أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

واقع دراسات الفقه المقارن

يعتبر الفقه المقارن أهم منتوج فكري وعقلي لعلماء الإسلام في حركة تاريخ الإجتهاد والإستنباط , فقد كانوا يفرشون كل الأراء والأحكام و الإجتهادات ويقاربون بينها بدون عصبية أو إقصاء أو إستئصال و تكفير ...وكانوا يعتبرون هذا التنوع الفقهي غنى للمدرسة الإسلامية ذات الأدوات المتعددة في صناعة الحكم الشرعي .. يعتبر الفقه المقارن أهم منتوج فكري وعقلي لعلماء الإسلام في حركة تاريخ الإجتهاد و الإستنباط , فقد كانوا يفرشون كل الأراء و الأحكام و الإجتهادات و يقاربون بينها بدون عصبية أو إقصاء أو إستئصال وتكفير ...وكانوا يعتبرون هذا التنوع الفقهي غنى للمدرسة الإسلامية ذات الأدوات المتعددة في صناعة الحكم الشرعي ....وفي العصر المعاصر الفقه على المذاهب الخمسة للشيخ العلامة محمد جواد مغنية , والفقه على المذاهب الأربعة للجزيري , وغيرها وغيرها ...كان ذلك قبل أن يتحجر العقل الإسلامي ويتحنط في قوالب جامدة , قبل أن يغادر التعددية إلى الأحادية ,والشوفينية والدوغمائية ....

 

 

الكتاب: المجموع شرح المهذّب للمؤلف يحيى بن شرف النووي محيي الدين أبو زكريا

يعتبر كتاب المجموع للامام النووي من أهم كتب الفقه ليس لدى الشافعية فقط، بل لدى كل المذاهب الأخرى لأنه تعرَّض لأقوال أهل العلم من مختلف المذاهب مع العَرض بالدليل والترجيح، وقد شرح فيه النووي رحمه الله كتاب المهذب للشيرازي. ولِد النووي في قرية نوى في حوران بسوريا من أبوين صالحين، ولما بلغ العاشرة من عمره بدأ يحفظ القرآن ويقرأ الفقه على بعض أهل العلم هناك، وصادف أن مر بتلك القرية ياسين بن يوسف المراكشي، فرأى الصبيان يكرهونه على اللعب وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم ويقرأ القرآن، فذهب الشيخ إلى والد النووي ونصحه أن يفرغه لطلب العلم، فاستجاب له.  

 

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثواكم.

يعتبر الفكر المقارن أهم منتوج فكري وعقلي لعلماء الإسلام في حركة الاجتهاد والاستنباط، فقد  كان العلماء يفرشون كل الآراء والأحكام والاجتهادات، ويقاربون بينها من دون عصبية أو إقصاء أو استئصال وتكفير. وكانوا يعتبرون هذا التنوّع الفقهي غنىً للمدرسة الإسلامية ذات الأدوات المتعددة في صناعة الحكم الشرعي. وازدهر فكر الخلاف في عصر تطوّر المذاهب، واتسع منهجه إلى مناهج جديدة. لكن انحصرت الموازنات الفقهية في قضايا جزئية كما فعل الإمام أبو يوسف بالرد على سير الأوزاعي، والإمام الشافعي في الرد على محمّد بن حسن الشيباني، والإمام محمّد بن حسن في مناقشة أهل المدينة في كتابه الحجة، وغيره من فقهاء الأمصار.

وقد أدى ظهور مدرستي الأحاديث والرأي إلى كثرة الاختلاف بينهما في مسائل عديدة ومتنوعة، وتتطوّر علم الفقه المقارن من مقارنة بين مدرستين فقهيتين إلى فكر مقارن بين المذاهب الثمانية. وهنا نشيد بالجهد الجبار الذي اضطلعت به الموسوعة الكويتية الفقهية والتي قدّمت الفقه والأحكام على المذاهب الثمانية الجعفري، فالزيدي، فالظاهري، فالإباضي، فالحنفي، فالشافعي، فالمالكي، فالحنبلي.

لم تقتصر المقارنات بين مذهبين أو ثلاثة أو أربعة مذاهب، تعدّدت إلى المذاهب المتعدّدة، كما أن هذه الدراسات رقت إلى كتب التفاسير التي تدخل فيها الفكر المقارن، كالجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وأحكام القرآن للجصاص، وإبن العربي.

