بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الشاعرة التونسية سنيا الفرجاني

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. من جزيرة "جربا" المُستلقية على فراش الماء، ومن الساحل التونسي المفتوح على أزرق البحر والسماء تأتي شاعرتنا التي تُجيد رشّ ملح الأبيض المتوسط على جراح الكلمات لا لتضمِّد اللغة الكليمة بل لتنكأ الأسئِلة وعلامات الاستفهام ولتنزُف قصيدتها حبراً جريئاً لا يخشى في قول ما تودّ صاحبته قوله لومة لائِم، فضيفتنا صوت متميِّز في قصيدة النثر العربية، تزخر قصائِدها بالصُوَر الشعرية المُباغتة وبالإحالات غير المألوفة أو المتوقَّعة مثلما تعلو فيها نبرة الغضب والرفض والتمرُّد والمُشاكسة، وما الشعرُ إن لم يكن جُملة اعتراضية على كلّ ما يُقلل من إنسانية بني آدم وحوّاء. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُرحِّب بالشاعرة التونسية السيدة "سونيا الفرجاني" أهلاً وسهلاً بك شرّفتِ "بيت القصيد"

سونيا الفرجاني: مساء الخير، شكراً على هذه المُقدِّمة الجميلة جداً والمُفاجِئة

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً. كيف تركتِ (جربا)، كيف حال (جربا)؟

سونيا الفرجاني: هادِئة ومُسالمة

زاهي وهبي: كعادتها

سونيا الفرجاني: وآمنة وحالمة كالعادة

زاهي وهبي: في زمن الرئيس السابق "المُنصف المرزوقي"، رئيس (تونس)، أرسلتِ له رسالة عبر "الفيس بوك" أعتقد وأعلنتِ الحداد لثلاثة أيام على (جربا)، لماذا؟

سونيا الفرجاني: لأنها كانت فترة عسيرة جداً على جزيرة (جربا) للأسف

زاهي وهبي: من أيّة ناحية؟

سونيا الفرجاني: من ناحية أنه كانت البيئة مُهددة جداً بعدم رفع القمامة للأسف وكان هذا خطير لأنّ رمي النفايات في جزيرة على مشارف البحر هو أمر غير سليم، وكانت هناك إضرابات مُستمرة لرفعها فهذا أدّى إلى تكدّسات وإلى، يعني وصلنا إلى مرحلة الوباء تقريباً، وهذا خطر

زاهي وهبي: كم تشعرين أنّ الشاعر المُثقف عموماً معني في الشأن العام؟ معني بما يدور حوله من قضايا في المُجتمع وفي البلد الذي ينتمي إليه؟

سونيا الفرجاني: لأنه بطبيعته مهتمّ جداً بالتفاصيل اليومية، مهتمّ باليومي، بالمُعاش، بتلك التفاصيل الصغيرة جداً التي لا ينتبه إليها أحد غيره

زاهي وهبي: حضرتكِ مؤسِّسة "بيت محمود درويش" في (جربا) ومُديرة هذه المؤسسة أو هذا البيت الثقافي. لماذا "بيت محمود درويش" في (جربا) التونسية؟

سونيا الفرجاني: لأنّ "محمود درويش" إسم شِعري كبير يسير مع سير الزمن ومع سير التاريخ، ثمّ لأنني أنا من الشُعراء الذين تأثروا جداً بتجربة "محمود درويش" وأحترم الوطن الذي جاء منه والوطن الذي كتب عنه

زاهي وهبي: نعم، وهو الذي قال " كيف نشفى من حبّ تونس؟". لمن ولماذا هذا البيت؟ "بيت محمود درويش"؟

سونيا الفرجاني: نعم. كان في سنة 2013 زار جزيرة (جربا) الشاعر الكبير "أدونيس"، وفي حوار مُضيَّق معه حدّثنا عنّ أنّه في زيارة له مع شاعر تونسي لجزيرة (جربا) كانا يتجولان في المكان ويبحثان عن شُعراء وأُدباء المدينة يعني الجزيرة، فلم يعرفا طريقاً إليهم. كان يسألني، كيف هذه الجزيرة ساحرة، حالمة؟ الأكيد أنها مُكتظّة بالمُبدعين خاصةً في مجال الشِعر والأدب. قال: ولكن لم نلتق أحداً فحزّ في نفسي هذا الطرح للقضية وقلتُ لا بدّ أن يتأسس بيتٌ للشُعراء والمُبدعين والأُدباء في جزيرة (جربا) يكون مزاراً لكلّ من يأتيها مهتمّاً بهذا الشأن

زاهي وهبي: وهكذا كان

سونيا الفرجاني: وهكذا كان

زاهي وهبي: حسناًـ أسستِ بيتاً للثقافة والشِعر باسم الشاعر الفلسطيني الكبير "محمود درويش"، ولكنكِ في نفس الوقت طالبتِ بتغيير كلمات النشيد الوطني التونسي لأنّ الكاتب هو شاعِر مصري وليس تونسياً

سونيا الفرجاني: تلك مسألة أُخرى، يعني أن يكون النشيد الوطني، هي أصلاً الكلمة، اسمه نشيد وطني يعني مربوط بالوطن، بالروح، بالإحساس. أثارت ضجة كبيرة جداً هذه القضية وتداولها الإعلام

زاهي وهبي: صحيح، ولهذا أسأل

سونيا الفرجاني: أنا كنت متفاجِئة جداً بـ "القدس العربي" والصحف في (الجزائِر) و(مصر). أنا لستُ ضدّ أية دولة عربيّة ولا ضدّ أي شاعر من شعراء العرب

زاهي وهبي: لكن الكثير من الأناشيد الوطنية في البلاد العربية كتبها شعراء

سونيا الفرجاني: حتّى في (العراق) وفي (ليبيا) أيضاً لكن هذا ليس منطقياً، أنّ النشيد لوطني لا بدّ أن يكتبه ابن نفس الوطن لأنّ الإحساس يختلف، الشاعر يكتب من إحساسه، من علاقته المباشرة ببيئته وبمُجتمعه. ليس تقليلاً من قيمة أيّ شاعر ولكن أنا أرى أنّ الوطن لا بدّ أن يكون نشيده الوطني من شُعرائه الأصليين

زاهي وهبي: ولكن ألَسنا كلنا عرباً ونكتب لغة عربية وإحساسنا ووجداننا واحد إلى حدٍّ ما؟

سونيا الفرجاني: طبعاً هو إحساسنا واحد لكن مثلاً لا يُمكن أن يُسمّي أحد غيري أبنائي، أنا أختار أسماء أبنائي، هذا لا يعني أنّ أُمّي أو أبي أو أخي هم أعداء أو ليست لهم علاقة حميمة بهم. تلك مسألة حميمية جداً، النشيد الوطني أنا حسب تقديري، خاصةً أنّ في (تونس) عندنا من الشعراء أسماء مهمة جداً تستطيع أن تـؤسس نشيداً وطنياً بصدق يعني

