حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

قاسم هاشم - نائب في البرلمان اللبناني

 

المحور الأول

 

دينا زرقط: لم تحجب زحمة السجالات اللبنانية الضجة التي أحدثها تصريح رئيس اللقاء الديمقراطيّ وليد جنبلاط عن عدم لبنانية مزارع شبعا. أثار الطرح جدلاً جديداً، وأثيرت معه تساؤلاتٌ كثيرةٌ وكبيرة، تحديداً في التوقيت والربط بما يُحاك في الجوار والإقليم.

وُظّف التصريح من عدة أطراف في سياسة توجيه السهام داخلياً، لكن وعلى حساسية الملف معطوفة على حساسية المرحلة، يرى مراقبون أن الهدف من الطرح الآن يتخطّى الزواريب الداخلية إلى تشابك ملفاتٍ أبعد من الحدود اللبنانية، فيما تفيض هذه الحدود في إطارها الداخلي بملفات تحت بند العاجلة والخطرة في بعضها، وفي مقدمها الاقتصاد وما يترتّب عليه من عبء اجتماعي وحياتي، والفساد وإمكانية مواجهته وهوامش النجاح في القضاء عليه.

فهل طرح عدم لبنانية مزارع شبعا هدفه حَرْف الأنظار عن ملفات الفساد والاقتصاد، أم هو رسالة إشعارٍ للبنان بأنه في صلب سيناريو يُرسم للمنطقة؟ وفي ظلّ هذا الصخب أين الهمّ المعيشي والحياتي للمواطن اللبناني؟

هذه الملفات سنتوسّع في النقاش حولها مع النائب في البرلمان اللبناني قاسم هاشم. فأهلاً بكم إلى حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

دينا زرقط: دكتور قاسم هاشم النائب في البرلمان اللبناني نرحّب بك في حوار الساعة.

 

قاسم هاشم: أهلاً.

 

دينا زرقط: أثير موضوع عدم لبنانية مزارع شبعا من رئيس اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط في توقيت حسّاس، ملفات مُتشابكة، دخل على الخط موضوع عدم لبنانية مزارع شبعا. التوقيت، نبحث في التوقيت فقط، لماذا في هذا التوقيت يُطرح هذا الملف؟

 

قاسم هاشم: بداية اسمحي لي ونحن بهذا اليوم الأول من أيار عيد العمال، اليوم نتوجّه لكم كعاملين في هذه المحطة المُلتزمة قضايا الإنسان في كل توجّهاته، وإلى عمّال وطننا، وإلى العمال على مساحة الوطن العربي والعالم، بالتحية في هذا اليوم، لأنّ هؤلاء هم بناة حقيقيون لأوطاننا، على سواعدهم قامت الأوطان، ونتمنّى أن يكون العيد الحقيقي والاحتفال الحقيقي هو يوم تحقّق أماني العمال بالوصول إلى العدالة الاجتماعية الكاملة، وإلى ان تصل إليهم حقوقهم الكاملة التي ما زالت مُنتقَصة في كلّ مكان في هذا الزمن.

 

دينا زرقط: بالفعل، والتحية موصولة من حضرتك أيضاً عبر قناة الميادين. تفضّل.

 

قاسم هاشم: طبعاً اليوم الواقع بقضية وطنية، هي قضية مزارع شبعا، والتي تُعتبَر من قضايا الصراع مع العدو الإسرائيلي. مؤسف طبعاً أن تصل الأمور إلى حدّ التشكيك بهوية هذه الأرض، وكأننا نعطي للعدو الإسرائيلي، للمحتلّ، للمُغتصب، صك براءة وورقة لمحاولة التهرّب من ضرورة الانسحاب من هذه الأراضي المحتلة كغيرها من الأراضي.

ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا لا تقلّ أهمية عن أية أرض عربية محتلة، هي بذات المستوى وبأهميتها وتزيد في بعض الأحيان لموقعها ولأهميتها الجغرافية والاستراتيجية، ولأنها تشكل الخزّان المائي الذي كان يتطلّع إليه الكيان الغاصِب قبل قيام هذا الكيان، وبالرسائل التي كانت طبعاً تبحث في التفتيش عن مصادر للمياه.

فطبعاً مع عدوان 67 واحتلال العدو للجولان وللأراضي العربية الأخرى في سيناء والضفة الغربية، وهو وصل إلى تماس مع مزارع شبعا كواقع جغرافي، كون مزارع شبعا هي على تماس مباشر مع الجولان العربي السوري المحتلّ جزء منه اليوم، وطبعاً وضعها في دائرة أطماعه نظراً لأهميتها كما قلنا، ولمَن لديه التباس حول موضوع مزارع شبعا واحتلال مزارع شبعا بواقعها التاريخيّ، علينا أن نقرّ، ونكون واقعيين، انتهت حرب الأيام، ماذا سميت حرب 67؟ حرب الأيام الستّة، صحيح أم لا؟

بدأت الحرب بخمسة حزيران 67، انتهت والعدو الإسرائيلي احتلّ ما احتله من أراضٍ عربية، بحدود 11 حزيران كان محتلاً وأعلن إنهاء حربه، لكنّ احتلال مزارع شبعا لم يتم خلال هذه الأيام الذي كانت فيه عدوانية هذا العدو على الأرض العربية التي احتلها. أول دخول لهذا العدو الإسرائيلي إلى مزارع شبعا وبدأ بقضمها كان في 15 حزيران 67.

 

دينا زرقط: أي بعد انتهاء الحرب.

 

قاسم هاشم: بعد انتهاء الحرب، وهذا منطلق مبدئي للتعاطي معه بواقعيته، وللتأكيد على أنّ العدو بدأ باحتلال مزارع شبعا بعد انتهاء حربه على الأراضي العربية الأخرى.

