِر) وبعضهم في (فرنسا) وانتهى المطاف ببعضهم أجساداً تطفوا على سطح نهر (السين) في وسط (باريس). بطولة مقاتلي "القصبة" وبطولة النساء المقاتلات من "حركة التحرير" في (الجزائِر) أي "جبهة التحرير الوطني" تمثّلت في وقوف السجينة "جميلة بوحيرد" في محكمة فرنسية وقولها الآتي: "أنا امرأة عربية مُسلِمة مُعتقلة في أيدٍ أجنبية " وهو ما أرسلته كنداءٍ إلى كلّ رجال العالم العربي، كلّ الذين يعتبرون أنفسهم عرباً ومُسلمين يحبّون الحرية والاستقلال. القادة العُظماء، وأحدهم "بن بلّه" رحمه الله الذي أصبحت صديقاً مُقرّباً له غنّى أمامي مرّات كثيرة بصوته الغنائي الجميل وهو من الرجال العمالقة بكل معنى من المعاني. جعلَ خليفته "بوميدين" (الجزائِر) في الستينات أحد معاقل الثورة الراديكالية، فواجهت (الجزائِر) الإمبراطورية ودافعت عن الشعب الفلسطيني ما جعلها منقوشة في قلوبنا، غير أنّه في العقود الأخيرة لم تتّسم شؤونها بالوضوح الكافي، فمن المُفترض أن تكون (الجزائر) لاعباً أساسياً في الساحة العالمة لكنّها ليست كذلك. (الجزائِر) هي البلد الأكبر مساحةً في (أفريقيا)، لكن نادراً ما يُشار إليها كقوّة أفريقية، عدد سكّان (الجزائِر) ضخم مُقارنةً بمعظم البلدان العربية ويُناهز نحو 45 مليون نسمة كما أنّ نصيب الفرد فيها من الدخل القومي مرتِفع بالمقارنة ويزيد عن ستة عشر ألف دولار سنوياً. تملك أيضاً كنوزاً من النفط والغاز ولديها ساحل ضخم يُعانق البحر الأبيض المتوسّط لذا من المُفترَض أن تكون لاعباً أساسياً في الشؤون الأوروبية المتوسّطية لكنّها ليست كذلك، فماذا حدث لـ (الجزائِر)؟ من المنصِف أن نقول أنّ بحور الرحال تشهد مداً وجزراً، ولا شكّ في أنّ السياسة الثورية القومية التي مثّلها هؤلاء على نحوٍ رمزي تراجعت خلال العقود السابقة وأصبحت (الجزائِر) مقراً، إماً لسببٍ ما أو كنتيجةٍ ما أو كانت هي المسبّبة لنهضة في الأصولية الإسلامية قبل زمن معرِفة البلدان الأُخرى ما تعنيه هذه الظاهرة فعانت (الجزائِر) مُشكلة شبيهة بتنظيم "القاعدة" قبل ظهور التنظيم نفسه وعانت مُشكلة شبيهة بـ "داعش" قبل ظهور "داعش" نفسه، إمّا بسبب إخفاقات النظام السياسي في (الجزائِر) والإخفاقات في توزيع الثروات في ذاك البلد الغني أو بسبب سوء حظها. فباتت (الجزائر) مكاناً شهِدت كلّ شوارعه لسنوات طويلة أبشع أشكال القتل الجماعي، واتّسمت هزيمة تلك الظاهرة الشبيهة بـ "داعش" و"القاعدة" بالوحشيّة والدمويّة، البعض يقولون إلى حدٍّ مُفرط بالوحشية وآخرون يقولون مفرِط في الدموية، ما ولّد بؤساً في صفوف مجموعة السكّان التي فضّلت التيار الإسلامي على النزعة القومية، ومع تراجُع السياسة الثورية تراجعت فكرة الديمقراطية. مع أنّ في (الجزائر) برلماناً بل في الواقع فيها نظام برلماني ثنائي، ومع أنّه في (الجزائِر) يجري ترشيح الرئيس واختياره بموجب انتخابات حرّة والانتخابات الأخيرة كانت حرّة عموماً كما أعلن المراقبون الدوليون، لكن في واقع الأمر تفتقر (الجزاِئر) إلى الديمقراطيّة، والبرلمان لا يصنع القرارات. فمَن يصنع القرارات في (الجزائِر)؟ الأمر أشبه بجَمَل يصعب تعريفه لكن يسهل التعرّف عليه. يعتَبر شعب (الجزائِر) السُلطة وصنّاع القرارات مجموعة أشخاص لم ينتخبهم ولا يستطع عزلهم، هم مجموعة أشخاص من الدولة العميقة، من جهاز الاستخبارات والجيش، من قُدامى مُحاربي نضال الاستقلال الذين يُحتِّم الزمن أن يتناقصوا رويداً رويداً. لقد قادت "جبهة التحرير الوطني" هذا النضال في سبيل الاستقلال والتحرّر العظيم والملحمي والبطولي وهي لا تزال في السلطة في (الجزائِر) لكنّها ما عادت كما كانت. بالنسبة للرئيس، سأُعطيكم فكرة عن طول ولاية الرئيس "بوتفليقة" وعن عُمره. لذا اسمحوا لي أن أُخبركم القصّة التالية: عندما ركبت إحدى حافلات (لمدن) الحمراء من (Big Ben) إلى (بغداد) عام 1991 ألقيتُ خطاباً في منصف الليل في مدينة (وهران) العظيمة في (الجزائِر)، وبعدما فرِغت اقترب منّي رجل طاعِن في السنّ قائِلاً: هلّ تعلم أنّ "تشي غيفارا" ألقى خطاباً في هذه القاعة عينها؟ فسألته: حقّا؟ أجاب: نعم من على المنبر الذي تعتليه لتُلقي خطابك. أضاف أنّ "تشي غيفارا" قد أتى إلى (الجزائِر) بصحبة "بوتفليقة" الذي كان وزير الشباب حينها في عام 1962. واليوم في عام 2019 يُفكِّر الرئيس "بوتفليقة"، المتقدّم في السنّ كما تلال (الجزائِر)، في الترشُّح لولايةٍ أُخرى لرئاسة الجمهورية الجزائِرية الديمقراطية الشعبية. هذه مسألة تخصّ الجزائِريين ولا دخل لي فيها، لكنني أرى أنّ (الجزائِر) تحتاج إلى جيلٍ جديد من القادة، وهذا كلّ ما سأقوله ولقد صرّحت بما سبق مع حبّي لـ (الجزائِر) وتاريخها وشهدائِها وشعبِها العظيم. معي هنا بين الجمهور أشخاص يعرفون أكثر منّي بكثير، لذا إسمحوا لي أن أفتتح النقاش معك سيّدي، وأنت خبير وكاتب ومُعلِّق في الشؤون العربيّة