زاهي وهبي: على كلّ حال، كلّ الاحترام والتقدير لشعراء (تونس) ولشُعراء العرب أينما كانوا

سونيا الفرجاني: أكيد

زاهي وهبي: لو سمحتِ قبل أن نبدأ بالأسئِلة عن الشِعر وتجربتكِ وقصيدتكِ وسمات هذه القصيدة نذهب برفقتكِ ورفقة زميلتنا "يارا أبي حيدر" إلى جولة في (بيروت) ونستمع إليكِ في "علامة فارِقة"

علامة فارِقة - سونيا الفرجاني:

- سمعت قائِد الطائِرة يقول، بدأنا نزولاً نحو مطار (بيروت)، فصرت مرتبكة وأبحث عن التلفون بسرعة شديدة. من اللازم أن ألتقط أولّ لقاء بيني وبين (بيروت). رفعت غطاء النافذة وكان المشهد الذي هزّ بدني هزّ

- فرحانة لأنني أُقدِم نفسي على أنني تونسية وعلى أنني شاعِرة خاصةً أنني أنا في الأصل علاقتي بالسفر ليست علاقة جيدة، أنا أُسافر في الكلمات أكثر من سفري الجغرافي. رغم أنني أُستاذة تاريخ وجغرافيا أخاف من السفر، أخاف من البُعد على أولادي

- طقوسه كبيرة الشِعر، من أهم طقوسه أنني من اللازم أن أتنقّل ومن اللازم أن أزور دولاً أُخرى تُرحِّب بي وتحتفي بشِعري

- كلّ فنان هو إبن البيئة التي فيها ولكن أكيد في مرحلة مُعينة من تطوّر تجربته الفنية يصير إبن بيئة العالم، بمعنى أنّه يصير يلتقط تفاصيل كلّ شيء حوله، يقتنصها بدقة ويقتصّ بها سواء من اللغة أو من الفُرشاة أو من عدسة الكاميرا. أنا أحسّ أنّ عندي عدسة عملاقة وعجيبة نلتقط بها صور العالم، نلتقط بها التفاصيل، البحر، يعني حتّى عش النمل. يعني تُخلِق داخل الشاعر ليس الصور العادية ولا العلاقة العادية في العالم. مثلاً لا يُمكنني أن أجزم أنّ العُمّال هناك على أنهم مُجرّد عُمّال، ألتقط حركتهم، ليس في لحظة النظر إليهم مُباشرةً لكن بعد أن ترجع وتكتب. كلّ حركة في العالم عندها دلالات، حتّى حركة الهيجان التي تحدُث في طبقة الأوزون بين الأسفل والأعلى عندها دلالات

- قبل أن أقرأ قصيدة في أيّ لقاء شِعري يكون إحساسي أنها أوّل قراءة، يعني أكون في حالة من الرهبة ومن الخوف من المتلقّي لأنني لا أعرِف درجة وعيه الجمالي باللغة، بالمُسمّيات، يعني كلّ قراءة شعرية بالنسبة لي هي تجربة أولى في القراءة وهي مسؤولية نص جديد وهي خوف مُستمر من القصيدة. ما يكون عنده أحقيّة أن يمتلكني أكثر، الشعر أم الأمومة؟ في الحقيقة أنا لا أظن أنني يُمكن أن أستغني عن أي عنصر منهما لأنّ الشِعر داخلي والأمومة منّي كلاهما يكوّنا "سونيا فرجاني"

- أكثر ما يوجعني ويؤلمني أن الناس الذين حولي لا يفهمون تلقائيتي لأنني تلقائية كثيراً ولا أُحسن أن أصطنِع في حياتي، ثمّ الظلم عندما تُحاول أن تشرح موقفك تجاه فكرة مُعينة ولا يتم فهمك. هذان هما الأمران اللذان يجعلانني أشعُر بألم شديد لا أجد له تفسيراً ولا حلّاً ويجعلانني أبكي بمرارة، أبكي وأنا سريعة البكاء، أنا هشّة إلى درجة أنني سريعة البُكاء وسريعة الضحك لأنني طفلة لا يُمكنني أن أكبر. أحياناً ابنتي تقول لي: ماما أنا أمّكِ وأنتِ ابنتي، أنا كبرت وأنتِ لم تكبرِ بعد

زاهي وهبي: على كلّ حال جميل أن يحمل الإنسان طفولته معه طوال عُمره. الفنان عموماً الشاعر يبقى طفلاً في داخله وإلاّ يفقد دهشة الكتابة ودهشة استنباط الصور الشعرية والجمال، صحيح؟

سونيا الفرجاني: صحيح لأنّ الكتابة هي لحظة صدق. التفكير يحتاج منك تركيزاً، والصدق لا يحتاج تركيزاً، إذاً كلّما كنت تلقائياً كلّما كنتُ صادقاً كلّما كان النصّ أقرب إليك وإلى القارئ

زاهي وهبي: السفر عبر الكلمات، عبر الخيال، عبر الصور الشعرية يُغني عن السفر الجغرافي، السفر المادي، الانتقال الفعلي من بلد إلى بلد؟

سونيا الفرجاني: بالنسبة لي يُغني. أنا امرأة لا تُحبّ السفر وهذا يُسبّب لي مشاكل حتّى في البيت. أنا بيتوتية جداً وأُريد أن أعيش أكثر أوقاتي مع أطفالي وبيتي وتفاصيلي الصغيرة وكُتبي وقراءاتي. أرى أنني في عالمي الشعري أُغادر هذه المجرّة أصلاً وأنا أؤمن بهذا السفر

زاهي وهبي: إذاً في هذه الحالة اسمحي لي أن أُهديكِ هذه الكلمات من قصيدة لي تقول:

أُحبُّ السفر كثيراً لكنني أخشى ركوب الطائِرة

هناك في الأعلى على ارتفاع ثلاثين ألف ندم

نعم ندم، أتيقّنُ أنني تُرابٌ يعشقُ التُرابَ

أنّ الأرضَ ليّنةٌ لولا الطُغاة

سونيا الفرجاني: عظيم، جميل جداً

زاهي وهبي: علاقتكِ بالتراب، علاقتكِ بالأرض، علاقتكِ بجزيرتكِ (جربا)، يعني في أمكنتك إلى هذا الحدّ تألفين وتأنسين المكان؟