وبدأ احتلال المزارع على مراحل، واتبع سياسة قَضْم مزارع شبعا جزءاً بعد جزء ولم يحتلها في يوم ونهار أو في شهر أو في شهرين أو سنة، حتى الجزء الوسطي تمّ احتلاله بعد عام 72 من مزارع شبعا، واستمرّ الاحتلال وقَضْم المزارع مزرعة بعد مزرعة وجزء بعد جزء حتى عام 1989، وهذا موثَّق وفق كلّ المعطيات بالدوائر الرسمية وكل المتابعين لقضية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.

طبعاً هذه لمحة سريعة لنؤكّد أن مزارع شبعا كانت في دائرة أطماع العدو الإسرائيلي بعد احتلاله الجولان نظراً لأهميتها وموقعها الاستراتيجي المُطلّ، ولأنها تُعتبَر خزّاناً مائياً مهماً، خزان جبل الشيخ.

 

دينا زرقط: ثروة كبيرة.

 

قاسم هاشم: وطبعاً لأن العدو طامِع دائماً باحتلال أراضٍ عربية، ووصل إلى الجولان، وهذه المنطقة هي على تماس مباشر مع الجولان.

بموضوع الملكية، مؤسف، لأن القوى السياسية اللبنانية على اطّلاع بموضوع مزارع شبعا وملكية لبنان لها وأن أصحابها هم لبنانيون ويملكون كل الوثائق والأدلّة، ليس بعد 67 إنما قبل ذلك بكثير وقبل قيام الكيان الغاصِب وقبل احتلال فلسطين، سندات التمليك اللبنانية مسجَّلة في الدوائر العقارية اللبنانية في صيدا منذ عام 42، وهنالك وثائق كذلك الأمر على كل المستويات الإدارية والقضائية والأمنية تثبت أنّ هنالك مستندات ووثائق تؤكّد هوية هذه المزارع اللبنانية منذ زمن بعيد.

فلا حاجة لتكرار تذكير البعض، ولإثارة ذاكرتهم بشكل أو بآخر بأنّ موضوع هوية هذه المزارع ولبنانيتها لا تحتاج إلى أكثر من ذلك، لكن طبعاً لأنّ هنالك مصلحة للعدو الإسرائيلي في أن يكون متواجداً على هذه الأرض، وأن يبقى على هذه الأرض، وُجدت المبرّرات له من قِبَل المجتمع الدولي ومن قِبَل الأمم المتحدة، التي تعتبر كل توجّهات هذه المنظمة الدولية، تعاطت معنا بمعايير مزدوجة وكانت دائماً منحازة للمصلحة الإسرائيلية، وأكبر دليل القرار 1701، والسؤال منذ 2006 وحتى اليوم، 13 عاماً، لبنان التزم بكل مندرجات القرار 1701 والسؤال لماذا لم يلتزم العدو الإسرائيلي ولم ينفّذ ولا أيّ التزام ولا أيّ بند أو مادة من مواد هذا القرار؟

 

دينا زرقط: البحث يطول في ذلك، لكن تحديداً في ما خصّ مزارع شبعا، بكل الحالات وليد جنبلاط يقول بأنّ سندات الملكية لا تعني سيادة لبنان على هذه الأرض، لكن فقط أيضا نحن نتحدّث عن التوقيت.

 

قاسم هاشم: هنا يوجد التباس، سندات الملكية تعني لبنانيتها، عذراً على المقاطعة وتأكيداً على ما تفضّلت به، سندات الملكية تؤكّد هويتها الأساسية، وأنا سمعت بعض التبريرات، أنا أملك في فرنسا لا يعني أن سيادتها للدولة اللبنانية، ولكن لمَن يملك في فرنسا سندات التمليك فرنسية، نحن أكبر دليل على أن مزارع شبعا هي لبنانية بملكيتها وسيادتها أن هنالك مزرعة بمحاذاة مزارع شبعا وإسمها مغر شبعا، هذه يملكها أبناء شبعا لكن سندات تمليكها موجودة وهي خارج المزارع الـ 14، هي مزرعة على حدود مزارع شبعا، هي ضمن أراضي الجولان، يملكها أبناء شبعا، ولديهم سندات سورية، لم يبرزها أحد لأن هذه أراضٍ لأبناء شبعا اللبنانيين، ولكن ملكيتها في الأراضي السورية.

اليوم السوري عندما يتملّك عقاراً في لبنان، هل يسجّله في الدوائر العقارية في دمشق أم يسجّله في الدوائر العقارية في لبنان؟

 

دينا زرقط: يسجّله في الدوائر العقارية اللبنانية.

 

قاسم هاشم: في لبنان، يسجّله في لبنان، ليس في دمشق، وإذا لبناني وكثير من اللبنانيين وأقاربنا يملكون عقارات في دمشق، في سوريا للبنانيين، ولكن ما يملكون من سندات ووثائق سورية، وهذا أكبر دليل على أن هذه الأراضي لبنانية بمستنداتها ووثائقها لبنانية، وهذا أكبر تأكيد أنها لبنانية.

بموضوع الحدود.

 

دينا زرقط: قبل الحديث عن الحدود، لكن نحن نتحدّث في التوقيت. حضرتك قدّمت خلفية.

 

قاسم هاشم: توقيت مريب.

 

دينا زرقط: ننوّه أن حضرتك أحد أبناء المنطقة، إبن بلدة شبعا اللبنانية الحدودية أيضاً مع فلسطين المحتلة، لكن اليوم التوقيت في ما خصّ هذا الموضوع، في ظل تشابك الملفات على الساحة الدولية وأيضاً على الساحة الإقليمية، وأيضاً مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل.

اليوم في التوقيت، هل من ترابط ملفات أم؟

 

قاسم هاشم: طبعاً، حكماً، نحن نقول هذا الكلام في غير مكانه وزمانه، كنّا نتمنّى ألا يصدر عن شخصية، وعن أحد قادة المكوّنات اللبنانية في هذا المستوى، وفي هذا الزمان بالذات، في ظلّ تطوّرات وتحديات تمرّ بها المنطقة، ونحن بانتظار ما قد تحمله الأيام والأشهر القادمة على مستوى ما يُطرَح من طروحات، سواء كان حول صفقة القرن، أو ما يُعَدّ لهذه المنطقة، وآثار وتداعيات ذلك على لبنان.

