أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

القضاء في الإسلام

 

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثواكم.

القضاء وما أدراك ما القضاء. عندما يستقيم القضاء، ويلتزم الحق والعدل والنزاهة تستقيم الدول والمجتمعات، وعندما يصبح مطية لذوي النفوذ والفاسدين، ويتحرك القاضي بناءً على اتصال هاتفي من الدوائر العليا، وصك بنكي، فعلى الأمّة السلام، وعلى الحضارة ألف رحمة ورحمة.

يطلق لفظ القضاء في الاصطلاح الفقهي على الحكم والفصل في الخصومات، وعرّفه إبن رشد بقوله حقيقة القضاء، الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام.

والقضاء من عمل الرسل والأنبياء والأوصياء، قال الله تعالى "يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب".

عندما شرع الله القضاء ورسوله، كان الغرض من ذلك إقامة العدل، وحماية الحقوق، ونشر الأمن والمحافظة على الانفس والأموال والحقوق.

والحق هو إسم من أسماء الله الحُسنى، وأول من ولّي القضاء في الإسلام كان الرسول الأعظم روحي فداه، قال وهو في المدينة "إنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو شجار يخاف فساده، فإن مردّه إلى الله عزّ وجلّ ولي محمّد رسول الله".

قال النبي"إن والله لا نولي على هذا العمل أحداً سأله ولا أحد حرص عليه"، وقال إبن عباس رضي الله عنهما "من تولّى من أمر المسلمين شيئاً، فاستعمل عليهم رجلاً وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنّة رسول الله، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين".

وكان السلف من الصالحين والأطهار يفرّون من القضاء فرارهم من البرص والجذام، لأنه أقرب طريق إلى النار إذا أخلّ القاضي بالورع والتقوى والعدل والحق.

 وقد روى أبو عمر إبن يوسف في كتاب "الولاة وكتاب القضاة، أن يزيد إبن حاتم أراد أن يولي حيوى إبن شريح القضاء، فامتنع فدعا له بالسيف. فلما رأى ذلك أخرج مفتاحاً كان معه، وقال له هذا مفتاح بيتي، ولقد اشتقت إلى لقاء ربي، فلما رأى الأمير عزيمته تركه.

والقضاة أنواع وأقسام: عادل، وجائر، وجاهل.

قال المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم "القضاة ثلاثة قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة، رجل قضى بغير الحق فعلم ذاك فذاك في النار، وقاضٍ لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار، وقاضٍ قضى بالحق فذلك في الجنة".

ولهذا وضع الإسلام شروطاً ثقيلة لمَن ولّي القضاء كالعلم والعدالة.

الإسلام يريد قضاة لا يقبلون الرشا، ولا ينبطحون أمام الصفراء والبيضاء والحسابات المتفجرة في المصارف.

القضاء في الإسلام عنوان برنامج أ ل م ويشاركنا في النقاش من لبنان الحبيب الشيخ الفاضل مصطفى ملص رئيس اللقاء التضامني الوطني، وعضو مجلس أمناء تجمّع العلماء المسلمين.

ومن تونس الحبيبة الشيخ الدكتور محمّد الكامل سعادة الشريف القاضي والإمام السابق في جامع الزيتونة وأيضاً أستاذ في جامعة الزيتونة.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً

 

كتاب "تاريخ القضاء في الإسلام"  محمّد مصطفى الزحيلي

إن القضاء في الإسلام يمثل صورة مشرقة في التاريخ الإسلامي، ويتبوّأ مركزاً مهماً في الشريعة الغراء، ويحتل ركناً أساسياً في الفقه الإسلامي. ويتمثل في صورة حقيقية للتطبيق الصحيح لأحكام الله تعالى نظرياً وعملياً، وترنو إليه الأنظار في الحاضر والمستقبل لإعادة أمجاد الأمّة وتحقيق العزّة والكرامة للأفراد. والقضاء أمر لازم لقيام الأمم ولسعادتها وحياتها حياة طيبة ولنصرة المظلوم وقمع الظالم، وقطع الخصومات، وأداء الحقوق إلى مستحقيها، وللأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، وللضرب على أيدي العابثين، وأهل الفساد كي يسود النظام في المجتمع، فيأمن كل فرد على نفسه وماله وعلى عرضه، وحريته، فتنهض البلدان ويتحقق العمران ويتفرغ الناس لما يصلح دينهم ودنياهم. فإن الظلم من شيم النفوس، ولو أنصف الناس لاستراح قضاتهم ولم يحتج إليهم.

