أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

من مكة إلى القدس.. دلالات الإسراء والمعراج

لا شكّ أنّ العالم الاسلامي من طنجة والى جاكرتا يملك كل مقومّات النهضة وأسباب الانتقال من حالة التراجع الحضاري الى حالة صناعة الحضارة بل وتوجيهها أيضا, والمقومّات بطرفي معادلتها الروحيّة والماديّة متوفرّة في كل مواقعنا, والاشكال القائم هو في كيفيّة الاستفادة من هذه المقومّات وتحويلها الى مصاديق عمليّة. ومن الإسراء تلك الرحلة الأرضية الذي تمَّ بقُدْرَة الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والوصول إليه في سرعة تتجاوز الخيال، يقول تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} إلى المعراج الرحلة السماويَّة والارتفاع والارتقاء من عالم الأرض إلى عالم السماء، حيث سدرة المنتهى، ثم الرجوع بعد ذلك إلى المسجد الحرام، يقول تعالى: {وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} بين الرحلتين كم هائل من الإشارات و الدلالات.

 

 

المحور الأول

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبياكم وجعل الجنة مثواكم.

لا شكّ أن العالم الإسلامي من طنجة وإلى جاكرتا، يملك كلّ مقوّمات النهضة وأسباب الانتقال من حال التراجع الحضاري إلى حال صناعة الحضارة بل وتوجيهها أيضاً.  والمقومات بطرفي معادلتها الروحية والمادية متوفّرة في كلّ مواقعنا، والإشكال القائم هو في كيفية الاستفادة من هذه المقوّمات وتحويلها إلى مصاديق عملية.

ولإحداث النقلة في واقعنا العربي والإسلامي، لا بدّ من بذل الجهد الكبير من قبل صنّاع القرار والعلماء والمفكّرين السياسيين والمثقفين والاقتصاديين والباحثين والمكتشفين والاجتماعيين. والكل يجب أن يساهم في الحركة العلمية والثقافية والسياسية والاجتماعية، ومن المُتبنين لفكر نهضة العالم الإسلامي، يجب أن يجتمعوا لإحداث هذه النقلة.

وعلينا أيضاً أن نتعلم من محطات الإسلام الكبرى والتي منها الرحلة الحضارية لرسول الإسلام من مكّة وإلى القدس. "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا". فما هي هذه الآيات والدلالات، والإشارات، التي اطّلع عليها حبيب القلوب وطبّ النفوس صلّى الله عليه وآله وسلّم؟

وللإشارة، فإنّ الإسراء ومن بعده العروج، جاءت بعد أحزانٍ ألمّت برسول الله روحي فداه، فأهداه الله ما يطمئن قلبه ويحصّن يقينه. فعندما فقد زوجته خديجة رضي الله عنها وعمّه أبا طالب وتكالب المشركون عليه، أخذ الله بيده وجسده وروحه، لينتقل إلى عالم الغيب والشهادة، ويطّلع عياناً على كل ما كان يبشّر به قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة. وهذه المعادلة من عبد الله نال العُلا، ومن جدٍ وجد ومن اجتهد ارتفع وارتقى.

هذا على مستوى الأفراد والأمم والدول، لكن وهنا السرّ الإلهي، لماذا ليس من مكة إلى عوالم الشهادة مباشرةً، بل من مكة إلى القدس، ثمّ إلى عوالم الشهادة واليقين؟ ما هي الكينونات الروحانية والسرمدية والإشارات العرفانية بين مكة والقدس وعوالم الشهادة؟ وما هو اليقين الذي رآه رسول الله من الإسراء وفي تلك الرحلة الأرضية التي تمت بقدرة الله تعالى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثمّ الوصول إليه بسرعة تتجاوز الخيال؟

يقول الله تعالى "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير". من هناك إلى هنالك، إلى المعراج، الرحلة السماوية والارتفاع والارتقاء من عالم الأرض إلى عالم السماء، حيث سدرة المنتهى، ثمّ الرجوع بعد ذلك إلى المسجد الحرام.

يقول الله تعالى "وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى".

بين الرحلتين كمٌ هائل من الإشارات والدلالات، من مكة إلى القدس دلالات الإسراء والمعراج، عنوان برنامج أ ل م، ومعنا للإجابة عن كل هذه المحاور وغيرها سماحة مفتي عام الجمهورية العربية السورية العلامة الدكتور أحمد بدر الدين حسون.

حيّاك الله وبيّاك وجعل الجنة مثواك.

 

أحمد بدر الدين حسون: شكراً لك وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته ورضوانه، وكل عام وأمّتنا العربية والإسلامية والإنسانية في إسراءٍ إلى الأفضل والأحسن، وفي معراجٍ إلى القيم والسموّ والأخلاق. وشكراً للميادين التي ما زالت تُحيي في الأمّة تراثاً وقِيَماً لتصنع للأجيال القادمة صراطاً مستقيماً تمشي على هداه.

ما قدّمته أخي دكتور يحيى حفظك الله من مقدّمةٍ لها عناوين كثيرة، ولكن هي الذكرى التي تمسك بنا اليوم، وذكرى الإسراء والمعراج ليست فقط معجزة، نقف عند كلمة الإعجاز، إنما هي رسالة للأجيال القادمة من الأجيال السابقة. والله تعالى حينما جعل لنا في القرآن سوَراً عجيبة، سورة البقرة، سورة آل عمران، الأنفال، وتأتي بعدها المائدة السماوية، ثم تأتي بعدها يوسف، يونس، هود، إلى آخره.