طبعاً هناك خشية حكماً، قد يقول قائل أن هنالك قارئاً جيّداً أو مَن يقرأ، لكن القراءة يجب أن تكون دائماً من منطلقات وطنية والتأكيد على الثوابت الوطنية، لأن موضوع التخلّي عن جزء من أرضنا بهذه السهولة هو موضوع لا يمكن السكوت عنه، ولهذا كانت ردودنا قاسية إلى حدّ، لأنّ موضوع الأرض واحتلال الأرض ليس موضوع أمتار كبرت أم صغرت، هي موضوع كرامة وطنية بامتياز، ولا يمكن للبعض أن يتبرّع، ويدخل قضية وطنية على هذا المستوى في بازار العلاقات السياسية والارتباطات السياسية والرهانات السياسية، أو في إطار المصالح الداخلية وتبادل الرسائل على مستوى الابتزاز هنا وهناك للوصول إلى المكاسب الشخصية والمنفعية على حساب قضية وطنية.

التوقيت في غير زمانه، يثير الريبة فعلاً، ونقول، لن يقدّم ولن يؤخّر في هوية هذه الأرض اللبنانية المحتلة، بعض الكلام السياسي هنا وهناك، لأنّ الحقائق في مكان، وإذا كان البعض يتحدّث عن الخرائط، الخرائط لا تقدّم ولا تؤخّر أمام الوثائق وأمام الحقائق، وهذه وثائق وحقائق تاريخية وجغرافية. بعض التغيير في خريطة ما قد يحصل لهدف ولغاية، وهذا لا يقدّم ولا يؤخّر.

 

دينا زرقط: ربما كلام حضرتك يفتح النقاش على عدّة أمور، نريد أن نطرحها، لكن صحيفة البناء اللبنانية تحدّثت وتساءلت، "لِمَ إنكار لبنانية مزارع شبعا الآن"، لأمين حطيط. نتابع ومن ثم نعود إلى النقاش.

 

البناء اللبنانية: لِمَ إنكار لبنانية مزارع شبعا الآن؟، أمين حطيط

لا يمكن بعد ما يناهز عشرين عاماً أن نعود إلى فتح ملف هوية مزارع شبعا ومناقشة مسألة السيادة الوطنية عليها، فالأمر أصلاً حُسِم منذ العام 2000، وكان موقف الأمين العام للأمم المتحدة قاطعاً في هذا الشأن، وعبّر عنه في تقريره المؤرَّخ في الثاني والعشرين من أيار (مايو) عام 2000، والمرفوع إلى مجلس الأمن.

فالموقف كان واضحاً بما ذكره في الفقرة السادسة عشرة من التقرير ونصّها الحرفي: "وقد قامت حكومة لبنان بتزويد الأمم المتحدة بشهادات الملكية اللبنانية لأراضٍ زراعية وبوثائق تبيّن أنّ المؤسّسات الحكومية والدينية اللبنانية مارست سلطة قضائية على هذه المزارع، وقامت حكومة لبنان بإبلاغ الأمم المتحدة بوجود تفاهمٍ مشتركٍ بين لبنان والجمهورية العربية السورية على أنّ هذه المزارع لبنانيّةٌ، وشمل ذلك قراراً للجنةٍ لبنانيّةٍ سوريّةٍ خلص في العام 1964 إلى أنّ المنطقة لبنانيّة".

بدايةً، نقول إنّ إنكار لبنانية مزارع شبعا أمرٌ لا علاقة له مطلقاً بالمسائل الحقوقية والسيادية والعقارية، وإنّ موقف السياسي الذي ظنّ أنه تقاعد لا يقدّم ولا يؤخّر في مسألة الموقف اللبناني الرسمي من القضية، إذ لن يجد لبنانياً وطنياً واحداً يصغي إليه.

لكن خطورة الموقف تتمثل في تماهي هذا الإنكار مع ما تخطّط له أميركا وإسرائيل ضد لبنان. ففي بنود صفقة القرن بندٌ ينصّ على سيادة إسرائيل على كلّ الأرض التي تحتلها الآن، شاملةً الجولان والضفة الغربية، وقد أسقطت أميركا صفة الاحتلال عن الجولان وأقرّت بالسيادة الإسرائيلية عليه، ومسألة السيادة على الضفة في الطريق لإعلانها، ولم تذكر مزارع شبعا.

ويأتي هذا السياسي المتقاعد ليقدِّم الخدمة المأمورة المأجورة لأميركا وإسرائيل، وليشرح وليوضح ما امتنعوا عن التعبير عنه لفظاً من اعتبار المزارع غير لبنانيّة، ما يعني إلحاقها بالجولان أي اعتبارها مشمولة بالموقف الأميركي المذكور أعلاه.

 

دينا زرقط: دكتور قاسم، لا شكّ من أنّ إسرائيل مرتاحة لهذا التصريح من قِبَل وليد جنبلاط، سياسي لبناني يصرِّح بذلك.