سونيا الفرجاني: نعم، أنا أألف جداً المكان الذي أنا فيه، أُحبّ (جربا)، أنا أقول لهم حتّى في المجاز والمُزاح: أنا مثل السمكة إذا غادرت هذه الجزيرة وخرجتُ من تُرابها الذي هو مائي سأفقد حياني بسرعة يعني. فأكيد أنني أألف كلّ ما حولي بسهولة

زاهي وهبي: ما أحلى ما في (جربا)؟ أنا من حظّي أنني زرت هذه الجزيرة الجميلة في (تونس)، ما أحلى ما فيها بالنسبة إلى حضرتكِ؟

سونيا الفرجاني: أنّها عذراء، ما زالت عذراء

زاهي وهبي: بِكر

سونيا الفرجاني: بِكر. كلّ شيء فيها ما زال على طبيعته

زاهي وهبي: لم تفترسها الحداثة أو العولمة بمعنى

سونيا الفرجاني: حتّى ولو أنّها مدينة سياحية ويُحاولون تطوير عِمارتها وتطويرَ بنيتها التحتية ولكن هي مُحافِظة على أسرارها وهذا جميل جداً في جزيرة (جربا)، لذلك تظلّ جزيرة الأحلام

زاهي وهبي: كتبتِ لها شعراً؟

سونيا الفرجاني: للأسف لا

زاهي وهبي: لماذا؟

سونيا الفرجاني: لا أعرِف! أنا عندي مشكلة كبيرة

زاهي وهبي: دائِما نظلُم الذين نُحبهم

سونيا الفرجاني: ليس أننا نظلُمهم، من فرط محبتنا لهم

زاهي وهبي: لا تتسع اللغة لما

سونيا الفرجاني: لا تتسع اللغة. تقول "سنيّة صالِح": "لم تُنقِذ اللغة أحداً يوماً ما". اللغة لا تُنقِذني حين أُريد أن أكتُب عن الأُمومة، عن أمّي، عن الشعر، وعن وطني        

زاهي وهبي: "سنيّة صالح" الشاعرة السورية

سونيا الفرجاني: الكبيرة

زاهي وهبي: وزوجة الشاعر الكبير أيضاً "محمد الماغوط". قصيدتكِ، بقدَر ما تؤنسِن العلاقة مع الأشياء ومع الكائِنات ولكن أحياناً تبدو قصيدة غاضبة، ثائِرة، متى تغضب قصيدتكِ؟

سونيا الفرجاني: الإشكال أنّي أشعُر أنّ قصيدتي دائِماً غاضبة. أنا امرأةٌ ترفض العيش خارِج حرّيتها النفسية قبل أيّة حريّة، وأنا أرى أنّ عيشنا في العالم العربي يُسلِّط علينا ضغوطات مُختلفة، متعددة، لا أُريد أن أُسميها ولكن المرأة خاصةً رغم كلّ الحريات التي أُتيحت لها في (تونس) لكن تبقى تلك حريات قانونية. الحريات الاجتماعية لم ننلها ولا أظن أننا سننالها

زاهي وهبي: لا يزال المُجتمع يرزح بثقله أو يضغط على النساء

سونيا الفرجاني: نعم، جداً جداً، وهذا صعب

زاهي وهبي: رغم ما نشعُره، أنّ المرأة التونسية قوية وتنتزع حقها بأظافرها كما يُقال

سونيا الفرجاني: كلّ امرأة في العالم تنتزع حقها بأظافرها، المرأة شرِسة ومُفترسة حين تشعُر أنها مُحاصرة ولكن هناك ضيق نفسي كبير يُسلّط على المرأة دائِماً

زاهي وهبي: للأسف. تقولين في إحدى قصائِدكِ: "أُحاول الكتابة لا أجدُ يدي". متى ولماذا لا تجدين يدكِ؟

سونيا الفرجاني: لأنني حين أكتب أشعُر أنّ كلّ أعضاء جسدي قد غادرتني، أعيش حالة طيران، حالة تحليق، حالة تكوُّن وتمدد وتعدد بحيثُ أنا أفقِد السيطرة على جسدي، أصير كائناً آخر مُغايراً تماماً لـ "سونيا" الإنسان، وهذه حالة ربما المُتلقّي غير المهتم بالشعر يقول: هذا كلام فيه مبالغة وفيه جنون، لكن هي حالة حقيقية

زاهي وهبي: يعني كأنكِ تؤمنين بمقولة "النثري"، "كلّما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"

سونيا الفرجاني: نعم

زاهي وهبي: تشعرين أحياناً أنّ عندكِ حالة ما تريدين أن تُعبّري عنها ولكن اللغة لا تستوعِب هذه الحالة أو لا تقول هذه الحالة

سونيا الفرجاني: اللغة كائِن مُخيف جداً ومُفترِس، كائِن هُلامي. اللغة قلّما ضحكت إلينا ومعنا. اللغة كائِن يُجيد السُخرية، فهذه العلاقة التي بيني وبين اللغة تجعلني في عراك مُستمرّ، هي أُنثى وأنا أُنثى وأنا معها أعيشُ حالة هذا الصراع الذي قد يحدُث بين امرأتين

زاهي وهبي: هناك غيرة الأنثيين؟

سونيا الفرجاني: أي نعم، أنا أعيش معها صراعاً شديداً. اللغة لم تستطع أن تنصفنا

زاهي وهبي: كيف تجلّى هذا الصراع؟ نسمع شيئاً من شِعركِ لو سمحتِ

سونيا الفرجاني: نعم

زاهي وهبي: تفضلي. من كتابك الأخير "ليس للأرض باب و"

سونيا الفرجاني: "سأفتحه". هذه المجموعة الشعرية صادرة مؤخراً عن دار "زينب" وقدمّها لي الشاعر الأُستاذ اللبناني الكبير الدكتور "أديب صعب" مشكوراً

زاهي وهبي: تفضلي

سونيا الفرجاني: قصيدة "الماء"

