لعبة الأمم

برنامج حواري أسبوعي يرصد القضايا والملفات السياسية الساخنة أو الباردة الإقليمية والدولية من منظار جيو - سياسي. يقارب ما تفرضه الجغرافيا بكل عناصرها من متغيرات في تحديد السياسات العامة للدول وبالتالي في رسم الاستراتيجيات السياسية والامنية والعسكرية.

هل تعود الجيوش العربية إلى واجهة السياسة؟

تحرك الجيش فوضع حداً لعَهدَي الرئيسين الجزائري والسوداني، قبلهما تحرك الجيش فوضع حداً لعهد الرئيس الإخواني المصري محمد مرسي. وفي دول أخرى لعبت الجيوش دوراً أساسياً في الحفاظ على هذه الدول، كي لا يتكرر نموذج العراق بعد الاجتياح الأميركي البريطاني. هل تعود الجيوش إلى واجهة السياسة في الدول العربية ولمن ولاؤها الفعلي؟

 

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "لعبة الأمم" عبر قناة "الميادين". ما حصلَ في (الجزائِر) و(السودان) من تحرُّكٍ للجيشين لإنهاء عهديّ الرئيسين "عبد العزيز بوتفليقة" و "عُمر حسن البشير" وما حصلَ قبلهما من عودة الجيش إلى السُلطة وإبعاد "الإخوان المُسلمين" كما الحال في (مصر) بشخص الرئيس "عبد الفتّاح السيسي" وما نراه في دول أُخرى من مواقف الجيش إلى جانب السُلطة كما هي الحال في (سوريا) أو تفكُّك المؤسسة العسكرية والسياسية بفعل الاجتياحات الغربيّة كما حصلَ في (العراق) وغيره، يدفعنا كلّ ذلك في هذه الحلقة إلى بحثٍ أعمق حول الجيوش العربيّة ودورها في حماية القرار الوطني أو صناعة القرار أو الانقلاب على السُلطة السياسية خصوصاً قُبيل وخلال وبعد ما وُصِفَ بـ "الربيع العربي"، فلماذا كلّ هذه الجيوش العربيّة أصلاً؟ هلّ ساهمت فعلاً في الدفاع عن الوطن العربي الكبير ضدّ أعدائِه؟ أم كانت أداةً لحماية الأنظِمة والسُلطات؟ هلّ عقيدة هذه الجيوش العربيّة متشابهة فعلاً أم أنّ مُعظمها دارَ ويدور في الفلك الأطلسي وقليلها يتعاون مع (روسيا) ودول أُخرى؟ هلّ حين تحرّكت الجيوش العربيّة لاستلام السُلطة بانقلابات كانت تريد تحسين الأوضاع؟ أم كانت بيادق أطلسيّة وضحِكت على شعوبها؟ ثمّ ماذا عن نظرة الآخرين إلى هذه الجيوش العربيّة؟ فإذا كانت المؤسسة العسكريّة تحظى في عددٍ لا بأس به من هذه الدول بمحبّة الناس وإعجابهم، وإذا كانت هذه المؤسسة في دولٍ أُخرى تُسيطر على جزءٍ لافِت من ميزانية الدولة فأين دور الأحزاب والتيارات والقوى السياسية التي تُدغدغ شعوبها بشعاراتٍ رنّانة ثمّ تتلاشى كفقّاعات الصابون عند كلّ منعطفٍ وأزمة أو عند كلّ إغراءٍ سياسي أو مالي؟ "الجيوش العربية ودورها" إذاً هو عنوان حلقة الليلة من "لعبة الأُمم" ويُسعدني أن أستضيف فيها كلّاً من الدكتور "خَلَف المُفتاح" وهو كاتب وباحث سياسي من (دمشق)، يُسعدني أن تكون معنا للمرّة الأولى في هذا البرنامج دكتور "خلف"، أهلاً بك

خَلَف المُفتاح: أهلاً مساء الخير

سامي كليب: من (عمّان) الدكتور "موفّق محادين"، كاتب وباحث سياسي أيضاً وله العديد من الدراسات في الواقع حول المؤسسات العسكريّة، حول تاريخ الجيوش العربيّة وحاضرها، أهلاً وسهلاً بك. هنا في الاستديو العميد الرُكن المُتقاعِد "نزار عبد القادر"، خبير استراتيجي وله العديد من المؤلّفات ليس فقط حولَ الوضع العسكري ولكن أيضاً حول الأوضاع السياسية في المنطقة، أهلاً وسهلاً بك سيادة العميد. أهلاً بكم جميعاً إلى هذه الحلقة من "لعبة الأُمم"

المحور الأول        

سامي كليب: أهلاً بضيوفي الكرام وأهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين. سأبدأ من (سوريا)، دكتور "خلف" أهلاً وسهلاً بك كضيف جديد على برنامج "لعبة الأُمم". كان من اللازم منذ فترة طويلة أن تكون ضيفنا ولكن أن يأتي ذلك متأخّراً أفضل من ألّا يأتي أبداً كما يُقال   

خَلَف المُفتاح: شكراً

سامي كليب: لماذا في رأيك دكتور "خلف" تحرّكت جيوش عربيّة في (الجزائِر)، في (السودان)، في (مصر) والآن في (ليبيا) أيضاً وأطاحت أو ساهمت في تلبية رغبات الناس، في تغيير القيادة السياسية، بينما في (سوريا) بقيَ الجيش إلى جانب القيادة السياسية. ما الفرق؟

خَلَف المُفتاح: بالتأكيد، الفرق يعود إلى طبيعة النظام السياسي وتاريخ هذا النظام السياسي وأيضاً تاريخ الجيش. لو أخذنا في الاعتبار الجيش العربي السوري والقيادة السياسية في (سوريا) ووضعنا ذلك في إطار التمهيد التاريخي نجد أنّنا أمام قيادة سياسية في (سوريا)، أمام نظام سياسي يعود إلى عام 1963 عند قيام ثورة الثامن من آذار، وهذه الثورة بالمناسبة  قامت بها في شكلٍ أساسي القوّات المُسلّحة، الضبّاط السوريون من البعثيين وأيضاً من القوميين، وأيضاً هذه الثورة قضت على حُكم الانفصال الذي دام لمدّة سنتين والذي شكّلَ في وعي السوريين أيضاً أنّه انقلاب على الشرعيّة، على شرعيّة دولة الوِحدة، الجمهورية العربيّة المتّحدة لجهة أنّ تلك الجمهورية الوليدة قد قامت عبرَ استفتاء شعبي للشعبين السوري والمصري وفي أغلبية كبيرة، وأيضاً وافق عليها البرلمانان السوري والمصري. إذاً الجيش العربي السوري يحتفِظ بسجلّ نظيف في هذا المجال وكان له دور كبير في القيام بأدوار مُهمّة منذ الاستقلال، بل ما قبل الاستقلال. تذكّر، وهنا في سياق أيضاً حديثك، أنّ الانقلاب الأول الذي حدث في (سوريا) في عام 1949، الذي قاده "حسني الزعيم" كان عنوانه محاولة ردع القوى التي تخاذلت في الدفاع عن (فلسطين)

سامي كليب: أوكي

خَلَف المُفتاح: وكذلك أيضاً انقلاب "سامي الحنّاوي" و"أديب الشيشكلي"، ثمّ جاءت ثورة آذار. وأيضاً تذكّر أُستاذ "سامي" أنّ الوِحدة السورية المصريّة قد حدثت بفعل دافعيّة من ضباط سوريين طبعاً وقوى قومية وبموافقة وتأييد الرئيس "جمال عبد الناصر" و "شُكري القوتلي"

سامي كليب: نعم

خَلَف المُفتاح: أيضاً تاريخ الجيش العربي السوري حقيقةً لو استعرضناه نجد أنّه كان تاريخاً معبّأً بالعقيدة القومية. هو شارك في كلّ الحروب، في (فلسطين) عام 1948، في حرب عام 1967 استُهدِف، حرب تشرين عام 1973 كان هو والجيش المصري عمادها. أيضاً لا ننسى دوره في الحِفاظ على وِحدة (لبنان)، في دعم المُقاومة، في احتضان أيضاً المُقاومة الفلسطينية وصولاً إلى مُحاربة الإرهاب. إذاً، الجيش العربي السوري يحتفِظ بسجلّ نظيف وطني وقومي ما يجعله يتميّز بشكلٍ كبير عن باقي الجيوش العربيّة

سامي كليب: حسناً، سيادة العميد الآن عندنا في الوطن العربي فكرة عامّة، أنّ هذه الجيوش العربية جزء كبير منها عنده عقيدة أطلسيّة، تدرّبَ مع الأميركيين، السلاح هو أميركي في شكلٍ عام، وقلّة من هذه الجيوش عندها بُعد قومي عربي، يُعطى المثال مثلاً في (سوريا) كما تفضّل الدكتور "خلف"، في (الجزائِر) مثلاً، خصوصاً في هذه الدول وفي دول أُخرى طبعاً. فعلاً هلّ في إمكاننا أن نفصل بين هذه الجيوش في هذه التعريفات؟ أنّ هناك جيوشاً أطلسية وجيوشاً قوميّة عربيّة مثلاً؟

نزار عبد القادر: من دون شكّ، هناك عملية مُعقّدة أكثر من هذا في الواقع. أولاً الجيوش يُحكَم عليها من عُمق التنظيم المؤسساتي أولاً، ثانياً من طبيعة النظام السياسي القائِم وثالثاً من علاقة المؤسسة العسكريّة بالمُجتمع المدني. يعني هذه ثلاثة عناصر مهمّة جداً. الآن، التدريب يأتي في مرحلة لاحقة وأعتقد أنّ هذا له تأثير مُباشر على عقليّة الضباط ورؤيتهم للمُجتمع ورؤيتهم للنظام ورؤيتهم، هلّ هُم في خدمة النظام أم في خدمة الدولة، يعني هناك فرق كبير ما بين أن تشعُر بأنك تخدُم نظاماً أو شخصاً حاكماً أو تخدُم الدولة القائِمة، كلّ هذا له تأثير في التدريب. المرحوم الرئيس "فؤاد شهاب" الذي أسّس الجيش اللبناني، عندما تخرّجت أنا من المدرسة الحربيّة ولسنوات طويلة، كان لا يُرسِلنا إلى الوحدات اللبنانية قبل أن نقضي سنة في مدرسة في الخارِج وخاصّةً في (فرنسا). كان الهدف من ذلك الاطلاع على دور الجيش

