حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

أحمد بن بيتور - رئيس الحكومة الجزائري السابق

 

المحور الأول

 

محمد علوش: للجمعة الحادية عشر على التوالي، تتواصل حركة الاحتجاج في الشارع الجزائري رغم الإجراءات الأمنية المكثّفة في العاصمة.

الشعارات الطاغية في التظاهرات تطالب برحيل النظام، وتتّهم السلطة والجيش بالمماطلة في الاستجابة لمطالب الشعب.

مرفوضٌ لدى المحتجّين أن يتولّى أحدٌ من رموز النظام السابق إدارة المرحلة الانتقالية، أو تنظيم الانتخابات الرئاسية، والمطالب بالإبعاد تطال كلاً من رئيس الدولة الانتقاليّ عبد القادر بن صالح ورئيس الوزراء نور الدين بدوي، يليها رفض إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المقرّر في الرابع من تموز (يوليو) المقبل، وكذلك رفض المسار الدستوريّ الذي أكّدت المؤسّسة العسكرية الالتزام به للخروج من الأزمة.

ولا تبدو مباشرة القضاء التحقيق في ملفات الفساد مع كبار رموز الدولة، إجراءات كافية لدى المتظاهرين.

على وقع تلك اللاءات، تبدو قوى المعارضة مُتردّدة في شأن دعوة قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح إلى الحوار.

فما هي الحلول المقترحة للحؤول من دون الصِدام؟ وما هي آفاق المسار الدستوري للمرحلة الانتقالية؟

للنقاش معنا أحمد بن بيتور رئيس الحكومة الجزائريّ السابق.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حيّاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونرحّب بضيفنا رئيس الحكومة الجزائريّ السابق أحمد بن بيتور.

أهلاً بك سيّد بن بيتور، ونسأل، كوزير أول أسبق في الجزائر، ما هو موقفكم من دعوة قائد الجيش للحوار مع المعارضة؟

 

أحمد بن بيتور: أولاً، تحيّاتي للمشاهدات والمشاهدين وشكراً على الاستضافة.

أنا أظنّ أفضل طريقة لمقاربة الموضوع النظر إلى النتائج، ننظر إلى حال الجزائر ما قبل 22 فبراير، وحالها اليوم، وعندما ننظر إلى حال الجزائر ننظر إلى حال المجتمع، حال السلطة وتأطيرها على المؤسّسات.

عندما نتحدّث عن حال المجتمع قبل 22 فبراير، يمكن أن نقول إنّه يعاني من خمسة أمراض، أولاً غياب الأخلاق الجماعية، ثانياً الفساد المعمّم، ثالثاً العنف الذي أصبح الوسيلة المفضّلة في الفصل في النزاعات بين الأشخاص، بين مجموعات الأشخاص، وبين مجموعات الأشخاص والدولة، رابعاً لا مبالاة، وخامساً القدرية، وبالتالي هذه الأمراض الخمسة التي كانت في المجتمع.

عندما ننظر إلى السلطة، السلطة تتميّز بثلاثة عوامل. العامل الأول هو التسلّط، أن تكون معي وتصفّق، أو تكون ضدّي وأجنّد كلّ إمكانياتي لإسكاتك، ومن ثمّ القيادة العليا لا تكون لديها معلومات حقيقية عن حال البلاد. الخصوصية الثانية هي الإرث، قائد تدور حوله مجموعات تتنافس في ما بينها لإرضاء القائد للاستفادة من تبرّعاته، أكانت منصباً، أكانت مشروعاً، أكانت قرضاً، إلى آخره، بينما يعتبرون المجتمع كمجتمع متأخّر غير قابل للعمل السياسي، ومن ثمّ بناء فجوة كبيرة بين الحاكم والمحكوم. والخصوصية الثالثة للسلطة هي الأبويّة، القائد يقول لك أنا أب الشعب، ومن ثمّ علاقتي مع شعبي يجب أن تكون مباشرة، ومن هنا كل ما هي مؤسّسات وسيطة بيني وبين الشعب، أكان البرلمان، أكانت الحكومة، أكانت الإدارات، كلّما فشلت كلّما كنت في أحسن حال مع شعبي.

ومن هنا ننظر ما هي الحال بعد 11 يوماً من المسيرات في كل جمعة. نرى اليوم الأمراض الخمسة للمجتمع على الأقل في وقت المسيرات لم تعد قائمة، بحيث كان الناس مُتماسكين، يسيرون مع بعضهم بعضاً، بسلمية، بانضباط، بتنظيم، إلى آخره. لم يعد هناك لا غياب الأخلاق الجماعية ولا غير ذلك، الفساد أيضاً، نرى اليوم ما وقع في ما خصّ مكافحة الفساد، اللامبالاة كذلك، وبالتالي الحراك وصل إلى نتيجة مهمّة، على الأقلّ، أقول على الأقلّ في وقت المسيرات، جاء بدواء إلى الأمراض التي كنّا نتحدّث عنها في المجتمع.

اليوم على النخبة أن تتعامل مع الحراك بحيث تبقى هذه الحال دائمة في الأوقات الأخرى في حياة الإنسان. عندما نتحدث عن السلطة، السلطة مع الأسف الشديد، تجد في المادة 102 من الدستور، الانتخابات في الرابع من تموز (يوليو)، ومن هنا ما معنى ذلك؟ معناها هناك عهدة خامسة من دون المرشّح التقليدي، ومن هنا أنا أظنّ، إذا رغبنا بالذهاب إلى برّ الأمان، علينا أن نسير في مرحلة انتقالية، لا نستطيع أن نذهب إلى انتخابات في الرابع من تموز، لأنّنا إذا أجرينا انتخابات، أولاً لن تكون هناك مشاركة، وثانياً حتى الإدارة، حتى المؤسّسات لا تستطيع التعامُل مع هذه العملية.

إذا أردنا أن نعطي صورة للنتائج، نستطيع أن نلخّص الأمر ونقول إنّ الشارع أتى بنتائج لا بأس بها، بينما القائمون على النظام لم يستجيبوا بعد لمُتطلبات الشارع.

 

محمد علوش: جميل، بدأت حضرتك بداية جداً لافتة لجهة تشخيص أمراض في المجتمع وفي السلطة. أنا أكرّر بشكل سريع فقط، لأنّ هناك بعض النقاط تحتاج إلى التوقّف عندها.