ومن الشروط الأساسية واللازمة للقاضي، العدالة وهي معتبرة في كل ولاية عند جمهور الفقهاء، والمقصود بها أن يكون القاضي قائماً بالفرائض والأركان، صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفاً عند المحارم متوقياً المآثم، بعيداً عن الريب، مستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه، لهذا لا تجوز ولاية الفاسق للقضاء، لأنه متهم في دينه، والقضاء أمانة من أعظم الأمانات.

يحيى أبو زكريا: سماحة الشيخ حيّاك الله وبيّاك.

لماذا أولى الإسلام أهمية خاصة للقضاء؟

مصطفى ملص: بسم الله الرحمن الرحيم، مما لا شك فيه أن القضاء هي أهم مؤسّسة في المجتمع الإسلامي، ولعل أهمية القضاء تفوق أهمية أية مؤسّسة أخرى في الحكم، لأن القضاء كما أنه يقضي بين الناس كأفراد، يفصل في الخصومات وفي دعاوى الحقوق المتنازع عليها. كذلك فإن للقضاء سلطة فصل، فيما لو كانت الخصومة بين الناس العاديين وبين الأمراء أو أهل السلطة.

يحيى أبو زكريا: صنّاع القرار بتعبيرنا.

مصطفى ملص: لذلك مؤسّسة القضاء لا يمكن لمجتمع أن يستقيم أمره، وأن ينتظم إذا لم تكن هذه المؤسّسة موجودة وعلى قدر من الاهتمام، وعلى أعلى قدر من العلم والفقه والورع والتقوى. فمن دون هذه المؤسسة من دون القضاء يأكل القوي الضعيف، ويعتدي الغني على الفقير،  وتعمّ الفوضى.

يحيى أبو زكريا: وتعمّ الفوضى.

مصطفى ملص: للقضاء أهميته، فإنه يضبط انتظام الحياة العامة وفق الأصول والقوانين والشرائع.

يحيى أبو زكريا: إذاً، تتوقّف عليه الحياة بشكل موجز؟

مصطفى ملص: من دون شك.

يحيى أبو زكريا: دعني أستكمل الفكرة مع الدكتور محمّد الكامل شريف سعادة.

فضيلة الشيخ أنت مارست القضاء الشرعي، وكنت على احتكاك بآلياته، إن صحّ التعبير.

كيف بلور الإسلام قضاءً نزيهاً دقيقاً، ووضع شروطا ثقيلة على القاضي الورع التقوى حتى في النظر لا يجب أن يختل نظره ينظر إلى المدعي أكثر من المدعى عليه، وهكذا دواليك.

لماذا كان الإسلام حريصاً على قضاء نزيه دقيق عادل؟

محمّد سعادة: شكراً بسم الله الرحمن الرحيم، وبه ثقتي وأستعين والحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافي مزيده، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمّد نبي الرحمة ومفتاح الخير والعصمة.

إن القضاء صفة من صفات المولى سبحانه وتعالى، وتعلمون أن الله سبحانه وتعالى قد جمع بين صفات الجمال، وصفات الكمال، وصفات الجلال، والقضاء يدخل في صفات الجلال، لأنه يشير إلى نشر العدل والحكمة والأحكام المعتدلة، وهو من ناحية أخرى ينشر العدل والعمران بين جميع الناس أفراد، كانوا أو جماعات، بمختلف طبقاتهم واتجاهاتهم.

والقضاء  أنزله الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، فبدأ بنفسه حيث قال في كتابه العزيز الرحمن على العرش استوى، ثم الآية الأخرى يجد قوله تعالى وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، وكذلك نجد في قوله تعالى "والتين والزيتون أليس الله بأحكم الحاكمين" حينئذٍ، كان القضاء من القواعد الأساسية لبناء المجتمع السليم المزدهر العادل.

ولهذا، لما كان هو من صفات المولى سبحانه وتعالى، كان له شأن عظيم بين جميع البشر. وقد أوجب الله سبحانه وتعالى القيام به، ووكّل على ذلك سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم لإقامة العدل بين الناس، والأحداث في ذلك كثيرة ومتنوّعة.