منذ أكثرَ من تسعين عاماً لم أُرسِلَ لك طرداً

عُمّال البريد السريع ماتوا وماتت زوجاتُهم

حاولتُ أن أجدَ طريقةً أكثر حِكمةً

من وضعِ فمي في صندوقٍ

مع طلاء أظافِرَ وفستانٍ خفيفٍ

وقدمٍ يُسرى وربلةٍ يُمنى 

قلت: سأكتُب له صوتي في وسيلة حرب

لكنّ العالم غائِمٌ وأنت مُجهدٌ

والكائِنات المجهرية التي أوكلتها مهمة الوشوشة في أُذنك

أُصيبت بنوبة ضحِك فماتت أيضاً

الهُدهُد الذي شاهَدَ حزني نقَرَ على صرّتي مرّتين هذا الصباح

أخبرني أنّك حين كنتَ تهِمُّ بإغلاق النافذة

فُتِحت كفُّك بمسمارٍ ناتئٍ لم تره 

لا أدري هلّ كان دماءُ يدكَ كلون دماءِ يدي

يدي التي تقلّصَ حجمها، تُلوِّحُ ممدودةً

منذُ قرنٍ مضى

هلّ تتكسّر الكرياتُ حين تتخثّرُ؟

وهلّ تُعثِّرُني رغم انسياب الأنين؟

أُحاولُ أن أُجهِدَ قلبي ليموت

فتنشُرُ صفحاتِ الأخبارِ في رُكنٍ ضيِّقٍ، نعيي

ويغضب الشعراء ويُضربون ويعتصمون

وأُشاهِدُ قصائِدي معلّقةً في أشجار العاصمة

كأنّها قِططٌ مُجففة

وأسمع إسمي معجوناً تحت الأضراسِ والأجراس

كأنّه عبّادُ شمسٍ يكرهُ القمر

أنا لا أُحبُّ القمرَ ولا أُحبُّك

لا أُجبُّ الحربَ ولا أُحِبُّك

لا أُحبُّ بائِع الطوابِع البريدية العجوزَ ولا أُحِبُّك

أنا الآن منشغِلةٌ كثيراً، أجمعُ أصواتَك كلّها

لأُرمم صوتي وأدفع فديتي

لن أحتفِظ بالصدى، أنا لن أحتفِظ بالصدى

سأرُصَّه في رأسي وأنزِلُ البحر

هلّ ردمتَ البحر قبل أن تُغادر؟

اردِمه الآن... اردمه الآن

إنّ الأسماك الصغيرة تنهشني

زاهي وهبي: جميل جداً. سأُتابع مع حضرتكِ ولكن نتوقّف مع موجَز إخباري سريع ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني

سونيا الفرجاني:

أيها الشعر، أُريد أن أكتب لك عن الحبّ وعن أسنانه الحادة

أُريد أن أشرح لك الحالة الفارقة بين الدموع والسيول وبين الشوق والرصاص

أُريدُ أن أُفسِّر لك الخريف على أن تُفسِّر لي الشتاء في (الألسكا)

أُريد أن أتنفّس أيها الشعر كما تتنفس أُمك حين تلتصق بها

وترفع عُنقك لتُقبِّل وجهها الصغير

أُريدُ أن تشرح لي اختناق قلبي حين ألهثُ في زقاقك

ويتبعني الحبّ كأنّه نملٌ أصفرُ

أُحبّ، أُحبّ أيها الشعر أن أُعلِّقك من ساقيكَ أمامي

مربوطاً في نخلةٍ وأضرِبك بسياط جِلدي

جلدي الذي ترهّلَ يركُض في مسافاتك

ولم أصل

إمّا أن تكون كاذباً أيها الشعر أو أنا الخاسرة  

أو إنك نقيّ وأنا مُتقرِحة

لا تنزع ضمّاداتي عنّي وأنت متّجهٌ عكسي

لن أنزع عنك صدري، ترجّل عليه ولا تُعجِّل

سيرك وإن كنتَ وحيداً وغاضباً

أنا مثلُك أيها الشِعر، أحتضن اللغة وأضمّها لوجهي

كمنشفة القطن الرمادية في السباق السريع مع الوقت

في السباق السريع مع الوقت يتلطّخ عُنقي بكلّ شيء

حتّى بجُزيئات الحرائِق المتطايرة في الهواء  

يتلطّخ حاجباي، فمي وأسناني أيضاً

لا أجِدُك ولا أُجيد وحدي مسح قلبي

افعل أنت أيّها الشِعر

أطلِق رصاصة صدِئةً عليّ أو رمحاً فاسداً

أو عظمَ رأسِ كلبٍ أو ضلعَ آلِهةً

أطلِق ما شئت على قفصي

حذاء صيّاد! فرس نهر! وحيد قرن!

نسراً مريضاً! ديكاً بلا حنجُرة أو قوائِم ثيران

أطلِق الديدان أطلقها

ما أوحش السمكَ أيها الشِعر

عشّ هناك، سأعيشُ هنا، أنظُرُ لكَ وتنظُر لي

كأننا نسرٌ وأُنثاه مُختصمان

أُمزِّقك وتُمزقني، كلانا يهضم جيفة المعنى

ويستمرئ اللغة الكادحة  

زاهي وهبي: جميل جداً. لماذا هذا الغضب من الشِعر؟ لماذا هذه النقمة على الشِعر؟ كأن الشاعر لا يصل إلى ما يُريده من الشعر

سونيا الفرجاني: طبعاً. أنا قلت لك إنّ اللغة لم تستطع أن تُنصفنا يوماً، وهذا الشِعر جعلني أشعُر أنّه كائِنٌ مُفترِس يُشبه أخطبوطاً ضخماً في مجسّاتٍ عملاقة استطاعت أن تلتقطني بخفّةٍ من هذا الوجود وتركُنني في مسافة أزلٍ تبدأ بالشِعر وتنتهي بالشعر، فهذه المسافة التي أتعطّب فيها وأتمزّق أشعر بغض

زاهي وهبي: ما الذي ورّطكِ؟ ما الذي أوقعكِ في هذه الورطة التي اسمها القصيدة والشِعر؟ أُستاذة تاريخ وجغرافيا ما الذي أتى بكِ إلى تضاريس القصيدة؟ 

سونيا الفرجاني: أنا أقول دائِماً أنّ الغريزة أخذتني إلى الشعر كما أخذتني إلى ثديي أُمّي

زاهي وهبي: على كلّ حال قصيدتكِ قصيدة غرائزية يُمكننا أن نقول، يعني مكتوبة بالعصب، كأنها بالأوردة وليست بالحبر والقلم

سونيا الفرجاني: قال لي الأُستاذ "أديب صعب"، "أنتِ امرأة دمها يجري شعراً"، كأنني أكتُب بدمي

زاهي وهبي: منذ متى يعني تعلقتِ بالشعر واكتشفتِ الشعر، أو اكتشفتِ أنكِ شاعرة؟

سونيا الفرجاني: أنا أقول، أنا لا أعرِف متى الغريزة

زاهي وهبي: ولدتِ شاعِرة مثلاً؟

سونيا الفرجاني: أنا أقول لا أعرِف متى بدأتُ ولا كيف بدأت الكتابة، الشعر لا زمن له ولا زمن فيه. أنا كنتُ أقتفي أثر اللغة وأُحاول أن أقتنصَ منها تفاصيل العالم وأقتص من الشاشة