يقول الله تعالى لحبيبه صلّى الله عليه وآله وسلّم "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ". إذا كان هذا الخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في القصص، فإلى أبناء أمُتي الذين يريدون الانقطاع عن الماضي واللاحق بركب الحضارة الغربية، أقول لهم إنّ من ليس له جذور ليس له أزهار ولا ثمار ولا استمرار.

فنحن نشهد اليوم في العالم رِدّةً إلى الماضي ولكن رِدّة خاطئة، فبنو إسرائيل يرتدّون إلى هيكل سليمان وليس هيكل سليمان قصة حقيقية، والعرب يرتدّون اليوم إلى عشائرهم وجاهليتهم، والمسلمون يرتدّون اليوم إلى طوائفهم ومذاهبهم، وينسون أن الإسراء والمعراج هي قصة الوحدة الإنسانية في الشرائع السماوية، قصة وحدة الإنسان في وقوفه أمام الديّان.

فمن هنا نجد أنّ لكلّ نبي من الأنبياء رحلة، فما من نبي إلا رحل من أرضه، فسيّدنا إبراهيم رحل من أرضه التي كان النمرود يريد أن يحرقه فيها إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين.

حينما أسمع الأرض التي باركنا فيها للعالمين وليس للمسلمين ولا للمسيحيين، أرض مباركة للعالم، فأسأل كل أهل التفسير فيقولون هي بلاد الشام، وحينما سأذكر لغة بلاد الشام سيّدي الكريم فأنا لا أؤمن بسايكس بيكو ولا بخرائطهم، وهذه أقولها لكل أبناء فلسطين وسوريا ولبنان وشرقي الأردن. إن كان عندكم وعيٌ حضاريٌ إنسانيٌ قيَميّ، فعودوا ووحّدوا أنفسكم كما استطاع البرلمان الأوروبي، أن يوحّد تلك البلاد بعد حرب عالمية أولى وثانية قتلوا فيها من بعضهم أكثر من خمسين مليون قتيل.

لذلك، قصّة الإسراء والمعراج حينما أتحدّث فيها، أتحدّث عن الانتقال من الحجاز إلى الشام، من الحجاز التي لم تشهد إلا رسالة إبراهيم ومحمّد عليه الصلاة والسلام، إلى الشام التي هي مهد كلّ رسالات السماء وكل الأنبياء.

من هنا يجب أن يقف المسلمون عند قصّة الإسراء والمعراج، وغير المسلمين أن يقرأوها قراءةً متأنّية. أولاً لماذا كانت الإسراء والمعراج؟ وما سببها؟ نقف دائماً عند سبب ظاهري، وهو آلام النبي في الطائف سلام الله عليه، يوم خرج من مكة متّجهاً إلى الطائف بعد فقدان عمّه وزوجته، لعلّه يرى نصرةً في أهل الطائف، فكان الألم الذي ذاقه رسول الله لم يذقه نبي من الأنبياء، أن يُرجَم بالأحجار حتى يسقط من كثرة الدماء، وشبّه الصورة أو وضّحها الشيخ يوسف النبهاني رحمه الله، حينما أعطانا صورة مسير النبي والأحجار تضربه، قال كان يلقى الحجارة عنه زيد ألا إن روحي لنعل زيد فداء.

كثرت الدماء فسقط على الأرض ينظر إلى السماء، فجاءه جبريل، وقال له "إن الملائكة ضجت في السماء للانتقام لك، فأنزل الله لك ملك الجبال، قل له أن يفعل ما شئت"، قال "لمَ"، قال "ليُطبِق على أهل مكّة والطائف الجبال، الأخشبين"، قال "لا يا أخي يا جبريل ارجع فلعلّ الله يُخرِج من أصلابهم من يوحّد الله".

أنظر إلى نظرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم المستقبليّة، "لعلّ الله يُخرِج من أصلابهم من يوحّد الله". أما هم فماذا تفعل بهم؟ هنا أقولها للعرب الذين يرجم بعضهم بعضاً اليوم ويشتم بعضهم بعضاً بشكلٍ لم أجده في التاريخ، لأنّه لم تكن هنالك قنواتٌ كقنواتنا اليوم تسهّل الشتيمة وليس الجمع.

أما لقومه فماذا قال؟ الذين حاربوه وأخرجوه، "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون". ما شتمهم، ولا تكلّم عليهم بسوء، وهذه أوجّهها لسادتي العلماء في كلّ عالمنا الإسلاميّ، من أيّ مذهبٍ أو طائفةٍ أو عشيرةٍ، أما آن لنا أن نتعلم من الإسراء والمعراج، أنّه ما كان إلا ثمرة لأخلاق صاحب الأخلاق السامية، "وإنّك لعلى خلقٍ عظيم". ليست مذاهبكم التي ستخلّدكم وليست طوائفكم، ما يخلّدكم أخلاقكم وقِيَمكم.

لذلك عاد إلى مكّة وهو في حزنٍ شديد، أن تطرده مكّة وتمنعه من رسالته، وتطرده الطائف وترجمه بالأحجار، وهو كافأ أهل الطائف ومكّة، "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"، لعل أبناءهم يكون فيهم الخير، فكانت الإسراء والمعراج ثمرة قِيَم الأخلاق لصناعة الماضي والحفاظ عليه، ولصناعة المستقبل وكيف نبنيه.

جاء جبريل، فأخذه، وجاءت قصّة الإسراء من مكّة إلى القدس.