وأيضاً طالت الدراسات شروح الأحاديث التي تبحث عن الأحكام الفقهية كنيل الأوطار للشوكاني وغيرها. وكان علماء الإسلام يؤلفون في الفقه المقارن من دون عقدة مذهبية مقيتة، ومن دون الحكم على الآخر بالكفر أو مجافاة السنّة النبوية، ومن هذه الكتب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي، والإشراف على نكت مسائل الخلاف للشيخ القاضي عبد الوهاب المالكي، وطريقة الخلاف في الفقه بين الأئمة الأسلاف للسمندي، والحاوي الكبير للماوردي، والمحلّل للشيخ أبي محمّد علي إبن أحمد إبن حزم، والخلاف الكبير للشيخ الخطاب محفوظ إبن أحمد إبن الحسين الكلذاني وعنوانه الانتصار في المسائل الكبار، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للشيخ علاء الدين أبي بكر إبن مسعود الكاساني الحنفي، والمغني للشيخ موفق الدين أبي عبد الله محمّد بن أحمد إبن قدامة الحنبلي وهو شرح لمختصر الخرق وهو موسوعة في المذهب الحنبلي والفقه المقارن، والمجموع لأبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي وهو شرح لكتاب المهذب للشيرازي، ومذهب الإمام داوود الظاهري للشيخ العلامة محمّد الشطي الحنبلي الدمشقي، واختلاف العلماء للطحاوي، وفي العصر المعاصر الفقه على المذاهب الخمسة للشيخ العلامة محمّد جواد مغنية وفيه تفصيل لمذهب أهل البيت، والفقه على المذاهب الأربعة للجزيري وغيرها وغيرها وغيرها.    

نعم، كان ذلك قبل أن يتحجّر العقل الإسلامي، ويتحنّط في قوالب جامدة قبل أن يغادر هذا العقل التعدّدية إلى الأحادية والشوفينية والدوغمائية.

"واقع دراسات الفقه المقارن" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة العلامة الشيخ الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر الشريف، ومن تونس الحبيبة الشيخ العلامة صلاح الدين المستاوي الأستاذ المحاضر في المعهد العالي لأصول الدين في الجامعة الزيتونية العريقة.

مشاهدينا، مرحباً بكم جميعاً.

 

"الفقه على المذاهب الخمسة" – محمّد جواد مغنية

يتناول فقه العبادات والأحوال الشخصية على المذاهب الخمسة، الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والجعفري بعبارة واضحة وسلسة ومفهومة، وابتعد الكتاب عن الصياغات الفقهية الجافة التي كتبت بلغة المتقدّمين الفقهية، واعتمد الاختصار غير المخل، والأسلوب الميسر الذي يقربها إلى ذهن القارئ غير المتخصّص. ويعدّ تدعيماً للجهود الحثيثة التي تبذلها المجامع الفقهية، والندوات والمؤتمرات الدينية ابتغاء التقريب بين المذاهب الفقهية للمصلحة العامة التي أولاها التشريع الإسلامي أكبر اهتمام، من خلال الإبقاء على باب الاجتهاد مفتوحاً دائماً، والتيسير على الناس، وتلبية حاجات المسلمين التي أفرزتها المستجدات العصرية، والفراغات التي طرأت في الواقع الإسلامي المعاصر.

وقد ورد في مقدّمة الكتاب: جاء في الحديث الشريف أن جبريل هبط على آدم، وقال له إن الله سبحانه  أمرني أن أخيّرك واحداً من ثلاثة: العقل، والدين، والحياء، فقال آدم لقد اخترت العقل، فقال الحياء والدين إذاً نحن معك يا آدم، فقد أمرنا الله أن نكون مع العقل حيث كان.

 

يحيى أبو زكريا: شيخنا الدكتور أحمد كريمة، حيّاك الله وبيّاك، وجعل الجنة مثواك.

الفقه المقارن مادة حيوية تبرز ليونة العقل الإسلامي في التعاطي مع الآخر، وقبوله. كيف نشأ هذا الفكر؟ وكيف تطوّر من فضلك؟ وأنت أحد الضالعين فيه، وأحد مدرّسيه أيضاً.

 

أحمد كريمة: السلام عليكم جميعاً ورحمة الله تعالى وبركاته، والتحيات لهيئة البرنامج المباركة والموقّرة، وعلى رأسها العلامة الإعلامي الواعد الدكتور يحيى أبو زكريا.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله

 

أحمد كريمة: وأيضاً لفضيلة البروفيسور الدكتور صلاح من تونس الخضراء الحبيبة، ومشاهدينا ومتابعينا.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله القائل في كتابه الكريم "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة يتفقهوا في الدين"، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمّد بن عبد الله القائل "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، ورضي الله وتبارك عن صدر الأمّة المسلمة من سادتنا آل بيت النبي وأصحاب النبي، ثم العلماء الراسخين، نسأل الله أن يجعلنا على هداهم بقول حق وصدق آمين.

أتشرّف أنني أعمل أستاذاً للفكر المقارن كتخصّص دقيق في جامعة الأزهر الشريف، وأثمّن طرح هذا الموضوع المهم الذي لا يقدم عليه إلا من سبَر أغواره وهو الدكتور يحيى أبو زكريا، لأننا في مساعينا للوفاق الإسلامي، وجهودنا للتقريب المذهبي بين المسلمين، ولإطفاء نار التعصّب المذهبي والطائفي المبغوضة المنسوبة إلى الدين، أعترف أننا غفلنا كثيراً عن الرجوع إلى الفقه المقارن كأهم الأسباب والوسائل لتحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة في المجامع الشرعية المعتمدة.