زاهي وهبي: كتبتُ لي مشكورة إهداء لهذا الكتاب الجميل، "ليس للأرض بابٌ وسأفتحه"، أن هذا الشعر عرقه روحي ورشحه جسدي وشرحه مددي، إلى هذا الحدّ في استطاعة القصيدة رغم أنها لا تُسلِم مفاتيحها بسهولة أن تكون عرق الروح؟

سونيا الفرجاني: طبعاً، إلى هذا الحدّ علاقتي بالشعر علاقة غامضة جداً ومؤلمة إلى درجة أنّي أشعُر أحياناً أن الشِعر يجعلني كائِناً مُفترساً. أنا قلت لهم، لا أستطيع أن أجترّ اللغة، لا أستطيع أن أُكررها، أنا مفترسة، أنا مصاصة شعر، أستمرئ المعنى وأُعيده إلى الكون على شكلِ لبنات أُخرى. وهذه الحالة التي داخلي أيضاً أشعُر أحياناً في الكتابة أنّي أنفُث نيراناً وكأنني كائِنٌ منقرِض. هذا المزيج بين الغياب والحضور وبين الهدوء والعصبية والثورة الداخلية

زاهي وهبي: في هذه الحالة الشعر هدْم أم بناء بالنسبة لكِ؟

سونيا الفرجاني: بناء

زاهي وهبي: بناء ماذا؟ عالم جديد يهدُم العالم القديم للشاعر ويبني عالماً كما يشاء على كيفه؟

سونيا الفرجاني: ليس بالضرورة أن نهدِم، نستطيع أن نُرمّم، نستطيع أن نُجمِّل، أن نُصلِح

زاهي وهبي: رمّم الشعر كسوراً وصدوعاً داخلية في حضرتكِ؟

سونيا الفرجاني: بقدر ما يُدمِّر، بقدر ما يُرمّم. أنا لا أستطيع أن أتعامل بسلام مع هذا العالم لو لم أكن أكتُب الشِعر. الشعر يُخفف، كما يُسبب الألم هو يُداوي في نفس الوقت

زاهي وهبي: نعم، يعني يكسرها ويجبرها مثلما نقول في المثل الشعبي اللبناني. لو سمحتِ لي سنستمع إلى بعض الآراء هذه الليلة بتجربتكِ وبشعركِ في شكلٍ خاص، نبدأ مع الشاعر المغربي الأُستاذ "نور الدين زويتن" في "كلام يوصل"

كلام يوصل

نور الدين زويتن - شاعر: أظنّ أنّ ما يُميِّز تجربة "سونيا الفرجاني" هو فعلاً هذا التمرّد، تمرّدٌ أظنّ أنه غير مسبوق في قصيدة النثر العربية، والكثير من قصائِدها تتسم بهذا التمرّد الكبير وأيضاً الجمال والبساطة والاحتفال بأشياء اليومي لأنها فعلاً تجربة اكتملت بالفعل مع هذا الكتاب، " ليس للأرضِ بابٌ، وسأفتحه". عندما تقرأ قصائِدها تُحسّ بأنّ هناك احتفالاً بهذه الأنوثة المُكتملة. امرأة تحسّ أنها ليست شاعرة في مُقتبل العُمر يعني تتلمس طريقها وتحاول التعرُّف على أنوثتها، تُحاول فرض ذاتها، ولكن هذه امرأة تحتفل فعلاً بذاتها، تحتفل بأنوثتها شعراً، تحتفل بإنسانيتها كذلك لأنّ الإنسان فيها تتعرف عليه من خلال هذه الأنوثة المتوهِّجة. أظنّ إضافتها هي تعميق هذه الخصائِص المُتعارف عليها في قصيدة النثر والذهاب بها إلى أبعدِ مدى. السؤال الذي أُحب أن أطرحه على الشاعرة "صونيا الفرجاني" هو مُرتبط بإضافتها للمشهد التونسي. عندما أقرأ هذه التجربة الآن في هذا الديوان "ليس للأرض باب وسأفتحه، ماذا بعد؟ ماذا بعد هذا العُمق، بعد هذا الانفتاح، بعد هذا الاكتمال؟ هذا هو السؤال، ماذا بعد؟ هلّ سيظلّ هناك تمرُّد ورفض؟ يعني الاحتفال باليومي، الاحتفال بالأُنثى؟ يعني ماذا بعد هلّ سيُعيد الكتاب هذه التجربة وسيكررها؟  يعني كيف تتصور تجربتها المقبلة؟ وشكراً     

زاهي وهبي: الشكر للشاعر المغربي "نور الدين زويتن" ماذا بعد؟

سونيا الفرجاني: أولاً تحية كبيرة جداً للأُستاذ "نور الدين زويتن" الذي اكتشف تجربة

زاهي وهبي: تأثرتِ بكلامه كأنكِ؟ تأثرتِ بما قاله عنكِ؟

سونيا الفرجاني: جداً. الدكتور "نور الدين زويتن" اطّلع على تجربتي منذ أكثر من ثلاث سنوات وكتب مقالةً مُعتّقة عن "امرأة بِني باند" وكلامه الآن يضعني في مسؤولية شديدة جداً في المشهد الشعري الحديث العربي والتونسي. سؤاله ليس بسيطاً، سؤال خطير ومُعقّد، ماذا بعد؟ أنا علاقتي بنصوصي علاقة شائِكة ومُخيفة، يُذكّرني هذا السؤال بمقولة "رولان بارت "، عادةً يموت المؤلف بعد كتابة نصه. هذه مقولة حقيقية جداً. أنا أرى أنّ قصائِدي فراشاتٌ هارِبة من أبواب دكاكينٍ مخلوعة ولا أستطيع أن ألحق بهذه الفراشات، إذاً أنا لا أعرِف ماذا بعد كلّ نص. الكتابة أصوات مُفزِعة وألوان غامضة وحالة من الهستيريا التي نخرُج بعدها مُشوّهين وأوّل ما يعطب فينا هو علاقتنا بذلك النص الذي أنتجناه والذي لا نعرِف بعده ماذا يُمكن أن يكون

زاهي وهبي: قصيدتكِ تأتي مُباغتة أم تعيشين حالة أشبه بمخاض، أشبه بحمل قبل أن تولَد القصيدة؟

سونيا الفرجاني: أعيش حالة، أعيش حالة حقيقية ومادية تُسبب أذىً للبيت لأنني أكون في حالة لا أفهم فيها نفسي، يعني أمرّ لدرجة أنه صار أطفالي وزوجي يعرفون أنني مُرتبكة لفترة عشرة أيام أو أُسبوع بشكل غير عادي في البيت وبدون سبب، فيقولون أكيد، بعد هذه الحالة هناك نصّ وهذه حالة لا أجد لها تفسيراً