سامي كليب: عفواً ولكن كانت المدارِس غربيّة في شكلٍ عام التي تذهبون إليها

نزار عبد القادر: إجمالاً نعم. كان الهدف من ذلك أنّه يجب أن يرى الضابط ويعيش ضمن مؤسسة عسكريّة تخدُم ضمن نظام ديمقراطي لأنّ هذا ينعكِس في ما بعد على تصرّفاته على قراراته وعلى رؤيته للدولة ودوره في المُجتمع

سامي كليب: ولكن غريب سيادة العميد أن يُرسِلكم إلى الدولة التي كانت مُستعمِرة (لبنان) لكي يُشاهِد نظاماً ديمقراطياً، في النهاية هذه الدول كانت تستعمرنا عملياً

نزار عبد القادر: شوف، نظرتنا عندما استقلّ (لبنان)، صحيح نلنا استقلالنا من الانتداب، نحن والجيش السوري كنّا نُشكِّل وِحدة في الأساس إسمها "قوّات الشرق الخاصّة". يعني في النتيجة نواتنا كانت إذا أردت متأثرة إلى حدٍّ بعيد بإيديولوجيّة ونظرة

سامي كليب: الجيوش الغربيّة

نزار عبد القادر: جيش نابوليون الكبير، من ذاك التراث إلى ما ذلك. لذلك لم نكن نذهب إلى هناك إلى دولة مُستعمِرة بل على العكس، كانوا يحترموننا جداً ويُعاملوننا كضباطهم تماماً

سامي كليب: سيّد "محادين" أهلاً وسهلاً بك في هذه الحلقة، قرأت لك كلاماً كثيراً عن الجيوش العربية في التاريخ والحاضر، قبل أن نتوقّف عند بعض المسائل التي عالجتها وكانت مُهمّة جداً في الواقع دعني أسألك، هلّ تعتبر تحرُّك الجيشين حالياً السوداني والجزائِري وقبلهما الجيش المصري لحسم الوضع وعدم التدهور أكثر والالتفاف على حركة الشعب لمُساعدة الشعب أو ربما للالتفاف عليه طبيعية في هذه الظروف؟ يعني هذه الحركات حمت هذه الدول الثلاث؟

موفّق محادين: أولاً مساء الخير

سامي كليب: أهلاً وسهلاً بك

موفّق محادين: إسمح لي أولاً بتحضير أو بتقديم أو بفرشة حول ما يجري وهو تعليق يُكمِّل ما بدأه الزميلان الضيفان

سامي كليب: تفضّل

موفّق محادين: الجيوش العربيّة تحكُمها قواسِم مُشتركة من جهة وتباينات سياسية من جهة أُخرى. القواسم المُشتركة ذات طابع بنيوي، الجيوش العربية أولاً الضباط في معظمهم ينتسبون إلى الفلّاحين، إلى الريف، هم عمليّاً انخرطوا في فترة الحرب العالمية الثانية بدافع الحاجة لهم في الحرب. ثانياً هذا الجيش في الحال العربيّة في شكلٍ عام شكّلَ ويُشكِّل الناظم المركزي الخارِجي لمجاميع وليس لمُجتمعات، مجاميع لم تتبلور بعد، لم تتحوّل إلى ظاهرة شعبيّة، إلى ظاهِرة مدنيّة. في هذا المعنى الجيوش ليست ثكنات، ليست مهمّتها حماية الحدود، هي جزء أساسي من البُنية الاجتماعية للدولة بل أنها مؤسِّسة للدولة وسابقة لها في بلدان عديدة. البُعد الثاني أنّ الجيش في الحال العربية كما يُقال، الجيش مُقابل إمّا أن يكون الجيش مُقابل "قُريش" أو أنه مُقابل أو بديل للبرجوازية التي لم تتشكّل في بلادنا كما تشكّلت في الحال الأوروبية لأننا نحن نتحدّث عن ظلال أو امتداد لهذه الحقبة، حقبة الثورة البورجوازية الرأسمالية. أيضاً الجيوش في الحال العربية، من القواسم المشتركة لها أنّه حيثُ أدّى "ربيع" الفوضى الإسلامية الأميركية بين قوسين إلى ملايين القتلى والمُشرّدين والدمار، معظم الانقلابات العسكرية على مدار خمسين عاماً لم تُقدِّم ولم تتسبّب إلّا في قليل من القتلى والخسائِر والدمار. مثل آخر في هذه الفرشة، الجيش هو المُكوِّن الأساسي في المُجتمع السياسي أي الدولة. يعني الجيش ليس أداة في الدولة، الجيش مُكوِّن أساسي من مكوِّنات الدولة، بل أنّ الجيش يُنافس المُجتمع المدني، يعني الحراك المدني الذي يتحدّث عن نقل السُلطة إلى مُجتمع مدني، الجيوش في الحال العربية تكاد تُشكِّل نموذجاً للحال المدنيّة أكثر من الحراك المدني لأننا أمام عشرات بل مئات الآلاف من الجنود والضبّاط الذين يعيشون معاً وهُم عابرون، عابرون للطوائِف وعابرون للعشائِر وعابرون للقبائِل. فالجيش، أنا أعتقد أنّه ينبغي أن يُقارَب في شكلٍ جديد ليس بوصفه ثكنة، ليس بوصفه مُجرّد أداة من أدوات الدولة

سامي كليب: سيّد "موفّق محادين"، حضرتك أصرّيت أن تفرِد هذه المُعالجة الاجتماعية السياسية لمُعالجة الجيش قبل الجواب على السؤال وأنا كنت أودّ أن أسألك عمّا تفضلت به بعد قليل ولكن لا بأس، فليكن تمهيداً. الآن عندنا ثلاث حركات حصلت في الدول العربية وسوف نتحدّث عن الأُخرى؛ في (مصر) الرئيس "عبد الفتّاح السيسي" على رأس قيادة الجيش عملياً أطاحوا بـ "الإخوان المُسلمين" بعد تحرُّك أيضاً شعبي تضامنوا معه وجزء كان مع الإخوان. في (الجزائِر) الجيش أيضاً تلقّف مطالب الناس، والجيش محبوب في (الجزائِر) وعنده عراقة وتاريخ وهو كان جيش الثورة عملياً، وساهَم في إبعاد أو إنهاء عهد الرئيس "عبد العزيز بو تفليقة". الآن نُشاهد الشيء نفسه في (السودان)، دخل الجيش، ولكن ثمّة من يقول بين الناس أنّ هذا انقلاب على الناس وليس ذهاباً في اتجاههم. لذلك أنا سألت عن هذه الحالات الثلاث

موفّق محادين: أولاً أنت استخدمت تعبيراً دقيقاً جداً وهو الناس. أولاً هناك شارِع ونحن أبناء الشارِع مئة في المئة، أيضاً تحميل الشارِع العربي هذه المُفردات التي أنجزها الغرب، يعني يُمكن الحديث مثلاً عن جمهور، عن أهال، عن أناس، يعني أيضاً هذه المسألة، أن تحتكر كُتلة مُعيّنة من الناس كما لو أنّها هي تُعبِّر عمّا يُسمّى بحال الشعب وأنا أعتقد أن الشعب بالمفهوم القانوني الحديث في العالم، يعني ربما في الوطن العربي يُمكن الحديث عن شعب مصري في شكلٍ ما ولكننا في الحال العربية لا زلنا أمام مجاميع جهويّة وعشائِرية تحتاج إلى ناظِم مركزي خارجي يمنعها من الانفجار في لحظات الأزمات

سامي كليب: أوكي

موفّق محادين: على أيّة حال، في الحال التي تحدّثت عنها نعم أنا أرى أنّه إذا كان "الربيع العربي" أو ما يُسمّى بالربيع العربي الذي شكّلَ الإسلام الأميركي ركيزة أساسية فيه، إذا كان هذا الربيع قد استهدَف تحطيم الجيوش أو استنزافها بذريعة تغيير الأنظِمة، لأنّ الأميركيين عندهم الآن برنامج وهو يُعلَن في معهد (واشنطن) باستمرار، أنّ الشرق في حاجة إلى حكومات وليس في حاجة إلى دول. يعني يُمكن أن تُشكِّل حكومة في الضفة الغربية ولكن لا توجد دولة في الضفة الغربية، بمعنى حكومات بلا سيادة لا في الخارجية ولا في الأمن ولا في إلى آخره. أنا أعتقد الآن، هناك مُراجعة يبدو عند بعض المتروبولات بالإضافة إلى بعض القوى الوطنية والعواصم مثل ربما (روسيا) وربما (الصين) إلى آخره، ربما هناك مُراجعة أنّه بسبب تداعيات الفوضى الخطِرة التي أطلقها الربيع العربي خاصةً بالمناسبة في (أفريقيا)، أنا أتحدّث الآن عن خصوصية (أفريقيا) التي تهُم الأوروبيين بشكلٍ خاص، أطلقت المُهاجرين، أطلقت الإرهابيين، أيضاً حتّى الإسلام الناعم لم يعُد إسلاماً ناعماً عملياً، هو محاولة 

سامي كليب: لنصل أُستاذ "موفق" إلى نتيجة، نعم، النتيجة    

موفّق محادين: النتيجة أنّ هناك مُحاولة لإعادة الاعتبار لهذه المؤسّسة العسكرية التي جرى تدميرها في سبيل ترميم حالات مُعيّنة يُمكِن إدارتها في شكلٍ أو في آخر

سامي كليب: ممتاز. سيادة العميد، ما تفضّل به في النهاية الأُستاذ "موفّق" هو الآن النُقطة التي نُركِّز عليها. هلّ نحن في صدد إعادة الاعتبار للمؤسسات العسكرية في الدول العربية بعدما فشِلت التجارب الأُخرى وصارت هي الضمانة الوحيدة، وإذا أُعيد الاعتبار هلّ يُعاد الاعتبار بمنظومة أطلسيّة أميركية لهذه الجيوش لكي تقول أنّه تمّت تجربة الأحزاب وفشِلت، تمّت تجربة الإسلام السياسي وفشِلت، الآن لم يعُد هناك إلّا الجيوش في هذه الدول