لكن السؤال اليوم، هل هذا التصريح هو من باب المُناكفات السياسية الداخلية، أم يدخل في إطار فعلاً بعض المؤشّرات التي كما يقال التقطها وليد جنبلاط، تخصّ المنطقة ككل وبالتالي طرح مثل هذا التصريح الذي أحدث ضجّة كبيرة على الساحة اللبنانية؟

 

قاسم هاشم: بغضّ النظر عن التحليل وعن الغاية من هذا التصريح، والذي قلنا إنّه في غير زمانه ومريب، نحن نؤكّد أن هذا الأمر له علاقة بجملة أمور داخلية، وقد تكون له علاقة بإشارات ما بما هو آتٍ على المنطقة، ولبنان ليس ببعيد، لبنان معنيّ بشكل أساسي بما يجري من حوله، يتأثّر ويؤثّر بشكل دائم، وهذه ثابتة من الثوابت، وصلنا إلى محاولة الإدارة الأميركية وسياسة ترامب اليوم بفرض صفقة القرن، وهو يعمل على تهيئة الأجواء في المنطقة العربية والمحيط لطرح أفكاره، لأنّه طبعاً اليوم يتماهى بشكل كامل مع سياسة العدو الإسرائيلي، وقد تكون هنالك فرصة للكيان الصهيوني وللسياسة الأميركية المتماهية معه بطرح مثل هذه الأفكار، لإنهاء القضية الفلسطينية وبشكل نهائي.

طبعاً هذه محاولة، واليوم المحاولات تكرّرت منذ لحظة الاحتلال في العام 48، ولكن لم يُكتب لها النجاح لأن هنالك إرادة، لأنّ هنالك مواجهة، وحتى لو طُرحت صفقة القرن فبالتأكيد لا يعني انها ناجحة وأنها ستنهي قضية فلسطين.

اليوم السؤال، طبعاً هنالك مَن يراهن على استباق الأمور والطروحات لتسجيل موقف ما استباقي بهذا الصَدَد، طبعاً بكل أسف نقول، لا يجوز بأيّ شكل من الأشكال.

 

دينا زرقط: لكن هل هناك مَن يراهن؟

 

قاسم هاشم: قد يكون، قد يكون، نحن لدينا تجارب في لبنان، لدينا تجارب كثيرة ولا نريد الدخول بالسجالات ولن نعيد، ولكن في الذاكرة من 48 إلى اليوم.

 

دينا زرقط: ليست سجالات ولكن حضرتك تتحدّث أنه موضوع كرامة وطنية واليوم هناك سياسي لبناني.

 

قاسم هاشم: منذ العام 48 ولليوم لم يكن اللبنانيون على سياسة واحدة ولا على نهج واحد ولا على رؤية واحدة، في ما يتعلق بالقضايا دائماً هنالك فرقاء ضمن محاور وأحلاف من حلف بغداد، منذ لحظة احتلال الكيان الإسرائيلي لفلسطين إلى حلف بغداد إلى ما بعد ذلك حتى عصرنا الحالي، هنالك محاور على مستوى السياسات المحلية، لها ارتباطات هنا وهناك لاعتبارات معينة، وهذا ليس بغريب، هذه التركيبة اللبنانية، هذه السياسات اللبنانية، وهذه الواقعية التي علينا أن نقرّ ونعترف بها، وقد تضرّ في كثير من الأحيان، وبالتأكيد ضارّة بلبنان لأنه مفترض أن نعرف أين حدود مصلحتنا، لأننا نحن شئنا أم أبينا أقرّينا واعترفنا كلبنانيين، كلّ اللبنانيين، بهوية لبنان خصوصاً بعد الطائف، العربية التي عليه أن يلتزم بقضايا العرب وبمسألة الصراع مع العدو الإسرائيلي، واليوم نتحدّث عن الصراع مع العدو الإسرائيلي وتماهي هذا العدو مع سياسة الإدارة الأميركية، علينا أن نكون مُنتبهين، هنا شعرة صغيرة تفصل ما بين حدود العلاقة الطبيعية التي يعتبر البعض أنه مفترض أن تكون وأن نبني عليها، وحدود المصلحة المشتركة الأميركية-الإسرائيلية التي قد تقترب الخطورة منها إذا لم نحسن الخطى التي نسير بها ونحسبها بالدقائق الملتزمة بثوابتنا السياسية بشكل أساسي.

 

دينا زرقط: دكتور قاسم، انطلاقاً من هذا الكلام، نستطيع أن نقول بأنه اليوم، تحديداً في ما خصّ هذا الموضوع، وأيضاً حضرتك ذكرت منذ قليل بأننا اليوم بانتظار ما ستخرج به الأيام المقبلة، خصوصاً صفقة القرن وأيضاً بعض السيناريوهات للمنطقة.

نستطيع أن نقول بأن لبنان دائماً كان في وضع حسّاس، الموضوع أكثر حساسية، هل وصلت لدى الدوائر السياسية اللبنانية اليوم بعض المؤشّرات، أو بعض المعطيات تقول بأن هناك ما يُحاك بخصوص لبنان تحديداً ليكون في صلب سيناريو يُرسَم للمنطقة وأيضاً الباب أو المؤشّر اليوم من خلال هذا التصريح؟

 

قاسم هاشم: لنكن واضحين، موضوع صفقة القرن يترتّب عليها كثير من الأمور، بما يتعلق بموضوع حق العودة للشعب الفلسطيني، وإذا ما نجحت هذه السياسة الأميركية، والوصول إلى مبتغاها، فطبعاً هنالك تداعيات وآثار لهذه الصفقة، لبنان معنيّ لأن لبنان معني بهذه القضية، صحيح هو اعتبرها بالبداية حتى اليوم أنها القضية المركزية بالنسبة للعرب، كلّ العرب، ولكن لبنان على تماس مباشر مع فلسطين وقضية فلسطين، ونحن لدينا ما يقارب نصف مليون من شعبنا وأهلنا من الفلسطينيين.

فالسؤال اليوم، كيف ستسير عليه الأمور؟ ما هي الرؤية التي وضعت لبعض التفاصيل التي تتعلق بالشعب الفلسطيني في مواقع الانتشار؟ كل هذه الأمور، وكيف ستُفرَض أو تُطرَح أفكار للعلاقة مع الكيان الصهيوني، بعض الشروط، وبعض الظروف التي يتم الإعداد لإنضاجها على مستوى العلاقات، ورأينا التواصل المباشر وغير المباشر مع بعض الأقطار العربية والكيان الصهيوني، وهذه كلّها مؤشّرات ومقدّمات لصفقة القرن.