زاهي وهبي: يتحملون جنونك؟ يعني جنون بين مُزدوجين، الجنون الشعري، الجنون  

سونيا الفرجاني: ليس دائِماً، يتحملون الكثير ولكن ليس دائِماً

زاهي وهبي: بمعنى إذا كانت القصيدة أشبه بمولود، أشبه بجنين يخرُج إلى النور، عندما تصير في كتاب لا يعود الشاعر قادراً على أن يفعل شيئاً، يعني لا أن يُضيف حرفاً ولا أن يمحو حرفاً

سونيا الفرجاني: هذه مُشكلة

زاهي وهبي: هذا ما كنتِ تُشيرين إليه قبل قليل، بمعنى

سونيا الفرجاني: "فراشات هارِبة"

زاهي وهبي: نعم

سونيا الفرجاني: "من دكاكيني أبوابيَ المخلوعة". قرأت لشعراء كبار تحدثوا عن أنهم لو خُيِّروا بين التصرّف في نصوص والإبقاء عليها لألغوا أكثر من 50 في المئة، منهم "محمود درويش"

زاهي وهبي: "محمود درويش" قال بالحرف هذا الكلام

سونيا الفرجاني: قاله بالحرف. أنا بعد كلّ كتاب جديد، حتى بعد كتابي هذا الذي ما زال يحبو، حين أقرأ نصوصاً أقول هذا ليس شعراً

زاهي وهبي: ولكن هذا أمرٌ مُرهِق للشاعر، يعني عدم الرضا الدائِم، عدم الشعور بأنه كتبَ ما يُريد فعلاً أن يكتُب

سونيا الفرجاني: لأنّ اللغة، هذه مُشكلة علاقته باللغة والمعنى، اللغة التي يتوالد فيها المعنى. أنا علاقتي في المعنى دقيقة جداً، فكلّما وجدتُ أنّ المعنى توالد أكثر وتكاثر أعود إلى نصوصي القديمة وأقول: ما كان ضرورياً أن أقول هذا المعنى في هذه الطريقة

زاهي وهبي: كما تعلمين، الشاعر "أدونيس" قدّم صياغات جديدة لبعض دواوينه وأسماها "صياغة أولى" و"صياغة ثانية"، أو طبعات، هناك شعراء يقدمون طبعة مُنقّحة

سونيا الفرجاني: نعم، صحيح

زاهي وهبي: هلّ تُفكرين في هذا الأمر؟ ممكن أن تلجئي إلى هذا الأمر؟ ولكن سنبقى أمام نفس المُعضلة، يعني حتّى الطبعة المنقّحة يُمكن أن تُنقّح من جديد

سونيا الفرجاني: ستُنقّح بعد سنوات أُخرى، لا أظن، أنا أريد أن أتركها تطير بحريتها ويُثبت التاريخ

زاهي وهبي: إلى جانب الغضب والتمرّد والمُشاكسة والصور البصرية أو المشهدية التي ترسمينها، شعرت أنّكِ أيضاً تؤنسين العلاقة، يعني تحكين مع الفراشات، تحكين مع النملات، تحكين مع أكواب الشاي. مع كلّ شيء محيط بكِ هناك حوار أو مُخاطبة أو ثورة عليه، تؤنسين كلّ ما حولكِ صحيح هذا الانطباع؟

سونيا الفرجاني: نعم صحيح، انطباع عميق جداً ولا يُمكن أن ينتبه له إلّا شاعِر

زاهي وهبي: العفو

سونيا الفرجاني: ربما لأنّ علاقتي مع الإنسان الذي هو بماهيته كإنسان، علاقة فيها الكثير من الاضطراب بسبب هذه الحروب والاختلافات في التفكير، فكأنّي أرى في هذه المُسميات أو هذه التفاصيل الأُخرى من الحياة مُحاولة خلق صداقة ما هادِئة بيني وبينها أنا أتحكّم فيها

زاهي وهبي: الصور البصرية الموجودة في قصيدتك وفي شِعرِك هلّ هي نتاج هذا الزمن وهذا العصر الذي نعيش فيه ونُسمّيه "عصر الصورة" أم نتاج أمر آخر ربما وتأثيرات مُختلفة وليس لها علاقة بالصورة في معناها المُباشر، في معناها الفجّ

سونيا الفرجاني: لا أظن، أنني أُفكِّر في هذه الطريقة لحظة الكتابة. أكيد أنّ الشاعر يمتلِك عدسة عملاقة ينظُر بها إلى العالم، العالم المُباشر والعالم الخارجي. الانسان ابن بيئته نعم ولكن هو يتحرّك خارج الجغرافيا وخارِج التاريخ وخارِج الزمن في مسافة أُسميها أنا دائِماً مسافة تكوين

زاهي وهبي: نعم. في هذا المعنى يرسُم هذا العالم كما هو يتخيّله، كما قلنا قبل قليل

سونيا الفرجاني: يرسم هذا العالم كما هو يتخايله

زاهي وهبي: أو كما يريده

سونيا الفرجاني: ليس كما يُريد لأنّ اللغة نعيش معها

زاهي وهبي: الصراع الذي أشرنا إليه

سونيا الفرجاني: صراع المَسخ فإمّا أن تمسخنا أو العكس، فلذلك نُحاول أن نرسُم ما نستطيع، ما نرى. أنا أقول لك، قلت الكتابة هي أصوات مٌفزِعة وألوان غامضة لذلك ستكون اللوحة ضبابيّة نوعاً ما، ربما يُنصفنا القارئ في طريقة استقباله للنص لأنّ الشاعر لحظة الكتابة لا يكون على وعي تام بما يُريد، الدور في ما بعد للقارئ الذي سيكون في علاقة استيلاب للمعنى

زاهي وهبي: وقد يُضيف معنى من عنده، يعني معنى آخر غير المعنى الذي قصده الشاعر

سونيا الفرجاني: أكيد

زاهي وهبي: في هذا المعنى القصيدة تحمُل آلاف المعاني

سونيا الفرجاني: مفتوحة

زاهي وهبي: في عدد القراء أحياناً

سونيا الفرجاني: مفتوحة لعدد كبير من المعاني، طبعاً

زاهي وهبي: سنتحدث عن العلاقة مع القارئ وهلّ يحضُر أثناء كتابة القصيدة أم لا، ولكن بعد أن نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابع "بيت القصيد" مع الشاعرة التونسية المتميّزة السيّدة "سونيا الفرجاني"، سعداء بوجودك وأُكرر ترحيبي بحضرتكِ في (بيروت)، (بيروت) التي دُهشتِ أثناء هبوط الطائرة كما قلتِ