عبد الله حمودة – مُختصّ في شؤون الجزائِر وشمال أفريقيا: شكراً جزيلاً لك. إسمي "عبد الله حمّودة"، من المُذهِل أنّ الحياة قد توقّفت في (الجزائِر) وما عادت تتقدّم خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية بعد وفاة "بوميدين". كما أشرت، في (الجزائِر) ديمقراطية وهميّة تُعاني نقصاً في القيادة أو حتّى غيابها، وهذا يُثير سؤالاً حول إذا كان ما يحدُث هو وفاة السياسة في الشكل الذي يطمح إليه الناس؟ هلّ نلمس تعدّدية من نوعٍ ما حين يُحاول الجميع السعي وراء منصِب ووراء نَيْل رضا القوى المُستقبلية في البلد؟ أنا زرت (الجزائِر) في العام الفائِت وأذهلني ما رأيته، لكن إضافةً إلى الموارِد التي ذكرتها، لدى (الجزائِر) نشاط زراعي أيضاً، و(الجزائِر) من البُلدان التي تملِك إمكانية الاكتفاء ذاتياً على صعيد الغذاء ومع ذلك تستورده، تملك الكثير من المال لكنّها مديونة، فيها الكثير من المؤسّسات السياسية لكنّها من دون جوهر

جورج غالاواي: ليست سوى مؤسّسات صُوَريّة

عبد الله حمودة: كيف لهذا أن يستمر؟ أستطيع فَهْم سرّ هذا الرضا وتفاجأت كثيراً بأنّ ما يُسمّى "الربيع العربي" لم يمسّ (الجزائِر)، بالتالي هلّ تتوافر آلية تُساعِد الجزائِريين على حماية أنفسهم والتطوُّر في اتجاهٍ مُختلِف؟ لستُ واثقاً من ذلك! كذلك تُحيط أسئِلة كثيرة بهذا البلد الذي يشوبه الغموض حالياً، وما تزال القوى المُستقبلية مُستترة ولا يُمكن رؤيتها. يجري الحديث عن الجنرالات وعن كبار رجال الأعمال وعن الدولة العميقة لكن لا نرى أيّاً منهم، فكيف يعملون؟ هلّ بفضل سرّ إلهي يدير هؤلاء (الجزائِر) كما نعرِفها؟ أعتقد أنّها لغزٌ بين البلدان العربية إذ تبقى على حالها في حين لا نعرِف ما يحمله المُستقبل لها

جورج غالاواي: فيما كنت تتحدّث تصوّرت تمثالاً مهيباً مصنوعاً من الحجر يتّسم بالثبات والصمود، هكذا تبدو (الجزائِر) بالنسبة إليّ اليوم بكلّ سموِّها وموقفها أزاء الشؤون الخارجية والعربية، وهو موقف تقدّمي عموماً، فدعَمت (العراق) مثلاً ورفضت التخلّي عن (سوريا) وليس لها يد في غزو بلدانٍ عربيّةٍ أُخرى ولا السعي للإطاحة بأنظمتها، هذه خصائِص رائِعة لكن لا يُمكننا أن نصنع أُمّة من حجَر

عبد الله حمودة: هذا صحيح تماماً  

جورج غالاواي: دكتورة، أنتِ أيضاً مُحلّلة رائِعة على صعيد الشؤون العربية، فلتُعرِّفي بنفسكِ لو سمحتِ

د. هالا دياب – كاتبة وإعلامية ليبية: إسمي الدكتورة " هالا دياب" وأنا منتجة أفلام ومُحلّلة ومُعلِّقة تلفزيونية. في الحديث عن عدم استخدام (الجزائِر) كامل إمكاناتها في الشرق الأوسط، أُشير أولاً إلى أنّ (الجزائِر) و(المغرب) و(تونس) تضطلع نوعاً ما بدور المُشاهِد في شؤون الشرق الأوسط فلا نرى بلدان شمال (أفريقيا) تؤدّي دوراً فاعلاً في سياسة الشرق الأوسط بقدرِ بلدانٍ أُخرى، لكن يُطرَح سؤال مهم هنا وهو أنّ (الجزائِر) لا تزال تتخوّف من التيّار الإسلامي وهذا التيار في (الجزائِر) كبير وفاعل جداً  وقد لمسنا أثر التيار الإسلامي الجزائِري في قلب (باريس) في هجوم "تشارلي إيبدو" حيث كان الأخوان اللذان نفذا الهجوم جزائريين، كذلك كان العقل المُدبِّر للهجوم "جمال بغّال" جزائِرياً أيضاً. باتت (الجزائِر) اليوم مُرتبطة بالإرهاب والتيار الإسلامي والأُصوليّة ولا يُمكن تغيير ذلك إلّا بتغيير الحال السياسية في (الجزائِر) وفسح المجال للشُبّان لكي يُشارِكوا في السياسة ولكي يضطلعوا بدور فاعل في بلدهم، ولا يسعنا أيضاً أن ننسى أنّ 28 % من الشبّان الجزائِريين عاطلين عن العمل. ما يزال "بوتفليقة" في السُلطة بسبب تخوُّف الشعب من بروز التيار الإسلامي، شهدنا حدوث ذلك في (سوريا) و(مصر) و(ليبيا) و(تونس)، هؤلاء إسلاميون حاضرون وينتظرون فرصة للوثب إلى داخل المشهد السياسي، وأعتقد أنّ هذا سبب مُساعدة مُحيط "بوتفليقة" له على البقاء في السُلطة لكيلا يدخُل هذا التيار الإسلامي المشهد السياسي، والطريقة الوحيد للحؤول دون ذلك هي تمكين الشبّان والاستثمار فيهم سواء أكانوا في (الجزائِر) أم كانوا خارِجها بهدف إشراكهم في المشهد السياسي في (الجزائِر)

جورج غالاواي: يُثير ما قلتِه بضعة أسئِلة، لذا إسمحي لي يا دكتورة أن أستكمل الحديث معكِ قليلاً لو سمحتِ. السؤال الأول هو عن السبب، لماذا تأوي (الجزائِر) هذا العدد الكبير من الإسلاميين المُتعصّبين الخُبثاء الذين يصل تعصّبهم إلى حدّ قطع الرؤوس؟ كيف حدث ذلك في حين كانت (الجزائِر) في الستينات والسبعينات بلداً يسارياً تخضع لقيادة ثورية مثّلت فيها "جبهة التحرير الوطني" راية مرفوعة؟ كيف حدث ذلك؟ ثانياً، هلّ الحلّ الأفضل لتهميش هؤلاء الإسلاميين المُتعصّبين هو إبقاء رجال عجائِز جداً في السلطة وإبقاء الوضع على حاله أكان الوضع مرضياً أم لا بالنسبة لكلّ شخص؟ أم يكمن الحلّ في السماح لأجيال الجزائِريين بتولّي مناصِب في عالم السياسة؟