في الحديث عن الحراك الشعبي، تقول إنّه يعالج جملة هذه الأمراض التي يعاني منها المجتمع بشكل عام، لكن أشرت إلى السلطة أنّها مصابة بثلاثة أنواع من الأمراض، التسلّط والإرث السلطوي والأبويّة.

هل تقصد هذه السلطة الحالية بشخص رئيس أو قائد الجيش أحمد قايد صالح؟

 

أحمد بن بيتور: لا، النظام القائم كله كما كان في السابق، قلت لك قبل 22 فبراير. اليوم الشارع حقّق نتيجتين. أولاً التسلّط لم يعد قائماً، لأنّ الناس الذين يخرجون إلى الشارع يقولون ما يشاؤون، وبالتالي لم يعد هناك تسلّط كما في السابق، أنه إذا تكلّمت أمسكك. وثانياً الأبويّة لم تعد قائمة أيضاً، لم يعد أحد يستطيع أن يقول أنا أب الشعب، وأنا أتكلّم على شعبي، وبالتالي ما بقي هو الإرث، هذا الإرث المتعلّق بالفجوة ما بين الحاكم والمحكوم، هذا لا يزال موجوداً مع الأسف الشديد.

 

محمد علوش: ما زالت موجودة.

 

أحمد بن بيتور: أنا أقول الشارع حقّق نتائج كبيرة.

 

محمد علوش: برأيك، لماذا بشكل عام تتردّد قوى المعارضة في شأن قبول دعوة قائد الجيش إلى الحوار، طالما أنّ الحوار لا سقف له؟

 

أحمد بن بيتور: دعني أقول لك، أولاً اليوم هناك توازن قوى، هناك تغيير في توازن القوى بين الشارع وبين القائمين على السلطة، والشارع يريد الوصول إلى نتائج مُرضية، والشارع لا يقبل أن يكون هناك ممثل له في الحوار، وبالتالي تكلّمنا عن النظام القائم، نتكلّم عن الشارع، الشارع اليوم عليه أن يحدّد بدقّة مُتطلباته على المدى المتوسّط والبعيد، حتى يكون الحوار على كيفية تسيير المُتطلبات على المدى المتوسّط والبعيد. هذه هي، وبالتالي الشارع لا يرغب أن يمثله أي إنسان، ويتفاوض مع النظام القائم، وبالتالي نبقى في نفس المكان، بمعنى أن رموز النظام هم الذين يتفاوضون في ما بينهم، وهذا لا يؤدّي إلى نتيجة مُرضية.

 

محمد علوش: وبالتالي الحوار يفترض أن يكون على أسس، هذه الأسس تشخّص حال الأزمة على حقيقتها، حتى يكون الحوار مثمراً.

في صحيفة رأي اليوم الإلكترونية، كتب رئيس الوزراء الجزائري الأسبق علي بن فليس، مُشخّصاً عُمق الأزمة السياسية في البلاد وأهمية الحوار في حلّها. نشاهد معاً.

 

رأي اليوم: الحوار المطلوب لحل الأزمة الجزائرية... عقباته ومواصفاته، علي بن فليس

ممّا لا شكّ فيه، ولا نزاع يلاحقه، أو خلاف يدور حوله، هو أنّ الحوار يمثّل جوهر وروح العمل السياسيّ المسؤول والبنّاء. كما يشكّل، أيضاً، الوسيلة المُفضَّلة التي يتوجَّب توظيفها في حلّ الأزمات. وإنّ حتميّة الحوار فكرةٌ وقناعةٌ يتقاسمها الجميع، ولا أحد يشكّ في ضرورتها القصوى وطابعها الاستعجاليّ المُطلق في وجه الأزمة ذات الخطورة الاستثنائيّة التي يعيشها بلدنا الجزائر. وعليه، فإنّ رهان الساعة المفصليّ يكمن في بعث وتفعيل هذا الحوار بتهيئة كل الظروف الملائمة لحُسن صيرورته ونجاعته و نجاحه.

إنّ ما هو جليٌ تمام الجلاء، هو أنّ بلدنا يواجه أزمةً سياسيّةً ودستوريّةً ومؤسساتيّة. ولكنّ ما هو أكثر جلاءً وخطورة يُستشَفّ في الانسداد الكامل الذي يعترض سبيل البحث عن حل الأزمة. وإنّ هذا الانسداد واضح المعالم والأركان. فهو نتاج تعارُض عميق وتباعُد صريح بين مسار مبني على أساس تطبيق حَرفي وحصري للمادة إثنتين بعد المئة من الدستور والمطالب المشروعة المُعبَّر عنها من طرف الثورة الديمقراطية السلمية التي يعيشها البلد.

وخلاصة القول: يتوجّب على كلّ حوارٍ هادفٍ وواعدٍ وموجَّهٍ نحو البحث عن حل فعلي وسريع للأزمة أن يتّخذ موضوعاً محورياً وعلّة وجودٍ من سدّ فجوة هذا التعارُض والتباعُد. وعليه، فإنّ حواراً بهذه الميزات والمواصفات يقتضي وجود مُخاطبين ذوي مصداقيّةٍ وثقة، كما يتطلّب وضع أطره الدقيقة ورسم أهدافه المتوخّاة، وتشخيصها بكل وضوح.

 

محمد علوش: ونعود إليك سيّد بن بيتور لنسأل، طبعاً السيّد بن فليس رئيس وزراء أيضاً أسبق في الجزائر، يتحدّث عن إشكالية، هو طبعاً يقول إنّ البلد يعيش أزمة سياسية، لكن اللافت في كلامه، هناك انسداد كامل، وهذا الانسداد الكامل نتيجة تعارُض عميق وتباعُد بين مسار تسلكه الدولة، والمطالب المشروعة. وفي الوقت نفسه يقول إنّه للحلّ ولوجود حوار، لا بدّ من وجود مُخاطبين ذوي مصداقية وثقة.