سونيا الفرجاني: طبعاً

زاهي وهبي: في علامة فارِقة. كيف كان اللقاء المُباشر مع (بيروت)؟

سونيا الفرجاني: لقاء تاريخي

زاهي وهبي: نعم

سونيا الفرجاني: لأنها أعادتني مباشرةً إلى التاريخ. أنا بالنسبة لي قادمة إلى (بيروت)، قادمة إلى (صور)، قادمة إلى المنطلق الذي جاءت منه "أليسا" إلى (قرطاج) وأسست على هضبة (بيرسا) بجلد ثور، بالذكاء

زاهي وهبي: نعم ذكاء الأُنثى

سونيا الفرجاني: ذكاء الأُنثى (قرطاج)، فعلاقتي بـ (بيروت) الأولى كانت من هذا المُنطلق الذي يُسميه البعض   أسطورة وأراه حقيقة

زاهي وهبي: نعم، توطّدت العلاقة، يعني صارت أكثر حميمية في اللقاء المُباشر أم العكس؟

سونيا الفرجاني: أكيد أكثر حميمية، هذه الأُنثى المُغرية (بيروت) التي تحدث عنها كلّ الشُعراء. يعني أنا لم أكتشف المدينة لحدّ الآن كثيراً ولكن العلاقة مع الناس، طيبة الناس، الابتسامة الدائِمة في وجوههم، الترحاب، اللغة اللطيفة والطيبة والبيئة والهواء والجمال في كلّ ما حولك

زاهي وهبي: على كلّ حال الزيارة الأولى ولكن إن شاء الله ليست الأخيرة. أشار الأُستاذ "نور الدين زويتن"، الدكتور "نور الدين"، إلى أنك تحتفين بأُنوثتك، هلّ هذا الانطباع صحيح؟

سونيا الفرجاني: لا أعرِف كيف بالضبط الأُستاذ "نور الدين" أخذها من أية زاوية. أنا أحتفي بأُنوثتي من دون أن أتحدث عن أُنوثتي. أنا لا أُريد أن أقع في هذا الفخّ ولكن أحتفي بها بمعنى أنني أُدافع عنها من هذه الضغوطات الاجتماعية والفكرية التي تٌسلّط خاصة على جسد المرأة

زاهي وهبي: تؤمنين بجنس جندري للكتابة؟ يعني هلّ تؤمنين بكتابة نسوية وكتابة ذكورية؟ رجالية مثلاً؟

سونيا الفرجاني: نعم، شوف أنت لم تجِد المُصطلح لأنهم يُقسّمون إلى شعر نسائي ولا يُعطون

زاهي وهبي: الشعر الرجالي

سونيا الفرجاني: نعم، لا يعطونه وكأنّ الأصل للشعر الرجالي، لذلك أنا من هذا المنطلق أصلاً

زاهي وهبي: كأنّ الشعر النسائي ضلع

سونيا الفرجاني: ضلع، يعني هم لا يقولون الشعر الرجالي. الشعر النسائي الأصل أين؟ في الشعر الرجالي؟ إذاً انطلاقاً من هذه المُقاربة أنا أرفُض هذا التقسيم كلياً. الشعر كوني وهو حركة داخل كلّ الكائِنات وليس الإنسان فقط

زاهي وهبي: لكن أليس هناك حساسية مٌختلِفة لكتابة المرأة؟

سونيا الفرجاني: هذا أكيد، هناك حساسية

زاهي وهبي: أو خصوصية أعني تُميِّز كتابات المرأة عن كتابات الرجُل

سونيا الفرجاني: أكيد، يعني حتّى في الشعر العالمي حين تقرأ لشاعرات عظيمات، يعني شاعرات كبيرات أمثال "فيرجينيا وولف" أو كاتبات غيرهن، أستحضر الأسماء ولا أعرِف كيف غابت، تعرِف أنه نص كوني وعالمي ولكن في نفس الوقت تشعُر بروح الأُنثى في هذا النصّ

زاهي وهبي: حتّى لو كان من دون توقيع النص، حتى لو لم نعرِف أن الكاتب امرأة نشعُر أنه نص

سونيا الفرجاني: ستشعر أنه امرأة، نصوص "سلفيا بلاث" رهيبة، وحين تقرأها تشعُر بالأُنوثة رغم أنّ أيضاً "سيلفيا بلاث" غاضبة دائِماً، كلّ نصوصها حزينة وغاضبة

زاهي وهبي: الشعر الأجنبي تأثيراته عليكِ أكثر من الشعر العربي؟ قلتِ لي أن "محمود درويش" كان من الشعراء الذين تركوا أثراً، من سواه؟

سونيا الفرجاني: "محمّد الماغوط"، قرأتُ كثيراً لـ "محمّد الماغوط" وأنا اضطلعت على المُدوّنة العربية تقريباً القديمة والحديثة، أنا مفترسة كبيرة للشعر وعن الشعر المُترجم، أنا أؤمن أنّ الترجمة هي قبلة من وراء الزجاج، بمعنى أنّه لا بدّ أن ألتقط هذه القبلة مهما كان نوع النص، المهمّ أن يصلني. فأنا متأثرة بالشعر العالمي كلّه العربي والكوني لأن الشعر شعر مهما تعدّدت لغاته ومهما اختلفت بيئاته، يستطيع أن يُسيطر عليّ بكلّ طرقه

زاهي وهبي: نعم. قبل أن نحكي عن العلاقة مع القارئ دعينا نسمع رأياً أيضاً آخر في تجربتكِ، هذه المرة من (العراق)، الشاعر العراقي الأُستاذ "عوّاد ناصر" في "كلام يوصل"

كلام يوصل

عوّاد ناصر- شاعر: حقاً لا أعرِف السيّدة "سونيا الفرجاني" شخصياً ولم ألتقِ بها حتّى هذه اللحظة، هذا الأمر ينطوي على قضية مُهمّة في رأيي، أنني تعاملت معها كنصّ مُجرّد بلا أي عاطفة شخصية بل عاطفة النص، هذا فقط، لذلك ما كتبته عن ديوانها الأول السابق أقصد، كتبت عن نصّ لا يحتاج إلى إخوانيات وهي ظاهرة مع الأسف نقدية منتشرة في وسطنا العربي الثقافي العربي، النقدي العربي، وهذا يُسجَّل أعتقد لصالِحها كما يُسجّل لصالحي، أي أنني كتبت وأنا أمام نص أعزل من أي منفعة، وهذا أيضاً يُمثِل message إلى  بعض النقاد الذين مع الأسف يخضعون للإخوانيات والصداقات والعواطف الخارِجة على طبيعة النص نفسه. قصيدة النثر قصيدة مُراوغة ومُخادعة مع الأسف، والنماذج الصحيحة والرصينة عبر تاريخ هذه القصيدة قليلة جداً حسب رأيي في الوطن العربي. قصيدة "سونيا الفرجاني" تُمثِّل تجربة على هذا الطريق، هي تحملُ عوداً كثيرة في أن تكون قصيدة صحيحة وقصيدة مؤثِّرة. قصيدة نثر لا تخدع قارِئها ولا تخدع نفسها، لذلك يأتي النصّ صادقاً، هي صادقة مع نصها وبالتالي مع نفسها وبالتالي أيضاً مع قارِئها. قصيدة تعتمد الفِكر وهذا في رأيي مُهمّ، أي أنها لا تعتمد على الرنين الخارجي إنما على ما هو داخلي على إيقاع داخلي داخل النص على أن تكون منبثقة من تجربة شخصية حقيقية حارّة وجديدة. سأسأل الصديقة العزيزة "سونيا"، هلّ جرّبتِ كتابة قصيدة التفعيل؟ لأنني أعتبر أن قصيدة النثر هي تجاوُز لقصيدة التفعيلي وبالتالي نحن لا نتجاوز شيئاً من دون أن نعرِف أو نُجرِّب