 

يحيى أبو زكريا: هنا حبّذا لو نتوقّف قليلاً عند دلالة المكان. لماذا القدس على وجه التحديد؟

 

أحمد بدر الدين حسون: مكّة هذا البيت الحرام الذي بناه إبراهيم عليه السلام، وقال ربّي إني أسكنتُ من ذريّتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرّم، ربّنا ليقيموا الصلاة، وفيه دُفِن إسماعيل وهاجر، ولكن تحوّل هذا البيت الحرام من بيت القبلة إلى بيتٍ صار حوله 360 صنماً، فصارت مكّة، صارت قريش تحتكر البيت، وكأنّه بيت قريش، ووضعت حوله الأصنام بشكلٍ مُخيف. هذا البيت الحرام هو في الأصل بداية الرسالات السماوية، والدليل قوله تعالى "إنّ أول بيتٍ وُضِع للناس"، وليس لله، وُضِع ليجمع الناس، فيجب أن يكون هذا البيت جامعاً لكل رسالات السماء وليس لمحمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم وإبراهيم، فمن سيكونون في هذا البيت يجب أن يحملوا كلّ رسالات السماء وليس رسالة إبراهيم ومحمّد عليه الصلاة والسلام.

فكانت الرحلة التي جاءت في سورة، وهي سورة الإسراء، والعجيب أنّ الإسراء بأجمعه مرّ في آية واحدة، "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير"، ثمّ يلتفت القرآن التفاتةً كاملة إلى بني إسرائيل بسبع آيات.

 

يحيى أبو زكريا: أشرت عفواً قبيل قليل إلى البيت الجامع، وهي دلالةٌ رهيبة حقيقةً.

 

أحمد بدر الدين حسون: الآن سأتحدّث عنها.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، وتفصّل فيها أيضاً.

 

أحمد بدر الدين حسون: لماذا تحوّل في الإسراء من مكّة والمسجد الأقصى إلى بني إسرائيل؟ سبع آيات.

حين تكلّم عن المعراج، تكلّم بـ 18 آية، لم يذكر فيها لا بني إسرائيل ولا غيره، "والنجم إذا هوى ما ضلّ صاحبُكُم وما غوى"، إلى أن يقول"، لقد رأى من آيات ربّه الكبرى"، هنا 18 آية، هنا آية واحدة وبعدها بنو إسرائيل.

الإسراء كان إلى القدس، والقدس جزءٌ من بلاد الشام، ولذلك الآية "الذي باركنا حوله" وليس فيه، فالرجل الذي يحمل الرسالة ولا يرسل البركة لمَن حوله أنانيّ، فالمسجد الأقصى جمع كل رسالات السماء، إبراهيم، زكريا، يحيى، موسى، عيسى، سليمان، داود، كلّهم كانوا في فلسطين وبلاد الشام.

 

يحيى أبو زكريا: وجلّهم من أولي العزم أيضاً.

 

أحمد بدر الدين حسون: منهم أولي العزم، ومنهم غيرهم، ولكن بلاد الشام هي التي احتضنتهم، وإذا قلت القدس فأرى على بُعد منها إبراهيم في الخليل، وعلى طرف آخر موسى في الكثيب، مدفون عند الكثيب، وأرى ولادة المسيح عليه السلام في بيت لحم، وأرى في دمشق يوحنا المعمدان يحيى، وغيرهم وغيرهم.

لذلك الانتقال من مكة إلى القدس رسالة عالمية للبشرية.

 

يحيى أبو زكريا: ودعني أنتقل إلى فاصل رجاء أعود إليك مباشرة بُعيده.

مشاهدينا أعتذر على هذا الفاصل. سنكمل يقيناً قوّة الأفكار وفكر القوّة القرآنية بُعيد الفاصل، فلا تذهبوا بعيداً.

 

كتاب "الإسراء والمعراج" لمحمّد متولي الشعراوي:

دلالة النص القرآني في قوله تعالى "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير".

إن هذا النصّ القرآني هو عمدتنا في توثيق حدث الإسراء والمعراج فهو قرآن أنزل وعلينا أن نؤمن به لأنه جاء من عند الله، وليس لعقولنا القاصرة أيّ دورٍ في أن تبحث في هذا الحدث، لأنّه حدثٌ أخبرنا الله سبحانه وتعالى به.

فمن واجبنا كمسلمين أن نسلّم ونؤمن به، ثمّ نُعمِل العقول بعد ذلك في دراسة أبعاد هذا الحدث ومفهومه وأسراره ومعجزاته. أما البداية فتكون بالإيمان بهذا النصّ القرآني، وبأنّ الحدث قد وقع، وأن الحدث منسوب إلى الله، فهو سبحانه الذي أسرى بعبده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم سرى معه جبريل على البراق، وليس له من الأمر شيء، لأن الله هو الذي قدّر هذا الحدث، وهو الذي أجراه، فالأمر منسوب إلى قوّة الله وقدرته عزّ وجلّ.

أفنستغرب بعد ذلك سيّدنا محمّد لم يقل أنا سريت حتى نرد سيّدنا محمّداً إلى قانون الفعل الإنساني، وكما قالت قريش أنضرب إليها أكباد الإبل شهراً، وتقول وتدّعي أنك أتيتها في ليلةٍ، إنّه لم يقُل أتيتها بقدرتي أنا، ولكنه الله سبحانه وتعالى الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

إذاً فالرسول صلّى الله عليه وسلّم محمولٌ على نطاق قوّةٍ أخرى جبّارة لا حساب كيف عندها، وإنما أمره عزّ وجلّ إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.