د. هالا دياب: ظهّرَ التيار الإسلامي عام 1999 لكن كما نعلم رأينا ذلك يحدُث في (سوريا) و(مصر) و(ليبيا)، فالأُصوليّة الإسلامية جزء لا يتجزّأ من أيّ مُجتمع يُمارس عليه قمع سياسي ويُعاني بطالة وينتابه خوف من التعبير بحريّة، بالتالي عندما يلوح إسم زعيم سياسي جديد في الأُفق سيحدُث كما حدث في (المغرِب) التي باتت أكثر تنوّعاً واستقراراً على صعيد أيديولوجيتها، وبالتالي أعتقد أنّ (الجزائر) ربما تحتاج إلى ظهور زعيم جديد ولا يتعلّق الأمر بسنّ هذا الزعيم

جورج غالاواي: أؤيِّد تولّي الرجال الأكبر سناً السُلطة

د. هالا دياب: بل يتعلّق الأمر بامتلاك روحٍ من نوعٍ جديد

جورج غالاواي: "كوربين" أكبر منّي سناً حتّى  

د. هالا دياب: يتعلّق بامتلاك روحٍ من نوعٍ جديد لإفساح مجالٍ لأشخاص يساريين أو يمينيين أو لأولئِكَ الذين يحملون أيديولوجيا إسلامية ولكن أيضاً بهدف إفساح المجال أمام الأشخاص ليُمثّلوا جزءاً من مُجتمعهم. نرى أنّ الجزائِريين عجِزوا عن التقدُّم والنموّ والازدهار في بلدهم بسبب القمع السياسي وغياب الفُرَص إضافةً إلى التخوُّف من التيار الإسلامي، وأرى أنّه مع قيادة جديدة تُفتح الأبواب أمام طريقة جديدة للتعبير عن هذه الإيديولوجيا الإسلامية أو حتّى الإيديولوجية السياسية

جورج غالاواي: يُمكن تطبيق إيديولوجيا إسلامية على نحوٍ سلميّ

د. هالا دياب: وعلى نحوٍ مُعتدِل ومُعاصِر

جورج غالاواي: ويبدو أنّ ذلك يحدُث في (المغرب)، البلد المُجاوِر لـ (الجزائِر)، لكنني لستُ واثقاً ماهيّة إيديولوجيا دولة (المغرب) ولا أعلم إن كانت تمتلِك واحدةً أصلاً بل تتبع فلسفة ترميميّة آنيّة تقتضي إجراء إصلاحات عند الضرورة، لكن في السُلطة في (المغرِب) شخصيات إسلامية لا تتجوّل وتقطع رؤوس الناس، ألا يُمكن فعلَ ذلك في (الجزائِر)؟

د. هالا دياب: لا تنسى أنّ الإيديولوجيا في (الجزائِر) هي إسلامية عسكرية وليست لاهوتية فحسب بل هي عسكرية، الكثير من الجزائريين مسلّحون وينفّذون الكثير من العمليات العسكرية في (فرنسا) وسواها، الأمر مُعقّد لأنّ النظام السياسي في (الجزائِر) يُحافِظ على بقاء التيار الإسلامي ليضمن استمراريّته إذا أن ذلك سيحول دون التظاهُر والمُطالبة بالديمقراطية والسعي للتمتّع بحريّة التعبير وامتلاك برلمان وأن يشترِك الشُبان في العملية السياسية، وأعتقد أنّ من مصلحة مُحيط "بوتفليقة" أن يبقى البلد على حاله كي يبقوا في السُلطة بدلاً من تغيير هذه الإيديولوجيا وتحديثها

جورج غالاواي: للتذكير فقط، البرلمانات ليست بالضرورة أمراً رائِعاً، ففي (ليبيا) أربعة برلمانات وانظروا إلى حالها. سنعود في الحال

المحور الثاني: 20:11

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) في حديثٍ عن (الجزائِر) العظيمة وتاريخها وحاضرها ومستقبلها. خرجنا مع كاميرا برنامج "كلمة حرة" إلى شوارِع (لندن) لنسأل الناس عن آرائِهم، فلنُشاهِد

المُحاور: يعتقد الكثير من الجزائِريين أنّ الحكومة هناك تخضع لإدارة الجيش، هلّ تعتقدين أنّ هذا النوع من الإدارة جيِّد بالنسبة إلى المُجتمع؟

امرأة 1: لا، آمل ألّا تكون كذلك

رجُل 1: من المؤكّد أن عدم توازن السُلطة ظاهِرة غير سليمة، أعني لا يُعقَل أن يدير عسكريون البلاد

شابة 1: أعتقد أنّ ذلك سينعكِس إيجاباً على البلد في ظلّ وجود مخاطر كثيرة اليوم

المُحاور: هل تجدين أية إيجابيات في نموذج الحُكم العسكري؟

شابة 1: كلّا هي الإجابة الأبسط، يمكننا أن نجد أمثلة عديدة في التاريخ تفيدنا أنه فور اعتماد نظام عسكري سيكون لذلك آثار متشعّبة اجتماعياً وفي الأداء الحكومي، لذا سأُجيب قطعاً بـ "لا"

المُحاور: يشعُر الكثير من الشبّان في (الجزائِر) بأنهم عاجزون عن التأثير في النظام، بما أنّ الحال كذلك، هلّ تعتقدين أنّ لهذا النوع من الإدارة آفاق مُستقبليّة إن لم يكن مقروناً بعنصُر الشباب؟

شابة 1: لا بالتأكيد. أشعر أن هناك بعض أصحاب الامتياز حتى في المملكة المتحدة مع شباب، فهذا بالتأكيد لن ينجح

رجُل 1: أعتقد أن الشبان سيتوصّلون إلى حلّ يناسبهم كما فعلوا في "الربيع العربي"، أعني أعتقد أنهم سيتوصّلون إلى طريقة للمُشاركة في العمليّة السياسية عندما يغدو الضغط الذي يُعانونه لا يُطاق

شاب 1: أعتقد أنّ نظاماً كهذا لا يملِك الكثير من الآفاق إذ أنّ الشبان هو مَن سيتولّون إدارة الدفّة مُستقبلاً

المُحاور: هلّ تعتقدين أنّ الفصائِل الإسلامية في (الجزائِر) تُمثلُ خطراً في الانتخابات المُقبلة؟