هل تستشفّ حضرتك نوعاً من الشكّ بقيادة السلطة حالياً لإدارة هذا الحوار، أم أنّ الأمر موجَّه إلى مطالب المُحتجّين كونه لا توجد قيادة ممثلة لهؤلاء؟

 

أحمد بن بيتور: إسمح لي، اليوم أرى أن هناك قوتين موجودتين يوجد توازن قوى بينهما، الشارع والنظام القائم، ولكن فات وقت الحوار، يجب أن تكون هناك مفاوضات. الشارع ماذا يطلب؟ تغيير نظام الحكم بكامله، وليس الاكتفاء بتغيير الأشخاص، ومن ثمّ يجب أن تكون هناك مفاوضات مباشرة مع الناس القائمين في الشارع، والناس القائمين على الحكم اليوم، لكيفية خروجهم من النظام، هذا هو تغيير النظام بكامله. الوقت ليس وقت حوار، الحوار فات وقته، الحوار لماذا؟ لتحديد الأهداف؟ الأهداف واضحة، الشارع خرج وقال، أنا أريد تغيير النظام بكامله، وليس الاكتفاء بتغيير الأشخاص.

 

محمد علوش: لكن قيادة الجيش تقول إنّها ملتزمة المسار الدستوري، وهذا المسار الدستوري، مطالب المحتجّين كانت واضحة بأنّها ترفضه، وتعتبره الآن بحُكم التبعية للنظام السابق.

 

أحمد بن بيتور: إسمح لي، هذه من المُغالطات، هناك حال استثنائية، يجب أن تكون هناك حلول استثنائية. يجب أن تكون هناك قراءة متأنّية للدستور بكل مواده، لا نكون مربوطين بالمادة 102، ونقول هذه هي المادة وماذا تقول، كانت هناك مواد أخرى، وبالتالي يجب أن تكون هناك قراءة متأنّية للدستور، من دون أن نخرج من روح الدستور، نستطيع الذهاب إلى مرحلة انتقالية. وأعود وأكرّر، إذا ذهبنا إلى انتخابات في الرابع من تموز، لن تكون هناك نتيجة. أولاً الناس لن يشاركوا بالتأكيد، وثانياً حتى أن الموظفين لن يذهبوا، يمكن أن يعلنوا إضراباً أو يقوموا بأية خطوة من هذا النوع. وبالتالي نحن اليوم في حاجة إلى مفاوضة صريحة مباشرة بين الناس الذين يرضى بهم الشارع كممثلين لهم، والقيادة القائمة اليوم ما بين قائد الدولة.

 

محمد علوش: أفهم من كلام حضرتك بأنّ قائد الجيش أو حتى الرئيس الانتقالي الحالي ورئيس الوزراء هم يسيرون بنص حَرفي للدستور، بعيدين عن روح الدستور التي تتطلبها المرحلة، وبالتالي الملامة تقع على جهة الدولة وليس على جهة المُحتجين؟

 

أحمد بن بيتور: بالضبط، هذا هو، حتى اليوم نحن لا نزال في نفس التطبيق للمادة 102، لا نتحدّث عن الدستور، فقط المادة 102 من الدستور، وبالتالي كما قلت لك، يجب أن تكون هناك قراءة متأنّية لكل المواد حتى نخرج بنتيجة، لأنّه اليوم نحن في حال، تحدّثنا عن أمراض الشعب وتحدّثنا عن أمراض السلطة، واقتصادنا في انخفاض مستمرّ في إنتاج المحروقات منذ 2006، أضيف له في العام 2014 انخفاض في الحجم وانخفاض في الأسعار، ومن ثمّ مداخيل تصدير المحروقات لن تكون أكثر من 30 مليار دولار في السنوات المقبلة بينما المصاريف تكون حوالى 50. وبالتالي هناك عجز في الميزانية التجارية، كان هناك عجز كبير في الميزان التجاري، وهو اليوم يُغطّى من الاختطاف للعملة الصعبة الموجودة في مخزون العملة الصعبة، ولكن بعد 2021 العملة الصعبة لن يكون لها مخزون مضبوط تماماً، وبالتالي كيف سنُدير الأمر؟ عليه، يجب أن تكون هناك حلول، حلول تسير بشكل كامل، بناء المواطنة عند المواطنين، تغيير المؤسّسات ونظام الحكم بكامله، وكذلك تسيير برنامج جديد للاقتصاد لنخرج من الأزمة. إذا كنا نتحدّث عن حوار وغير حوار في السياسة، فهذا لن يؤدّي إلى مكان مع الأسف الشديد.

 

محمد علوش: حضرتك صاحب رؤية اقتصادية وخبرة أيضاً اقتصادية إلى جانب عملك السياسيّ، هذا أمر معروف، لا شكّ في الموضوع، لكن تعرف حضرتك أنّ البلد لا يعيش أزمة اقتصادية بحتة، هو أيضاً يعيش أزمة سياسية، وهناك خلفية أيضاً تاريخية غير مشجّعة لجهة القلق الأمني.

وبالتالي من واجب الدولة، يقول البعض، من واجب الدولة أن تسدّ هذه الثغرات الموجودة أو التي يمكن أن تنفلش بشكل أكبر في مجتمع متحرّك، وبالتالي على القوى السياسية، وأنتم كقوى سياسية أيضاً لستم في الدولة، أن تكون لديكم من المرونة الكافية لتلتقوا مع السلطة السياسية اليوم التي تمسك بالبلاد، وهي قيادة الجيش، للعبور إلى برّ الأمان، وإنما ما يحصل هو العكس، يقول البعض.

 

أحمد بن بيتور: لا، أنظر، أولاً نحن لا ننسى أنّ السلطة القائمة الآن هي نفس السلطة التي أودت بالبلاد إلى ما هي عليه، سواء في الميدان الاقتصادي، سواء في الميدان الاجتماعي، سواء في الميدان السياسي، وبالتالي تغيير نظام الحكم بكامله واجب. ومن هنا، اليوم هناك توازن قوى بين الشارع، ليس بين الكفاءات الوطنية والنخب والسياسيين، والنظام القائم، هناك توازن بين الشارع والنظام القائم، ومن ثمّ فإنّ الشارع هو الذي يحدّد مَن هو مفوَّض للتحدّث بلسانه، والتفاوض على تغيير نظام الحكم بكامله.

وثانياً، ينبغي على النظام القائم أن يفهم بأننا وصلنا إلى الوقت الذي يجب أن يحصل فيه تغيير لنظام الحكم بكامله، وعندما يأتي للتفاوض، لا يتفاوض على حلول يراها هو، كما قلت مثلاً حَصْر احترام الدستور بالمادة 102، هذه لا تُخرِج البلاد من الأزمة. لإخراج البلاد من الأزمة، يجب أن يكون هناك تغيير لنظام الحكم بكامله، ومن هنا، إذا كان هناك مفاوضات وليس حواراً، حتى تفهم جيداً، مفاوضات وليس حواراً، نحن كنّا منذ 1962، الثورة الجزائرية لم تصل إلى النتائج التي حقّقتها إلا عبر مفاوضات إيفيان مع الفرنسيين، حصلت مفاوضات مباشرة مع قيادة جبهة التحرير.