 

 

المحور الثاني

 

"إشراقات الإسراء"، فوزي محمّد أبو زيد:

الإسراء والمعراج هما من كنوز الغيْب الإلهيّة للأرواح التقية النقيّة، فينهل منها العارفون فصوص الحِكَم ودُرر المعاني وغيوب الأسرار، ليناولوها في حضرة النبي المختار للمقرّبين والأطهار والأبرار.

نسأل الله أن نكون جميعاً من الجالسين إلى هذه المائدة، مائدة الفضل الإلهي والعلم الربّاني والشراب المحمّدي، نحن وإخواننا أجمعين، وهذا الكنز منه عامٌ لجميع أهل الإسلام، وهذا نذكره في خطب الجمعة والمجالس العامة.

وكلمة المجالس العامة بالنسبة إلى إخواني وأحبابي الدُعاة، فمنه عام إلى جميع أهل الإسلام ومنه خاص لأهل الإخلاص ومنه خاص الخاص للخواص وأهل الاختصاص، وفيه أنوار لا تلوح إلا لقلوب صفت من الحظ والأكدار وفيه أسرار لا تظهر إلا لقلب نقي من الأغيار، وفيه ما لا يستطيع أن يبينه الإنسان بالعبارة، ولا أن يشير إليه بالإشارة، لأنّ هذا سرّ الله مع حبيبه ومصطفاه.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع الإسراء والمعراج، مع سماحة مفتي عام الجمهورية العربية السورية العلاّمة الدكتور أحمد بدر الدين حسون.

سماحة المفتي، لماذا خلّد القرآن هذه الرحلة؟ وأيضاً قبيل الفاصل كنت تتحدّث عن القدس، نحن وصلنا إلى القدس.

 

أحمد بدر الدين حسون: في القدس كانت كل رسالات السماء، والنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حينما وصفه هذا الشاعر، "أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدمي، لما خطرتَ به التفّوا بسيّدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلّى وراءك منهم كل ذي خطرٍ، ومن يفُز بحبيب الله يأتمن". هذه الصلاة التي في القدس هي سرّ الإسراء، سرّ الإسراء الذي لم يعرفه المسلمون على حقيقته، ولم يعرفه المسيحيون، ولا اليهود.

لذلك تقاتلوا، ولو عرفوا سرّ صلاة الإسراء، لعرفوا أنّ الرسالات السماوية جاءت لتحتضن بعضها بعضاً، لا لتهدم بعضها بعضاً، كما يقول علماء التفسير والفقه، إسلامنا ناسخٌ لكل الشرائع، لا، حتى في إسلامك ناسخ ومنسوخ، إنه لا ينسخ العقائد، إنه يطوّر الفكر الديني، فالصلاة موجودة عند إبراهيم، "وأقم الصلاة لذكري"، وموجودة عند موسى وعيسى ومحمّد سلام الله عليهم، والصيام موجود، ولكن تطوّر التشريع.

فالله تعالى أراد في الإسراء أن يقول للعالم كله إنّ القدس لا يحتكرها لا مسلمون ولا يهود ولا مسيحيون، هي لأبناء رسالات السماء جميعاً، ولكن لا يُطرَد شعبها وأهلها منها لتأتي أمّة وتمنع أمّةً من الدخول إليها. فاليوم حينما تأتي آية الإسراء ويأتي بعدها بنو إسرائيل بسبع آيات، إنما يشير لنا القرآن، هذا إعجازٌ غريب، أنّ القدس ستبقى من يوم الإسراء إلى دخول الفرنجة، لكل رسالات السماء.

ولمّا دخل الفرنجة منعوا المسلمين من القدس، ووضعوا الخيل مربوطة في المسجد الأقصى، وقتلوا 70000 داخل المسجد الأقصى، بحُجّة تخليص قبر المسيح عليه السلام، ونحن نعلم أخي كمسلمين ومسيحيين أن المسيح لا قبر له في الأرض، إنه رُفِع إلى السماء.

أما أن يأتي اليهود اليوم، فيطردوا أبناء المسيح ويطردوا المسلمين ويطردوا الفلسطينيين، بحُجّة أن هنا هيكل سليمان، فهم لا يؤمنون بعيسى ولا يؤمنون بمحمّد عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي يجعلني أستغرب اليوم كيف أنّ أبناء المسيح وأتباعه، وترامب آخرهم يعترف بالقدس لبني إسرائيل ويعترف بالجولان لبني إسرائيل، وهو يقول إنه مسيحي، والله ما عرف المسيحية يوماً وهو يعطي الأرض لمن يعتقد أنه صَلَب المسيح، فكم هذا الرجل المسيحي يحبّ مسيحه، وهو يعطي كلّ الأرض والعرض لمَن صَلَب مسيحه، ونحن لا نقول بذلك، إنما هذا يدلّنا أنّ القضية ليست قضية دين إنما قضية طين. ثم يأتي بعض المسلمين ليفتحوا سفاراتٍ ويجلسوا مع بني إسرائيل الصهاينة في مؤتمرات وفي سفارات.

تعالوا لنتعلّم من الإسراء والمعراج. دخل رسول الله إلى المسجد فرأى الأنبياء من آدم إليه، كلّهم وُجِدوا في مكان واحد، حتى مريم إبنة عمران وآسيا زوجة فرعون كما جاء في شرح الحديث، ووقفوا ينتظرون الصلاة. قال محمّد صلّى الله عليه وسلّم أفديه بروحه، فأخذ جبريل بيدي فقدّمني إماماً، لماذا هذه الإمامة؟ لنستعلي على الناس ونقول نحن المسلمون أعلى منكم؟ لا، ليقول لنا إنّكم حملة كل رسالات السماء، فيوم يصلّي محمّد في المحراب صلّى الله عليه وسلّم، هو مؤمنٌ بعيسى ويطلب من أمّته أن يقرأوا سورة مريم، مؤمنٌ بموسى ويطلب من أمّته أن يقرأوا سورة آل عمران، مؤمنٌ بإبراهيم ويطلب من أمّته أن تقرأ سورة إبراهيم، مؤمن بكل الأنبياء وهو يقول لهم إقرأوا سورة الأنبياء.