بالنسبة للفقه المقارن، أولاً أنت أغنيتنا بما تفضّلت به من تأريخ موجز لعلماء وأعلام ومصنّفات، وبقي لي أن أطرح على مشاهدينا الكرام أن الفقه المقارن يعنى بإيراد المذاهب الفقهية المعتمدة، مذاهب السنّة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والظاهرية، ومذهب أخوتنا الشيعة وعلى رأسهم الشيعة الإمامية أو الجعفرية، ثم الشيعة الزيدية، والشيعة الإسماعيلية، والمذهب الإباضي وله تواجد في سلطنة عُمان وبعض المناطق في الجزائر الحبيبة وأيضاً في تونس الخضراء وأيضاً في بعض المناطق في ليبيا.

هذا المنهج يعرض هذه المذاهب، ومن وافقوهم أو خالفوهم من أئمة العلم كالإمام الثوري، والإمام الأوزاعي والطبري إلى آخره. من ملامح هذه المنهجية الفريدة التي تدل على رحابة العقل المسلم في الماضي، قبل أن نتحوّل إلى طائفيات مُتباغضة مُتناحرة، نسأل الله العفو والعافية.

يذكر في المسألة الخلافية، الحمد لله رب العالمين أن الفقه بمجمله، الفقه العام، أو فقه المذاهب، أو الفقه المقارن لا توجد ثمة اختلافات في أصول أو كليات الدين. لكن الخلافات في الفروع والجزئيات، وربما الإمام إبن رشد في بداية المجتهد كان يعتني كثيراً بإيراد سبب الخلاف. وهنا تعرض الآراء الفكرية، وسبب الخلاف إن وجد، ثم سوق الأدلّة النصية والعقلية، ثم المناقشة المحايدة لدلالات هذه الأدلة، ثم اختيار الرأي الراجح أو المختار.

وكانت المنهجية النفيسة  الفريدة، أن الاختيار والترجيح ليس لقول فلان أو فلان أو علان، وليس وفقاً لمذهب سنّي أو شيعي أو إباضي، إنما كان لقوّة الدليل، أو لتحقيقه مصلحة، أو لدفعه مَفسدة. ومن ثم كان هذا الفكر المقارن وسيظل من أقوى وسائل معالجات العصبية المذهبية، وهو داعية إلى ثقافة ما قاله الإمام الشافعي رضي الله عنه: "قول الصواب يحتمل الخطأ، وقول الخطأ يحتمل الصواب".

وأنبّه وأنوّه على أن الفقهاء السنّة انتفعوا من فقه آل بيت النبي عليهم جميعاً رضوان الله، فالإمامان أبو حنيفة ومالك رضي الله عنهما انتفعا من سيّدنا الإمام الحجّة جعفر الصادق رضي الله عنه وأرضاه، والفقه السنّي يقف مع الفقه الشيعي، بل والإباضي في المرجعية إلى سيّدنا الإمام محمّد الباقر عليه رضوان الله، وأعطي مثالاً عملياً معاصراً، تقنين الأحوال الشخصية في جمهورية مصر العربية أخذ في الطلاق برأي الشيعة الإمامية بوجوب الإشهاد على الطلاق، وهذا موجود في القانون المصري إلى الآن، فيا ليتنا نعود إلى الفقه المقارن، والعود أحمد، والعود أرشد.

 

يحي أبو زكريا: وسنعود إن شاء الله، ونؤسّس لعقل متنوّع يستقبل الجميع بحول الله تعالى، وبجهودكم إن شاء الله.

شيخنا الدكتور صلاح الدين، كيف تطوّر الفقه المقارن في الحواضر الإسلامية؟ أي في الزيتونة والقرويين والأزهر الشريف وفي غيرها من الحواضر التي تكوّن العلماء.

 

صلاح الدين المستاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً.

شكراً جزيلاً دكتور يحيى، وأهلاً وسهلاً بضيفك الدكتور أحمد من مصر، وهذه مناسبة في الحقيقة جيدة ومفيدة جداً لنكرّس ما يدعونا إليه ديننا، وما يرشدنا إليه حبيبنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم من اجتماع كلمة المسلمين ووحدة صفهم في مختلف المجالات والميادين.

وهناك حركة التقريب بين المذاهب التي بدأت منذ منتصف القرن الماضي، وكان لها رموز يذكرون فيشكرون ويترحّم على من غادرنا إلى دار البقاء منهم عندما نظروا نظرة بعيدة ومقاصدية لهذا الدين الحنيف، وهذه الأمّة الواحدة التي ما يجمع بينها هو أكثر بكثير مما تختلف فيه من بسائط الأمور والأشياء، فبادروا في ذلك الزمن المبكر بجعل المذاهب لا تقتصر على المذاهب الأربعة المتعارفة لدى أهل السنّة، بل انفتحوا المذاهب البقية الأربعة الجعفرية والإمامية والإباضية والزيدية في مناهج التدريس والتعليم، أقصد هنا في الأزهر الشريف. هذه الخطوة المباركة اعترى مسيرتها مع الأسف الشديد شيء من التأخّر وعدم التواصل لتحقيق ما تصبو إليه الأمّة من جمع كلمتها، ولها في هذا الموروث الفقهي أكثر من دليل وبرهان على أن الاختلاف في واقع الأمر نظري جدلي، أما عندما ننزل إلى واقع الحياة والممارسة، فإن هذا الفقه لا يكاد يختلف، ولا تكاد تعرف له هوية مذهبية معينة، طالما أن مراجعه واحدة، وطالما وأن مقاصد غايته نبيلة، هي هذه الغايات التي يحملها كل مسلم في جنباته ويتوق إلى أن تجتمع كلمة الأمّة.