 

محمد علوش: ولكن التشبيه فيه شيء من الغرابة. ذاك محتل وهذا جزء من البلد ويحكم في البلد.

في كل الأحوال، إذا كان الاحتكام إلى الشارع، سيّد بن بيتور.

 

أحمد بن بيتور: لا، لا، لا توجد غرابة.

 

محمد علوش: لا توجد غرابة؟

 

أحمد بن بيتور: إسمح لي، أصحّح هذه النقطة، لا توجد غرابة، لا توجد غرابة، كما قلت لك بين فكرة الحوار والمفاوضات، نحن في حال مفاوضة وليس في حال حوار، أعطيتك هذا النموذج لأقول لك إنّ الناس لم يكونوا ينتظرون حواراً، كانوا يتفاوضون على النتائج، واليوم الأمر نفسه، نحن بحاجة إلى تفاوض حول النتائج.

 

محمد علوش: جميل. إذا كان الاحتكام للشارع، وتقصد به المحتجّين، فهل تشاطرون المحتجّين اتهامهم للجيش والسلطة بالمماطلة في تسليم الحكم؟

 

أحمد بن بيتور: لا، أولاً وقبل كل شيء، لا ننسى أنه مع الأسف الشديد في النظام الجزائري، كلّ الرؤساء الذين جاؤوا إلى الحكم جاؤوا من طرف الجيش، وبالتالي نحن لا نريد أن يكون الجيش هو الذي يعيّن مَن يأتي، وبالتالي إذا كانت هناك مفاوضات، يجب أن تكون المفاوضات بين القائمين على الحكم، أي يجب أن يكون هناك رئاسة الدولة الموجودة حالياً، ورئاسة الأركان، ما دام قائد الأركان هو الذي سيتكلّم باسم الجيش، ومن ثمّ يجب أن يحدّد هؤلاء النتائج بمفاوضات مع المواطنين، مع الناس الموجودين في الشارع، ممثلي الناس في الشارع.

 

محمد علوش: هل لديك أيّ تحفّظ على سلوك أو أداء، كرئيس دولة حالياً انتقالي، الأستاذ عبد القادر بن صالح، أو على رئيس وزرائه نور الدين بدوي؟

 

أحمد بن بيتور: لا، المشكلة أنّ هؤلاء يتمسّكون في المادة 102 كما قلت لك، وبالتالي يبقى نفس النظام قائماً. طبعاً إذا بقيت في النظام، تدافع عن نظامك، ولكن اليوم يجب أن يفهموا أنّ هناك توازن قوى جديداً، لم يعد الأمر كما كان قبل 22 فبراير. بعد 22 فبراير أصبح هناك توازن قوى جديد لصالح الشارع، ومن ثمّ غير ممكن أن نترك توازن القوى الجديد هذا يذهب هباء منثوراً، يجب أن يؤمنوا به، واليوم أقول لك، هناك ثورة وطنية جديدة في الجزائر، سيكون لديها تأثير إيجابي على الجزائر وعلى كل دول جوار الجزائر. ومن هنا يجب أن نفهم بأنه من دون تغيير نظام الحكم بكامله، وربما كرّرتها اليوم معك أكثر من مرّة، من دون تغيير نظام الحكم بكامله، وليس الاكتفاء بتغيير الأشخاص، لن نذهب إلى برّ الأمان، ومن هنا، على الناس القائمين على الحكم اليوم، وعلى الشارع، على الناس القائمين على الحكم أن يُعيّنوا مَن يستطيع أن يتفاوض باسمهم، وعلى الشارع أن يُعيّن أيضاً مَن هو قادر على التفاوض باسمه، ونبدأ مفاوضات حقيقية لتغيير نظام الحكم بكامله.

 

محمد علوش: هل أستشفّ من كلام حضرتك أنّ التغيير الحاصل هو تغيير سطحي فقط في رأس النظام وليس في أُسسه؟

 

أحمد بن بيتور: طبعاً، طبعاً، طبعاً.

 

محمد علوش: وإذا كان كذلك، مَن الذي يحمي الآن بقاء النظام السابق؟ مَن مِن الشخصيات القائمة؟

 

أحمد بن بيتور: لا، هم القائمون على النظام لم يفهموا بعد أنه يجب أن يصلوا إلى تغيير النظام، ربما هم يتفاوضون في ما بينهم من أجل الوصول إلى نتيجة. أنا ليست لديّ معلومات عن كيفية تسيير الأعمال بينهم، ليس لديّ أيّ معلومة في هذا الميدان، ولكن يجب أن يفهموا أنه يجب أن يكون هناك تغيير لنظام الحكم، هم الآن يسيرون في نفس النظام، وما داموا يتمسّكون بالمادة 102، معنى ذلك أنّ الانتخابات ستجرى خلال شهرين، ماذا يبقى؟ كيف تستطيعون تحديد مرشّحين في مستوى مقبول لمواجهة المشاكل الكبرى وأوراق الطريق الصحيحة للخروج من الأزمة؟ غير ممكن، لهذا يجب أن تكون هناك فترة انتقالية لمدة 12 شهراً، ثمانية أشهر، 10 أشهر، حتى يتمّ التوصّل إلى أوراق طريق، يكون هناك حكومة انتقالية تقوم بتسيير شؤون البلاد ويرضى عنها الشارع، وفي هذا الوقت تجرى انتخابات رئاسية تكون حرّة ونزيهة ومتنافسة.

 

محمد علوش: هل تواصلَ معك أحد من جهة السلطة أو المحتجّين؟

 

أحمد بن بيتور: لا، أبداً. المحتجّون في الشارع يقولون إسمي طبعاً، وهذا مفهوم في الشارع اليوم، المحتجّون يقولون إسمي، ولكن لم يحصل اتصال مباشر لا من السلطة ولا من الناس في الشارع.