نزار عبد القادر: أولاً، تحصيل حاصل في كلّ دول العالم الثالث وحتّى في العالم المتطوِّر. مثلاً الكليّات العسكرية الأميركية تعلّمك الفرق بين الدفاع والخارجية، أكبر مؤسسة عادةً هي المؤسسة العسكرية في أيّة دولة من الدول حتّى في دول العالم الثالث. لذلك من هنا، تُعتبر هي العامود الفقري للدولة وللنظام ولقوّة النظام وأيضاً للدفاع إذا قلنا أنّ هناك دفاعاً عن الحدود. من هنا أهميّة المؤسسات العسكرية، في الدول الناشئة مثل دولِنا، تلعب دوراً أساسياً ومهماً جداً ولكن ليس هناك نموذج واحِد يُمكن تعميمه على كلّ الدول العربية

سامي كليب: صحيح

نزار عبد القادر: هناك تسعة عشر جيش عربي

سامي كليب: يعني الذي حصل مثلاً الآن في (الجزائِر) وفي (السودان)

نزار عبد القادر: دعني أُعطيك مثالاً. هناك جزء من جيوش أو جيوش انحازت فوراً إلى جانب الشعب أو الثورة أو الانتفاضة الشعبية وباركتها وساهمت في إنجاحها على الأقلّ مرحلياً كي لا نقول إلى النهاية. جيوش أُخرى انهارت وانقسمت على نفسها وكان الجيش الليبي والجيش اليمني مثلين بارزين. جيوش أُخرى انتفضت ضدّ الانتفاضة وحوّلتها فوراً وبعد أشهُر عديدة إلى أهداف لدباباتها ومدفعيّتها وتحويلها إلى جماعات إرهابية في أقلّ من شهرين من بداية الحراك كما حدث في (سوريا) تماماً. لذلك ومن هنا ليس هناك من نموذج واحد. مثلما قلت أنا، الموضوع يتعلّق بالمؤسسة، بالدور الذي انطلقت منه هذه المؤسسة عندما جرى تأسيسها وأيديولوجيتها، وثالثاً علاقة الضبّاط وعلاقة الجُند بالمُجتمع. يعني مثلاً القيادة المصرية كانت تُقدِّر تماماً، وأنا أُشاركهم هذا الرأي، أننا لو طلبنا من الجُند الذين كلّهم من المُجنّدين وأولاد الشعب أن يُطلقوا النار على الأهالي في "ميدان التحرير" لربما كان رفض قسم كبير منهم وأدّى ذلك إلى كارِثة. لذلك ومن هنا، علاقة الجيش بالشعب وعلاقة الجيش لاحقاً بالدولة وبالنظام في حدّ ذاته، مثلاً نظام يُقطِّع أوصال المؤسسات الأمنية والعسكرية ويجعلها تتنافس في ما بينها وكلّها تتنافس على الولاء له لا يُمكن اعتبارها ستقوم، كما قام الجيش المصري أو الجزائِري

سامي كليب: قبل أن أُعطي الكلام للدكتور "خلف" لكي يرُدّ تحديداً على النُقطة المُتعلِّقة بالجيش السوري، يعني حضرتك وكأنّي أفهم منك تؤيِّد ما فعله الجيش المصري في (مصر) وتُخالف ما فعله الجيش السوري في (سوريا)

نزار عبد القادر: شوف، مع كلّ أزمة، أولاً طبيعة الأزمة ومُدّة الأزمة وطبيعة العُنف الذي ظهَرَ في هذه الأزمة، يتصرّف الفريق الآخر. ولكن الجيش المصري هو في خدمة الدولة المصريّة ولم يكن أبداً في خدمة الحاكم. الجيش الجزائِري هو في خدمة الأُمّة الجزائِرية ولم يكن في خدمة الحاكم منذ تأسيسه إلى اليوم

سامي كليب: والجيش السوري؟

نزار عبد القادر: الآن، الجيش السوري في عهد "البعث" في الواقع تحوّلَ إلى أداة للنظام وليس للدولة أو للأُمّة السورية، والدليل هو هذه السلوكية التي سلكها والنتائِج الكارثية التي نتجت من هذه المُجابهة بين القوات المُسلّحة وجزء كبير من الشعب السوري، هذا واقع، وأنا كتبت كتاباً عن هذا الموضوع إسمه "البركان السوري نحو سايكس بيكو جديد"

سامي كليب: لو لم يكن معنا الدكتور "خلف المُفتاح" كنت أنا أجبت بالتفصيل على السؤال. دكتور "خلف" لن أُعطيك الكلام الآن وإنما بعد الموجز لكي تأخُذ مجالك بالردّ على كلّ ما تفضّل به سيادة العميد وأيضاً الضيف من (الأُردن)، لحظات ونعود إليكم بعد موجز الأخبار، ابقوا معنا إن وجدتم هذه الحلقة مفيدة لكم

المحور الثاني                     

سامي كليب: أهلاً بكم مُجدّداً أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين" نتحدّث فيها عن الجيوش العربيّة خصوصاً بعد ما حصل في (الجزائِر) و(السودان) في الأيام الماضية وما حصَلَ قبل ذلك في (مصر) وما يحصل على مُستوى الوطن العربي، هلّ نحن في صدد عودة الأولويّة لدور الجيوش بدل السياسة أو كداعِمة للسياسات المحليّة؟ وهلّ ولاء هذه الجيوش هو للداخل؟ هو للعروبة؟ للقومية؟ للصراع مع (إسرائيل)؟ أم أكثر في اتجاه الأطلسي؟ أعود وأُرحِّب بضيوفي من (دمشق) الدكتور "خلف المُفتاح"، كاتب وباحث سياسي. من (عمّان) "موفّق محادين"، كاتب وباحث سياسي أيضاً. في الاستديو العميد الرُكن المُتقاعِد "نزار عبد القادر" وخبير استراتيجي وكاتب. دكتور "خلف"، لمن انضمّ إلينا الآن عبر "الميادين"، كان العميد "نزار" قال أنّ الجيوش كانت مُنقسمة، بعضها كان مع الناس، بعضها كان مع السُلطات وحين تحدّث عن الجيش السوري، عن جيشكم، قال أنّه كان أداة للنظام وليس للدولة وليس للأُمّة ولذلك رأينا النتائِج الكارثية لما حصلَ في (سوريا) وأشار إلى حزب "البعث"، إلى حزبكم تقريباً. تفضل إذا كان عندك ردّ

خَلَف المُفتاح: الواقع يرُد والتاريخ يرُد وأنا قدّمت في البداية أُستاذ "سامي" واستعرضت تاريخ الجيش العربي السوري وسجلّه، سجلّه الوطني وسجلّه القومي، ولولا الجيش العربي السوري لكنّا في أكثر من (لبنان)، لكان هناك (لبنانات)  ربما على حوامل طائِفية وعرقيّة ومذهبية ولكن الجيش السوري هو من حمى (لبنان) وهو من حافظ على وِحدة (لبنان) وهو من أيضاً دعم المُقاومة، الجيش السوري هو من لا زال يجعل من (فلسطين) عنواناً كبيراً له، والجيش السوري هو من قاتل في كلّ الساحات القومية والوطنية، وأنا استعرضت قبل قليل المفاصل في تاريخ هذا الجيش منذ قيام الوِحدة المصرية السورية عام 1958 إلى أيضاً إسقاطه لنظام الانفصال في عام 1963 إلى قيادة الثورة، ثورة "البعث" في عام 1963، وبالتالي الحروب التي كانت بين العرب و(إسرائيل) كان الجيش السوري هو المُشارِك الأساسي فيها. عام 1948 وفي عُدوان 1956 على (مصر) وفي عدوان عام 1967 وفي حرب تشرين عام 1973 وأيضاً فيويقف نزيف الدم في (لبنان) عام 1976، وأيضاً الجيش السوري قام بتدريب الآلاف من الضبّاط في (ليبيا)، في (اليمن)، في (الجزائِر)، وقاتل أبطاله في كلّ الساحات. واليوم الجيش العربي السوري هو من واجه الإرهاب، هذا الذي أسماه حراكاً هو إرهاب موصوف بالتأكيد. مئات آلاف الإرهابيين جيء بهم من كلّ مكان ودُفِعَ بهم في اتجاه (سوريا)، واليوم الكلّ يتحدّث عن تحالُف دولي للحرب على الإرهاب وبالتالي الإرهاب هو حال موجودة، وحقيقةً من هزمها هو الجيش العربي السوري. وإذا عُدنا إلى الحراك يتذكّر الجميع أنّه في عام 2011 بعد أن كان هناك نوع من الحراك في (سوريا)، القيادة السورية وعلى رأسها السيّد الرئيس "بشّار الأسد" استجاب لكلّ المطالِب التي كانت لمجموعات من المواطنين عبر وفود أمّت العاصمة والتقاها السيّد الرئيس، وقمنا بحزمة إصلاح واسعة إذا كان الهدف هو الإصلاح أو ربما التطوير وهذا ما حصل حيث أنّه خلال أكثر من شهرين تمّ إصدار العديد من المراسيم بحيث أنّها استجابت إلى ما كان يُعلَن أو هو مطلبياً ولكن كان الهدف هو تدمير الدولة السورية، تدمير الجيش العربي السوري وأيضاً تدمير مُحور المُقاومة، وأعتقد أنّ الذي جرى في (سوريا) كان استجابة للفِكرة الإسرائيلية منذ قيام الكيان الصهيوني، وأتمنّى أُستاذ "سامي" أن تُعطيني فُسحة من الوقت لكي أُفسِّر ذلك أو أُوضِّح ذلك، نعم