شابة 1: نعم، أنا متأكّدة من ذلك، فيعيش الكثير من الإسلاميين في المناطق الجبلية ما يُمثِّلُ خطراً في رأيي، لأتّ بلدنا قريب من (الجزائِر) وبتنا نُعاني من هذه المُشكلة اليوم. فقد أتى العديد من الإرهابيين إلى (تونس) من (الجزائِر)

جورج غالاواي: استمعنا إلى آراء متنوِّعة عكست كثيراً من الاهتمام، ما الذي تودّ أن تقوله يا سيّدي؟

وليد محارة – طالب: شكراً جزيلاً، إسمي "وليد" وأنا أُخالف رأي السيّدة الجالسة قربي إلى حدٍّ بعيد، أقول أنّه لا ينتابنا خوف من التيار الإسلامي أو من أشخاص مُسلّحين، فليس في بلدنا ظواهِر مماثلة

جورج غالاواي: قالت هذه الشابة أنها تعتقد أنهم في المناطق الجبلية

وليد محارة: ليس في بلدنا مناطق جبلية

جورج غالاواي: بل في بلدكم جبال وقد زُرتها

وليد محارة: لا جبال في القرب من المدينة التي أسكن فيها والتي لا تبعُد كثيراً عن (الجزائِر) العاصمة، لكن هذه المشاكِل التي عانينا منها سابقاً قد زالت وأعتقد أنّ كلّ الجزائِريين يعرفون الفرق بين الماضي واليوم فقد حلّت تغييرات كثيرة. بتنا الآن نملك إمكانية الوصول إلى مواقع "الفيس بوك" و"غوغل" و"يوتيوب" وبات في إمكاننا رؤية كلّ ما يحدُث. أمّا في السابق فكانوا يخبروننا بما يحدُث وكانت أخبارهم مختلفة عن الواقع وغير صحيحة، عن كلّ العالم خارِج (الجزائِر). كما أشرت حضرتك، (الجزائِر) قارّة وليست مجرّد بلد وتجري كلّ المُعاملات فيها على نحوٍ خاطئ. سوء الإدارة والافتقار إلى الإدارة في الحكومة الحاليّة على وجه الخصوص يتسبّبان بدفع الشبان إلى الرحيل وترك البلد. عندما كان عمري خمس عشرة سنة طُرِح عليّ سؤال خلال متابعتي دراستي الثانوية هنا في (بريطانيا) عام 2016 أو 2017 وطلب منّا أحد الأساتذة أن نكتب ما هو حُلمنا، فشعرت بالكثير من الخجل، فكنت سأقول حسب ملاحظتي وإدراكي أن حلمي هو الهجرة، وهذا الحلم ينطبق على الشبان الجزائِريين الذين ينتابهم اليأس على شتّى الصُعد فيفقدون الأمل وبالتالي يرغبون في الهِجرة ولا يحبّون البقاء هناك. بالنسبة إلى التيار الإسلامي والإرهاب، فهذه ليست الحال فعلاً بل نحن أبعد ما يكون عن ذلك، ولا أقول هذا لأزعم بأننا الشعب الأفضل بل نحن الأسوأ إذ علينا أن نملك شجاعة أكبر، لكنني أعتقد أننا نملكُ شيئاً منها، فإذا علِمت أنك ستموت غرقاً في البحر وأنّك على الأغلب لن تصل إلى الجانب المواجه للقارة لكنّك مع ذلك تُخاطِر وتأخُذ معك خمسة أو سبعة أشخاص وتقول في نفسك لنجني بعض المال ونشتري قارباً صغيراً ونرحل عن البلد، فهذه خطوة كبيرة وجريئة، وبالتالي نتمتّع بالجرأة

جورج غالاواي: ومع ذلك (الجزائِر) بلد ثريّ وينبغي أن يملك كلّ شبّانها مستقبلاً في ربوعها!

وليد محارة: أعتقد أنّ الثروات ليست لنا، ليست للشعب الجزائِري، هي للحكومة وأصحاب النفوذ والوزراء وليست للشعب الجزائِري فالفُقر مُستشر هناك اليوم. هلّ تُصدِّق يا سيّد "غالاواي" أنّه في عام 2019 يقف الناس في الصفّ، إن لم تستيقظ باكراً، وهذا يحدُث في العاصمة ولن أتحدّث عن مناطق أُخرى في الصحراء بل أتحدّث عن العاصمة. في عام 2019 يقف الناس في الصفّ لشراء الحليب، وهذا ما يريده هذا النظام وهذه الحكومة، أن يُفكِّر الجزائريون بالماء والحليب والخُبز وألّا يُفكرون كثيراً بل أن يُركّزوا على هذه الأمور فحسب لأنك إن وفّرت لهم كلّ هذه الحاجات سيبدأ الجزائريون بالتفكير: " لماذا لسنا كالآخرين؟ لماذا لسنا كالبلدان الأُخرى؟". ففي هذا النوع من الحكومات انعدام الإدارة يدفع الجميع إلى ترك البلد وفقدان الأمل، وسواء أكنت ستُكمِل دراستك أم لا، غادر البلد فحسب، هاجِر من البلد

جورج غالاواي: هذا مُحزن جداً. السيّدة هنا

خديجة عطّار – طالبة: أودّ الإضافة إلى ما قاله الأُستاذ "وليد". أنا طالبة هنا وأدرس السياسة لكنني سأتحدّث بصفتي مواطنة جزائِرية. كما أشرتم جميعاً، مقارنة بالبلدان الأُخرى (الجزائِر) بلد مُستقرّ وحالها أفضل بكثير من بلدان عربيّة أُخرى أو من بلدان مُجاوِرة لها. لكن ما نُريد التعبير عنه هو أنّ أبناء الجيل الجديد والجيل السابق له يريدون التغيير، يريدون لمس التغييرات وقد سئموا كثيراً من الخضوع للنظام نفسه وتبنّي الإيديولوجيا نفسها وطريقة التفكير ذاتها

جورج غالاواي: كيف تصفين أيديولوجيّتهم؟ لأنني لستُ على معرِفة باللغة 

خديجة عطّار: أعتقد أنها إيديولوجيا قديمة جداً وقد مرّ عليها الزمن ولم تعُد نافعة اليوم، كأنك تستمرّ في استخدام طابعة من طرازٍ قديم لكنّك تتوقّع نتائِج مُغايرة وهذه الطابعة غير مُناسبة في الوقت الراهن، لذا لا بدّ من أمرٍ جديد. نحتاج أن نتعرّف إلى أمور جديدة وأن نتقدّم لنغدو مثل البلدان المتقدّمة، ما المانع من ذلك؟ إذا ذهبت إلى (الجزائِر)، وهنا أتحدّث عن الشعب ولست أتحدّث عن السُلطة لأنّ السُلطة تنوي المضيّ على الحال نفسها من دون أن تتغيّر ويُريدون إبقاء النظام الحالي كما هو لفترة أطول، لكننا نحتاج إلى التغيير، فدائِماً ما يأتي التغيير بنتيجة إيجابية على أيّ صعيد كان، وهذه طبيعة الحياة