وبداية اجتماعها هو استفادة من رصيدها الثري الغني، وإذا كنت دكتور يحيى أبو زكريا قد نوّهت بموسوعة الفقه الإسلامي الصادرة في الكويت، والتي اشتملت على هذا الثراء الفقهي من دون التحديد لمدرسة معينة، وإنما بالانفتاح الشامل الواسع، فإنني أثمّن هذا التنويه، وأضيف إليه هو أن الموسوعة الفقهية التي هي أقدم ظهوراً وهي الموسوعة المصرية، موسوعة الفقه الإسلامي قد نحت هذا المنحى، وفي المنهج الذي توخّته تلاحظ وضوحاً ودقّة كبيرة حيث تنسب الأقوال إلى أصحابها من مختلف المدارس الفقهية. ولم يكتف الأمر عند هذا الحد، بل إننا نجد في مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدّة التابع لمنظمة التعاون الإسلامي كل المذاهب الفقهية ممثلة فيه بأكبر رموزها وأكبر شيوخها، والأعمال التي نظر فيها المجمع، وهي بأغلبها قضايا مُستحدثة ومستجدّة. وقد وجد الفقهاء الملاذ فيما عند بعضهم االبعض من إجابة على تساؤلات ومسائل مستجدة.

نعم سيّدي.

 

يحيى أبو زكريا: وندعو المولى عزّ وجلّ أن يكثر من هذه المصنّفات والموسوعات التي يحتاجها خط طنجة جاكرتا خروجاً من الأحادية إلى التعدّدية الحضارية.

مشاهدينا، فاصل قصير، نعود إليكم، فابقوا معنا.

لديّ فاصل وإن شاء الله نستكمل بُعيده شيخنا الفاضل والعزيز صلاح الدين.

 

"فاصل"

 

كتاب المغني – إبن قدامة المقدسي

 

تتلمذ الموفق على شيوخ دمشق حتى بلغ العشرين، ثم رحل إلى بغداد بصحبة إبنة خالته الحافظ عبد الغني المقدسي ، وكانا في سن واحدة، فأقام عند الشيخ عبد القادر الجيلاني بمدرسته، وقرأ عليه مختصر الخرقي قراءة فهم وتدقيق.

وكان قد حفظه وهو في دمشق، ثم ما لبث الشيخ عبد القادر الجيلاني أن توفّى سنة 561 هـ، فقرأ على خلق كثير من أعلام بغداد وعلمائها، ولبث ببغداد أربع سنين، ثم رجع إلى دمشق فجدّد عهده بها وبذويه فيها، ثم حجّ ورجع مع وفد العراق إلى بغداد، واشتغل على أبي الفتح المني الحنبلي وقال له شيخه إبن المني: أسكن هنا، فإن بغداد مفتقرة إليك، وأنت تخرج من بغداد ولا تخلف فيها متلك. لكنه عاد إلى دمشق، واستقر بها، واشتغل بالتأليف والتدريس، وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والمحدّثين وأهل الخير، وكلما تقدّم به الزمن ازداد علماً وفضلاً وزهداً وحياء ومكارم أخلاق، حتى صار يعدّ من كبار أئمة المسلمين في العبادة والتقوى والفقه والحديث وأصول الدين وعلوم العربية والفرائض والحساب والمواقيت.

قال فيه شيخ الإسلام إبن تيمية: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الشيخ الموفق. وقال أبو عمرو بن الصلاح: ما رأيت مثل الموفق. ولما حشد صلاح الدين جيوش الإسلام سنة 583 هـ وأخوه أبو عمر وشباب أسرته ونجباء تلاميذ هذا البيت من المجاهدين، وكان الشيخ الموفق في الثانية والأربعين من العمر.

 

  الموسوعة الكويتية الفقهية لأحكام الشريعة الإسلامية – حسين عبد الكريم الرمضان

 

جاء في مقدّمة الموسوعة

ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون. ونحمدك اللهم على عميم آلائك، ونشكرك على جزيل نعمائك، ونصلّي ونسلّم على خاتم رسلك وأنبيائك سيّدنا محمّد الذي أتمّ الله به النعمة، وكشف به الغمّة، وأقام به الحجّة، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه وسار على سنّته إلى يوم الدين.