ثم تناوله من بعده العلماء والصلحاء وأصحاب الاختصاص، ولهذا نجد القضاء قد أخذ بلباب النفوس لكي يقوم العدل بين جميع الناس.

والقضاء من ناحية أخرى، نجده قد أوجبه الله سبحانه وتعالى على الأنبياء وعلى الرسل والعلماء والصلحاء، وهذا الموضوع هو لنشر العدل كما سبق الذكر بين الناس.

يحيى أبو زكريا: نعم، د. محمّد اتضح أن المقصد الأساس للشريعة الإسلامية إقامة العدل، وواحدة من مصاديق تطبيق العدل القضاء العادل.

سنستكمل بقية الأفكار إن شاء الله تعالى.

شيخ مصطفى عندما تتأمّل في الذين ولوا القضاء في تاريخ الإسلام والمسلمين، تجد العرفاء الربانيين الصلحاء الذين لا يتركون قيام الليل المتعبدين بالأسحار المستغفرين بالأسحار، الذين يبيتون لربهم سجداً، وكانوا مع ذلك مع هذه التقوى واستحضار المولى عزّ وجل، كانوا يخافون أن يقضوا بين المسلمين، لأن لا يظلموا أحداً.

ماذا عن هذه الخصيصة التي انعدمت في معظم قضاتنا في العالم العربي والإسلامي، حيث خرب العالم العربي بخراب القضاء والقضاة؟

مصطفى ملص: مما لا شك فيه أيضاً، أن القضاء في خلال التاريخ الإسلامي شهد قضاة التزموا بالحدود الشرعية المفروضة للقاضي أن يلتزم بها وهي مخافة الله تبارك وتعالى، وإنفاذ الحق الناتج من تكون قناعة لدى القاضي بالحكم الذي يقضي به.

هذه النماذج كانت إذا تكوّنت لديها قناعة أن الحق في جهة معينة، فإنها لا تعدلوا عن هذه القناعة أبداً مهما كانت الضغوط ومهما كانت الظروف.

يحيى أبو زكريا: حتى لو أريقت دماؤهم؟

مصطفى ملص: طبعاً، هناك نماذج من القضاة بدءاً من شريح القاضي، والعديد من القضاة في ما بعد مرواً في التاريخ الإسلامي عرفوا بالموقف الصارم إلى جانب الحق. وللأسف الشديد كان في القضاء قضاة لم يتقوا الله سبحانه وتعالى، ووقفوا أصحاب السلطة في كثير من القضايا التي كانت تهم أصحاب السلطة، لذلك نحن نجد في كتب التاريخ أن معظم المفكّرين أو العلماء الربانيين، إنما قتلوا بموجب أحكام صادرة عن قضاء كان منحازاً إلى جانب الحاكم، منحازاً إلى جانب السلطة.

يحيى أبو زكريا: وقد لعب قضاة السلطان دوراً كبيراً في تنكيس الأمّة، وتراجع العدل. وفي الواقع كانوا سلطاناً للسلطان، السلطان كان يمكن لنفسه من خلالهم.

مصطفى ملص: وهذه بالواقع كانت نتيجة، أن القاضي إنما يعيّن بأمر من السلطان، فبعض ضعاف النفوس لم يلتزموا بالحق، وإنما أرادوا أن يكونوا أوفياء مع الذين ولّوهم السلطة، فراحوا يدعمونهم ولو أدّى الأمر إلى إصدار أحكام اريقت فيها دماء، وضيّعت فيها حقوق.

يحيى أبو زكريا: طبعاً في المقابل كان هناك قضاة يلجأون للحيل الشرعية، كالبهلول رضوان الله عليه الذي دعاه الرشيد كي يوليه قضاء العراق، فقال سأعود إليك بعد حين، ووضع بين فخذيه عصاً، وكان يقول للعصا ابتعد يا حماري. فعاد للرشيد، فقال إذا ولّيتني الآن، سيقول الناس وليت مجنوناً أيها الرشيد.

سأعود إليك بعد الفاصل.

رحم الله زمن البهاليل، ما أحوجنا إلى بهلول كبهلول الرشيد.