سامي كليب: كلّ ما تتفضل به ولا أُعطيك الوقت؟ يا رجُل

خَلَف المُفتاح: أُريد أو أوضِح هذه الفِكرة

سامي كليب: تفضّل

خَلَف المُفتاح: لأربُط ما بين (إسرائيل) وبين ما حدث. الكيان الصهيوني، منذ عام 1948 كان رئيس الكيان "بن غوريون" يقول: علينا أن نضع في الاعتبار أنّ أيّة دبابة تأتي إلى (موريتانيا)، وهي أقصى دولة عربية، يجب أن نضع في الاعتبار أنّها قد تتوجّه يوماً ما بقذائِفها في اتجاه (إسرائيل)، فعلينا أن نضرب أيّ جيش عربي أو حتّى جيش إسلامي قد يشكّل في المُستقبل خطراً على الكيان الصهيوني. من خلال هذه المُعادلة كما تعلم كان هناك ثلاثة جيوش عربية تواجه الكيان الصهيوني وهي الجيش السوري والجيش المصري وأيضاً الجيش العراقي، فتمّ استهداف كلّ هذه الجيوش. ولعلّ حرب تشرين عام 1973 أكّدت إلى حدٍّ ما رؤية "بن غورين" عندما كانت حرب تشرين التي قادها الجيش السوري طبعاً والمصري ولكن شارَكَت فيها جيوش أو مقاتلين عرب من (العراق)، من (التجريدة) المغربية، من الطيران الجزائِري والطيران الليبي، بعض القوات من (الأُردن)، إذاً كانت إلى حدٍّ كبير حرباً عربية في اتجاه (إسرائيل) وإن كانت نواتها الأساسية هما الجيشين السوري والمصري. إذاً، صورة تشرين لا زالت تتحرّك في الوعي الإسرائيلي وبالتالي، باعتبار أنّ (سوريا) هي رأس هذه الحربة وأنّ (سوريا) لم توقِّع اتفاقيات استسلام مع العدو الصهيوني كما تعلم، (مصر) وقّعت في عهد "أنور السادات" معاهدة "كامب ديفيد"، ومعاهدة الصلح عام 1979، نعم

سامي كليب: دكتور "خلف"، إسمح لي. كلّ ما تتفضّل به لا خلاف عليه، في النهاية الجيش السوري لعِبَ دوراً محورياً في قتال (إسرائيل)، عقيدته الأساسية عقيدة عروبيّة ضدّ (إسرائيل)، قدّم مئات الشُهداء في الحرب ضدّ (إسرائيل) ليس فقط في (سوريا) ولكن أيضاً في (لبنان). ولكن سيادة العميد تحدّث عن الواقع الحالي، يقول، وهذا يطرحه أيضاً الكثير من المُعلّقين الذين لا يؤيّدون طبعاً الوضع الحالي في (سوريا). يقولون مثلاً أنّ هناك دولة كـ (الجزائِر) حين حدث غضب شعبي، أو جزء من الشعب أساسي، ضدّ الرئيس تدخّل الجيش وحسم المسألة، في (مصر) حيال "الإخوان المسلمين" نفس الشيء، في (تونس) أيضاً نفس الشيء لأنه كان هناك صراع بين "زين العابدين بن علي" وعدد من الضبّاط وفي (السودان) حالياً نفس الشيء. يعني يقول العميد أن لو أن ما حصل في (سوريا) حصل في هذه الدول وتدخّل الجيش وحسَم المسألة السياسية عملياً لما كانت أُريقت كلّ هذه الدماء وما وصفها بالكارثة الإنسانية التي حلّت

خَلَف المُفتاح: جيّد

سامي كليب: لذلك أنا أُعيد السؤال بشكلٍ مُختصر. هلّ الجيش السوري وقف إلى جانب السُلطة أم وقف إلى جانب الناس عملياً؟ وهلّ بسبب موقفه القومي العربي حصل ما حصل؟ لأنّ العميد يقول: منذ الأشهُر الأولى أُطلِقت النيران على المتظاهرين. وأنا لذلك أُرحِّب بك كي توضِح كلّ هذه المسائل  

خَلَف المُفتاح: نعم جيّد. أولاً، إذا سمحت أنا مع السؤال. أولاً الجيش العربي السوري هو جيش يُمثِّل كلّ أبناء (سوريا)، بالمناسبة الخدمة في (سوريا) هي خدمة إلزامية بمعنى أنّ كلّ أبناء (سوريا) من (الحسكة) إلى (اللاذقيّة) إلى (السويداء) يخدمون في هذا الجيش. والجيش الإلزامي أو غير المتطوعين يُشكّلون ثمانين في المئة من هذا الجيش. إذاً عملياً هو جيش من هذا الشعب، إلى جانب أن أيضاً قياداته كما تعلم، قيادات الجيش العربي السوري هي كما أشار أحد ضيوفك، أنها بالفعل من بيئة فلّاحيّة. إذاً الجيش السوري في طبيعته وفي تركيبته يحمل هذه الثقافة ويحمل هذا البُعد الطبقي. الأمر الآخر وهو الآن في اعتقادي، لننظُر إلى سلوك القيادة في (سوريا)، سلوك السُلطة في (سوريا)، هلّ أداء السُلطة في (سوريا) منذ عام 1963 حتّى الآن هو مُشابه لما جرى في (تونس)؟ هو مُشابه لما جرى في (مصر)؟ هو مُشابه لما جرى في (السودان)؟ أنا أُعطي مؤشّرات أُستاذ "سامي" في كلّ المجالات. ثورة الثامن من آذار التي قادها حزب "البعث" الذي أعطى شرعيّة للنظام خلال سبع سنوات، في العام 1970 شرعية الإنجاز لأنه غيّر في الخارطة السياسية والاجتماعية في (سوريا) من خلال التأميم والإصلاح الزراعي والتعليم والصحّة

سامي كليب: دعنا في الواقع دكتور "خلف"

خَلَف المُفتاح: نعم، إذا سمحت لي، نعم

سامي كليب: لكيلا نعود كثيراً إلى الوراء دعنا في الواقع. السؤال هو عن الوضع الحالي

خَلَف المُفتاح: نعم، دعنا في الواقع

سامي كليب: تفضّل

خَلَف المُفتاح: نعم، أنا أُعطي مؤشّرات أُستاذ "سامي"، إذا سمحت، تقول إلى ماذا ينحاز الجيش؟ ينحاز إلى سُلطة تُمثّله وتُعبِّر عن الشعب. أنا أُعطي مؤشّرات تنمية في الصحة، في التعليم، الجيش السوري في المناسبة وإذا كان ضيفك ضابطاً في الجيش اللبناني، كان تصنيف الجيش العربي السوري عام 2010 حسب المعهد الملكي البريطاني عاشِر جيش في العالم في التدريب والتأهيل والإمكانيات، وكان يُشكِل خطراً حقيقياً على الكيان الصهيوني. الأمر الآخر، كما تعلم منذ بداية الأحداث نعم خرجت أعداد من المتظاهرين بالتأكيد نتيجة الإعلام والتظهير الإعلامي وتقديم الحدث السوري على أنه مواجهة ما بين سُلطة مُستبِدّة وشعب يُطالب بالحرية. حقيقةً لو عدنا إلى الذاكرة لوجدنا أنّ مئات الآلاف من المواطنين السوريين في كلّ المُحافظات خرجوا ضدّ هذه التجمّعات واستجابت القيادة السورية بشكلٍ واضح للمطالب ولكن كان المطلوب أن تُدمّر (سوريا)، أن يكون هناك عنف وإرهاب والدليل على ذلك أنه جيء بعشرات الآلاف من الإرهابيين من (الصين) ومن (الشيشان) ومن (أفغانستان) و(باكستان) و(تونس) وكلّ مكان بهدف تدمير الدولة السورية وإخراجها من المُعادلة الاستراتيجية في مُعادلة الصراع. الجيش السوري والشعب السوري ينتميان إلى بنية طبقية وفكرية وثقافية واحدة

سامي كليب: حسناً. دكتور "موفق محادين"، أنا أعرف أنّ عندك تعليق على ما تفضل به الضيفان ولكن في شكلٍ سريع، تصنيف الجيوش العربية عبر موقع Global Fire Power الأميركي. هذا الموقع مهم سيادة العميد كتصنيف؟

نزار عبد القادر: مركز دراسات

سامي كليب: من الأساسيين يعني لأنه دائِماً يُعتمد عليه

نزار عبد القادر: نعم

سامي كليب: حسناً، يُقال التالي نراه على الشاشة: (مصر) هي الأولى عربياً والحادية عشرة عالمياً، (السعودية) الثانية عربياً والرابعة والعشرون دولياً، (الجزائِر) الثالثة، (سوريا) الرابعة والثالثة والأربعون دولياً، الخامس (العراق)، السادس (المغرب)، السابع (الإمارات)، الثامن (اليمن)، التاسع (السودان)، ثمّ (الأردن)، (ليبيا)، (تونس)، (عُمان)، (الكويت)، (قطر)، (البحرين)، (لبنان) في المرتبة الرابعة والتسعين و(الصومال) مئة وسبعة وعشرين. هذا طبعاً تصنيف أميركي للجيوش، وكما استمعنا قبل قليل أن الدكتور "خلف" كان يقول إنّ الجيش السوري كان وصَل إلى المرتبة العاشرة وطبعاً تلقّى الآن تدريبات عالية على مدى ثماني سنوات وصار أكثر ربما تهديداً لـ (إسرائيل) إذا أردنا أن نتحدّث في التهديد. حضرتك سيّد "موفق" تقول: ليس بلا معنى أن يترافق استهداف الدول وتفكيكها إلى كانتونات طائِفية باستهداف الجيوش وتفكيكها وحشد طيف متعارِض من القوى لهذه الغاية من الأصوليين والميليشيات التكفيرية إلى أوساط ليبرالية وبرتقالية وغيرها. في (الجزائِر) هذا ما يقوله الضبّاط حالياً، أنّ ثمة مُحاولة لاستهداف الجيش الجزائِري جرت مع مطلع العام 1992، في وقت الانتخابات، ثمّ الآن تجدّدت، وكأنّ (لسودان) أيضاً ثمة من يقول في الجيش أنّ هنالك استهدافاً للجيش السوداني، وطبعاً (العراق) أول استهداف كان له بعد الاجتياح البريطاني الأميركي، وفي (سوريا) كما نستمع من الدكتور "خلف المفتاح" ثمّة من يؤكِّد أنّ هذا الجيش السوري لأنه صار الأخير الذي يُقاتل (إسرائيل) عملياً أو الذي يُهدّد (إسرائيل) استهدِف. هلّ نُغالي في مثل هذا القول؟ هلّ فعلاً هذا هو الواقع؟