 

يحيى أبو زكريا: إذاً الإسراء كرّس القدس مدينة للسلام، عاصمة للأديان، نقطة لتلاقي الحضارات وحوار الحضارات.

 

أحمد بدر الدين حسون: كلما قرأت الإسراء والمعراج، وهذه الآية، أقول ما أبعد البشرية اليوم عن معنى الإسراء والمعراج، فاليوم حينما نجد في العالم، هنالك للبروتستانت كنائس، وللكاثوليك وللموارنة وللأرثوذكس، وللسنّة وللشيعة مساجد، ولكل طائفة، وللصوفية والوهّابية، أما تعلّمتم من الإسراء والمعراج أن الصلاة واحدة لأن الإله واحد والإنسان واحد؟ ما جاء رسول الله من مكّة إلى القدس إلا ليعلّمكم يا أبناء الإسلام.

 

يحيى أبو زكريا: لكأنّ الإسراء يعالج مشكلة التصادم والتقاتل والتدمير؟

 

أحمد بدر الدين حسون: هي في الأصل لحل مشكلة الجهل برسالات السماء، فإذا أردنا اليوم أن نقول، هل يمكن أن نصلّي في مسجدٍ وكنيسة؟ أقول إنّ مسجد نبينا صلّى الله عليه وآله وسلّم في طيبة الطيبة، جاءه نصارى نجران فصلّوا داخل مسجده، ويوم جئنا إلى دمشق ووجدنا مسجدها كنيسة، وأذن لنا إخوتنا من النصارى أن نصلّي في الطرف الغربيّ منه، وأبقوا الطرف الشرقي لهم، خمسون سنة ندخل من بابٍ واحد ويصلّي هؤلاء هنا وهؤلاء هنا، لأنّ الإله الذي نصلّي له واحد وإن اختلفت الشرائع.

لذلك، الإسراء هو، أولاً الأديان ما جاءت ليهدم بعضها بعضاً، الأنبياء ما جاؤوا ليقتلوا بعضهم بعضاً، الكتب السماوية ما جاءت لتدمّر بعضها بعضاً، ولذلك كان فرضٌ على المسلم أن يقرأ، لا نفرّق بين أحد من رسله، نؤمن بكل الكتب السماوية، وهذا ما يجعلني اليوم أقول للعالم كلّه، القدس ستعود لنا، إن كان اليوم أو غداً، لأننا آمنّا برسالات السماء، أما أنتم لم تؤمنوا برسالات السماء، أنتم لم تؤمنوا بالنبي الذي قال لنا لا نفرّق بين أحد من رسله، وقال لنا التوراة والإنجيل والزبور والقرآن مصدرها واحد.

 

يحيى أبو زكريا: لكن المسلمين اليوم في خط طنجة جاكرتا قصّروا في القدس جغرافيّاً وتاريخاً وهدفاً ورسالة.

 

أحمد بدر الدين حسون: سأتحدّث عن السبب. متى ضاعت القدس؟

 

يحيى أبو زكريا: متى؟

 

أحمد بدر الدين حسون: ضاعت القدس يوم تقسّمت الأمّة العربية والإسلامية نفسها إلى دولٍ وضع حدودها الفرنجة، ومزّق أهلها الفرنجة، لذلك الإسراء ليست قصة، يا أبناء عالمنا الإسلاميّ، وحينما يقول الله لكم إنّ بني إسرائيل سيفسدون في الأرض، ولكن يعدكم، "فإذا جاء وعد الآخرة بعثنا عليهم عباداً لنا أولي بأسٍ شديد"، من هؤلاء؟ هم المقاومون الذين لا يخضعون والذين تدفع سوريا وغزّة والضفة الغربية وجبل عامل اليوم الثمن غالياً من أجلهم، هو الذي ندفع فيه الثمن.

لذلك كانت قصة الإسراء وحدة الأديان مع تعدّد الشرائع، فالدين واحد، فلا تقولوا أدياناً ثلاثة، "شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا". من هنا كان تكريم الله تعالى للنبي صلّى الله عليه وسلّم، بعد أن صلّى بالأنبياء، أن يتحرّك من القدس إلى السماء ليقول، لن تدخلوا بوابة السماء إلا إذا كنتم تحملون رسالة كلّ الأنبياء.

لماذا لم تكن من مكّة؟ لأن مكّة رسالة إبراهيم ومحمّد صلّى الله عليهما. أما القدس رسالة كل الأنبياء فهي التي تفتح لنا باب السماء.

 

يحيى أبو زكريا: قبل العروج دعني أنتقل معك إلى حبيبنا، إلى طبّ نفوسنا، إلى الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي يرى أعمالنا وهو شاهدٌ على أعمالنا. عندما يُعمِل النظر اليوم في القدس ويرى البطون تُبقَر والأطفال يُذبَحون من الوريد إلى الوريد والنسوة المحجّبات يركَّعن أرضاً ويُقتلن بدم بارد من قِبَل الصهيوني، ألا تؤذيه فعال المسلمين الذين يتقاتلون في ما بينهم؟

ألا يؤذيه فقه الجبن الذي ساد في العالم العربي والإسلامي؟ ألا تؤذيه خيانة حكّام العرب الذين باعوا القدس لدونالد ترامب؟

 

أحمد بدر الدين حسون: سيّدي الكريم، هذه الجملة لها خطان، خط كيف يقتلنا عدونا واستهان بنا، وكيف يقتل بعضنا بعضاً، حتى جعلنا أعداءنا ينظرون إلينا بلا تكريم ولا قيمة، وأضرب لك مثالاً على ذلك.