 

مشاهدينا، فاصل قصير، ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

 

 

كتاب"موسوعة علي بن إبي طالب باقر شريف القرشي - عهد الإمام لمالك الأشتر"

من بين العلوم التي انفرد بها الإمام علي بن أبي طالب وضعه لأنظمة الحكم والإدارة في عهده الدولي لمالك الأشتر، وإليه على مصر فقد وضع فيه أدق الأنظمة وأهمها إصلاحاً لحياة الإنسان السياسية والاجتماعية، وعالج فيه بصورة موضوعية وشاملة جميع قضايا الحكم والإدارة في مجتمع لم يفقه أي بند من أنظمة الحكم والإدارة.

وقد شرع الإمام أروع صوَر الحضارة، وأبهى ألوان التطوّر والتقدّم الفكري. إن الإنسانية على ما جربت من تجارب، وبلغت من رقي وإبداع فيما أسّسه لها رجال السياسة والقانون من أنظمة الحكم والإدارة، فإنهم لم يأتوا بمثل هذا العهد ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.

فقد بلغ من عظيم ما سنّه الإمام في عهده أنه أمر الحكّام أن يساووا بين جميع طبقات الشعب حتى في اللحظة والنظرة. وقد أقام بذلك أسمى صوَر العدالة التي ينشدها الإسلام، وعلى أية حال فإنا نعرض صوَراً من الأنظمة المشرقة التي تملأ النفوس إكباراً وتعظيماً، ومن بينها شيء بالغ الأهمية عند الإمام وهو تطلّع الرعية إلى عدل الولاة.

(ثم اعلم يا مالك، إني قد وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وإنّ الناس ينظرون من أمرك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك.

ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم: وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله تعالى على ألسن عباده فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك، فإن الشح في النفس الإنصاف منها في ما أحبت أو كرهت.

 

 

المحور الثاني:

 

كتاب"أدب القاضي" المؤلّف أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بإبن القاص

 

جاء في الكتاب

عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: كثروا على عبد الله ذات يوم، فقال إنه قد أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك. ثم إن الله قدر أن بلغنا من الأمر ما ترون. فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقضِ بما في كتاب الله، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله فليقضِ بما قضى به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولم يقضِ به نبيه، فليقضِ بما قضى به صالحه، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله، ولا في قضايا نبيه ولم يقضِ به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقول أني أرى وأني أخاف، فإن الحلال بيّن والحرام بيّن وبين ذلك مشتبهات. فدع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك. أفلا تريه؟ كيف نسب القضاء إلى الصالحين وعلمه وتولاه، وكيف لا يكون كذلك.

وقد حدّثنا إبن محمّد بن عبد الله الحضرمي، حدّثنا جبارة بن مغلس الحماني، حدّثنا عبد الله بن بكير عن حكيم بن جبير عن أبي بريدة عن أبيه قال: "قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة، قاضٍ علم الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاضٍ علم الحق فجار متعمداً فذاك في النار، وقاضٍ قضى بغير علم واستحى أن يقول أنني لا أعلم، فهو في النار فصح أن ذلك في الجاير والجاهل الذين لم يؤذن لهما في اجتهاد الرأي والقضاء.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، من أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع القضاء في الإسلام.

وأذكر في هذا السياق أن هنالك كتباً كثيرة وضعها المتقدّمون كما المتأخّرون في شأن القضاء الإسلامي، تاريخ القضاء الإسلامي، ومن الكتب القضاء ونظامه في الكتاب والسنّة، وهو إصدار لجامعة أمّ القرى في المملكة العربية السعودية.

"أدب القاضي" للطبري، وكتاب "موسوعة الإمام علي بن أبي طالب "لباقر شريف القرشي"، هذا الرجل الموسوعي رحمة الله عليه، وضع حيّزاً كاملاً في موسوعته عن عهد علي إبن أبي طالب لمالك الأشتر والي علي إبن أبي طالب على مصر.

وعهد مالك الأشتر موسوعة في الحقوق والقضاء، وتاريخ القضاء في الإسلام لمحمّد الزحيلي، وأيضاً السلطة القضائية ونظام القضاء في الإسلام، ومجموعة كبيرة من الكتب.

د. محمّد الكامل بين الأمس واليوم، بين زمن ولّى، وزمن نحن نعيشه، أو بين زمن كان جميلاً، وزمن هو أغبر اليوم.

كيف يبدو القضاء بين زمنين؟

محمّد سعادة: القضاء في أوله كما سبق أن ذكرتم، أنه تطبيق لأمر الله سبحانه وتعالى من خلال ما ورد في القرآن والسنّة.