 

محمد علوش: هل لديك تفسير لذلك، لعدم اتصال السلطة بكم، طالما أنّها تتصل بأغلب القيادات السياسية السابقة في البلاد للتشاور حول آلية الخروج من الأزمة؟

 

أحمد بن بيتور: لا، أنا موقفي واضح، أنا دائماً أقول يجب تغيير نظام الحكم بكامله وليس الاكتفاء بتغيير الأشخاص. هم يتواصلون من أجل تحضير اللجنة المستقلة لتأطير الانتخابات، لم يتواصلوا معهم من أجل حوار سياسي أو هذا، هم يتحدثون عن كيفية تعيين لجنة مستقلة لتنظيم الانتخابات، ولكن ما دامت لجنة مستقلة لتنظيم الانتخابات معينة من النظام القائم، معنى ذلك أنها لن تأتي بتغييرات كبيرة. أنا أقول اليوم إنّ الشارع يجب أن يفهم ذلك، ويبنغي أن يحدّد أشخاصاً يتكلّمون بإسمه من داخله، وهؤلاء الناس الذين يكونون في داخله، إذا كانوا في حاجة، وأنا هذه قلتها مرات عدّة، إذا كانوا بحاجة لنعاونهم في كتابة أوراق الطريق، نحن مستعدّون، نعاونهم في كيفية المفاوضات، نحن مستعدّون، لأنّ لدينا تجربة كبرى في هذا الميدان، ونحن في خدمة الوطن، لسنا في خدمة أي أحد.

 

محمد علوش: ماذا عن ملفات التحقيق في الفساد التي باشر القضاء بها؟ هل هذه رسائل مُطمئنة للمُحتجين؟ هل سيترشّح أحمد بن بيتور إلى رئاسة الجمهورية طالما أنه تردّد أكثر من مرة في الاستحقاقات أو في الانتخابات الرئاسية السابقة؟

بعد الفاصل مشاهدينا، أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في هذه الحلقة التي نتناول فيها الأزمة السياسية في الجزائر.

يرى رشيد ولد بوسيافة في صحيفة الشروق الجزائرية أنّ الحراك الشعبي لم يحقّق أياً من أهدافه الأساسية، وهو عاجزٌ عن إفراز ممثلين حقيقيين عنه أمام السلطة. نشاهد معاً.

 

الشروق الجزائرية: حذارِ من الاختراقات!، رشيد ولد بوسيافة

على الرغم من الصورة الباهَرة التي نجح الحراك الشعبيّ في صنعها منذ 22 شباط (فبراير) الماضي، إلا أنّ التطوّرات السياسية المتتالية تشير إلى أنّ الأهداف الرئيسية لهذا الحراك لم يتحقّق منها شيء، فما زالت مؤسّسات الدولة تسيّرها شخصيّاتٌ عيّنها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وإذا استثنينا الحركة المسجّلة على مستوى مكافحة الفساد بإحالة رجال أعمالٍ ومسؤولين على العدالة وملاحقتهم بتهم الفساد ونهب الأموال العامة، فإنّه على الصعيد السياسيّ، لا يوجد مؤشّرٌ واحدٌ على أنّ الأوضاع تغيّرت بما في ذلك استمرار الباءات على الرغم من النداءات الواضحة للحراك الشعبي بإسقاطها، وفي ظلّ عدم التجاوب مع المبادرات المطروحة هنا وهناك للوصول إلى حل توافقي.

ومن المعطيات التي تؤكّد أنّ التغيير الذي حدث لا يتجاوز إطار الأشخاص، ما حدث في الحزب العتيد، حيث انتُخِب واحدٌ من رموز المرحلة الماضية ليكون أميناً عاماً لجبهة التحرير الوطني، وهو الحزب الذي فقدَ الكثير من مصداقيّته خلال العقود الماضية.

وفي مقابل هذا الجمود السياسيّ، تشهد جبهة الحراك الشعبيّ تصدّعاتٍ غير محمودة، أهمّها بروز المطالب الجهويّة والفئويّة، وبداية الاختراق الخارجيّ في شكل مجالس وهيئاتٍ ومجموعاتٍ تريد ركوب موجة الحراك وتمثيله في الخارج، كمقدّمةٍ للتدخل الخارجيّ. وما فعله فرحات مهني دليلٌ على هذه المحاولات الرامية إلى تقسيم الحراك واختراق المشهد السياسيّ.

وما ساعد في هذه الاختراقات هو عجز الحراك الشعبيّ إلى الآن عن إفراز ممثلين حقيقيين عنه من خلال اعتماد آليةٍ واضحة لاختيار ممثلين في الولايات، وكذا ممثلين للفئات التي شاركت بقوةٍ في الحراك من محامين وصحافيين وقضاةٍ وأساتذةٍ وغيرهم.

 

محمد علوش: ونعود إلى ضيفنا من الجزائر العاصمة رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور، لنسأل، طبعاً رؤية متشائمة تبدو في ما يقول صاحب المقالة في صحيفة الشروق الجزائرية، لم يتحقّق، رغم كل هذه الحراكات المستمرة في كل يوم جمعة، لم يتحقّق أيّ من المطالب الأساسية للمُحتجّين باستثناء موضوع مكافحة الفساد، أو مباشرة القضاء للتحقيق في ملفات الفساد.

بدايةً، هل تشاطره الرأي في هذه الجزئية؟

 

أحمد بن بيتور: لا، أولاً ليس صحيحاً أنّ الحراك لم يأتِ بنتائج، كما قلت لك، أمراض المجتمع اليوم الحمد لله لم تعد قائمة، أما إذا كانت السلطة لم تستجب للمطالب، فهذا لا يعني أنّ الحراك لم ينجح في عمله ولم يصل إلى نتائج.

في ما يخصّ مكافحة الفساد، أولاً وقبل كل شيء، يجب أن يكون هناك فصل في السلطة القضائية مع السلطة التنفيذية. إلى حد اليوم، يبدو وكأنّ السلطة التنفيذية هي التي تقول للسلطة القضائية قومي بهذا العمل. لا بأس، في البداية، ولكن يجب أن تكون هذه العملية ناجِعة، وأن تكون مبنية على مكافحة الفساد، ليس فقط مكافحة الفاسدين، يجب أن تكون بحرية تامة بالنسبة إلى القضاء، ويتمّ فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية.