أما بعد، فإن علم الفقه الإسلامي له أهميته التي لا ينكرها منكر، فهو الذي يبيّن لنا أحكام أعمالنا من عبادات ومعاملات، ولا يستغني عنه مسلم حريص على دينه، وها نحن أولاء نشاهد بوادر الصحوة الإسلامية في أنحاء متفرقة من العالم، فهناك أصوات تنادي بوجوب العودة إلى الله وتحكيم شريعته. ومن هنا رأت دولة الكويت ممثلة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن يكون لها قدم صدق في الإسهام بدعم الثقافة الإسلامية من نواح شتى، فأرسلت الدعاة إلى أنحاء العالم، وبذلت جهداً في طبع الكتب الإسلامية ونشرها، كما رأت أن مشروع الموسوعة الفقهية هو الجدير بالعناية، لأنه يوفّر على الراغبين في معرفة أحكام دينهم الوقت والجهد، ويجمع شتات الذخائر الإسلامية بهذا العلم الذي لا يستغني عنه مسلم، ولم تبخل دولة الكويت لنجاح هذا المشروع بجهد أو مال إيماناً منها بأن هذا عمل تفرضه الشريعة الإسلامية وتحتّمه ظروف هذه الصحوة الإيمانية.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا، أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع واقع دراسات الفقه المقارن، وقد أشرت إلى مجموعة من الكتب على سبيل المثال كتاب الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري، والمجموع شرح المهذب للشيررازي لأبي زكريا يحيى النووي، وكتاب المغني لأبي قدامة، والموسوعة الفقهية الكويتية لأحكام الشريعة الإسلامية وفق المذاهب الثمانية الجعفري الزيدي الإباضي الحنفي الشافعي المالكي والحنبلي، والفقه على المذاهب الخمسة للعلامة المرحوم الشيخ محمّد جواد مغنية.

شيخ صلاح قبل أن أنتقل إلى مصر، كان في فيك كلام فقاطعناك بسبب الفاصل، هلا أكملت فكرتك قبيل الانتقال إلى القاهرة؟

 

صلاح الدين المستاوي: شكراً سيّدي، قلت أن أعمال المجمع وأغلبها المجمع الإسلامي في جدة، وممثلة في كل البلاد الإسلامية أعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي، وأذكر أنها منفتحة على كل العلماء. هذه الأعمال الآن مجمعة في مجلدات ضخمة وعديدة جداً، وبحثت المسائل المستجدة، وفي هذه المسائل لا بد من الاجتهاد. ووجد الفقهاء من مختلف المذاهب في هذا الموروث الفقهي على مختلف مذاهبه الملاذ لما يعانيه المسلم من مشكلات، وما يستجد عليه من أمور ومستحدثات. هذه الأعمال أضيفت إليها موسوعة رائعة جداً، وبهذا أنهي، وهي موسوعة القواعد الفقهية الصادرة منذ سنوات قليلة  من مؤسسة زايد الخيرية وهي أحد أعمال مذهب الفقه الإسلامي الدولي، ولا ننسى في هذا المقام ما بذله مجمع التقريب الإسلامي – التقريب بين المذاهب الإسلامية في طهران عندما كان يرأسه ويتولّى أمانته العامة الشيخ محمّد علي التسخيري، فقد أصدر العديد من الأعمال، ناهيك أنه انفتح على كثير من الأعمال.

ومما ذكرته في مقدّمتك أخ يحيى أبو زكريا كتاب بداية المجتهد، وأقول أن بداية المجتهد هو في واقع الأمر من بلاد المغرب الإسلامي التي بالخصوص في الزيتونة إلى عهد قريب جداً كانت على الأقل مدرستان فقهيتان بارزتان تدرّس الطلبة على المستوى العالمي، وهي المدرسة الفقهية المالكية، والمدرسة الفقهية الحنفية باعتبار وجود أحناف في الغرب التونسي.

وأقول ما هي إلا خطوات تفتح لا داعي إطلاقاً إلى الانغلاق فيها على مذهبين أو أربعة بل إلى ثمانية وأكثر، فمفخرة الثقافة الإسلامية هو هذا الزاد الفقهي العميق جداً، صحيح فيه صفحات هي من عهود التخلّف والتمزّق والتعصّب، لكن فيه أيضاً صفحات مشرقة واجتهادات رائعة ينبغي أن نبني عليها وننطق منها في جعل المسلمين يستفيدون من هذا الموروث.

 

يحيى أبو زكريا: شيخنا العزيز، شيخ صلاح الدين، وهنا نتضرّع لله عزّ وجلّ أن يكثر من هذه المصنّفات والموسوعات، سواء من الإمارات العربية، أو الكويت، أو إيران، أو من مصر.

كل من يدعو إلى وحدة المسلمين نقبل جبينه، وندعو الله تعالى أن نلقاه موحّدين بين المسلمين غير مفرّقين وغير مكفّرين .

الدكتور أحمد كريمة الضليع في هذا الفقه أودّ أن أسألك كما هو واقع دراسات الفقه المقارن في الجامعات الإسلامية، وأنت ما شاء الله درست في أكثر من كلية إسلامية.

هل لهذا الفقه وجود؟ هل ما زال منتعشاً في دهاليز الكليات والمعاهد الإسلامية؟

 

أحمد كريمة: بسم الله الرحمن الرحيم، أحسنت وأصبت، وجزاك الله خير الجزاء، ولأخي زميلي العزيز فضيلة العلامة الدكتور صلاح من تونس الحبيبة.