فقال تعالى في كتابه العزيز "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"، وهذا القضاة كثير منهم كانوا يخشون الله سبحانه وتعالى في تطبيق القضاء وفصل النوازل بين الناس. لكن العصور تقدّمت وتغيّرت وظهر قضاة هم أضعف الإيمان، وهم يتأثّرون بغيرهم.

هنالك أسباب وعوامل متعدّدة منها ما كان مصدرها السلطة، ومنها من كان مصدرها الناس، رجال الأعمال مثلاً، أو الأثرياء ويغرون هؤلاء القضاة ضعاف الإيمان، ويتأثرون بهم فتجد الأحكام هي مغايرة للواقع.

ثم من ناحية أخرى كثير من الأحكام وما ساعد في تغيير أحكام الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم  فانخرمت المجتمعات، لأنه دخلتها الفوضى ثم من ناحية أخرى.

يحيى أبو زكريا: د. محمّد كامل في هذا السياق إذا تركنا القضاء الشرعي جانباً قضاة اليوم لا يحكمون بالشريعة الإسلامية أو بحلال الله وحرامه، سلّمنا هم يخالفون حتى القوانين الوضعية والدساتير. يسجن إبن وزير يأتي اتصال إلى القاضي فيطلق سراح إبن الوزير، يسرق وزير يسجن لسويعة سويعة في فندق، يأتي اتصال من الرئيس أو إبن السيّد الرئيس أو إبن جدّة خالة عمّة السيّد الرئيس ليطلق سراحه.

اليوم الخيانة ليست لكتاب الله وسنّة رسوله فقط، بل خيانة حتى للدساتير الوضعية، والقوانين الوضعية. بات القضاة كالأغنياء تماماً سيارات فارهة، وفيلات فخمة وأرصدة متفجّرة، والشعب لا يستطيع أن يتكلّم.

محمّد سعادة: ولهذا انخرمت المجتمعات، وانتشر الظلم بين الأفراد والجماعات، وأصبحت انتهاكات وجرائم تقترف من بينها الرشاوى، ومن بينها السرقات، ومن بينها طلب قضاء الحاجات.

يحيى أبو زكريا: الرشا

محمّد سعادة: والرشا كذلك، هذه كلها أمور كانت سبباً من أكبر أسباب انخرام المجتمع الإسلامي، ولهذا سادت الفوضى في المجتمع الذي لا يطبق قضاته أحكام الشريعة. ولقد داخلت في نفوسهم الضعف، وأصبحوا يخافون من الناس ويخافون من صاحب الإمارة، وصاحب الحكم.

ولهذا أصبح المجتمع الإسلامي في انخرام، وأصبح أفراده متفرّقين، وبطبيعة الحال يؤدّي بهم هذا الانخرام إلى ارتكاب الكثير من الجرائم وانتشار الظلم.

لماذا نسمع ونرى ونشاهد اقتراف الجرائم في المجتمع، ويصل الأمر حتى إلى الأسرة، وبقية الأقارب، وإلى كثير من الناس، وأصبحنا نشاهد ونرى ونسمع جرائم تقترف في الأسواق والحافلات، كل ذلك سببه الظلم.

يحيى أبو زكريا: د. محمذد كامل، إبن خلدون وهو من مغربنا العربي الكبير، يقول في المقدمة، الظلم مؤذن بخراب العمران، والله ما خرب العالم العربي إلا بسبب الظلم.

أرجو أن تبقى معي.

شيخ مصطفى، طبعاً هو أشار إلى متاهات القضاء، وانحرافات القضاء، ناهيك عن تأجيل حقوق المحقين. يعني أنت ترفع دعوى مثلاً على شخص ظالم في مديرية أو رئاسة أو وزارة، ترفعها وعمرك عشرون سنة، لا يأتيك الرد إلا إذا بلغت سبعين سنة، يعني عندما تبلغ من الكبر عتياً يقال لك هنالك أمل في أن يصدر القاضي حكماً.