جورج غالاواي: لا يتّسم التغيير بالإيجابية دائِماً أليس كذلك؟

خديجة عطّار: لا بالفعل، لكنّه من مظاهر الحياة

جورج غالاواي: وكما أشارت الدكتورة، أحد أسباب تحجُّر النظام في هذا الشكل هو الخوف من عودة العقد الأسود الذي أشرتِ إليه، وهذا قلق مشروع أليس كذلك؟

خديجة عطّار: نعم تماماً، هذا خوفٌ مُبرّر لكنّه ليس

جورج غالاواي: لا تُريدون أن ينتهي بكم المطاف مثل (ليبيا)

خديجة عطّار: نعم تماماً، لا مثل (ليبيا) ولا (العراق) ولا سواهما، لكن يتمتّع الشعب الجزائِري اليوم بالوعي ويعرِف ما الذي يريد فعله لكن كما أشرت ينتابهم خوف بالفعل وهو الخوف الذي منعهم من مناهضة النظام. مع ذلك لا يُمثل ذلك حلّاً، فما يزال يدور خطب ما في الخفاء

جورج غالاواي: ويُقال إنّ الرضوخ والخوف من التغيير سيؤول في نهاية الأمر وبعد حدوث تغيير إلى مزيدٍ من العُنف

خديجة عطّار: تماماً

جورج غالاواي: أيّها الدكتورة هل تودّين الردّ؟

هالا دياب – كاتبة وإعلامية ليبية: أولاً أودّ العودة إلى ما قاله السيّد، علينا بدايةً أن نتحقّق من الحقائِق. كما تعلم أنا أعمل في مؤسّسة "جيمس تاون" وهي منظمة بحثية تُقدِّم تقريراً للحكومات عن المقاتلين المُجاهدين ونحن نُجري تحليلات حول الجهاديين في (سوريا) التي توجّه إليها عدد كبير من الجهاديين ويعمل هؤلاء على مستوى قيادي، وفد أتت هذه الشخصيات الرفيعة المُستوى من (الجزائِر). إذا عُدنا في الزمن نرى أنّه منذ الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2000 كان الجهاديون الجزائِريون فاعلين في مجال الأُصولية الإسلامية على مُستوى قيادي، فلم يُنفِّذوا هجوم "تشارلي إيبدو" فحسب بل حتّى في (إنكلترا) وُجِدَ بعد عام 2000 حذاءٌ مُفخّخ في صندوق سيارة شاب جزائِري وهذه مُشكلة مُتجذّرة في (الجزائِر) ولا أُلقي اللوم على الجزائِريين ، فالتطرُّف ظاهرة موجودة في شتّى البلدان مثل (مصر) و(ليبيا) و(سوريا) وهو نتيجة التطرّف السياسي الذي لا يفسح مجالاً لإعادة إحياء الإسلام المُعتدِل ، وما من قادة مُعتدلين، فلا يستطيع الناس تصوُّر الإسلام كدين يُمكنهم اعتناقه، كذلك أثّرَ النظام السياسي والقمع السياسي في الإرهاب والأُصولية في (الجزائِر) . المُشكلة الأُخرى هي انعدام العمل المُجتمعي على مُستوى القاعِدة الشعبية، فكيف يُمكننا توليد قيادة في الشرق الأوسط؟ من خلال العمل المُجتمعي. وكم هناك من مؤسّسة عمل مُجتمعي في (الجزائِر)؟ ليست كثيرة. على صعيد الرياضة مثلاً، كيف يُمكننا المجيء بقادة من المُجتمع؟ فلا يُقدّم للناس تمويلاً ليفعلوا ذلك فلا يذهب الناس إلّا إلى المسجِد. هلّ يذهب الناس إلى المدرّجات؟ كم أنتجت (الجزائِر) أمثال "رياض محرِز"؟ وهو لاعب مميّز في الدوري الإنكليزي الممتاز؟ لا بدّ من أن يستثمر المُجتمع والبلد في قادة من هذا القبيل ما سيُبعِد البلد عن الأُصولية الإسلامية. كذلك فيها الكثير من القادة الذين يمكنهم الحلول مكان "بوتفليقة" وفيها الآلاف ممن يُمكننا نعتهم بالدكتاتوريين السياسيين. ولكن مُشكلة تجذُّر الدكتاتورية السياسية تتأتّى من أنّ الأُصولية الإسلامية والإرهابيين مثل الصراصير، ينهضون حالما ترفع قدمك عنهم كما فعلوا في (سوريا). دائِماً ما يُلقى اللوم على "بشّار الأسد" و "صدّام حسين"، و "القذّافي". أوكي، لقد رحل "القذّافي" ورحل "صدّام حسين"، لكن هل تسبّب ذلك في خلق مجتمع جيّد وسويّ؟ كلّا. بالتالي ما نحتاجه هو نشر الإسلام المُعتدل كدين يُمثل جزءاً من الحياة لا أداة قمع، فلا يتجلّى الإيمان في قطع الرؤوس وقمع المسيحيين والعلويين والشيعة أو السماح به، يصبّ الإيمان في مصلحة الجميع ويتمحور حول التسامُح. ما نحتاج إليه هو مُساواة وحريّة ومُجتمع، ولا بدّ من أن يحبّ الناس الرياضة وأن يتوجّهوا إلى المُدرّجات ويشاركوا في العمل المُجتمعي، هذا ما نحتاج إليه، هذا ما سيُنتِج قادة وليس قول في الواقع أنه لا يوجد إرهابيون في بلدنا، هل أنت جاد؟ تحقّق من معلوماتك

جورج غالاواي: ماذا عن الحزب بحدّ ذاته؟

هالا دياب: الأحزاب السياسية

جورج غالاواي: كان "حزب جبهة المؤتمر الوطني" مميّزاً فعلاً، لكنّكِ أصغر سنّاً من أن تذكري ذلك، لكن كان "حزب جبهة التحرير الوطني" مميّزاً فعلاً لكنّه بات مُجرّد صورة خالية، أليس كذلك؟ فلم يعُد حزب "جبهة التحرير الوطني" كياناً حيّاً ولم يعُد يُدير البلد في الواقع