بالنسبة للفقه المقارن، أولاً هو قسم مستقل وقائم بذاته في كلية الشريعة في الأزهر الشريف، والكليات المناصرة كأقسام الشريعة في الدراسات الإسلامية. والحقيقة من باب ذكر الفضل لأهله، العلامة الشيخ محمود شلتوت رحمه الله شيخ الأزهر الراحل السابق لما أصدر أمره الكريم بإدخال الفقه المقارن في جامعة الأزهر كمقرّر ومستقل وقائم بذاته، ومن هذا التاريخ من ستينات القرن الماضي إلى الآن بفضل الله تعالى، فعندنا في الدراسة الفقهية المقارنة لا تجاز أطروحة أو رسالة أو بحث في الفقه المقارن إلا إذا ذكر الباحث المذاهب الأخرى، لا يقتصر على المذهب السنّي، ولكن يذكر مذهب إخوتنا الشيعة، وأيضاً إخوتنا الإباضية.

وكانت لي تجربة في هذا الأمر عندما أرسلت عام 1997 من القرن الماضي إلى العام 2003 إلى سلطنة عُمان حيث المذهب الإباضي، وعهد إليّ بتدريس الفقه الإسلامي لطلاب كلية التربية، فالحمد لله رب العالمين، القاعة أمامي كانت فيها أخلاط من سنّة شافعية، وشيعة إمامية،  وإخوة إباضية، فانتهجت نهجاً طيلة ست سنوات لما عرف الطلاب أن الفقه المقارن يعنى بإيراد الآراء من دون حجر على فكر، ومن دون تخطئة لفكر، ومن دون استعلاء على رأي، بل إننا ندور حول تحقيق المصلحة ودفع المفسدة، وبطبيعة الحال وقوّة الدليل.

كان الأثر وبحمد الله عزّ وجلّ جيداً، وسماحة الشيخ أحمد الخليلي مفتي سلطنة عُمان الحبيبة التي قضيت فيها ست سنوات بلغه من الطلاب الإباضية هذا المنهج، فأرسل لي رسالة لا زلت أحتفظ بها، أثنى على هذا المنهج في إزالة الخصام الفكري ما بين الشباب على وجه الخصوص، وهذا الذي دفعني حينما أنهيت الإعارة لسلطنة عُمان وعدت إلى مصر أنني أسّست مؤسّسة التآلف بين الناس، وأنني أحاول أن أحيي مشروع الشيخ محمود شلتوت، والشيخ البورجردي في التقريب الإسلامي. وأبشّركم بأننا طوّرناه إلى الوفاق الإسلامي لإزالة المعارك المفتعلة، أو للتصدّي للمؤامرات التي تهدف إلى تمزيق المسلمين وإشعال نيران المذهبية.

وأنا أضمّ صوتي إلى العلامة الإعلامي يحيى أبو زكريا أن الفقه المقارن من أقوى أسباب العيش في مشتركات علمية، وعدم الانكفاء على المذهبية، وعدم استعلاء طائفة أنها تملك الحق من دون غيرها، وهذا من أسباب الخصام الفكري أو العلمي للأسف.

لا، النبي محمّد صلّى الله عليه وآله وأصحابه قال: "الحكمة ضالة المؤمن، هو أحق بها أنى وجدها"، وقد ذكرت أن كثيراً من أئمة الفقه السنّي تتلمذوا على أئمة آل البيت كسيّدنا محمّد الباقر، وسيّدنا جعفر الصادق رضي الله عنهما وغيرهما، وأيضاً حتى في عصر الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم جميعاً كانت المرجعية معروفة وهي عند الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حتى أن سيّدنا عمر رضوان الله عليه قال: "لا يفتي أحد وعلي في المسجد" وقيل وعلي في المدينة، فأوكل إليه القضاء، وأوكل إليه الفتيا، وكان سيّدنا عمر إذا رأى الإمام علياً ورأى الأئمة الحسن والحسين عليهما رضوان الله كان يقول بصراحة ووضوح "والله ما نبت في رؤوسنا من علم إلا منكم آل بيت رسول الله" وذلك قبل أن يقعوا في فخاخ شراك السياسة البغيض، والذي لا زلنا نتجرّع آثاره، ويحاول أعداء الإسلام والمسلمين أن يبعثوه مرة أخرى إحياء لصفّين والجمل والنهروان ولكربلاء. لكن نسأل الله تعالى أن يصدّ عن المسلمين ما يخطّط لهم من فتن مذهبية.

الفقه المقارن، وأبشّر أخي العلامة الدكتور يحيى أبو زكريا وأيضاً زميلنا الفاضل العالم الجليل الدكتور صلاح من تونس، أنا عملت مشروعاً إسمه إراحة الأنام في راجح وأدلّة الأحكام، وفي الحقيقة هو فقه مقارن، لكنه تناول فتن المتسلفة الوهّابية لشق الصفوف الإسلامية بما يروّجونه في المساجد في مصر، يعني أحكام السبحة وزيارة المراقد للصالحين، والاحتفال بالمولد النبوي وموالد الصالحين، وما يفعلونه من ازدراء للآخرين مثل الصوفية والشيعة والإباضية والأشاعرة الأزهرية، فالحمد لله عملت فريقاً بحثياً من تسعة أفراد من جماعة الأزهر الشريف، وأخرجنا سفراً بحدود 750 ورقة، وأسميناه إراحة الأنام في راجح وأدلّة الأحكام، وأيضاً ضمّناه الردود على الترهات السلفية في تكفيرهم لوالدي النبي صلّى الله عليه وسلّم فأثبتنا بالأدلّة الشرعية المعتمدة نجاة والدي النبي عليهم السلام سيّدنا عبد الله بن عبد المطلب وسيّدتنا آمنة بنت وهب، وأيضاً حقّقنا إسلام سيّدنا أبي طالب إبن عبد المطلب عليهم جميعاً رضوان الله.