أليس هذا ضحكاً على الذقون؟ أليس تأجيلاً للحقوق؟ أليس تدميراً للحقوق؟

لكن بالعودة، ما هو تأثير القضاة الفاسدين على مصير الأمّة والمجتمع والدولة؟

مصطفى ملص: هو القاضي أو الشخص الذي يدعى لتولي القضاء، إذا كان لا يجد في نفسه القدرة على أن يلتزم جانب الحق في أحكامه، فعليه ألا يقبل بتولّي القضاء، حتى لا يكون سبباً في ضياع حقوق الناس، أو تأخير هذه الحقوق. وأنا أذكر قصة بالتاريخ، يقال أن الخليفة المنصور استدعى الفقيه الإمام أبي حنيفة، وقال له: أريد أن أوليك القضاء، فقال له أبو حنيفة: أنا لا أصلح لذلك. فغضب الخليفة، فهو يعرض عليه القضاء، ويقول له لا أصلح لذلك، قال له: كذبت، أنت تصلح. قال: ألم أقل لك أني لا أصلح، فالكاذب لا يكون قاضياً.

يحيى أبو زكريا: أحسنت

 

مصطفى ملص: القضاء كما نعلم أحياناً كثيرة، خصوصاً في هذا الزمن أن القضاء هو سلك مترابط، وهناك درجات.

يحيى أبو زكريا: وهو ضمن السلطة، والسلطات التي تصنع القرار.

مصطفى ملص: هو يسمّى السلطة القضائية.

يحيى أبو زكريا: في قبال السلطة التشريعية والتنفيذية.

مصطفى ملص: ذكرت حضرتك في مجال تأخير الدعاوى، فعلاً هناك دعاوى تقام، وتمضي سنوات ليبتّ بها. طبعاً هذا الأمر خاضع أولاً للإجراءات، وثانياً لكثافة الدعاوى المعروضة أمام المحاكم.

اليوم أنت تدخل على القاضي، فتجد أمامه في اليوم خمسين ملفاً أو سبعين ملفاً، وتجد في سجلات المحكمة الآلاف، فأصبح تأخير القضاء، والبتّ في الدعاوى بسبب هذا الأمر. وهذا في الواقع تتحمّل مسؤوليته السلطة السياسية، لأنها لا تفرّع في المحاكم، ولا تعيّن العدد الكافي من القضاة، وتعدّد الغرف بحيث يمكن أن يبتّ في الدعوى في الوقت المعيّن.

يحيى أبو زكريا: تعرف يا شيخنا، كنت أعدّ دراسة عن القضاء عند الإمام علي بن أبي طالب، فذهبت إلى الكوفة، إلى مسجد الكوفة، معروف للعراقيين، والذين يزورون العراق، وهنالك في داخل مسجد الكوفة دكّة القضاء، هي دكّة كان يجلس عليها علي إبن أبي طالب، الذي وصف في تاريخ الفكر الإنساني بأنه أعدل الناس، وباعتراف الأمم المتحدة أيضاً. وكان يقاضي وبحسب دراسة، حتى في دجى الليل، حتى في الفجر. لو أن قضاتنا في العالم العربي لا يعطلون، والأعطال في العالم العربي كثيرة، عيد الرئيس، عيد الدجاجة، عيد البقرة، لا أعرف الأعياد كثيرة.

لِمَ لا يعمل القاضي عشرين ساعة في اليوم لحل إشكالات الناس وقضاياهم؟

مصطفى ملص: أنا لا أحمّل المسؤولية للقاضي بشكل عام، لأن القاضي إذا تعب، فيجب عليه أن يتوقّف عن العمل. لا يجوز للقاضي أن يصدر أحكامه وهو غضبان وتعب، لذلك يجب توفير عدد كافٍ من القضاة للبتّ بقضايا المحكمة. لكن على سيرة الإمام كرّم الله وجهه، وقضاء الإمام علي، والإمام علي كان قاضياً حتى قبل أن يولّى الخلافة، أرسله النبي صلّى الله عليه وسلّم للقضاء في اليمن، وأنا لديّ بحث في موضوع قضاء الإمام علي بعنوان الإمام علي أول محكمة تمييز في الإسلام.

يحيى أبو زكريا: صحيح، جميل جداً

مصطفى ملص: يلاحظ، كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان يصدر أحكاماً، ثمّ بعد أن يصدر الأحكام، تعرض هذه الأحكام على الإمام علي عليه السلام، فكان عليٌ يرد أحكام عمر، ويبيّن الوجه الصحيح، والميزة الجميلة في القاضي أنه إذا عرف الحق وقف عنده، ردّ كثيراً من الأحكام، حكم عمر بشيء، فقال علي رضي الله عنه وكرّم الله وجهه، لا الحكم في ذلك كذا. فكان عمر يقف عند حكم علي.