 

محمد علوش: حضرتك شغلت منصب رئيس الوزراء، ثمّ استقلت اعتراضاً على سلوك اقتصادي وسياسي كنت تراه مُضرّاً بالبلد، وحضرتك كنت رئيس وزراء في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

الآن، ملفات الفساد تُفتَح على مصارعها. السؤال الذي يطرح نفسه على شخصية تاريخية مثل حضرتك، بمرحلة سياسية مُحدّدة، هل تؤيّد محاكمة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بتِهمٍ ما طالما أنّك عملت معه؟ وماذا بشأن ما يُحكى عن تورّط أخيه في ملفات فساد أيضاً، سعيد بوتفليقة؟

 

أحمد بن بيتور: أولاً، يجب أن نذكّر بأنني بدأت معه في البداية تماماً، وعندما أراد أن يشرّع بالأوامر وليس بالقوانين، استقلت، حتى تفهم جيداً الفَرْق، طبعاً كان هناك توجّه سياسي وتوجّه اقتصادي وكل شيء، ولكن القطرة التي فاضت الكأس هي أنه أحبّ أن يُدير التشريع بالأوامر، وأنا رفضت التشريع بالأوامر، طالما أنّ هناك حكومة وطالما أنّ هناك أوامر، التشريع يجب أن يحصل بالقوانين وليس بالأوامر، ومن هنا استقلت. مَن جاؤوا بعدي طبعاً ساروا بالتشريع بالأوامر.

الفساد لم يكن في ذلك الوقت، الفساد جاء بعد ذلك الوقت، وأصبح مُعمّماً، ومجموعات الفاسدين واضحة، وكانت علاقتهم مع القائمين بالسلطة، وهذا الكلام أنا أظنّ من الأفضل أن يتحدّث به القضاة أكثر ممّا يتحدّث به السياسيون، ما دمنا سرنا في طريق مكافحة الفساد، مرحباً، ولكن يجب تخصيص القضاة في الكلام على كيفية محاربة الفساد، وكيفية عقوبة الفاسدين.

 

محمد علوش: أعود إلى نفس السؤال سيّد بن بيتور، لنتأكّد، بالنسبة إلى بعض الشخصيات التي يقول المحتجّون إنّها متورّطة بالفساد، وهو شقيق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وشخصيات أخرى لا تزال في السلطة، هل تؤيّد أنت فتح ملفات هؤلاء، أو ترى أنّ الأمر حصراً هو فقط مرتبط بالقضاء، وهو مَن يحدّد مَن يستطيع أو مَن يستحق المحاكمة أو فتح ملفات الفساد بحقه؟

 

أحمد بن بيتور: لا، هو تشخيص الملفات عند القضاء في ما يخصّ الفاسدين، اليوم أمام القضاء، ربما يصلون إلى نتيجة مَن هو الذي كان في الحكم القائم، وشجّعهم أو أعطاهم الإمكانيات للتورّط في الفساد. هذه هي الحكاية، وبالتالي بهذه الطريقة تصل بالقضايا إلى الناس الذين كانوا قائمين بالحكم طبعاً.

 

محمد علوش: والآن كيف ترى المسار القضائي؟ هل تراه مساراً جدّياً؟

 

أحمد بن بيتور: طبعاً، ما داموا يسيرون في هذه الطريق، لا نستطيع أن نقول إنّ المسار ليس جدّياً، ولكن النتائج تعطينا ما إذا كان مساراً جدّياً أو غير جدّي، أولاً. ثانياً، كما قلت لك، عندما يُفتَح ملف، يجب أن يصلوا إلى مَن كان وراء تشجيع هؤلاء الناس للقيام بالفساد. اليوم ما هو الفساد الذي نتحدّث عنه؟ هو مثلاً، تكون هناك مشاريع بكلفة 100 مثلاً ويتمّ تسجيلها بكلفة 150، مثلاً، يكون الوقت اللازم للقيام بها 12 شهراً، يجعلونها 24 شهراً، وتكون النوعية فاسدة إلى آخره، وبالتالي القائم على المشروع يأخذ أموالاً أكثر بكثير ممّا هو مطلوب. ومن هنا، عندما يقوم القضاء بالتحقيقات الحقيقية والتقنية والقانونية للملفات، يوصل إلى مَن هو الذي كان السبب في إعطائهم هذه التسهيلات، وهذا مرتبط بالنظام الإرثي، والاستفادة من تبرّعات القائمين على الحُكم، هؤلاء القائمون على الحُكم توصل الملفات إليهم، ومن ثمّ تكون الملفات، ولكن لا أستطيع أن أقول لك مباشرة إن كان يجب ملاحقتهم أم لا، هذا يبقى رَهْن القضاة وليس عندي أنا الجواب.

 

محمد علوش: هل تملكون رؤية متكاملة للخروج من الأزمة الحالية؟ وهذه الرؤية إذا كانت متكاملة لديكم، ما هي أبرز بنودها خلافاً للرؤى التي تُقدَّم الآن، سواء من جهة السلطة أو من جهة الوساطة مع المُحتجّين؟

 

أحمد بن بيتور: طبعاً، أولاً أنا أطلب أن تكون هناك مرحلة انتقالية لمدة ثمانية إلى 12 شهراً، يكون فيها تعيين حكومة انتقالية تقنية تسيِّر شؤون البلاد، ويكون فيها قيادة سياسية تحضّر للانتخابات بعد الفترة هذه من 8 إلى 12 شهراً، بأوراق طريق، أن يكون المرشّحون للانتخابات الرئاسية لديهم أوراق طريق للخروج من الأزمة، لأننا في أزمة، كما قلت لك فيها الأبعاد الثلاثة، ومن هنا يجب أن يكون هناك برنامج لإعادة بناء المواطنة عند المواطنين، برنامج لإعادة بناء المؤسّسات، سواء تعلّق الأمر بالمؤسّسات الإدارية، من الإدارة المحلية إلى الإدارة الجهَوية إلى الإدارة المركزية إلى إدارة في الحدود، إعادة بناء مسار القضاء، وبالتالي يجب أن يكون فيه القاضي حرّاً من جهة، ويتمّ فيه تنفيذ قرارات القاضي، لأنّ الإشكالية المطروحة اليوم، أنّ القاضي ليس حرّاً تماماً، أمس على الأقلّ، لنقُل أمس لا اليوم، أمس لم يكن حراً، وتنفيذ قراراته ليس مضموناً، وبالتالي يجب أن يكون هناك ضمان لتنفيذ قراراته، يجب أن تكون أيضاً هناك إعادة بناء للمدرسة، تصوّر كلّ سنة يتخرّج 300 ألف مُتحصّل على إجازة جامعية، هؤلاء الـ 300 ألف يجب أن يكونوا مؤهَّلين للقيام بواجبهم في ترقية الوطن وفي النمو الاقتصادي، أضف إلى ذلك في ما يخصّ القطاعات الجهوية، أي في ما يخصّ الماء، لأننا نحن في ندرة المياه في الجزائر، الفلاحة، نحن نستورد 75 في المئة، هذا يؤدّي إلى التبعية المُفرَطة، أيضاً في الصناعة، في الخدمات، وفي الطاقات المُتجدّدة، لأن الشمس موجودة في أكثر