منذ أسابيع، حدثت حادثة في نيوزيلندا، هجوم على مسجد استشهد به 50 مسلماً داخل المسجد، وقامت نيوزيلندا بأجمعها، وقام الإعلام العالميّ، نسينا الشهداء، وطربنا لما فعلته رئيسة الوزراء والشعب النيوزيلندي الذي وقف ووضع الزهور، ونسينا قصة الشهداء تماماً. جميل، أنا مع هذه الأخلاق، ولكن بعدها بثلاثة أيام، جرت حادثة أدهى وأخطر في مالي، مَن لم يعرفها من العالم الإسلامي، مالي، على حدود ليبيا وتونس والجزائر، بلدٌ نسبة المسلمين فيه في المئة 98، ومذهبهم واحد، ليس فيهم سُنّة وشيعة وطوائف يقتل بعضهم بعضاَ. دخل بعضهم على قرية، الذين يسمّون أنفسهم بالنصرة، بالدواعش، لا أدري إسمهم، دخلوا على قرية، كلها مسلمون أبناء ونساء ورجالاً. 125 ذُبحوا ذبحاً بالمناجل والفؤوس. جاء الإعلام على الخبر لمدة مرة واحدة، ثمّ تابع.

أطفال تجاوز عددهم 35، نساء 40 أو 45 إمرأة، رجال أبيدوا، القرية أبيدت في مالي. أين العالم اليوم الذي غضب من أجل مسلمي نيوزيلندا؟ ألا يغضبون من أجل هؤلاء؟ من أخذ هؤلاء القتلة من مخيّم دير الزور ومن مخيمات الموصل ومن شرقي حلب ومن إدلب بطائرات خاصة ووضعهم في تشاد ومالي ليذبحوا الناس هناك؟ أما تستيقظون يا عرب؟ يا أمّة الإسلام؟ لماذا سكت الإعلام عن هذه المجزرة وأعطى هذه المجزرة بُعداً إعلامياً؟ لأنكم ما درستم من أنتم، نسيتم جذوركم، ففقدتم حاضركم، ولا أعتقد أنه سيبقى لكم مستقبل، أنتم الذين حوّلتم الدين إلى أيديولوجيا للحكم، تريدون دولة إسلامية. متى أنشأتم دولة إسلامية؟ أنشأتم خلافة راشدة، ودولة أموية، ودولة عباسية، ودولة عثمانية، ودولة المماليك، أما دولة فلا تنسب إلى الإسلام، إنما الأمّة تنسب إلى الإسلام، وهذا الإسلام في سورة الأنبياء، وقفتُ عليها منذ أيام، سورة الأنبياء، حكى الله لنا قصة إبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وموسى وعيسى ومحمّد، تحدّث عنهم في سورة الأنبياء، ثمّ ختم القصة "إنّ هذه أمّتكم أمّة واحدة".

إذاً لسنا نحن الأمّة العربية الواحدة، إنما الأمّة التي حملت كل رسالات السماء، أما عربية أبي جهل وعربية الخوارج الذين ذبحوا عثمان عليه الرضوان وعلي والحسين عليهما الرضوان والسلام، هؤلاء ليسوا عرب الإسلام، هؤلاء عروبة أبي جهل، وهم الآن، هم القَتَلة الذين أنسونا الإسراء والمعراج. أما ترى أنّ أول طريقهم كان منع الاحتفال بمولد رسول الله، منع الاحتفال بالإسراء والمعراج، منع الاحتفال بليلة القدر؟ لماذا يمسحون التاريخ؟ هل نحن نعبد ليلة الإسراء والمعراج ونعبد ليلة النصف من شعبان ونعبد ليلة المولد؟ إنما الله تعالى قال، "وذكّرهم بأيام الله". لماذا بنو إسرائيل يحتفلون بهيكل سليمان ويريدون بناءه، وأمّتنا العربية والإسلامية لا يجوز لها أن تتذكّر هذه الأيام؟ مسحٌ تاريخي لنبقى شُذّاذ الآفاق. لهذا كانت قصة الإسراء هي وحدة رسالات السماء، وهذا ما ندفع ثمنه اليوم في سوريا والجزائر، ندفع ثمناً غالياً.

 

يحيى أبو زكريا: سأنتهي إلى الواقع المؤلم، لكن أخذتنا برحلة الإسراء إلى دلالات جميلة جداً. ماذا عن العروج قبل أن نعود إلى الأرض؟

 

أحمد بدر الدين حسون: العروج هو قول لأمّة الإسلام بأجمعها وللإنسانية، إنّ أبواب السماء مفتَّحةٌ لكم جميعاً، وليس لنبينا صلّى الله عليه وآله وسلّم فقط، يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان.