يحيى أبو زكريا: وانظر إلى جيل الرسالة الذي رباه رسول الله، ما كان عمر ليغضب ويتفرعن، كان يقول: لا أبقاني الله في معضلة ليس فيها أبو الحسن.

هكذا تربّى الصحابة، هكذا تربّى جيل الإسلام الوَرِع.

مصطفى ملص: هذه هي شخصية القاضي التي يجب أن نحرص عليها، أن يكون وقّافاً عند الحق، فلا ينظر إلى نفسه، ولا إلى مكانته، ولا إلى منصبه، وإنما يلتزم بالمنهج السوي لكي لا يضيع هو، ويضيّع حقوق الناس.

يحيى أبو زكريا: وهنا ندخل إلى البحث الأخطر، والأكثر أهمية شروط القاضي. ما هي الشروط التي وضعها الإسلام في الشخص الذي سوف يصدر حكماً منسوباً إلى الله تعالى؟

مصطفى ملص: في الحقيقة، وضع الفقهاء ثمانية شروط يجب أن تتوافر في شخصية القاضي: أولاً البلوغ، ثانياً العقل، ثالثاً الحرية، رابعاً الإسلام، خامساً الذكورة، سادساً العدالة، سابعاً الاجتهاد، والشرط الثامن هو سلامة الحواس. طبعاً هذه شروط نستطيع أن نقول عنها كلها أنه متفق عليها، مثلاً تخصيص القضاء بالذكور.

يحيى أبو زكريا: المرأة لا تلي القضاء.

مصطفى ملص: المرأة لا تلي القضاء، ولا تجد نصاً شرعياً أساسياً يقول أن المرأة لا تلي القضاء، والذين قالوا أن المرأة تلي القضاء جاؤوا بنصوص من أماكن أخرى، ونسبوها للقضاء.

يحيى أبو زكريا: والذين ردّوا على هذه الشبهة، يوجد قضايا خاصة بالنساء، لا يمكن للرجل أن يقحم أنفه في قضايا النساء، فنحتاج إلى امرأة قاضية تفهم في شأن النساء، وهناك تطوّرات خاصة بجسم المرأة، وما إلى ذلك، ليمكنها أن تحكم بشكل عادل.

مصطفى ملص: نحن في العصر الحاضر، هناك قضاة من النساء، وهنّ في قضائهن وتمسكهن بالحق، وثباتهن أفضل من كثير من الرجال.

يحيى أبو زكريا: والله، كانت فاطمة الزهراء أفضل من كل رجال الإسلام في تاريخ الإسلام.

شيخنا الدكتور، في سياق الشروط ذكر الشيخ مصطفى الإجتهاد، أن يكون عالماً، مجتهداً، مستنبطاً للحكم الشرعي، يعني لا ينفع أن تضع ببغاء على دكّة القضاء، وذكر أيضاً العدالة، العدالة ما معنى أن الإنسان لا يقترف الكبيرة ولا يصرّ على الصغيرة. كم قاضٍ في بلادنا العربية عندما يقضي ظلماً تهدى له قنينة خمر، وما أدراك ما الخمر؟ أو أشياء أخرى أنت تعرفها. يعني يجب أن نؤذّن ونقول حيّ على القضاة الصالحين، حيّ على القضاة الصالحين. أليس كذلك دكتورنا؟

محمّد سعادة: نعم، القاضي قبل أن يتولّى القضاء، فإنه لا بدّ من أن يمرّ في فترة تربية، تربية إسلامية صحيحة، وتجتمع لديه هذه التربية مع الكفاءة، وحُسن المعاملة. هذه عناصر أساسية لا بدّ من أن تتوّفر لدى القاضي، ثم من ناحية أخرى هذا التكوين الذي يربّى عليه القاضي، وخصوصاً التكوين الإجتماعي يجعله ينجح بين صفوف المجتمع بمختلف شرائحهم ودرجاتهم، ويغطي هذا كله مخافة الله سبحانه وتعالى، لأنه كما تعلمون أن القاضي يتعرّض إلى كثير من التدخّلات، وكثير من التأثيرات التي لربما تؤول إلى الاعتداء حتى على نفسه. ولهذا عندما يعتبر نفسه أنه يجاهد في سبيل الله لنصر العدل، فإنّ هذا العمل الذي يقوم به هو عمل جليل، وقاعدة أساسية لازدهار المجتمع، وانتصار العدل بين أفراده وجماعاته.