فطبعاً لبنان معنيّ، لبنان سيتأثر. حدود التأثر وتداعيات هذه الصفقة، بشكل واضح لم تتبلور حتى اللحظة، لا على مستوى الرؤية الكاملة للسياسة الأميركية، أو الطروحات المعروفة، لأنه ما زال حتى اليوم بعض جوانب هذه الصفقة سرّاً من الأسرار في تداعياتها وآثارها وتعاطيها مع كامل القضية.

طبعاً الحدود الجغرافية يتم التعاطي معها بحدود معينة أصبحت واضحة للجميع وفق السياسات الأميركية المعروفة، ولكن طبعاً هنالك تفاصيل أخرى لها علاقة بجوانب القضية الفلسطينية، قد تكون هنالك طروحات لم تتبلور، ولم تُعلَن حتى اليوم، وهذه من الأمور والقضايا التي نخشى دائماً أن تطالنا بشكل أو بآخر في كلّ الظروف وكل الأحوال، لبنان حضر دائماً وأبداً في كل المحافل الدولية السياسية وفي المحافل البرلمانية، وشاركنا في أكثريتها، في البرلمانات الآسيوية والبرلمانات الإسلامية، ودولة الرئيس نبيه بري شارك في البرلمان الدولي لمرتين خلال شهرين، وكان موقف لبنان واضحاً، وقال كل هذه الصفقات هي محاولة لإنهاء القضية الفلسطينية، ولا تُعالَج هذه القضية إلا بالمقاومة ووحدة الموقف العربي.

هذا الموضوع طبعاً كان واضحاً، وهذا يؤشّر إلى أن هنالك أمراً ما يُحاك، لكن لم تتبلور كل جوانبه حتى الآن.

 

دينا زرقط: أيضاً سنفتح النقاش على هذا الموضوع، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

ابقوا معنا مشاهدينا.

 

 

==المحور الثاني

 

دينا زرقط: أهلاً بكم من جديد مشاهدينا. نعاود الترحيب بضيفنا في الاستوديو النائب في البرلمان اللبناني الدكتور قاسم هاشم. أهلاً بك من جديد دكتور قاسم.

حضرتك دكتور قاسم كنت تتحدّث قبل الفاصل عن شروط ربما قد تُطرَح على الجانب اللبناني في ما خصّ العلاقات مع إسرائيل، تحدّثت عن خطورة على القضية الفلسطينية، وأيضاً أشرت لموضوع التوطين.

هل نستطيع أن نقول بأن اليوم ما يُحاك للبنان هو موضوع التوطين، أيضاً موضوع عدم لبنانية مزارع شبعا، هل هذا بالضبط ما يُحاك، وأيضاً موضوع العلاقات مع إسرائيل أو شروط في العلاقات مع إسرائيل، هل هذه النقاط الثلاث هي أبرز ما قد يكون أو يخصّ لبنان في موضوع صفقة القرن؟

 

قاسم هاشم: دعينا نقول شروط العلاقة، هذا موضوع بعيد المنال، لم ولن يكون مطروحاً لا بالأمس ولا اليوم ولا غداً، من أسقط اتفاق 17 أيار لن يرضى لا بأفضل منه ولا بأقل منه ولا بأيّ مستوى من المستويات، هذا موضوع مرفوض الحديث عنه حتى موضوع العلاقة، طبعاً إذا كان اليوم يتحدّث عن موضوع  المباحثات بما خصّ الحدود البحرية والحدود البرية، هذا لا يعني علاقة بشكل أو بآخر، لأنه هذا دائماً يحدث تحت راية الأمم المتحدة، وهذا شرط لبنان، والرئيس بري كان واضحاً وحازماً وحاسماً بهذا الأمر، وأبلغ كل الموفدين الأميركيين وآخرهم وزير الخارجية بأن الجهة الوحيدة المخوّلة هي الأمم المتحدة، تقبل بحضور الأميركي لكن تحت راية الأمم المتحدة وعلى غرار ما يحصل في الناقورة من اجتماعات للوصول إلى تثبيت حقنا وفق وجهة نظرنا اللبنانية، بحقنا في مياهنا اللبنانية مع حدود فلسطين المحتلة، والحدود البرية، لبنان متمسّك بشكل كامل، لبنان لن يرضى بالتخلّي عن قضية فلسطين، بما هو مؤمن به وبما عمل له، وبما هو مؤمن به الشعب الفلسطيني، لأنه اليوم أمام ما يحاك للقضية الفلسطينية في كواليس السياسة الأميركية والدوائر الدولية، يكاد يكون أحد أهم العوائق أمام هذه الصفقة هو إصرار الشعب الفلسطيني بكل مكوّناته، حتى السلطة الفلسطينية اليوم ترفض ما يسمّى بصفقة القرن، وهذا أحد أهمّ العوائق أمام رؤية ترامب لإنهاء القضية الفلسطينية، وهذا مهم جداً، يعوَّل عليه. لبنان ثابت طبعاً بمساندة الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانبه وبإبقائه على ثوابته، باعتبار القضية الفلسطينية هي القضية المركزية، هي قضية إنسانية أبعد من حدود جغرافية.

 

دينا زرقط: اليوم ضغوطات تُمارَس على لبنان، تحديداً يمرّ لبنان بنوع من الأزمة الاقتصادية والمشاكل الاقتصادية.