يوم بدأ المعراج إلى السماء، أخرجني من الذهول الذي قرأته في نظرية أينشتاين، النظرية النسبية التي يقول بها إن السرعة بما فوق الضوء تنهي الكتلة والزمان، فقصّة المعراج حتى اليوم ما قرأناها في النجم، ولو قرأنا "والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى"، ولماذا هذه المرة قال صاحبكم؟ هناك قال أسرى بعبده، هنا صاحبكم، أي هو إنسانٌ، كان هو نعم الصاحب لكم في أخذكم بطريق السماء، وما ينطق عن الهوى في ما سيقوله لكم بعد رحلة الفضاء، ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى علّمه شديد القوى ذو مرة فاستوى، ولكن أقف في بُعد، إذا أردت أن آخذ البُعد العلمي الآن في القرآن، بعد علمي رائع من مواطن كان عند سليمان فقد الزمان والمكان، قال أنا آتيك بعرش بلقيس قبل أن يرتد إليك طرفك، فالذين يحتارون اليوم هل الإسراء كان جسداً أو روحاً، وما هو الزمن، أقول لهم بلا زمن، وكان بالجسم والروح لأنه بالروح فقط ليس معجزة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أحمد بدر الدين حسون: ذهب، والروعة أنه وجد الأنبياء في المسجد الأقصى، فلمّا صعد إلى السماء وجد أنّ السماوات لها بوّابات كبوابات أقطار الأرض، استفتح جبريل، قيل له من معك، قال محمّد، قيل وقد أرسل إليه، دعي للزيارة إلى السماء، قال نعم، مرحباً به، قال فرأيت إبراهيم، موسى، عيسى، يوسف، في كل سماء يرى، حتى آدم عليه السلام رأيته وأوصاني بكم.

لماذا رأى الأنبياء في هذا الطريق كلهم؟ ليعود فيقول لنا أنا لم آتِ لأهدم رسالات السماء إنما جئت لأحافظ على رسالات السماء ولأقدّس الأنبياء ولأقول لأبناء المسلمين أنتم أمّة عالمية ليست عرقية وليست قُطرية، لأن صلاتكم الحمد لله رب العالمين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.

 

يحيى أبو زكريا: شيخنا العزيز، بدأ الوقت يداهمني، جزيت خيراً على هذا المعنى الروحاني العرفاني، وما أحوجنا كمسلمين إلى ضرورات العودة إلى الروح وقراءة القرآن روحياً، وقراءة السيرة روحياً.

 

أحمد بدر الدين حسون: ثمرة المعراج، أمر واحد إذا عدنا إليه يجمعنا، إذا كان الإسراء صلاة واحدة في الأرض فالمعراج فرضت فيه صلاة على الأمّة الإسلامية.

يوم الجمعة ليكون خطابها من طنجة إلى جاكرتا خطاباً واحداً، ولتكون في كل يوم خمس مرات في مؤتمرات شعبية تمارس فيها فكرها وتحاور فيه بعضها.

 

يحيى أبو زكريا: وهنا يوجد ضلعان في خط طنجة جاكرتا يتألّمان، الجزائر التي تحبّها وتحبك، والجولان العربي العزيز.

ماذا عن الجزائر؟ وماذا عن الجولان العربي السوري؟

 

أحمد بدر الدين حسون: أولاً الجزائر لا أخاف عليها، والسبب أنّ أعداءها أرادوا تغيير هويتها لأكثر من مئة سنة، فإذا بجذورها تسقي فروعها وثمارها، وإذا بإبن باديس يبقى حياً اليوم وبالأمس وغداً، ليحمل الرسالة من مكّة والقدس إلى قلب الجزائر وجبالها، وليقول لشعب الجزائر أنتم أمّة، أنتم أمّة، ونموذج أمّة، فيوم وقفتم أمام أعدائكم ممّن أرادوا تغيير قيمكم ولغتكم ودينكم ووضعوكم تجارب للنووي وذبحوا أطفالكم ونساءكم، لم يستطيعوا أن يخترقوا فكراً ولا عِرضاً ولا قلباً، والدليل هذه التظاهرات التي رأيتها في الجزائر، أحيّي شعب الجزائر، أنه لم يُسفَك فيها قطرة دم.

سيقول لي بعض المُتأسلمين اليوم، لماذا في سوريا سفكتم الدماء؟ أقول لهم والله لو كانت تظاهراتكم كتظاهرات الجزائر، لم تسفكوا بها دماً، وأنا عندي أرقام عام 2011، لم ينزل جنديّ، ولم ينزل شرطيّ إلى الشوارع، وجئتم إلى المخافر فسحلّتم ضبّاطنا وقتلتم أبناءنا، ويوم اغتلتم ولدي سارية لم يكن الجيش والشرطة قد نزلوا إلى الشوارع. أنتم بدأتم القتل وأنتم بدأتم السَحل، ورأيناكم كيف ربطتم بعض الرجال بالسيارات وسحلتموهم في الشوارع، وما كنتم تخافون من الله عزّ وجلّ في هذا العمل، فاضطرّت الدولة أن تحمي شعبها، ولكنّ شعب الجزائر، أعود فأحيّيه، الآن انتهت مسيرتكم. بوتفليقة جزاك الله خيراً، أنت من جبهة التحرير، وكان لك فضل لن ننساه، ولكن الأخطاء ليس هناك أحد معصومٌ فيها. ظهرت أخطاء، ظهرت، ولكنّ شعب الجزائر اليوم أمام معركة إعادة البناء لجيلٍ جديدٍ لا يتفرنس ولا يتأثر بالغرب.