وكان لك يا دكتور يحيى لا أنساه، أن هذه السلسلة توقفت، لأننا نجمع الشبهات المعاصرة  لنرد بها على السلفية من جهة، أما الذي تطوّر في مشروعي، فعندنا الآن مشروع المحجّة البيضاء، وقد جمعنا شبهات الإرهاب والإرعاب ونريد أن نرد عليها رداً فقهياً. وأغتنم مناسبة هذا البرنامج الحيوي والواقعي الموضوعي الذي يزخر بقضايا علمية، ونناشدكم عبر قناة الميادين، نريد برنامجاً فيه مثل العلامة يحيى أبو زكريا لنقضي على شبهات الإرهاب والإرعاب من الدواعش والقاعدة وطالبان وبوكو جرام والشباب الصومالي إلى آخره، حتى ندفع عن الأمّة العنف الفكري التكفيري الذي يؤدّي إلى العنف السلوكي من إراقة الدماء وانتهاك  الأعراض وإتلاف الأموال.

والحقيقة بخبرتي العلمية المتواضعة الفقه المقارن هو الفارس الأول لنقضي على شبهات الإرهاب والإرعاب، ونفرّق على سبيل المثال بين الإرهاب المشروع للزوّد عن المقدّسات في فلسطين المحتلة، ونصرة المستضعفين المرابطين على أكناف بيت المقدس الحقيقيين والمستضعفين من مسلمي الروهنغا في شبه القارة الهندية.     

 

يحيى أبو زكريا: فضيلة الشيخ ما تقومون به يأتيني تباعاً، وجزاك الله خير الجزاء على موافاتي بكل جهودكم، وإن شاء الله سأبذل وسعي في تقديم ما يلزم إن شاء الله تعالى، ونحن ندعمكم بكل التفاصيل إن شاء الله.

شيخنا الدكتور صلاح الدين المستاوي، بين فقه الحضارة وفقه الخسارة، بين فقه التعدّدية وفقه الأحادية، بين فقه الانفتاح وفقه الانبطاح، بين فقه الحب وفقه الحرب كان هنالك صراع كبير بين معاهدنا الإسلامية في كلياتنا الإسلامية. وللأسف في فترة من الفترات انتصر دعاة التكفيرإلى حد ما على دعاة التفكير.

كيف ترى الحلبة اليوم؟  لمَن تميل الكفّة؟ هل تميل للفقه المقارن؟ أم الفقه الأحادي، الصحراوي، البدوي، الجاف القاسي الغليظ؟

 

صلاح الدين المستاوي: أنا دائماً أتفاءل بالنسبة للمستقبل وأقول إن حبل الباطل قصير، وأن ما كان لله دام واتصل، وأن المخلصين مهما قّل عددهم فهم في النهاية هم الغالبون، وهم المنتصرون لأن الله يزهق الباطل ويحق الحق. فما علينا إلا أن نواصل مسيرتنا العلمية الدينية الخالصة لوجه الله في تنقية ما يقدّم للنشء وأنا أخشى ما أخشاه ليس على أنفسنا، فمستقبلنا أصبح وراء ظهورنا، وإنما على أجيالنا الصاعدة سواء كانت تلك المقيمة في ديار الإسلام، أو خارج ديار الإسلام وما أكثرها بالملايين.

واليوم ليس فقط الجامعات اكتسحت واستهدفت من طرف هذا الفكر الأحادي الضلالي التكفيري، وإنما أقول أن هناك مواقع كثيرة إلكترونية في هذه الفضاءات الافتراضية، واليوم تعدّ بالآلاف وتشحن فيها الأغاليط والأكاذيب والترّهات والتعصّب والتكفير والتضليل الذي يذهب بفلذات أكبادنا بالآلاف منهم، ويصبحون ضحية يشتغلون أجندات لا يعرفونها ولا يعلمونها، ولكن ينفّذونها وفي أذهانهم أنهم يتقرّبون بها إلى الله، وحاشا أن يتقرب إلى الله، أو يحرز مرضاته بسفك الدماء وقتل الأنفس البشرية وتفريق وحدة الأمّة الإسلامية.

إذاً، العمل ينبغي أن يتواصل، والمخلصون ينبغي أن يتعاونوا ويتكاتفوا ويأتوا إلى بعضهم البعض، وما كان يتحدّث عنه أستاذنا الدكتور ليس لمصر وليس لمجموعة قليلة، هذا العمل الذي يقومون به، وإنما هذا للأمّة ينبغي أن يعمّم، وأن لا ننطلق كل مرة من الصفر، بل نبني من حيث انتهى إخواننا سواء أولئك الذين سبقونا، أو مَن هم معاصرون لنا. فتتكامل الجهود، ونحقق للأمّة بهذه الوسائل المتاحة اليوم أن نوصل لها حقائق الأمور، وأنها أمّة واحدة، وأن هذا الثراء الحضاري السمح الجميل المتمثل فيما أبدعته العقول الإسلامية أيام تفتحها، وعدم تعصّبها وتزمّتها، هوالذي يمكن وينبغي علينا أن نقدم وننفض الغبار عنه، ونضيف إليه مما يجمع كلمة الأمّة الإسلامية.