هل نستطيع أن نعتبر بأنّ هذه الأزمة الاقتصادية والمشاكل الإقتصادية والضغوطات الاقتصادية هي جزء من الضغط على لبنان، تبعاً لهذا الملف، موضوع ربما تمرير بعض؟

 

قاسم هاشم: لا شكّ لبنان يتعرّض لضغوط، وإن كانت غير مرئية. بموضوع الحدود البحرية الذي كنا نتحدّث عنه قبل قليل، طبعاً ما هو مُعلَن للرأي العام أو غير مُعلَن هو أنه في الآونة الأخيرة كان هناك نوع من الرسائل السلبية والتهديد للبنان بأن هنالك رؤية طرحت بما سمّي بخطة هوف، إما أن نقبل بها، أو انتهت الأمور عند هذه الحدود، وهذا طبعاً يُفقِدنا مساحة بحدود 500 كيلومتر، وهذا مرفوض من قِبَل لبنان، لأن لبنان يطالب بـ 860 كيلومتراً وقد يكون أكثر من ذلك بكثير وفق النقاط التي حدّدها لبنان بتحديد الحدود البحرية، وحقّه، إضافة طبعاً إلى الضغوط الاقتصادية، ونحن نعرف أنّ هذا العالم اليوم تحكمه السياسة المالية، يحكمه الدولار إن كنا واضحين، والسياسة الأميركية اليوم مُمسكة باقتصاديات هذا العالم من خلال إمساكها بالسياسة النفطية وبإدارة العالم الاقتصادي، ومحاولة الضغوط سواء إن كان على البنك الدولي أو على الدول المانحة بشكل أو بآخر، ونرى ونحن اليوم في نقاش بموضوع الموازنة، وصحيح هو موضوع وطني للوصول إلى توازن ما لنحفظ اقتصادنا ونحفظ واقعنا المالي، ولكن كذلك الأمر هنالك شروط على لبنان للوصول إلى تحقيق وعود مؤتمر سيدر الأخير، والذي كان مشروطاً بشروط معيّنة، بتحقيق نسبة عجز معينة وخفض هذا العجز وتأمين بعض الخطوات الإصلاحية.

طبعاً قد يكون هنالك ما هو غير مُعلَن وغير مباشر، بعض الإملاءات الأميركية من هنا ومن هناك للدول المانحة أو لبعض المؤسّسات المانِحة علّ لبنان لا يستطيع تحقيق ذلك فتكون إحدى أوراق الضغط على لبنان، ولكن لبنان اليوم في إطار المواجهة، وهو اتخذ القرار، وبدأت خطوات الموازنة الإصلاحية لتحقيق بعض الأمور والقضايا التي هي أصبحت ضرورية ومطلوبة، وعلى مستوى المعالجات الداخلية قبل أن تكون شروطاً أو مطالب خارجية.

 

دينا زرقط: لكن هذا الموضوع، الموضوع الاقتصادي، موضوع الموازنة أيضاً فتح سجالاً في لبنان.

صحيفة الجمهورية اللبنانية تحدثت عن محورين يستهدفان عرقلة مكافحة الفساد لطارق ترشيشي. نتابع وثم نستكمل النقاش.

 

الجمهورية اللبنانية: محوران يستهدفان عرقلة مكافحة الفساد، طارق ترشيشي

يقول قطبٌ نيابيٌ إنّ القضاء سيكون المكان الرئيسيّ والطبيعيّ للتصدّي لكل ملفات الفساد التي ستُحال عليه تباعاً، فإنّ سفن الموازنة العامة لهذه السنة التي يُراد لها أن تكون إصلاحيّةً ورشيقة للإفادة من قروض سيدر البالغة 11 مليار دولار، يبدو أنّها تسير عكس رياح عاصفة مكافحة الفساد، ما يعني أنّ شهر أيار (مايو) الذي كان يتوقّع كثيرون أن تُقَرّ الموازنة خلاله، سينقضي من دون أن تُقَرّ في مجلس النواب.

وفي هذا السياق، يُخشى أن يكون هناك مَن يتعمّد التأخير في الموازنة للتهرّب من استحقاق الإصلاح ومكافحة الفساد، وكأن المتضرّرين يعملون على محورين. المحور الأول هو فتح ملفات معقّدة وخلافية للتعمية عن موضوع الفساد، ولن يتردّدوا في طرح ملفّاتٍ تثير مضاعفاتٍ سياسيّة، وربما غير سياسيّة، بل داخليّة، مثل ملفّ هوية مزارع شبعا أخيراً، واندفاع البعض إلى اتهام مثيري هذا الملف بالسعي إلى تموضعٍ سياسيٍ جديد استعداداً لصفقة القرن.

والمحور الثاني تأخير صدور موازنة إصلاحية مخفوضة العجز ومقرونة بقطوعات الحسابات المالية العامة من عام 2007 حتى عام 2017، وذلك إلى أبعد مدى زمني ممكن لعلّ تطوّراتٍ تطرأ وتغيّر في شروط مؤتمر سيدر لتسليم لبنان القروض البالغة 11 مليار دولار من دون شرط إجراء إصلاحاتٍ ماليّةٍ، تجعل من مكافحة الفساد أمراً لا مفرّ منه تحت طائلة تعرّض لبنان لأزمةٍ ماليّة خطرة، إذ إنّ مبلغ الـ 11 ملياراً يمكن في رأي هؤلاء أن يوفّر للبلد مرحلة من التماسك الماليّ لسنتين على الأقلّ، على أمل أن يتمّ تدبير سيدر جديد أو مؤتمر مانحين جديد لاحقاً.

 

دينا زرقط: دكتور قاسم، بحسب تساؤل صحيفة الجمهورية، هل هناك مَن يتعمّد التأخير في الموازنة أو عرقلة الموازنة بهدف تأخير موضوع أو التهرّب من استحقاق الإصلاح ومكافحة الفساد؟

 

قاسم هاشم: لا أعتقد أنّ الأمر قد وصل إلى هذا الحد، لأن اليوم خطورة الوضع الاقتصادي الذي وصلنا إليه، وملامسة الواقع المالي، طبعاً هذا يتطلب من كل القوى السياسية من دون استثناء، وبغضّ النظر عن الاختلاف ووالتباين في وجهات النظر، ورؤية كل فريق، أو كلّ قوّة سياسية لكيفية مقاربة موضوع الإصلاح، ومن أية زوايا، وكيفية معالجة الأزمة الاقتصادية المالية، كما يحصل اليوم بموضوع الموازنة، لم يكن هنالك رأي واحد، هنالك مسودّة اليوم ما زالت مدار نقاش، بدأت بالأمس وتستمر اليوم ولأيام.