 

يحيى أبو زكريا: هنا عفواً، أذكّرك بالجنرال لاكوست، ذبّاح الثورة الجزائرية، وهو يغادر في تموز 62 أراضي الجزائر، عقد مؤتمراً صحافياً، سأله الصحافيون لماذا خرجتم من الجزائر، قال وماذا أفعل إذا كان القرآن أقوى من فرنسا في الجزائر؟

 

أحمد بدر الدين حسون: لذلك هذا القرآن في سوريا هو الذي سيحميها اليوم، لأنّ القرآن هو فيه الإنجيل والتوراة ورسالات النبي.

 

يحيى أبو زكريا: والجولان اختصاراً لأن الوقت؟

 

أحمد بدر الدين حسون: القدس بالنسبة لنا، قالها حافظ الأسد رحمه الله، القدس في قلب سوريا. بالنسبة لنا، الجولان ليس قمماً من أحجار، إنه قيمٌ سنعيدها إن شاؤوا وإن أبوا.

أما أن يعطي ترامب ما شاء أن يعطي، 93 سنة كان الفرنجة يعيثون في الأرض فساداً، فجاء صلاح الدين، وهنا عند صلاح الدين أضع دائرة وأقول لإخوتي الكرد في شمال سوريا وشرقها وفي العراق، أنتم معنا أمّة، وبلانا لن تبقوا أمّة، ستبقون جماعة وسيستفرد بكم أعداؤكم، فكونوا مع خير أمّة أًخرِجت للناس، ولا تصدّقوا أميركا وإسرائيل، فلغتكم ما غابت وأجدادكم ما فُقِدوا.

ونحن اليوم نقول للعالم، سوريا اليوم تدفع الضريبة عن العالم العربي والإسلامي وستبقى صامدة إلى عودة القدس بأمرٍ من الله وبشارةٍ من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولذلك كان موقف رئيسنا وفّقه الله الرئيس بشّار الأسد، هذا الموقف الصامد بعد أن عُرِضت عليه كل المغريات، لن أتنازل عن المقاومة، ولن أغلق باب سوريا عن بوابة القدس.

ستبقى سوريا هي الأمل الوحيد للأمّة العربية والإسلامية بفتح القدس، لأنّها فُتِحت من دمشق وأعيد فتحها من دمشق وسنعود إليها من دمشق.

 

يحيى أبو زكريا: وبلسان المسلمين في خط طنجة جاكرتا، جزاكم الله أيها السوريون خير الجزاء، كنتم نِعم النصير للمقاومة ونِعم المؤسّس للمقاومة ونِعم الحاضِن والحامي للمقاومة، ولعمري ما اجتمعوا على تدمير سوريا إلا لأنّها العمود الفقري للمقاومة. حياكم الله شيخنا العزيز وبوركتم على هذه الإفاضات الربانية الكبيرة، والجولان سيظلّ عربياً، مثلما استرجعنا جنوب لبنان سنسترجع الجولان، ونسترجع كل الجغرافية الإسلامية.

 

أحمد بدر الدين حسون: وكلّ فلسطين إن شاء الله.

 

يحيى أبو زكريا: وكل فلسطين. سماحة العلامة المفتي العام للجمهورية العربية السورية الدكتور أحمد بدر الدين حسون شكراً جزيلاً لك على هذه الإفاضات الربانية.

 

أحمد بدر الدين حسون: شكراً للميادين وشكراً لك على كل ما تطرحه في حواراتك التي تنوي بها بناء فكر جديد للأمّة الإسلامية. شكراً للميادين، شكراً لكل العاملين الذين يعملون بجمع الأمّة.

 

يحيى أبو زكريا: أعزّك الله، بوركتم، ودعني أشكر المخرج محمّد يحيى جزاه الله خير الجزاء، أتعبناه، والأستاذ الفاضل جهاد نخلة مدير العمليات في قناة الميادين، وكل الفريق الذي كان معنا.

مشاهدينا من دمشق العروبة حيث كانت البداية وستكون النهاية لنا بإذنه تعالى، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه. بوركتم أستاذنا، شيخنا.

 

كتاب "الإسراء والمعراج" للدكتور عبد الحليم محمود:

يقول الكاتب إنّ في آيات سورة النجم تشريفاً كبيراً لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقد كان في مسرى النبيّ، وما ذُكِر منه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله في قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولي الألباب وهدى ورحمة وثبات لمَن آمن بالله وصدق وكان من أمر الله على يقين، فأسرى به كيف شاء وكما شاء، ليريه من آياته الكبرى ما أراد، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم وقدرته التي يصنع بها ما يريد.

ويقول الكاتب "والصلاة لأهميتها لم تُفرَض بالطريق العاديّ، فلقد كان جبريل عليه السلام ينزل بالوحي مبلّغاً رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قواعد التشريع ومبادئ الأخلاق وأصول العقيدة ومسائلها، فلمّا حان فرض الصلاة عدل الله سبحانه وتعالى عن هذا إلى دعوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أن يكون بنفسه في الحضرة الإلهية، ليبلغه الله سبحانه وتعالى بطريقٍ مباشرٍ أمر الصلاة، وكان ذلك إعلاناً عن أهمية الصلاة، إنها لم تفرض بالطريق العادي تكريماً لها وتشريفاً.

على أنّ الجهاد بالسيف ليس وراءه طمع مادي ولا شهرة في شهرة ولا رغبة في اكتساب أرض او استعمار قُطرٍ، وإنما فقط لتكون كلمة الله هي العُليا، ولتكون العبودية وظيفة البشر، قد وجدت لها مناخاً يحقّق فيه الناس عبادتهم الله الواحد القهّار، وكان قدر الله مفعولاً، واستعدّت الجماعة في العام الحادي عشر من البعثة لنقلةٍ تنتظر الإذن من السماء.