موفّق محادين: أنا أرى علاقة جدلية بين استهداف الجيوش وتفكيك الدول بذريعة إسقاط الأنظمة، وبين هذه الليبرالية المتوحّشة، يعني بين هذه القوى الليبرالية التي أيضاً وظّفت جماعات الإسلام التكفيري سواءً كانت ناعمة أو خشنة. أنا أعتقد أن السؤال لا يُطرَح كما نُوقِش من قبل، أعتقد أننا أمام صراع بين خطابين في حقيقة الأمر، خطاب التحرّر الوطني الذي يستلزم بالضرورة وجود دولة تحتفِظ بمواقعها السيادية والجيش يُشكِّل ضمانة وصمّام أمان لهذه المواقع السيادية في دولة سيّدة. في المُقابل، هناك خطاب ما يُمكن تسميته بالتحالف الليبرالي الذي يتّخذ من حقوق الإنسان والتحالف المدني عنواناً له، ولو دقّقنا في خطابات التحالف المدني وبرامجه لوجدنا أنّ قسماً كبيراً منها إمّا مُرتبط بشبكات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظّمات غير الحكومية أو التي تُسمّى غير حكومية وهي في المُجمل جزء من الشبكات الليبرالية التي تتحدّث عن اقتصاد مفتوح، التي تتحدّث عن لا دولة. لا تريد دولة شمولية، لا تُريد دولة تُقدِّم الدعم الاجتماعي بالسرعة والخدمات الأساسية إلى آخره. نحن أمام خطابين وأمام شارِعين. في نفس الشارع هناك قوى وطنية وديمقراطية لا شكّ في ذلك، هناك جوعى وهناك مقهورون يعني أناس مُصابون بالقهر الوطني والطبقي والاجتماعي وفي نفس الوقت هناك قوى برتقالية وقوى مُلوّنة وقوى تتخذ من الخطاب المدني والتحالف المدني شعاراً لها، يعني المسألة بالضبط هنا. في المسألة السورية، الجيش السوري وعلاقته بالدولة السورية ليس مثل الجيش في (السودان) على سبيل المثال، منذ اختطافه من قِبَل "الإخوان المسلمين" أو من  تيار في "الإخوان المسلمين" برعاية أميركية لأنّ الذي أتى بهم هو "جعفر النُميري" الذي كان مرتبطاً بعلاقات مع (إسرائيل)، هو الذي أحضر "الترابي"، هو الذي صعّد هذه الكتلة كما صعَّد "السادات" الإسلاميين، وحدثت تجارب أيضاً في (الجزائِر) وغير (الجزائر). إذاً الصراع بين خطابين، خطاب التحرّر الوطني الذي يتحدّث عن قطاع عام، يتحدّث عن دولة سيّدة، يتحدّث عن قرارات إلى آخره وله موقف من القضية

سامي كليب: هلّ من جيوش دكتور "محادين"، هلّ من جيوش تُساهِم، تساعد هذا الخيار الوطني العروبي القومي فعلاً؟ هلّ يُمكن الحديث عن جيوش في هذا الاتجاه، في دولنا العربية مثلاً؟

موفّق محادين: نعم، الجيش هنا يُشكِّل صمّام أمان موضوعي بصرف النظر عن السياسات العامة في المُجتمع

سامي كليب: أيّ جيش؟

موفّق محادين: وجوده موضوعي في حدّ ذاته

سامي كليب: أوكي، أيّ جيش مثلاً؟ أيّ جيش؟

موفّق محادين: أنا رأيي أن الجيوش عملياً وفكرة الانقلابات العسكرية ارتبطت بالتجارب الجمهورية بصراحة يعني، وفي ثلاثة مراكز أساسية للأُمّة. نتحدّث عن (القاهرة) والتجربة الناصرية وعن (العراق) وعن (سوريا)، وهذه الدول هي التي استُهدِفت، يعني الانقلاب الساداتي من جهة أطاح بـ (مصر) وألحقها بـ "كامب ديفيد"، والعدوان على (العراق)، ومُحاولة العدوان على (سوريا). عملياً هذه الدول هي التي استُهدِفت بصرف النظر عن عشرات المُلاحظات التي تقال هنا وهناك

سامي كليب: أوكي، يجب ألّا ننسى سيّد "محادين" أيضاً، ودائِماً نحن في المشرِق ننسى، أنّ هناك جيوشاً عريقة أيضاً في منطقة المغرب، عندك الجيش الجزائِري مثلاً أيضاً جيش مهم في مواقفه القومية والعربيّة. يعني الآن مَن يذهب إلى (الجزائر)

موفّق محادين: بالتأكيد

سامي كليب: مَن يذهب إلى (الجزائِر) الآن سيسمع من الجيش الجزائِري كلاماً عن (فلسطين) ما عُدنا نسمعه في الكثير من الدول العربيّة الأُخرى

موفّق محادين: لا لا، مئة في المئة، (الجزائِر) جزء من الجمهوريات التي أقامت دولتها على ثورة فيها مليون شهيد

سامي كليب: صحيح

موفّق محادين: يعني الدولة الجزائِرية دولة قامت من معركة تحرير كُبرى وهي جزء من خطاب التحرّر الوطني بالتأكيد. أنا في رأيي الجيش حتّى في مُعظم البلدان العربية، حتّى غير الجمهورية، الجيش موضوعياً حال مهمة لفكرة الدولة. الآن الأميركيين في التحضير لصفقة القرن، في التحضير لتصفية القضية الفلسطينية، الهدف الرئيس الآن تحطيم الدولة أيّة دولة حتّى لو كانت دولة صديقة لهم واستبدالها بأشكال من الحكومات منزوعة السيادة وهذه قصة أساسية. الجيش في المناسبة، الآن أخطر ما يجري في المنطقة هو ليس فقط إعادة هيكلة القطاع العام، الآن تجري مشاريع لإعادة هيكلة الجيوش وتصفيتها

سامي كليب: صحيح

موفّق محادين: وأنا أعرِف أنّ الدولة السورية قبل أن يجري الاعتداء عليها قُدِّمت مطالِب للرئيس "بشّار الأسد" لإعادة هيكلة الجيش، باللامركزية، بإلغاء (سوريا) كدولة مركزية وإدخال الكرد، تحويلهم من مُكوِّن اجتماعي أصيل في الدولة السورية إلى مكوّن مُلحق بالدولة السورية عبر شكل من أشكال الفيدرالية الدستورية وغيرها

سامي كليب: ممتاز. سيادة العميد دعنا نتحدّث فقط عن بعض السلاح الذي تحصل عليه الجيوش العربيّة. حسب معهد (ستوكهولم) للسلام (سيبل) وهو من أهم المعاهِد في التقارير العسكرية السنوية، (روسيا) هي ثاني مُصدِّر للسلاح إلى العالم بعد (أميركا) ويلي (أميركا) و(روسيا) (فرنسا) و(ألمانيا) و(الصين)، هذه الدول تحتكر وحدها 75 في المئة من مبيعات السلاح إلى العالم بين 2014 – 2018. صادرات (أميركا) من السلاح، وهنا على العرب أن يُشاهدوا تماماً ما الذي حصل، صادرات (أميركا) فقط من السلاح انتقلت من ثلاثين في المئة بين 2009 و2013 إلى 36 في المئة بين 2014 و2018. تفوّقت الصادرات العسكريّة الأميركية للأسلِحة الكُبرى بـ 75 في المئة عن الأسلِحة الروسيّة. طبعاً صادرات (أميركا) من الأسلِحة إلى الشرق الأوسط زادت بنسبة 87 في المئة بين 2009 - 2013 إلى 2014 – 2018، بالتالي تُشكِّل 35 في المئة من مُشتريات الأسلِحة في العالم ونُلاحِظ أنّ مُعظم الأسلِحة في السنوات القليلة الماضية خصوصاً في سنوات ما سُميَ بالربيع العربي جاءت إلى دول عربيّة. صارت سيادة العميد مثلاً (السعودية) أكبر مستورِد للأسلِحة في العالم بنسبة نموّ بلغت 192 في المئة. (مصر) ثالث مستورِد، (قطر) زادت مُشترياتها بنسبة 225 في المئة، (العراق) 139 في المئة زادها و59 في المئة من مبيعات الأسلِحة البريطانية تذهب إلى الشرق الأوسط. أكاد أقول إنّنا تحوّلنا إلى سوق نخاسة لشراء السلاح وأنّ هذا السلاح لم يُستخدَم ولن يُستخدَم مرّة واحدة ضدّ (إسرائيل)، إذاً لماذا نشتري كلّ هذه الأسلِحة في الجيوش العربية عملياً؟                                                      

نزار عبد القادر: هذا قد يُفسِّر في الواقع جزءاً من نقمة الشعوب على الأنظِمة، يعني هذا الجواب المُباشر. جزء من نقمة الشعوب على الأنظِمة ليست فقط نتيجة الإحباط الاجتماعي والاقتصادي، أيضاً إحباط الكرامة. يعني في ميدان التحرير رُفِعت لافتة كانت تقول: "خبز، حريّة، كرامة". من هنا، عندما لا تُخصّص في الواقع واردات الدولة لدعم الجيوش وللدفاع عن الأُمّة ولتحقيق كرامة الأُمّة والأفراد أيضاً يحدُث ما يحدُث

سامي كليب: ممتاز سيادة العميد ولكن السيّد "موفق"

نزار عبد القادر: دعني أقول لك شيئاً

سامي كليب: تفضل

نزار عبد القادر: الظروف الحاليّة، الظروف الحاليّة، أولاً أحداث الربيع العربي، التهديد الإرهابي الواسع الذي ضرب بالفِعل في أعماق البُنية العربية وليس في مكان واحد من أقصى الغرب، يعني من المُحيط الأطلسي إلى الشاطئ الشرقي للخليج، جنوباً إلى (اليمن)، كلّهم نخروا سوسة الإرهاب من جهة. من جهة ثانية الشعوب التي قامت، الحروب ما بين دعني أقول (السعودية) و(اليمن)، ثالثاً ومُهمّ جداً التهديد الإيراني، رابعاً القضاء على نظام التسلُّح في بعض الجيوش الكُبرى مثل الجيش السوري الآن بعد هذه الحرب الضروس أو الجيش العراقي، بعد الغزو الأميركي، الذي تفكّك نهائياً مع كلّ مُعدّاته. كلّ ذلك قد ساهم في الواقع في زيادة عمليّة الاستيراد للسلاح

سامي كليب: ولكن شوف، الأُستاذ "محادين"