ولا بدّ من توافر عناصر أساسية حتى ينجح القاضي في مهمته، والقاضي النزيه لا يخشى في الحق لومة لائم، وهو كما تعلمون يجاهد في سبيل الله كما سبق الذِكر، وأنه إذا نجح في قضائه، فإن الله سبحانه وتعالى قد يجازيه الجزاء الأوفى.

يحيى أبو زكريا: وقد وعد دكتور، حديث المصطفى روحي فداه أن القاضي الذي يحكم بالحق، وهو عالم به مآله إلى الجنة، أما الذي يخلط ويزبد فالنار مثواه يوم القيامة. هذا رسولنا واضح.

شيخ مصطفى، بإيجاز شديد. القاضي يدخل هذا إلى السجن، يخرج ذاك من السجن، يقف مع الحاكم والظالم، هو مطيّة لذوي النفوذ أحياناً. عندما يخطئ القاضي، مَن يحاسبه؟

مصطفى ملص: أولاً اليوم في عصرنا الحاضر، لأن التكلّم في الزمن الماضي لا يُجدي. في هذا الزمن الذي نعيشه اليوم، القضاة ملزمون بنصوص قانونية ثابتة في القوانين والدساتير، والقاضي مُلزَم أن يتقيّد بالنصّ، واليوم القضاء على درجات، فإذا كان القاضي في البداية إذا لم يلتزم بالنصّ، تستطيع أن تستأنف، ومحكمة الاستئناف تُعيد الأمر إلى صوابه. والرقابة هنا هي رقابة الضمير، لأنّ رقابة القاضي سلطة استنسابية في تقدير الأمور والوقائع والأحداث.

يحيى أبو زكريا: لكن شيخ مصطفى، ألم يبلغك، وهذا ختام الكلام، ألم يبلغك أنّ الضمير العربي مات، مات الضمير العربي، إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

شيخ مصطفى ملص شكراً جزيلاً لك، أمتعتنا، كنت معنا من لبنان الحبيب الذي نحبه ونعشقه. الدكتور محمّد الكامل سعادة الشريف من تونس الخضراء الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا، نسأل الله أن يرزقنا قضاةً عادلين، وحكاماً صالحين، وعلماء أتقياء، وأمّة واعية، وفكراً ثاقباً، وحضارة ناصعة.

هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

حياك ربي إنشاء الله، شكراً جزيلاً لك، أدامك الله.

مصطفى ملص: حفظك الله.

كتاب "السلطة القضائية ونظام القضاء في الإسلام – الدكتور نصر فريد واصل

 

من أهم دعائم السعادة والاستقرار والطمأنينة بين الناس أن يستقر العدل بينهم، كي يطمئنّ الجميع إلى حقوقهم، أغنياء كانوا أو فقراء أو أقوياء أو ضعفاء .. فليس أدعى إلى الشقاق والفتن من سلب الحقوق وسطو الأقوياء على حقوق الفقراء، وتسلط الجبارين الآمنين والمسالمين في غيبة العدالة بين العباد، فهذا من شأنه أن يهدد المجتمع بالأخطار التي تحمّل الناس ما لا طاقة لهم به من آثار الخصومات والضغائن والأحقاد والفتن التي تقضي على الأخضر واليابس وتهدد الأمن والسلام.

بدأ المؤلف كتابه بمقدمة يعدد فيها النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تجسد اهتمام الإسلام بتحقيق العدل بين الناس، ومن أبرزها قول الحق سبحانه إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. ولأنّ القضاء هو وسيلة تحقيق العدل بين الناس كان اهتمام الإسلام به، وقد تعددت مظاهر هذا الاهتمام وتنوعت، فأولى الفقهاء المسلمون القضاء عناية كبيرة وأوضحوا الآداب والضوابط الحاكمة له، وأبرز ما يحتاج إليه من تنظيم وخصصوا له مكاناً بارزاً ضمن أبواب الفقه الإسلامي، ونادراً ما يخلو كتاب من كتب الفقه على اختلاف مذاهبه من بحوث تتعلق بالقضاء، لأنه أكثر أبواب الفقه تطبيقاً وصلة بالحياة.