الأيام من السنة، نحن نعرف أنّ السيارات من الآن حتى 15 سنة ستسير بالهيدروجين، وعندنا 1200 كيلومتر مساحات البحر، 1200 كيلومتر، تستطيع أن تجعلنا نخرّج الهيدروجين، الذي ستسير به السيارات من دون تلوّث إلى آخره، أي كان هناك إمكانيات كبيرة، وكان هناك برامج دقيقة، أنا كتبت كتاباً في 2015 سمّيته جزائر الأمل، وفيه بالتدقيق الإصلاحات للقيام بتحسين حال البلاد.

 

محمد علوش: تقديرك، هل هناك شروط مُحدّدة ضمنياً يحاول الجيش باعتباره المؤسّسة الضامِنة الآن للأمن في البلاد، أن تتوافر في أيّ مترشّح للانتخابات المقبلة؟

 

أحمد بن بيتور: طبعاً، أنا أظنّ بالتأكيد يجب أن تكون، كما قلت، لديه مسؤولية كبيرة، مسؤولية حماية الوطن، ونحن نرى أنّ هناك مشاكل ما بعد الحدود، سواء في الشرق، سواء في الغرب، سواء في الجنوب، وبالتالي يجب أن تكون هناك مواصفات للمترشّحين في ما يخصّ، على الأقل المطلوب أن يكون لدى المترشّحين برنامج شامل، فيه سياسة استراتيجية للحفاظ على الأمن، فيه سياسة اقتصادية، فيه استراتيجية بناء مواطنة، فيه استراتيجية بناء المؤسّسات، إلى آخره. وبالتالي الإشكالية ليست في المترشّح بقدر ما هي في البرامج، ولذلك قلت لك المرحلة الانتقالية ستأتي بأوراق الطريق، وتعطي الناس القائمين على الحُكم، كيفية الخروج من الأزمة، طبعاً المرشّح يستطيع أن يتبنّاها أو لا يتبنّاها، لكن في ذلك الوقت يكون لدى الشعب فكرة واضحة حول ما هو المطلوب من القائم بالحُكم ما بعد الانتخابات، وبالتالي التنافس يكون على البرنامج أكثر منه على الأشخاص.

 

محمد علوش: سواء سار الجيش أو مؤسّسات الدولة بالخيار الدستوري أو المعيار الدستوري أو المسار الدستوري الذي يلتزم به الجيش اليوم ويُصرّ عليه، أو كانت هناك وساطة لخيارات أخرى أو مسارات أخرى، بأيّ من المسارات أنتم مرشّحون للانتخابات المقبلة؟

 

أحمد بن بيتور: لا، في ما يخصّ الرابع من تموز المقبل، لا يمكن، أبداً، أبداً، ما دمنا نطلب تغيير نظام الحُكم بكامله، لا أستطيع أن أترشّح في انتخابات مُدارة من نفس نظام الحُكم القائم، هذا يجب أن يكون واضحاً. إذا كانت هناك مرحلة انتقالية، وكانت هناك برامج، ودع الناس يتنافسون على البرامج، كما قلت لك، أكثر ممّا يتنافسون على الشخصيات، أنا أقدّم برنامجاً، لديّ برنامج، الحمد لله، وبالتالي لا توجد إشكالية في ما خصّ البرنامج.

على كل حال، ما نراه اليوم في الشعب، كثير من الناس الموجودين في الشارع يقولون إنهم يراهنون على أحمد بن بيتور، على أحمد طالب الإبراهيمي مثلاً، على شخصيات أخرى، لا توجد مشكلة، أنا مستعد للقيام بواجبي، لكن أن أترشّح للانتخابات في الظروف الآنية، هذا غير وارد أبداً، أبداً، أبداً.

 

محمد علوش: في حال تمّ إقرار أو استمرّ المسار بتحديد الموعد الانتخابي في الرابع من تموز (يوليو) المقبل، تقديركم، كيف سيكون ردّ المُحتجّين؟ هل سيعني ذلك إقفالاً لباب المفاوضات أو الحوار حسب ما تسمّيه حضرتك؟

 

أحمد بن بيتور: لا، ليس الحوار، المفاوضات، أنا لا أسمّيه الحوار، بل المفاوضات.

 

محمد علوش: ولا يهمّك.

 

أحمد بن بيتور: قلت لي أنت الحوار كما تسمّيه. لا، أنظر، أنا أقول لك إذا ذهبنا إلى انتخابات في الرابع من تموز، أولاً لن تكون هناك مشاركة تماماً، تماماً، حتى الإنسان الراغِب بالمشاركة لن يشارك، لأنه سيرى الشارع قام بما قام به وهو يذهب للمشاركة في انتخابات. أنا أظنّ حتى الإدارة لن تأتي، كما قلت لك سابقاً، حتى الإدارة لن تسير، حتى القضاة لن يسيروا، بعض الإدارات في بعض النواحي من الوطن، قالوا نحن لا نسير بهذه الانتخابات، وبالتالي حتى مكاتب الاقتراع لا تكون متواجدة في ذلك الوقت. ومن هنا أحسن طريق هو المرور بمرحلة انتقالية، وطبعاً هذه تتطلّب من الشارع في أقرب الآجال، أن يتجاوز المشاكل التي يمرّ بها اليوم، ويخرج بقيادة موحَّدة يمكن أن تفاوض باسمه، أو تستطيع أن تأتي بناس ليعاونوها على المفاوضات باسمه.

 

محمد علوش: البعض يقول الآن الكرة في ملعب المُحتجّين وليست في ملعب قيادة الجيش ولا في الحكومة ولا حتى في الرئيس الانتقالي، كون لا توجد لدى هؤلاء المُحتجّين جهات حقيقية تمثلهم على طاولة التفاوض.