هالا دياب: (الجزائِر) ليست بلداً معزولاً في الفضاء بل تُجاوِرها (تونس) و(ليبيا) و(المغرِب) وتؤثّر فيه الأحداث في (مصر)، كلّ ما يجري في محيط بلدان الشرق الأوسط يؤثِّر في هذا البلد الجميل والمُقعَد في آنٍ معاً، بحسب ما أرى، على كرسي متحرِّك يشغله "بوتفليقة"

جورج غالاواي: يا له من تصوير جيِّد

هالا دياب: ولا تتحرّك (الجزائِر) إلى الأمام، بالتالي لا بدّ من دحر هذه الإيديولوجيا المتجذّرة التي تُنادي بالقمع والتطرّف والتعصّب والتحجُّر

جورج غالاواي: هذا وجهان لعملة واحدة، أحدهما القمع والدكتاتورية مع أنني لا أعتبر (الجزائِر) كذلك

هالا دياب: يُمكن القول إنّ فيها مظاهر دكتاتورية

جورج غالاواي: أمّا الوجه الآخر لهذه العُملة فهو التطرّف، وهو في هذه الحال تطرُّف إسلامي رأينا مظاهِره في العشريّة السوداء، وبالتالي هذه مُعضِلة بالفعل. سنعود حالاً           

المحور الثالث: 34:47

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" ونوافيكم من (لندن) بحديث عن (الجزائِر) ماضياً وحاضراً ومُستقبلاً. تفضّلي سيّدتي

تامي القباني - ناشطة: لقد سمعت مرتين، عذراً إسمي "تامي القبّاني". ذُكِرَ "الربيع العربي" مرّتين، وأنا أوصي أي بلد يتناول "الربيع العربي" بألّا يقلق، فمن المُرجّح أنّ الولايات المتحدة لديها مُخطط ما، و(الجزائِر) ثاني أكبر مُصدِّر للغاز لاسيما إلى البلدان الأوروبية، وأنا متأكّدة من أنّه سيُنظر إليها كأحد الاحتمالات الفُضلى، وأعتقد أننا نُدلي بكثيرٍ من التصريحات هنا عن الأُصوليين الإسلاميين والإسلام وأُدرِك أنّ في (الجزائِر) أصوليين إسلاميين لكنني أعتقد أنّ ذاكرتنا قصيرة المدى عند تناوُل الحُكم الاستعماري. ففي ظلّ الحُكم الاستعماري الفرنسي حصَل السكان المسلمون على أقلّ من 12 في المئة من المال، وأجرى المستوطنون الأوروبيون سباقاً للنَيْل من الأراضي الجزائِرية، والسباق على الأراضي ممارسة يُسيطر المرء بموجبها على أرضٍ ما بأيّة وسيلة كانت وعادةً ما تكون هذه الوسائِل عبر القتل وقطع الرؤوس وأعمال العنفٍ الأشدّ ترويعاً ، ولم يكن هؤلاء جهاديين مسلمين بل أتوا إلى (الجزائِر) بصفة مستوطنين أوروبيين مسيحيين واستمرّ ذلك مئات السنوات. بالتالي ذاكرتنا قصيرة جداً إن كنّا نُقيِّم (الجزائِر) اليوم فقط عبر النظر إلى الأُصوليين المُسلمين فحسب. أظنّ أنّه من المهم أن نذكُر أنّ الرئيس الحالي في (الجزائِر) عايَش تلك الفترة ومن المُرجّح أنّه يذكرها

جورج غالاواي: كان أحد المُقاتلين في سبيل الحريّة

تامي القباني: ويقول الجيل الأصغر سناً أنّه سئِمَ من الوضع الراهن، لكن في السابق كانت (فرنسا) تسمح لعددٍ غير محدودٍ من الشبّان الذكور فحسب، وليس الشابات، بالسفر إلى (فرنسا) لأنهم استطاعوا القيام بأعمالٍ شاقة ومُنِحوا حريّة المرور، غير أنّ المُسلمين لم يُعطوا إمكانية المرور إلى (فرنسا)، في الواقع قيل لهم أنّ عليهم الارتداد عن الإسلام إذا أتوا إلى (فرنسا)، لن يكونوا مسلمين إن أتوا إلى (فرنسا)، فبقي الكثير من المُسلمين على موقفهم وامتنعوا عن الذهاب. بالتالي اتّسَم الشعب الجزائِري بكثيرٍ من عزّة النفس، وأظن أن حقيقة أننا هنا نتحدّث عن الأُصولية الإسلامية والجهاديين، لكنها ظاهرة مُصدّرة من (أوروبا). (فرنسا) و(أوروبا) و(بريطانيا) والولايات المتحدة من أكبر البلدان المُصدِّرة للإرهاب لأنها هي التي موّلت أيّ شخص أراد التوجُّه إلى بلدان أُخرى وكانت (فرنسا) تُرسِل مُجرميها إلى (الجزائِر) وأرسلت أفراداً من الطبقة العاملة إليها، هذا ما فعله الفرنسيّون، فقد صدّروا أشخاصاً إلى (الجزائِر) ليستولوا على أراضي الجزائِريين

جورج غالاواي: هذه لمحة تاريخية مهمة يا "تامي" لكن عليّ الانتقال لأنّ الوقت محدود. السيّدة في الصفّ الأمامي

أفنان القفادي – صحافية: بالنسبة إلى ما قالته الدكتورة، إذا أمكنك أن تُذكّرينني باسمك، "هالا"، الدكتورة "هالا". من منظور شخص أصغر سنّاً، عند التفكير في الأشخاص الذين يعيشون في (الجزائِر) لاسيما الأجيال الأصغر سنّاً هناك مع انعدام فُرَص العمل لهؤلاء الأشخاص، أعتقد أنّه من الصعب جداً إقامة مُجتمع مُزدهِر من القادة الجُدد ومن الأشخاص القادرين على أخذ المقاليد من يد شخص يتولّى الرئاسة منذ عام 1999. في رأيي، عندما يعيش المرء في ظلّ ظروفٍ قاسية كهذه من الصعب أن يُصبح بطلاً أولومبياً أو أن يذهب إلى المُدرّجات وأن ينمو ويزدهر. من الصعب تحقيق ذلك في ظلّ تولّي "بوتفليقة" الرئاسة للمرة الخامسة وبالتالي أظنّ أنّ التغيير ضروري لازدهار المُجتمع وآمل أن نحظى بقيادة أقوى لا نتعرّض في ظلّ إدارتها إلى الكثير من التدخّل الأجنبي

جورج غالاواي: شكراً، السيّدة هنا. من المهم أن نذكُر أنّ (الجزائِر) من البلدان العربية الأغنى من غيرها ومتوسِّط دخل الفرد فيها ستة عشر ألف دولار في العام ، وهذا ليس مبلغاً كبيراً لكنّه لا يقلّ كثيراً عن مُستوى دخل الفرد في الكثير من البلدان الأوروبية، تفضّلي سيّدتي