نزار عبد القادر: الشيء الآخر الذي أُريد أن أقوله لك، الشيء الآخر مهم. نحن عندنا جانب إسمه الآن العداء وأنا لا أُريد أن أُسمّيه شيعياً سنّياً، أنا أرفُض هذا الكلام، إذا أردت أن تقول العربي الفارسي. أنا حضرت مؤتمراً مهماً جداً، كان هناك ما يُقارِب ثمانين مسؤولاً وليس باحثين عاديين وكنّا خمسة أو ستّة، من (الأُردن) كان هناك إثنان، أنا كنت من (لبنان)، وكان هناك ثلاثة أو أربعة أجانب، في (الإمارات). كان تحت شعار "أمن الخليج غير الآمن"، و"غير الأمن" يأتي من (إيران). لذلك، من هنا مثلاً كانت الفِكرة في نهاية المؤتمر، سُئِلت أنا، "كيف تختصر هذا المؤتمر؟" قلت، أُجيب بثلاث كلمات. واحد أنّ (إيران) هي العدوّ، نحن نملُك من الوسائِل وقادرون على امتلاك المزيد ويجب ألّا نسكُت بعد الآن، هذه كانت استنتاجاتي. كلّ هذه العناصر، من الإرهاب إلى الحروب إلى الانتفاضات الشعبية إلى التمدّد الإيراني، كلّها دفعت هذه الأنظِمة إلى الشعور بحال من الخطر وإلى استيراد المزيد من الأسلِحة والذخائِر

سامي كليب: ممتاز. الأُستاذ "موفّق" وجهة نظره تُناقض تماماً ما تفضّلت به، هو يقول أنّ تفكيك هذه الجيوش، خصوصاً الجيوش المركزية الأساسية، كان الهدف منه التمهيد لصفقة القرن حالياً، ولذلك نرى أنّ الجيوش التي اشترت أكثر الأسلِحة ليست في صدد الصراع الفِعلي مع (إسرائيل)، هذا واحد. إثنان، الهزّات الفعليّة حصلت في جمهوريات عربيّة معروفة بمُساندتها العسكرية المباشرة للقضية الفلسطينية تاريخياً وتبدأ من (الجزائِر) إلى (السودان) إلى (ليبيا) إلى (العراق)، حتّى إلى (لبنان)، إلى (سوريا). هذه الدول كان فيها الفلسطينيون يلعبون على ساحةٍ واسعة وعندهم مُساعدات مُباشرة عسكريّة أو سياسية ودعم جدّي. الدول التي اشترت الأسلِحة عملياً كان لا بدّ لها حسب وجهة نظر الأُستاذ "موفق" وغيره أن يكون لها أعداء آخرون غير (إسرائيل) مثل (إيران) عملياً. لو استُخدِم هذا السلاح، هلّ يُستخدم ضدّ (إيران)؟ لا يُستخدم ضدّ (إيران)، عملياً نحن نستخدمه في الدول العربية ضدّ بعضنا البعض. لذلك أنا أسأل، هلّ توافقوا على فكرة أنّ تفكيك هذه الجيوش أو صناعة جيوش جديدة هو تمهيد لصفقة القرن عملياً لكيلا يبقى أيّ مُقاوِم لا في الجيوش ولا في الشعوب؟

نزار عبد القادر: أنا في الواقع لا أعتقد أنّ هناك صفقة قرن. كلّ ما يُحكى عن هذا أنا أجد أنه، مثلما يقول "ترامب"، مثل شخص يصيد شياطين، يصيد جنّاً. أنا لا أرى أن هناك صفقة قرن لأنه ليس هناك من عناصر ماديّة أو عناصر وطنية للشعب الفلسطيني تؤمِّن في الواقع التوافق على صفقة للقرن أو غير القرن. الموضوع الآخر أنّ الجيوش العربية الآن انحَرَفت عن الاهتمام في وضع (فلسطين) على رأس قائِمة أولوياتها والسبب هو المشاكل التي تواجهها وتغيُّر العالم. يعني بعد غزو (العراق) بالفعل القوّة العربية خسِرت إحدى أهمّ مكوّناتها الذي كان الجيش العراقي والذي كان يُشكِّل العُمق الاستراتيجي لـ (سوريا) ولـ (الأُردن) ولكلّ بلاد (الشام). يعني نحن نُدرِك الدور الذي قام به الجيش العراقي، وإذا يُحبّ أن يسمعني الأُستاذ "خلف"، في سنة 1973 هو الذي أوقف الهجوم الإسرائيلي في اتجاه (دمشق) عند (سُعسُع)، عندما اصطدمَ لواء مُدرّع عراقي بمجنزرة للجيش الإسرائيلي وتدخّلَ الطيران العراقي بكثافة هائِلة وقف الهجوم الإسرائيلي. لذلك من هنا خسارة (العراق) وبروز (إيران) كمُهدِّد، والتهديد الإيراني في الواقع ليس مباشراً بين الجيش الإيراني وجيوشنا، خلقت لها إذا أردت أدوات داخل العالم العربي فشعَرَ العالم العربي أنّه بالفِعل مُهدّد في كينونته، لذلك كلّ الدول، يعني (الجزائِر) في حدّ ذاتها البعيدة عن (إيران)، جاءتها عملية الموت على يد الجماعات المُتطرِّفة والإسلامية، وهي حرب شعواء دامت كذا سنة

سامي كليب: عشر سنوات

نزار عبد القادر: يعني من هنا كان، والأنظِمة الأُخرى كان شعار (فلسطين) بالنسبة لها شعاراً لا يعدو عن كونه كلمات فارِغة. يعني أنت تعتقد مثلاً أنّ الحاكم "معمّر القذّافي" كان يعتقد هو أنه سيُحرِّر (فلسطين)؟

سامي كليب: لكن أعرِف أنه كان يُرسِل أموالاً كثيرة

نزار عبد القادر: أنا أُعطيك مثلاً يعني، ولذلك شاهدناه عندما اقتضت مصلحته 

سامي كليب: هناك دول، إسمح لي سيادة العميد هناك دول عملياً وواقعياً

نزار عبد القادر: فقط هذه الجملة

سامي كليب: هناك دول واقعياً، إسمح لي بمقاطعتك، هناك دول واقعياً ساعدت. يعني لا تستطيع أن تقول أنّ الجيش السوري لم يكن عنده المُنظّمات الفلسطينية ودرّبها وساعدها

نزار عبد القادر: لا، من دون شك، أنا لا أنكُر

سامي كليب: والعقيد "معّمر القذّافي"

نزار عبد القادر: لا أريد أن أُعلِّق من موضع الناكر للتاريخ، لا

سامي كليب: إسمح لي، أحببناه أو كرِهناه الرجُل دفعَ مليارات الدولارات للقضيّة الفلسطينية عملياً

نزار عبد القادر: لكن شوف أُستاذ "سامي"، دكتور "سامي"، خروج الجيش المصري من المعركة بعد "كامب ديفيد" في الواقع أضعف كلّ المواقف العربية وخلقَ نوعاً من القناعات بأنّ الموضوع في إزالة (إسرائيل) أو لمُحاربة (إسرائيل) قد تأجّل لعقود إذا لم نقل لمئة سنة

سامي كليب: دعنا نستمع إلى الضيفين الآخرين لو سمحت لأننا تأخّرنا معك قليلاً. دكتور "خلف"، تفضّل إذا عندك أيّ تعليق

خَلَف المُفتاح: طبعاً أتمنّى دائِماً ألّا تُصاب وجهة النظر بعُصاب سياسي أو موقف مُسبق وبالتالي تُحاوِل أن تُظهِر عكس الحقيقة. أنا أشرت في السياق أُستاذ "سامي" إلى أنّ الجيش العراقي ساهم في حرب تشرين، وهذه معروفة. ولكن بالتأكيد الجيش العراقي الذي نعتزّ به انسحَبَ بعد وقف إطلاق النار وبقيَ الجيش السوري يُحارِب لمدّة أربعة وثمانين يوماً حتّى جاءت وساطة أميركية عبر "كيسنجر" وتمّ انسحاب (إسرائيل) من (القنيطرة) وتمّ توقيع اتفاقية وقف إطلاق نار، فقط هُدنة وليست اتفاقية سلام. إذاً حال الحرب إلى الآن قائِمة ما بين (سوريا) و(إسرائيل)، وهذه مسألة يجب أن يعرِفها ضيفك الذي هو كما قدّمته ضابط في الجيش اللبناني، هذه حقيقة. الأمر الآخر، يجب ألّا ننسى الدور الإسرائيلي في إطار ما يجري، في إطار تدمير الجيوش التي أشار إليها. أنا أُعيد أنني أُمهِّد تمهيداً تاريخياً وأتمنّى أيضاً أن أُعيد. "بن غوريون" كان يقول: علينا أن نتّبِع سياسة القفز فوق الحواجز. الحواجز هي (مصر)، (سوريا)، (العراق)، وبالتالي أن نوجِد أعداء لهذه الدول بحيث أنّها تعمل طوق حولها، (أثيوبيا)، (تركيا)، (إيران). الدور مورِس في اتجاه (إيران) أيّام الشاه وكان يُشكِّل أيضاً الداعم لـ (إسرائيل)، بعد قيام الثورة انقلب الأمر وتحوّلت (إيران) من دولة داعمة لـ (إسرائيل) إلى حليف للعرب وللمقاومة وأيضاً أقامت سفارة لـ (فلسطين). أيضاً (تركيا) هدّدت (سوريا) عدّة مرّات كما تتذكّر في نهاية الخمسينات، والآن أيضاً يُعاد الإرهاب عبر (تركيا). إذاً، الجيش العربي السوري، والجيشان العراقي والمصري، كان مطلوباً إزاحته وإخراجه من المعادلة الاستراتيجية تجاه العدو الصهيوني لأنّ الجيش السوري شكّلَ صداعاً دائِماً لهذا الكيان وأيضاً قيادات ذلك الجيش. النُقطة الأُخرى، وأيضاً يجب ألّا تغيب عن البال أنّه بعد أن غزا الأميركيون (العراق) تمّ حلّ الجيش العراقي من خلال "بريمر" الذي كان حاكماً لـ (العراق)، وحاولوا أيضاً نفس السيناريو في (سوريا) عندما جاء "كولين باول" وعَرَض على الرئيس "الأسد" شروطاً رُفِضت بالكامل وتمسّكنا بالمُقاومة وتمسّكنا بخيار المُقاومة ولا زلنا إلى الآن، وما يُزعِج (إسرائيل) وأتباع (إسرائيل) وحلفاءها في المنطقة، حتّى في (لبنان)، هو أنّ (سوريا) لم تغيِّر ثوابتها لا الوطنية ولا القومية ولا أيضاً الصراع مع العدو الصهيوني. إذاً الصراع الإسرائيلي حاضر ومُحاولة استيلاد صراعات أُخرى أو حَرْف البوصلة هو هدف إسرائيلي بامتياز. صراعنا الأساسي مع العدو الصهيوني، حتّى الصهاينة أنفسهم يقولون، "صراعنا هو مع العرب". إذاً المسألة هي أنّ هناك شيئاً أساسياً هو استراتيجية إسرائيلية، استراتيجية أيضاً أميركية لتحييد الجيوش العربية وخلق ميليشيات ما تحت وطنية بدل الجيوش، وبالتالي خلق حال صراع بحيث تُصبِح (إسرائيل) هي القوّة التي تضمن أو تأمن أمن هذه الكيانات الطُفيلية. إذاً الهدف كبير، فكرة الفوضى الخلّاقة التي الكلّ يعرِفها تقوم على تفكيك هذه الدول وإعادة تركيبها بعد ضرب عقدها الاجتماعي على عامل ما تحت وطني طائِفي عرقي مذهبي، وبالتالي مِلَل ونِحَل، ونُصبِح أمام (إسرائيل) كُبرى وأمام عرب صغار