 

أحمد بن بيتور: لا، أنا قلت لك، النتائج التي وصل إليها الحراك، ونسير في هذه الطريق. ثانياً، عندما نتكلّم عن المفاوضات، نتحدّث عن مفاوضات بين طرفين. الطرف القائم بالحُكم إلى حد الآن لم يبرهن أنه يريد الذهاب إلى مفاوضات، بالعكس، هو يتمسّك بالمادة 102، وباقٍ فيها، وبالتالي لا أظن يمكن أن نوجّه الملامة إلى الشارع اليوم طالما أنه لا توجد مفاوضات. عندما يقول النظام القائم اليوم أنا مستعد للمفاوضات للخروج، في ذلك الوقت، أنا أظنّ أنّ الشارع سيحدّد في 24 ساعة مَن هم ممثلوه ويخرج للمفاوضات. إذاً الملامة ليست على الشارع، هذه مسألة مهمّة يا أستاذي، هذه مسألة مهمّة، ما دام الشارع أوصلنا إلى نتيجة، لا يجب أن نعيبه بهذه العبارات، أنه عاجز ولا يستطيع وإلى آخره، ما دمنا نسير في طريق، وطريق صعب. مَن كان يستطيع أن يتكلّم قبل 22 فبراير؟ اليوم كلنا نتكلّم، هذا اللقاء الذي أجريته معك ربما قبل 22 فبراير، لم أكن أستطيع أن أجريه، وبالتالي يجب أن نفهم أنّ الحراك أوصل إلى نتائج، وهذه النتائج أراها مُرضية بالنسبة إلى الوقت الذي فات، وهو يسير في طريق، ويجب كلنا أن نعاونه حتى نصل إلى أفضل النتائج، وبذلك تصل الجزائر إلى برّ الأمان، ونخرج من الأزمة متعدّدة الجوانب التي نعيشها.

 

محمد علوش: هل تجاوزت البلاد إمكانية الوقوع في صِدام مسلّح لا سمح الله بعد اشتباكات وقعت خلال التظاهرات السابقة، وكان هناك اتهام من جهات داخل الدولة لشخصيات تحاول أن تفتعل عنفاً مُمنهجاً بين الجيش وبين الشعب؟

 

أحمد بن بيتور: أظنّ أنّها تجاوزت ذلك، لأنه عندما ننظر إلى حال المسيرات هذه، هي في الحقيقة كل يوم جمعة لكن حتى في أيام أخرى هناك مسيرات لفئات مُختصّة، قضاة، طلبة، إلى آخره، وبالتالي أنا أرى أنها تسير بسلمية، تسير بتنظيم، تسير بتلاحُم، وتسير حتى بالنظافة، تصوّر في الليل وصلوا إلى نتيجة أنّهم عندما يدخلون في شارع، طبعاً دائماً تبقى أوساخ وراءهم، فينظّفونها، وبالتالي لا نستطيع أن نقول إنه لا يوجد نضج للناس الذين يسيرون في الشارع، وإذا كانت هناك بعض المشاكل، طبعاً عندما يكون لديك 24 مليوناً في الشارع، في كل مناطق البلاد، إذا كانت هناك قضية من هنا أو هناك، فهذه مسألة عادية، عندما يتحدّثون عن السيارات في الشوارع، وأنه كانت هناك حوادث.

 

محمد علوش: وبالتالي يكون أمراً طبيعياً.

هل تجدون تدخّلات خارجية أو توصيات أو محاولة للتأثير على المسار السياسي في البلاد؟

 

أحمد بن بيتور: لا.

 

محمد علوش: من أية جهة لا يوجد؟

 

أحمد بن بيتور: أنا أقول لك التدخّلات الخارجية تخاف منها عندما يكون هناك جنود عساكر أو قوّة مسلحة خارجية في بلادك. إذا لم يكن ذلك موجوداً، لن يحصل التأثير. التأثير يأتي بالرواج؟ الرواج يحصل، اليوم أنا أتحدّث معكم عن حال البلاد، ربما هناك آخرون يتحدّثون عبر منابر أخرى، ولكن اليوم الحرية في التعبير، الحرية في المسار، وبالتالي لا أظنّ أنّ هناك خوفاً من الخارج. طبعاً الخارج دائماً لديه مصالحه ويسعى للحفاظ على مصالحه، ولكن الخارج يفهم بأنّه عندما تكون البلاد في حال سيّئة، فإنّ ذلك يؤثّر على علاقته معها، وعندما تكون في حال حسنة، يكون لذلك تأثير إيجابي على علاقته معها. ومن هنا، من صالح الخارج أن ينجح الحراك وأن تنجح الجزائر في الخروج من أزماتها المتعدّدة.

 

محمد علوش: هل هناك أيّ طرف إقليمي لا يرغب بانتقال سياسي نحو ديمقراطية حقيقية في الجزائر؟

 

أحمد بن بيتور: لا أتصوّر ذلك، بالنسبة للناس القائمة على الحُكم، هذا كلام آخر، ممكن، ولكن لا يوجد تصريح اليوم واضح لأيّ طرف إقليمي أو طرف بصفة عامة، قال بأنه لا يقبل بهذا الأمر الحاصل في الجزائر، بالعكس، أنا أرى أنّ ردّ الفعل حتى للقيادات في البلدان المتقدّمة، يسيرون إلى جانب الشارع أكثر منهم إلى جانب نظام الحُكم القائم.

 

محمد علوش: متفائل حضرتك، بسؤال أخير، بمسار التحوّل الآن في الجزائر؟

 

أحمد بن بيتور: بالتأكيد متفائل، قلت لك، اليوم نحن في ثورة وطنية حقيقية سيكون لديها تأثير إيجابي في الجزائر وخارج الجزائر، في كل المناطق. لا ننسى عندما قامت الجزائر بحرب تحريرها من الاستعمار، كان هناك تحرير لكل البلدان المتجاورة من الاستعمار، واليوم إن شاء الله عندما تقوم بثورتها هذه لتحرير الداخل، يكون هناك تحرير داخل لكل البلدان إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وشكراً.

 

محمد علوش: شكراً جزيلاً لكم رئيس الحكومة الجزائري الأسبق أحمد بن بيتور.

 

أحمد بن بيتور: العفو.

 

محمد علوش: كنت معنا من الجزائر العاصمة، شكراً لك.

 

أحمد بن بيتور: العفو.

 

محمد علوش: كما نشكركم مشاهدينا لحُسن المتابعة، وإلى اللقاء.