خديجة عطّار – طالبة: في الواقع معك حقّ، فـ (الجزائِر) أغنى من غيرها من البُلدان، لكن المُشكلة الأساسية في معاناة الناس هي: لماذا بلدنا غني بينما نحن فقراء؟ هنا تكمُن المفارقة وراء معاناتنا، وهي سبب التفاوت الكبير في المداخيل وبعضها قليل جداً ولا تُعدُّ شيئاً بالمقارنة مع المداخيل في البلدان الأوروبية. أمّا إذا قارنت ثرواتنا بثروات البلدان الأوروبية فترى أنّه لا مجال للمقارنة، هنا تكمن المُفارقة

جورج غالاواي: ألا تحصلون على تقديمات اجتماعية مرتفعة القيمة تعود إلى الفترة الاشتراكية؟ مثل تقديمات على مُستوى الصحة والتعليم وسواهما؟

خديجة عطّار: لا نواجه مُشكلة على صعيد الطبابة إذ أنّ كلّ الخدمات الطبية مجّانية والتعليم مجّاني أيضاً لكن ماذا عن الجودة؟ لا تهمّ كميّة التقديمات بل ماهية جودتها، ما هي جودة هذا التعليم؟

جورج غالاواي: ينطبق ذلك على جميع الاقتصادات الاشتراكية، إذ تتوافر الخدمات بكثرة لكنّها منخفضة الجودة

خديجة عطّار: تماماً، هذه هي المُشكلة الأساسية. إن قدّمت لي الحكومة تعليماً مجانياً لكنّه منخفض المُستوى فلا جدوى من ذلك

جورج غالاواي: لكن في مناطق شاسعة من العالم ما من تقديمات تعليمية، هذه هي الفكرة الأساسية التي قصدتها

خديجة عطّار: لكن أنا أهتمّ بما يحدُث في (الجزائِر) فهو البلد الوحيد الذي في إمكاني أن أتحدّث عنه

جورج غالاواي: أنتِ محقّة تماماً، تفضّلي

خديجة عطّار: لكنني أُحاول النظر إلى المسألة من منظورٍ أشمل

جورج غالاواي: نعم

خديجة عطّار: نرى فارقاً كبيراً بين ما نملكه وما نحصل عليه وبين ما نتوقعه وما نتلقّاه اليوم، أعني ما يحدُث ليس مفيداً ولا يُسهِم أيّ منه في إرضاء الشعب

جورج غالاواي: لا

خديجة عطّار: أريد أن أُضيف فكرة في صدد الانتخابات التي يدور نقاشنا اليوم حولها. لا يعتزم الناس اليوم الإدلاء بأصواتهم لكنّهم يتوجّهون للاقتراع في يوم الانتخابات لأنّهم لا يعرِفون لمَن عليهم إعطاء أصواتهم، وهذا عنصر مُدمِّر للغاية. فإمّا لا يدلون بأصواتهم أو يصوّتون للشخص الذي يعتقدون أنه سيفوز في الانتخابات، بالتالي لا تُتاح للمرشّحين فُرَص متكافِئة، فإذا كنت سأُصوِّت لمصلحة "جبهة التحرير الوطني" فأنا أؤمن بأنّها أمل البلد وأنّها ستضمن مُستقبله، لكن المُشكلة أنّ هذا ليس ما يحدُث

جورج غالاواي: تفضّل "وليد" ولكن باقتضاب

وليد محارة – طالب: أودّ التحدُّث عن الدكتاتور "بو تفليقة"، فهو يمسك السُلطة منذ عام 1999

جورج غالاواي: تقصد المُقاتل من أجل الحريّة "بوتفليقة"، فلولاه لكنتم حتّى اليوم تخضعون لسيطرة الفرنسيين

وليد محارة: لا أعتبره كذلك بل أرى أنه ديكتاتور

جورج غالاواي: عليك أن تنظر إليه على نحوٍ مُغاير، ربما هو ديكتاتور لكن لا بدّ من احترامه قليلاً، فلولا "جبهة التحرير الوطني" والشهداء والمناضلين والمقاتلين لكانت (فرنسا) تحكمكم اليوم ولما كنتم تحصلون على تعليم مجّاني حتّى، ثق بكلامي

وليد محارة: هذا صحيح، نحصل على تعليم مجانيّ لكنهم يمنحوننا إياه كهبة وليس كحق. فكما أشرت، بلدنا ثرّي قبل قليل لكنّ "بوتفليقة بات مُقعداً اليوم. الجزائِريون منتشرون اليوم في جميع أنحاء العالم، منهم مُخترعون وأشخاص متعلّمون ولا يسعهم الوصول إلى الحُكم. صدّقني، إذا أُزيلت هذه الحكومة سترى الفرق بين حال (الجزائِر) اليوم وحالها بعد عشر سنوات، ستلحظ الفرق ليس بعد عشر سنوات بل بعد خمس سنوات فقط. ما علينا سوى استبعاد الفساد وسترى إلى أين ستصل (الجزائِر) حينذاك، ستلمس حريّة الجزائِريين وحقيقتهم. ذكرت الدكتور سابقاً، وأعتذر لتطرّقي إلى هذه الفِكرة من جديد، ذكرت أنّ جزائِرياً كان يحمل قنبلة ما وذكرت "رياض محرِز" أيضاً، لكنني لن أنظُر إلى أفعال أيّ شخص جزائِري، لربما وُلِد في مكان آخر غير (الجزائِر) كـ "زيدان" مثلاً الذي كان يُعتَبَر أعظم لاعِب في (فرنسا)، لكن حين ضرب اللاعب الإيطالي قيل أنّه جزائِري، لا يُمكننا التفكير على هذا النحو فلو كانت الحال كذلك

جورج غالاواي: قال الرئيس "شيراك" إنّ "زيدان" أعظم فرنسي على قيد الحياة. صرّحَ "شيراك" بذلك في قصر (الإليزيه) لدى عودته

وليد محارة: في العودة إلى "رياض محرز" هو لاعب جيّد جداً ونحن فخورون به لكنه وُلِدَ في (فرنسا) ويلعب هناك وأمضى كلّ حياته هناك

د. هالا دياب: لكنّه يُعرِّف عن نفسه بأنه جزائِري

وليد محارة: بالطبع يفعل لأنه كذلك، وأنا جزائِري أيضاً     

د. هالا دياب: رفع علماً جزائِرياً في ملعب "(كينغ باور) خلال البطولة وعليك أن تحترم مَن يحترم بلدك  