إذا كان لدى البعض، نحن لا نريد الغوص في نوايا البعض، لكن طبعاً تبيّن أن هناك اختلافاً بوجهات النظر، واضحة للجميع للعيان في كيفية معالجة وضع أسس للإصلاح الحقيقي، ومن أين نبدأ، وكيف يمكن أن نضع الحلول السريعة والدائمة وليس الحلول الآنية التي اعتدنا عليها ببعض المُسكّنات، المفترض اليوم أن يكون هناك علاج جذري أساسي، وضع أسس متينة من خلال رؤية اقتصادية شاملة، وهذا مطلوب أن تضع أسُسها الموازنة الحالية، لأنه مفترض أن تضع الأمور على السكّة الصحيحة، وإن لم تستطع وضع الحلول لمدى الطويل، ولكن في المرحلة الآنية المفترضة أن توضع الأمور على السكة الصحيحة والبدء بالعلاج، ولكن الرؤية يجب ان تكون واضحة للمدى البعيد، وإلا نبقى في مكاننا ونعالج الموازنة سنة بعد سنة، من دون أن نصل إلى وضع الحلول الأساسية والمطلوبة لأزماتنا الاقتصادية والمالية التي هي مُتفاقمة ومُتراكمة وليست نتيجة سنة أو أكثر أو أقل، بل عمرها من عمر الطائف لليوم. هذه تراكمات السياسات الارتجالية التي كانت تُتّبَع على مستوى المُعالجات الاقتصادية غير العلمية وغير المنطقية.

 

دينا زرقط: لماذا انفجر هذا الوضع في السنتين الأخيرتين، تحديداً في أواخر عام 2018 وحتى يومنا الحالي؟ الوضع لماذا وصل إلى هذا الحد؟

 

قاسم هاشم: طبعاً لأننا وصلنا إلى نسبة عجز كبيرة، وتفاقم حجم الدَيْن العام، ومن دون معالجات، وهذا كان مؤشّراً لأن تكون الأزمة أكثر حدّة سنة بعد سنة، وفتح الباب أكثر النقاش الذي حصل مع الدول المانِحة، والتي توصّلت لأمر، ورأت في خطورة الواقع اللبناني، وإنها لم تستطع إقراض لبنان أو فتح الأبواب له إذا ما استمرت هذه السياسات. هذه طبعاً تُعتبَر من الضغوطات الأساسية التي فرضت وجودها وحضورها على الواقع الداخلي الحكومي والسياسي لبدء وضع رؤية للموازنة، أن تكون موازنة إصلاحية أو بداية إصلاحية وليست إصلاحية لأنها لا تحمل كل الإصلاحات هذه الموازنة.

 

دينا زرقط: ولكن دكتور قاسم حضرتك تتحدّث وذكرت بأن هذه المشكلة قائمة منذ الطائف وحتى اليوم. لماذا منذ الطائف لم يتم البحث في وضع موازنة إصلاحية؟

 

قاسم هاشم: دعينا نكون واقعيين، بالبداية، المرحلة ما بعد الطائف كانت الأمور مفتوحة على أساس أن المنطقة ذاهبة إلى سلام عام وشامل، وبدأت سياسة الاقتراض من دون حدود، وعلى أنّ التسهيلات قادمة، وقد تكون هنالك إعفاءات، وقد تكون هنالك مِنَح كبيرة للمنطقة وللبنان من ضمن جوائز الترضية التي قد تُعطى على طريق السلام، ولكن كما يقال أتت الرياح حيث لا تشتهي السفن، وذهبت الأمور باتجاهات أخرى، وهذا الأمر استمر حتى العام 2005، ونحن نعرف ما حصل في 2005 في لبنان وانقلبت الأمور رأساً على عقب، وأعقب ذلك عدوان تموز والسياسات التي حصلت. فطبعاً كل هذا أدّى إلى ما أدّى إليه وبقيت الأمور من دون معالجة، وبدأت تأخذ الأمور منحى آخر من زيادة الأعباء والديون على أكثر من مستوى، وهناك أبواب كثيرة كانت طبعاً تسبّب هذا العجز.

 

دينا زرقط: اليوم موضوع التقشّف مطروح من قِبَل عدّة أطراف في لبنان، موضوع التقشّف أيضاً قد يفجّر الوضع في لبنان، خصوصاً أنه طرح موضوع خفض المخصّصات، خصوصاً لوظائف القطاع العام.

ما هو السبيل اليوم لعدم تفجير الوضع في لبنان؟ وما هي الحلول الأخرى التي من الممكن أن تُطرَح وأيضاً لتحاشي ضغط أكثر على المواطن اللبناني؟

 

قاسم هاشم: طبعاً هنالك أبواب كثيرة، دعينا نقول، الذي أوصلنا ما وصلنا إليه، أبواب هدر كبيرة وكثيرة ومفتوحة على مصراعيها، مفتوحة ولم تقفل بلحظة من اللحظات، ولم يقاربها أحد، بقيت مفتوحة أبواب الهدر، لم يُعالَج أي باب، ولا نريد الحديث اليوم عن الفساد وما أدراك ما الفساد، لأن الفساد أصبح ثقافة لبنانية، مؤسف.

 

دينا زرقط: لكن نحن نتحدّث عن الطائف وإلى اليوم، أبواب الهَدْر مفتوحة، نحن نتحدّث عن حوالى 29 سنة؟

 

قاسم هاشم: لم تكن هناك معالجات.

 

دينا زرقط: لماذا؟

 

قاسم هاشم: نهائياً، هناك سياسات تعمل على القطعة وعلى الرهانات الزمنية الآتية، على المتغيّرات، وتطوّرات قد تحمل معها. كلها كانت سياسات خاطئة وبناء على رهانات في غير مكانها وكذلك هي كذلك الأمر خاطئة.