سامي كليب: أُستاذ "موفق محادين" دعنا أيضاً نذكُر بشكلٍ سريع الإنفاق العسكري للدول العربية ثمّ أطرح عليك السؤال. إجمالي الإنفاق العسكري للمنطقة العربية يُقدَّر بنحو تريليون دولار بين 2010 و2015، يعني في خلال ما وُصِف بـ "الربيع العربي". المعدّل السنوي للإنفاق العسكري السعودي في السنوات العشر الماضية نحو 26 في المئة من إجمالي الإنفاق الحكومي. سلطنة (عُمان) خصّصت لجيشها نحو 26.3% من الإنفاق الحكومي عام 2017، (الكويت) 11.3%، (البحرين) 11.8% وفي مجموع 16.9 مليار دولار للدول الثلاث ليتجاوز مجموع إنفاق دول المنطقة مئة مليار دولار في عامٍ واحد. مُعدّل الإنفاق العراقي العسكري خلال السنوات الخمس الماضية 7.5 مليار دولار. (الجزائِر) تُنفق ما يُقارب عشرة مليارات دولار سنوياً، مُعدّل إنفاق (المغرب) يتجاوز 3.4 مليار دولار. العميد "نزار" تحدّث عن عدوّ جديد هو (إيران)، وطبعاً هذا المنطق نسمعه أيضاً في عدد من الدول العربية

نزار عبد القادر: والإرهاب

سامي كليب: والإرهاب، نسمعه في عدد من الدول العربية، أنّ (إيران) تتمدّد، (إيران) تُسيطر على دول عربيّة، (إيران) صارت هي العدو الأول أو الأساسي أو الوحيد عند بعض الدول وليست (إسرائيل). هذا عملياً يُغيِّر عقيدة الجيوش أيضاً التي تعمل في هذه الدول

موفّق محادين: أولاً أُريد أن أُعلِّق على قصّة الأسلِحة

سامي كليب: نعم

موفّق محادين: هناك فرق بين سوق السلاح والجيوش العربية. هناك سوق للسلاح في مناطق ليست معنيّة بالصراع العربي الصهيوني أصلاً. هذا سوق له علاقة بالبنتاغون وشركات الأسلِحة الغربيّة والأميركية، وهذا سلاح يُرمى، يعني كلّ خمس سنوات يصير له إعادة هيكلة ويُرمى ولا قيمة له غير الصدقات وغير كذا وإلى آخره. لا بدّ من التمييز بين أهمية المؤسسة العسكرية وبين سوق السلاح لأنّ الآن تُستخدَم هذه الأرقام حتّى تُدخِلنا في معركة إعادة هيكلة الجيوش. في ما يخصّ المسألة الثانية، ليس للعرب إلّا عدو واحد الذي هو العدوّ الصهيوني، وهذا ليس عدوّا افتراضياً وليس عدوّاً مُقحَماً على التاريخ العربي. نحن أمام تناقض وتناخر رئيسي مع العدوّ الصهيوني، (إسرائيل) هي التناقض الرئيسي التناحري ولا يوجد للعرب تناقُض آخر. حتّى الأتراك دخلوا في لحظة من اللحظات وحاولوا أن يقيموا مع الإسرائيليين قوساً ورايات عثمانية في الشمال السوري و(العراق)، وحاولوا أن يضعوا يدهم على (مصراته) وحاولوا أن يُقيموا إمارة في (غزّة) بما يُكمِل الدور الإسرائيلي في الكانتونات التي في قلب المشروع الإسرائيلي. في كلّ الأحوال، حتّى (تركيا) لا يُمكن أن تتحوّل إلى عدوّ، يُمكن تشخيصها كخصم مؤقت عابر ولكن العدوّ الرئيسي للعرب هو العدوّ الصهيوني وأيّ كلام، أيّ إزاحة أُخرى هي في خدمة (إسرائيل) و(تلّ أبيب)، وهذه مسألة كلّ التاريخ منذ خمسين عاماً يؤكِّد هذه الفرضية. ثانياً، الجيش السوري والجيش العراقي والجيش المصري لم يكونوا يتسلّون بالقضية الفلسطينية، نحن نتحدّث عن نصف مليون شهيد سوري وعراقي ومصري على مدار خمسين عاماً، يعني هذا شلّال من الدم قُدِّم. يعني  إن السوريين لا يضحكون على الناس ولا المصريين في عهد "جمال عبد الناصر" ولا الدولة العراقية، قُدِّم ثمن باهظ، عشرات الآلاف، مئات الآلاف من الشهداء والجرحى وخسائِر لها علاقة ببنية الدولة وشكل الدولة وهيكلة الدولة. في نهاية الأمر، علينا أن نحشد قوانا نحو هذا التناقض التناحري الرئيسي، معركتنا الحقيقيّة مع (إسرائيل) وصفقة القرن قد لا تكون مُشخّصة بمعنى من المعاني ولكن هناك تحذيرات، هذه الاعتداءات، تحطيم (العراق)، مُحاولة تحطيم (سوريا)، هذا اللعب حول (إسرائيل)، بناء مجالات حيوية لها في كلّ مكان، لا، هذا مشروع حقيقي على الأرض

سامي كليب: أوكي. سيادة العميد طبعاً هناك رأيان، رأي أنّ (إيران) عدوّ ورأي آخر لا، أنّ العدوّ الأول (إسرائيل). هلّ حضرتك كعميد سابق مُتقاعِد، كباحث، تعتبر (إسرائيل) عدوّة؟

نزار عبد القادر: مئة في المئة. العدوّ والخطر البنيوي، الخطر المصيري هو من دون شكّ (إسرائيل) والتمدّد الإسرائيلي والطموحات الإسرائيلية خاصةً في وجود هذا الدعم الأميركي غير المحدود. يعني نحن أمام للحقيقة واقع مُهمّ جداً

سامي كليب: حسناً، جاءت (إيران) بعد سنوات طويلة، وحضرتك ضابط في الجيش اللبناني كنت والآن متقاعِد، بعد اجتياح (إسرائيل) لـ (لبنان) مرّات عديدة، بعد اجتياح الجنوب اللبناني للسيطرة واحتلال الجنوب وصولاً إلى (بيروت) لم نستطع أن نفعل شيئاً. حين جاءت (إيران) ساعدت "حزب الله" فركل (إسرائيل) ركلاً. هنا السؤال، هلّ الدور الإيراني عدوّ لأنه ساعد المقاومة أو بسبب الغياب العربي عملياً الذي كان فاضحاً عملياً؟

نزار عبد القادر: من دون شكّ. أولاً تجربة المقاومة في (لبنان)، قامت المُقاومة في وقتٍ كانت الدولة غير موجودة أو ضعيفة. كان (لبنان) في الواقع في حال اللاّ دولة عندما قامت هذه المقاومة، وهي مشكورة، وأنا لطالما نظرت إلى صالحها حتّى عام 2000. ولكن، بعد أن بدأنا في الواقع في بناء الجيش اللبناني وانسحبت (إسرائيل) وفقاً للقرار 425 باستثناء مزارِع (شبعا) التي عليها نوع من الإشكالية، كان يُمكن للدولة أن تستعيد إذا أردنا أن نقول مهمّة بناء استراتيجية دفاعية وبناء قوّة عسكرية قادرة على تأمين ما اُسمّيه أنا وفقاً لنظريّتي، والتي بُنيَ عليها الجيش الحالي في (لبنان)، نظريّة الردع المحدود القادر أن يقوم بعملية الردع التي تقوم بها المُقاومة

سامي كليب: هذه النُقطة مهمّة سيادة العميد ولكنسمح لي، الآن عندنا الأميركيون

نزار عبد القادر: دعني أُكمل لك

سامي كليب:إسمح لي، أنا مستعجِل على بعض الأسئلة لأنها ضرورية. الآن الأميركي يُسلِّح الجيش اللبناني بجزء لا بأس به.  ولكن نحن أمام مُعادلة أُخرى، (روسيا) أرسلت لحليفتها (سوريا) حالياً صواريخ S-300 وأرسلت صواريخ S-400 لحليفتها (إيران) عملياً. الأميركي يقول للجيش اللبناني: "دورك هو شُرطي ولن تستطيع أن تُقاتل (إسرائيل) لأنه لن يكون لديك سلاح يُقاتل (إسرائيل)". أمام هذه المُعادلة ماذا نفعل؟

نزار عبد القادر: مئة في المئة. أنا أقول بأنه لو نحن لدينا الإمكانات الماديّة اللازمة لاشترينا السلاح من غير المصدر الأميركي. المصدر الأميركي كان كما يقال بالقطّارة ووفقاً لحاجاتنا الدفاعية الداخلية والأمن الداخلي. أنا أُحذِّر دائماً في الواقع أن تكون صديقاً لـ (أميركا) وهناك مُشكلة. أتذكّر قول "كيسنجر" في هذا المجال في كتابه Does The U.S. Need a Foreign Policy?، يقول: أن تكون عدواً لـ (أميركا) ففي ذلك بعض الخطورة، ولكن أن تكون صديقاً لها فهذا خيارٌ مميت. هذا خيار مميت، فيجب النظر إلى هذا الموضوع من هذا الباب. يعني لا أنتم من المغرمين أبداً ولا أثق في الواقع بالسياسة الأميركية تجاه أيّة دولة عربيّة بما فيها (لبنان). ولكن الأميركيين مشكورون أقول لأنه عندما احتجنا لبعض الأسلِحة والآليات وكذا مدّونا بقسم لا بأس به وأعطونا الذخائِر عندما كانت قد فرِغت مخازننا سواء في معركة (نهر البارد) أو في معركة "فجر الجرود"