ويعجبني في هذا المجال، وأثني ثناءً جماً على تلك المحاولة التي بذلها مجمع التقريب بين المذاهب الفقهية الإسلامية في طهران عندما جاء إلى النصوص المشتركة سواء كان ذلك في الحديث أو في الآثار والموجودة عند مختلف المدارس، وجمعها في أسفار ليبيّن للأمّة أن مراجعها الأصلية واحدة، وأن اختلافاتها شاذّة، والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه. وأننا ينبغي علينا أن نراعي مثل هذه التحديات التي تمرّ بها الأمّة وتفتك بها وتريد أن تفتّتها، وتجعل من المسلم عدواً لدوداً لأخيه المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمّداً رسول الله.

حرام علينا أن نشغل الأمّة بقضايا خلافية نجزم بها نحن كأفراد، ونحكم بها فنوغل الصدور على بعضنا البعض.     

 

يحيى أبو زكريا: شيخ صلاح الدين، وإن هذه أمّتكم أمّة واحدة، وأنا ربّكم فاعبدون. وسيبقى قول الله وتبيد أقوال الشياطين.

الدكتور أحمد كريمة بين الفكر المقارن التعدّدي، والفقه الأرعن الأحادي، لمَن ستكون الغَلبة؟ باختصار.

 

أحمد كريمة: تعودّنا في برنامجك الواعد أن نقول الحق، ولا نخشى في الله لومة لائم.

 

يحيى أبو زكريا: يقيناً يقيناً.

 

أحمد كريمة: إذا تم تحرير الخطاب الإسلامي بصفة عامة، والخطاب الفقهي بصفة خاصة من التوجّهات والتوجيهات والتدخّلات، فعلماء الفقه المقارن على وجه الخصوص بما لديهم من خدمة نظرية وميدانية فتكون لهم الغلبة، أما الآن فأنا أرى أن توجّهات معينة وتدخّلات معينة لجعل البوصلة مذهبية وتنكفئ على مذهبية بغيضة وتئد كل محاولة للإصلاح بين المسلمين. طبعاً لا زالت المذهبية والطائفية البغيضة للأسف سيّدة الموقف. وننظر إلى بلاد عديدة، ولكن قبل أن أستطرد وأذكر أمثلة وإن كنت لا أريد أن أخوض فيها حتى لا نجرح مشاعر أحد، أنوّه فقط على تصحيح معلومة قد وردت عفو الخاطر، بالنسبة لموسوعات الفقه المقارن، الموسوعة التي ذكرت المذاهب الثمانية الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية، ومذاهب إخواننا الشيعة الإمامية والإباضية والزيدية والإسماعيلية هي موسوعة الفقه الإسلامي بوزارة الأوقاف المصرية، أما الموسوعة الفقهية الكويتية التي لها كل التقدير والاحترام، فقد ذكرت المذاهب السنّية فقط. لم تذكر لا المذاهب الشيعية ولا المذاهب الإباضية.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً، الدكتور أحمد كريمة سنعالج هذا الموضوع في حلقات مقبلة، لكن أشير إلى أن الموسوعة المصرية كانت موسوعة قشيبة منفتحة على كل الآراء، كما أن الموسوعة الفقهية الكويتية ، وقد اطّلعت عليها ضمّت مختلف المذاهب الثمانية إنصافاً.

الدكتور أحمد كريمة شكراً جزيلاً لك، الدكتور صلاح الدين المستاوي شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا،وصلت حلقتنا إلى تمامها، إلى أن نلقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

 

الفقه على المذاهب الأربعة – عبد الرحمن بن عوض الجزيري

 

كتاب الشيخ الجزيري "رحمه الله" الفقه على المذاهب الأربعة معتن بذكر المسائل ثم إيراد أصحاب المذاهب وأقوالهم، غير أنه خال من ذكر أدلة كل مذهب. وقد أبان المؤلف سبب وضعه للكتاب إذ قال: " أصل وضع الكتاب كان الغرض منه تسهيل مواضيع الفقه الإسلامي على أئمة المساجد العلماء. وقد أوضح المؤلف أنه قد بذل في كتابه جهداً كبيراً مع الاعتناء بتربيته، إذ قال – كما في مقدّمة الكتاب - : "وبالجملة فقد بذلت في هذا الكتاب مجهوداً كبيراً، وحرّرته تحريراً تاماً، وفصلت مسائله بعناوين خاصة ورتبّتها ترتيباً دقيقاً، وما على القارئ إلا أن يرجع إليه ويأخذ ما يريده منه بسهولة تامة وهو آمن من الزلل، إن شاء الله تعالى" انتهى