اليوم وفي هذا الواقع الحالي، كما تتفضّلين، هل أنّ ما هو مطروح اليوم هو يوصلنا للنتائج المرجوّة؟ أنا لا أعتقد أن موضوع الرواتب هو الحلّ.

بالمبدأ الدستوري، هذا أصبح حقاً مكتسباً لأصحابه، والبعض يعتقد إذا كان هو ممتلئاً ومقتدراً، هذا لا يشكّل هامشاً يزيد عن الـ 20 في المئة على مستوى الشعب اللبناني وعلى مستوى مَن يتعاطى العمل السياسي، هؤلاء مقتدرون، ولكن ليس كل الواقع هو على ذات المستوى، المعالجات لا تكون على حساب كل هؤلاء الناس وآخرون هم الذين يجنون الأرباح.

هناك مَن اغتنى وزاد أرباحه وثرواته من خلال السياسات التي اتُبِعت، مفترض أن يكون شريكاً أساسياً، وليس الناس ولا الطبقات الفقيرة والمحدودة والمتوسّطة، وهناك توصيفات غير واضحة، أنّ الطبقات الفقيرة والمتوسّطة ومحدودة الدخل، الغالبية اليوم محدودة الدخل، ولا تتجاوز نسبة المرتاحين ما بين 20 و25 في المئة، والباقي كله في واقع مأساوي اليوم نتيجة الواقع الاقتصادي المُزري، وهذا انعكس على كل القطاعات، ولم يقف عند القطاع الوظيفي ورواتب الموظفين. اليوم هناك واقع مُزرٍ، واقع اقتصادي، الموضوع الاقتصادي وموضوع دورة متكاملة، والركود يُصيب كل القطاعات، وليس في مكان معيّن. اليوم إذا كان البعض يستسهل الحل واستسهال تحقيق خفض عجز الموازنة، هو بالذهاب مباشرة إلى جيوب الفقراء، ورواتب موظفي القطاع العام. هذا سهل ولكن هناك أبواب أخرى.

 

دينا زرقط: ما هي هذه الأبواب؟ ما هي الخيارات الممكنة اليوم لحل الأزمة الاقتصادية من دون اللجوء إلى هذا الخيار؟

 

قاسم هاشم: لدينا حتى بالموازنة، هناك أبواب يمكننا الاستغناء عنها، نؤجّلها.

 

دينا زرقط: مثلاً؟

 

قاسم هاشم: هناك بعض الإنفاق غير المُنتج، يمكننا نحن أن نتخلّى عن جزء منه، وواضح، عجز الكهرباء اليوم وهو لا يُستهان به ويصل إلى ملياري دولار سنوياً، المفترض من خلال الخطة هذه السنة أن نحقّق خفضاً في هذا العجز بنسب معينة، هناك موضوع التهريب، التهرّب الضريبي والتهريب الجمركي، التهريب الجمركي ليس فقط ضبط حدود وقد لا نستطيع ضبطها، كذلك هناك موضوع إعادة النظر بالتسعيرة الجمركية، وليس صحيحاً بالمبدأ الاقتصادي، أنا لست خبيراً اقتصادياً ولا مالياً، ولكن بالواقع علّمتنا الحياة، ليس صحيحاً بعِلم الاقتصاد والمال أنه كلما رفعت النِسَب بهذا الموضوع والذي يطال كل الناس هو يحقّق إيرادات، والدليل الأكبر بما خصّ سلسلة الرتب، قمنا ببعض الإجراءات، أتت عكسية ولم يكن المحقّق حسب المقدّر، كان المقدّر كبيراً، وجاء أقلّ، هذا يجب أن يعاد النظر به ويجب الانتباه له وهناك أبواب كثيرة كالأملاك البحرية التي تحدّثنا عنها وأبواب غيرها.

المباني المُستأجرة من الحكومة والتي تتحمّل كل الحكومات المتعاقبة من دون استثناء المسؤولية، لأنها لم تضع خطّة ويمكننا أن نستغني عن مئة بالمئة من المباني المُستأجرة، وأمّنا مبانٍ حكومية وبكلفة صفر، كنا حتى اليوم لكن طبعاً سياسة الاندفاع المرفوعة هي التي كانت تهيمن وتسيطر على سياسة الحكومات وعلى انعدام الرؤية الوطنية لمعالجة الأزمة.

 

دينا زرقط: سؤال أخير، صحيفة لوس أنجلوس تايمز تقول بأن لبنان يقترب من الهلاك الاقتصادي في ظل تردي الأوضاع المالية. اليوم على أرض الواقع هل هناك تخوّف حقيقي على الاقتصاد اللبناني، انهيار الاقتصاد اللبناني أو هلاك الاقتصاد اللبناني؟ باختصار لو سمحت.

 

قاسم هاشم: لا شك الوضع صعب وخطير ولكن ليس إلى حد الانهيار. هناك طبعاً محاولات لوضع معالجات، ولكن الوضع لم يصل لحدّ الانهيار. نحن صحيح بواقع مزرٍ ومأساوي، ولكن هناك إمكانية للمعالجة وللوصول إلى حلول معيّنة خلال مُهَل معيّنة، ولكن هذا يتعلق بالإرادة الحقيقيّة وبالرؤية الصائبة للمعالجات الجذرية، وليس بالمسكّنات المؤقتة.

 

دينا زرقط: هل هناك إرادة؟ نعم أو لا؟ هل هناك إرادة حقيقية؟

 

 

قاسم هاشم: نتمنّى، نتمنّى.

 

دينا زرقط: إذاً دكتور قاسم هاشم النائب في البرلمان اللبناني، شكراً لك لحضورك معنا في استوديو الميادين.

الشكر الكبير لكم مشاهدينا على حُسن المتابعة. إلى اللقاء.