سامي كليب: ضدّ الإرهاب يدفعون، ما من مشكلة

نزار عبد القادر: لا يدفعون، يُعطونا بالقطّارة فقط

سامي كليب: أمّا ضدّ (إسرائيل) فممنوع

نزار عبد القادر: ضدّ (إسرائيل) ممنوع

سامي كليب: حسناً، دكتور "خلف"، الآن هناك نظريّة تقول أنّه أثبتت الأحزاب والمجموعات المُسلّحة الخارِجة عن الإطار التقليدي للجيوش التقليدية نجاعةً كبيرةً في قتال عدوّ مثل (إسرائيل) مثلاً. في (سوريا) هناك مقولة أُخرى، أنه لا، الجيش بعد قتال ثماني سنوات صار أكثر خطورة وتدرّباً على الأرض وصار العماد المُقبل لأيّ تحرّك ضدّ (إسرائيل). السؤال هنا هو التالي: هلّ الجيش السوري في تركيبته الحالية، ونحن أطلنا الحديث عن الجيش السوري ونريد الحديث عن الجيوش العربية الأُخرى، هلّ الجيش السوري في عقيدته الحاليّة التي لا تزال مُعادية لـ (إسرائيل) يُمكن أن يُشكِّل عماد جيوش عربية مقبلة أو نحن سنذهب أكثر إلى ترك المسائِل في الصراع مع (إسرائيل) إلى نوع من القوات الرديفة للجيوش العربية التقليدية، لذلك رأينا "الحشد الشعبي"، رأينا أيضاً قوّات رديفة للجيش السوري في (سوريا) والحوثيون حالياً في (اليمن) يرفعون شعار مُعاداة (إسرائيل) وما إلى ذلك، و"حزب الله" في (لبنان)؟

خَلَف المُفتاح: طبعاً الجيوش تبقى هي الأساس. لا شكّ أنّ الجيش العربي السوري، بالمناسبة عندما تقول جيشاً عربياً سورياً تتحدث عن جيش قومي لأنّ عقيدة الجيش السوري هي عقيدة قومية، هي عقيدة حزب "البعث" كفِكر، وبالتالي لا شكّ أنّ هو الأساس. ولكن أيضاً (سوريا) أُستاذ "سامي" أطلقت منذ حوالى خمسين عاماً شعار "حرب التحرير الشعبية طريقنا إلى النصر" وهذا في أدبيّات "البعث" أيضاً. من خلال هذه القاعِدة دعمت (سوريا) منظمة "العاصفة"، منظمة "الصاعقة" أيضاً كما تعلم إذا عدت إلى تنشيط الذاكرة، دعمت المُقاومة في (لبنان). إذاً نحن اشتغلنا على خيارين، خيار الجيوش التقليدية وهو خيار أساسي أيضاً، نواجه عدواً شرِساً، وأيضاً المقاومة الشعبية. إذاً نستطيع أن نقوم بهذه المسألة قي خلخلة ضمن هذا الكيان سيّما وأنّ في السردية التاريخية اليهودية هناك خوف وهناك خطر من الآخر خاصةً من الشمال. إذاً الاستثمار في البُعدين، وهذا ما يقوم به "حزب الله" والمُقاومة في (لبنان)، وأيضاً البقاء كخيار استراتيجي وهذا شيء مهم. إذاً نحن أمام حروب تقليدية قد تُحقّق انتصاراً وعلى التوازي حروب مقاومة شعبية، وأعتقد أن هذا خيار مُناسب إذا كانت المسألة تحتاج إلى حراك في الداخل. اليوم لاحِظ معي في (غزّة) وما جرى في (الضفة) الغربية، إذاً القيام بهذين السياقين أو هاتين الحركتين أو هذين الخيارين أعتقد أنه يُساعِد في إعطاء أمل كبير لاسيما وأنّ (سوريا) اليوم منتصرة وأصبحت قادرة على قيادة وريادة حراك عربي وكتلة تاريخية عربية فاعلة ومؤثرة تستطيع أن تعيد البوصلة وبالتالي تضع العدو في خيارات جداً ضيقة

سامي كليب: أُستاذ "موفق محادين" تقول في مقالاتك إنّ الجيش في الحال العربية ليس مؤسسة عسكرية أو وحدات مُرابطة على الحدود بل هو رافعة الدولة وصمّام أمنها وذلك في غياب الشرط التاريخي لقيام الدولة الحديثة والمُجتمع الحديث. وتقول أيضاً: في غياب المُجتمع المدني المُندمِج فإنّ الجيوش هي الناظم المركزي للدولة بل هي المؤسسة المدنية المركزية الأساسية لها. في ضوء ذلك، ليس من فراغ أن يُركِّز المُستعمرون والمُرتبطون بهم على تحطيم الجيش إذا أرادوا تحطيم الدولة. ممتاز، هلّ أفهم منك أنّك تميل إلى عودة الأولوية في تركيبات المُجتمع المُقبل العربي، إذا قامت هذه المُجتمعات مُجدداً، أن يكون الجيش هو العماد الأساس للمُجتمعات المقبلة؟ للدول المُقبلة؟

موفّق محادين: أيضاً عندي تعليق بسيط حول المقاومة والجيوش

سامي كليب: نعم

موفّق محادين: المُقاومة شكل وثقافة ويُمكن أن تُحقّق معارِك كبيرة فكرة المقاومة. لكن الحروب، فكرة الحرب، هذه فكرة دولة، بالإضافة إلى الطابع الاجتماعي للجيش داخل كلّ دولة

سامي كليب: أوكي

موفّق محادين: في ما يخصّ الجيش، من المؤسف أنّه لم تتبلور حتّى الآن قوة اجتماعية طبقية حديثة قادرة على بناء الدولة أو قادرة على أن تكون رافعة اجتماعية لبناء دولة مدنية حديثة

سامي كليب: هذا فشل للأحزاب إذاً، هذا فشل للتجارُب السياسية والأحزاب عملياً

موفّق محادين: نعم هو فشل، وأنا أقول أنّه حتّى البورجوازية الكبيرة صارت أكثر طُفيلية وصارت أكثر ارتباطاً وارتهاناً بحركة سوق الرأسمال العالمي، فلم تعُد لها مصالِح في بناء دولة، أصبحت مصالِحها مرتبطة بحركة الأسواق الرأسمالية خصوصاً مع العولمة التي عولمت كلّ شيء. أيضاً ما يُسمّى بالبرجوازية الصغيرة التي خرجت من عباءتها الأحزاب وحتّى الانقلابات العسكرية، هذه البرجوازية الصغيرة يجري تحطيمها عبر تحطيم الطبقة الوسطى. الآن الطبقة الوسطى تغيب بفعل سياسات الخصخصة وإعادة الهيكلة إلى آخره. القوى الإجتماعية الطبقيّة، الكُتل التاريخية التي عرفها العالم لبناء دول حديثة، إذا كانت موجودة قبل خمسين سنة في الوطن العربي هي تغيب أكثر فأكثر. يعني الفراغ، نحن أمام فراغ كبير وهذا يُفسِّر أيضاً شكلاً من أشكال هذا الناقوس الشعبي العام، المزاج الشعبي، الذي بدأ حتّى يُحمّل هذا الناقوس خطاباً سلفياً، خطاب خارِج التاريخ بصراحة. حتّى هذا الشارع الذي يخرج، يعني ملايين الناس التي تخرُج إلى الشارِع هي الآن عبارة عن كُتل ليست مُصطفّة في إطار طبقات اجتماعية واضحة، هي جماعات من الجائِعين، من الحانقين، من المقهورين ولكنّها لا تُعبِّر عن شكل من أشكال الكتلة التاريخية. زد على ذلك أنّ قوى المُجتمع المدني، الأحزاب والنقابات هي أيضاً أصبحت أكثر هشاشة، طبعاً هذا يُفسّر دخول الإسلاميين وجماعات التكفيريين على هذا الفراغ. نحن نعيش الآن أزمة بنيوية اجتماعية حقيقية

سامي كليب: أُستاذ "موفق" انتهى الوقت ولكن جواب سريع لو سمحت لي. ولكن نحن نُلاحظ أنه في الحال مثلاً الجزائِرية، في الحال السودانية أيضاً هناك أحزاب، هناك تيارات، مثلاً الشيوعيون الآن في (السودان) تحرّكوا في شكلٍ كبير ويجب ألّا نُغفِل حقّ هؤلاء في التحرّك ونقول: لا يوجد أيّ شيء في هذه المُجتمعات سوى الجيوش

موفّق محادين: يوجد أُستاذ "سامي"، هذه قوى موجودة، ربما باستثناء "الحزب الشيوعي" كلّ الأحزاب الشيوعية تتراجع، "الحزب الشيوعي" برغم القمع والمُصادرة أحد القوى الرئيسية التي تتحرك الآن في الشارع

سامي كليب: شكراً لك

موفّق محادين: الذي أُريد أن أصل إليه لو سمحت لي لحظة واحدة

سامي كليب: نعم لحظة

موفّق محادين: القوة الاجتماعية الوحيدة حتّى الآن هي القوة المُرتبطة برأسمالية الدولة، بفكر الدولة. لهذا لا يجوز أن نُحطِّم هذه الدولة الآن

سامي كليب: شكراً لك. شكراً لك أُستاذ "موفق محادين" الكاتب والباحث السياسي، شكراً من (دمشق) للدكتور "خلف المُفتاح" الكاتب والباحث السياسي أيضاً للمُشاركة للمرة الأولى معنا، وشكراً لك عميد الركن المتقاعِد "نزار عبد القادر" الخبير الاستراتيجي في شؤون المنطقة. عندك كتاب جديد بكلمتين قريباً جداً؟

نزار عبد القادر: قريباً جداً، يعني خلال ثلاثة أو أربعة أشهُر

سامي كليب: حول؟

نزار عبد القادر: حول مسائِل المنطقة والتطوّرات التي تحدُث في المنطقة

سامي كليب: وعقيدة "ترامب" ربما؟

نزار عبد القادر: وعقيدة "ترامب" أيضاً

سامي كليب: شكراً جزيلاً لك، شكراً لكم أعزّائي المُشاهدين لمتابعة هذه الحلقة، إلى اللقاء إن شاء الله في حلقة مُقبلة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين" في الأُسبوع المُقبل