وليد محارة: لا تُسيئي فهمي فلا أقصد ذلك، لكنكِ ذكرتِ فكرة وأنا أعود إليها، بل أقصد أنّه لا يُمكنكِ أن تقولي أنّ هذا الجزائِري فعَلَ أمراً جيداً سواء وُلِد هنا أم في (الإكوادور) فلا يُمكن عزو إنجازه على أنه جزائِري، كذلك الإرهاب فإنه مُجرّد إرهاب. إذا تحدّثنا عن (فرنسا)، (فرنسا) كانت وما تزال تُدمِّر بلدنا وما تزال تسلب ثروات شعبنا. يموت شعبنا غرقاً في البحر بسبب (فرنسا) ولهم يد في ما يحدُث

د. هالا دياب: في هجوم "تشارلي إبدو" كان المنفّذون جزائِريين

جورج غالاواي: الفكرتان صحيحتان، إسمحي لي دكتورة، دكتورة

د. هالا دياب: كانا يحصلان على إعانة مالية من الحكومة الفرنسية وبعدها نفّذا انفجاراً قتلا فيه نساء وأطفالاً باسم الإسلام

وليد محارة: أنتِ مُخطِئة تماماً ولا تُدركين حجم خطأكِ

جورج غالاواي: "وليد" الفكرتان صحيحتان. لقد أنتجت (الجزائِر) أموراً عظيمة وفي الوقت نفسه، كغيرها من البلدان، صدَّرت أشخاصاً سيّئين

وليد محارة: نعم، أوافقك الرأي

جورج غالاواي: مثل بلدنا و(فرنسا) وكلّ البلدان الأُخرى

وليد محارة: لكن لا يُمكنك القول أنّ هؤلاء مسلمون جزائِريون، لا يُمكن إسناد هؤلاء إلى ديانة ما وإلّا لكنّا نتهِّم الفرنسيين، هذه ليست مسألة دين فلا أحد يذكُر الدين سوى المتخلّفين والجاهلين. وصلنا اليوم إلى عام 2019 ويُفكِّر الناس في مسائِل أهم

جورج غالاواي: لا، خاضت مجموعة إسلامية متعصّبة تُسمّى "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" حرباً أهلية في بلدكم دامت عقداً من الزمن وارتكبت المجازر في حقّ عشرات الآلاف في أكثر الطُرق وحشية. سنستمع إلى الكلمة الأخيرة من الدكتور "عبد الله". ما رأيك؟ نرى انقساماً واضحاً في هذه المسألة فالشبّان مستاؤون جداً وقد نسوا ماضيهم وهو ليس تاريخاً قديماً للمناسبة، فقد احتلّ "البيتلز" حينذاك المركز الأوّل في التسجيلات الأكثر شيوعاً كما يُعبِّر الأشخاص في سنّي عن شعبيتهم، عندما كانت (فرنسا) ما زالت آخِذة في قتل الناس في نضال الحريّة لكن اليوم بات يُمكننا القول أنّ المقاتلين القُدامى دكتاتوريون مُقعدون، بالتالي تلمس الغضب في صفوف الشبان

عبد الله حمودة – مُختصّ في شؤون الجزائِر وشمال أفريقيا: بالفعل. عند نقطة استنتاج هذه الحلقة أشعُر بأنّ النقاش قد أغناني كثيراً

جورج غالاواي: كان نقاشاً جيداً

عبد الله حمودة: وسأُعطي مُشاهدي هذه الحلقة ثلاثة أفكار ليتناقشوا حولها مُستقبلاً. الفكرة ألأُولى، يعتقد الشبان أننا نعيش في عصر ما بعد الإيديولوجيا وأعتقد أنّ من الخطأ أن نبقى هكذا، فلنسمّها إيديولوجيا فعالية الإدارة والتحلّي بإدارة عملية لأنه من دون إيديولوجيا أو إطار فكري يقع المرء في شرك الشعبوية التي قد تكون مُدمِّرة وغير بنّاءة. الفكرة الثانية هي التالية: في المُستقبل لا بدّ من مُحاولة تفعيل السياسة على المُستوى المحلّي، فإذا جرى تفعيل السياسة على المُستوى المحلّي سيمتدّ ذلك إلى التأثير في المُستوى الحكومي ما سيُنتِج سياسة مُفعمة بالحيوية. ويصل بي ما سبق إلى الفكرة الثالثة وهي ضرورة تمكين الشبان بمنحهم أمل والحؤول دون أن يمتلكهم اليأس وأن يرغبوا في ترك بلدهم

جورج غالاواي: كان من المؤلِم أن نسمع بهجرة جماعية من بلدٍ غنيّ بالنفط والغاز، بلد يتمتّع بناتجٍ محلّي إجمالي ضخم ومساحته أكبر من مساحة أية دولة أُخرى في أفريقيا كلّها حيث يُمكن لشعبه القيام بمهامٍ كثيرة، لكن الكثير من الناس يرحلون حالما يستطيعون كما أشار "وليد" وهذه فكرة مؤلمة جداً

عبد الله حمودة: طبعاً

جورج غالاواي: بالتالي، في استنتاج هذه الحلقة سأسأل: هلّ ينبغي للرئيس "بوتفليقة" أن يترشّح مرة أُخرى؟ وإذا لم يفعل، هلّ في الأُفق شخص من الخطّ نفسه؟ أم هلّ هذا زوال هذا الجيل وأيديولوجيته؟

عبد الله حمودة: أعتقد أنّ الخطوة الصحيحة أمام الرئيس "بوتفليقة" هي أن ينهي مسيرته وألّا يترشّح لولاية خامسة. هو في عامه الـ 81 وصحته ليست جيّدة ولا أعتقد أنه يستطيع ممارسة سلطات منصبه جيداً، وأعتقد أنّه حان الوقت ليُنهي مسيرته. يُمكن أن يترشّح بعض الأشخاص مثل "أويحيى" وهناك شخص آخر إسمه "خليل شكيب" وكثُر غيرهما، لكنّهم يُحبّذون ألّا يترشّحوا ضدّ "بوتفليقة"، وإذا خرَج "بوتفليقة" من الصورة بلباقة سيُبادر هذان الشخصان وأشخاص غيرهما على الأرجح للترشُّح وقد نشهد انتخابات ديمقراطية حقيقية

جورج غالاواي: إن شاء الله. وصلنا إلى نهاية النقاش وكان أكثر حماسةً مما توقّعت وأنا ممتنّ لكم جميعاً لذلك. أتمنّى كلّ الخير لشعب (الجزائِر)، فـ (الجزائِر) وأبناؤها في قلبي وأحرُف "جبهة التحرير" محفورة في قلبي. كنت معكم أنا "جورج غالاواي" وهذه كانت "كلمة حرة" على قناة "الميادين". أشكر مشاهدتكم