زاهي وهبي: شكراً للشاعر العراقي الأُستاذ "عوّاد ناصر"، تفضلي

سونيا الفرجاني: نعم، شكراً أُستاذ "عوّاد ناصر" على هذه الشهادة القيمة وأيضاً مسؤولية أُخرى على أكتافي تجاه قصيدة النثر

زاهي وهبي: وفعلاً كما قال، عدم المعرِفة الشخصية يُعطي أحياناً النقد نزاهة أكثر

سونيا الفرجاني: مصداقيته أكثر نعم. أنا لا أعرِف الأُستاذ "عواد ناصر"، أنا انتبهت إلى نصه كثيراً من خلال حوار مُطوّل معه في مجلّة "نزوة" ووجدتُ أنّ طقوسنا متشابهة ومن ذلك انطلقت علاقتنا في القراءة لبعض والتواصل وكتب عن مجموعتي السابقة "امرأة بِني باند" مقالاً مُطوّلاً نُشِرَ في "الشرق الأوسط" اللندنية أشكره عليه كثيراً، وأنا على يقين أنّ شهادة شاعر بحجم "عواد ناصر"، نعم

زاهي وهبي: وجواباً على السؤال بخصوص قصيدة التفعيلي وتجاوزها؟

سونيا الفرجاني: سأختلف معه في هذه النقطة، أنا أختلف معه وهو سؤالٌ مُشاكس لأنّ "عوّاد ناصر" منتصرٌ كثيراً لقصيدة النثر ويقول هو في حواراته أنه لا يجد فوارِق بين قصيدة النثر والأنماط الأُخرى رغم أني ضد كلّ التسميات. انا لم أتجاوز قصيدة التفعيلي لأنها ليست هي الأصل بالنسبة لي. قصيدة التفعيلي هي جزء من الشِعر أو هي إمكانية من إمكانيات الشعر. الشعر لا يُمكن أن يُصنّف أو يُقسّم ولا يُمكن أن يخضع لمعيارية ما ولا لموازين بالنسبة لي

زاهي وهبي: مثلما هو النظم شكل من أشكال الشعر

سونيا الفرجاني: النظم أن تقول، حتّى الفعل هو نظم الشيء أي نظّمه. لا يُمكن أن يكون الشعرُ منظّماً وفقاً لقواعِد جاهِزة أو لطقوس مقولبة. القصيدة أكبر بكثير من هذا، القصيدة كون كامل يتحرّك، فأنا أحترم جداً كلّ ما قال لكن نختلف في هذه النُقطة التي شاكسني فيها

زاهي وهبي: أنا أعتبر أنّ الشعر حتّى أكبر من القصيدة نفسها، بمعنى القصيدة هي شكل من أشكال الشِعر، بمعنى الشعر أكثر أتساعاً

سونيا الفرجاني: جميل جداً، هذه نظريّة جديدة

زاهي وهبي: نعم. القصيدة وعاء من أوعية الشعر

سونيا الفرجاني: بالضبط

زاهي وهبي: لكن ممكن أن يكون الشعر، مثلاً فيلم سينما نقول عنه فيلماً شاعرياً. مشهد غروب، يعني الشعر جزء من الحياة

سونيا الفرجاني: الشعر فنّ الإنسان الأول قديماً، الشعوب الطوطامية كانت تتقرب من آلهتها بالابتهالات التي هي في الأصل الشعر، يعني الشعر سبق كلّ شيء وأنا بين قوسين أريد أن أسوق مُلاحظة، الشعر من العرش، حتّى لو أردنا أن نخلط كأوراق

زاهي وهبي: نعم نقلب الحروف

سونيا الفرجاني: نقلب الحروف. أكيد أن الشعر من العرش ومن غيب، من فوق، من تلك المسافة التي أبعد مما بين الأسفل والأعلى، بين السماء والأرض

زاهي وهبي: ورعش أيضا يصير بمعنى هذه الرعشة التي يعيشها الشاعر في لحظات كتابة القصيدة

سونيا الفرجاني: رجّة ورعشة

زاهي وهبي: نعم رجّة ورعشة

سونيا الفرجاني: رأيت اللغة، عمق اللغة، هذا الجذر المتكوِّن من ثلاثة حروف يحمِلُ في طيّاته حروف الكون كلّها

زاهي وهبي: أشار الأُستاذ "عوّاد ناصر" إلى أنّكِ صادقة مع نفسكِ وبالتالي مع القارئ، هلّ يحضر القارئ في ذهنِك أو هلّ يحضر في لحظة ولادة القصيدة؟

سونيا الفرجاني: غالباً لا. أنا أتحرّك داخل نصّي بحرية مُطلقة ولكن هذا لا يعني أنّي لا أتعاقد مع قارئي، هناك تعاقُد غير مُعلَن عنه بيني وبين القارئ لا بدّ من أن أكون فيه على غايةٍ من الصدق والنباهة والفِتنة، والبقية هي مُناطةٌ بعُهدته. عليه أن يتحمّل مسؤولية النصّ الذي تركته له، هي انفجاراتُ براكينٍ أنا لا أعرِف إن انطفأت أم لا، دوره أن يكشف عن هذه الترسبات ويحفر عنها

زاهي وهبي: وسائِل التواصل الحديثة جعلت العلاقة بين المرسل والمُتلقّي، بين الشاعر والقارئ، بين الكاتب والقارئ علاقة مُختلفة عمّا سبق، عن العلاقة مع الكتاب أو كانت علاقة مجردة. اليوم يستطيع القارئ أن يُخاطب الكاتب مُباشرةً، يعني يترك له رأياً، تعليقاً، فكرةً. هلّ لهذا الأمر انعكاس ما على النصّ نفسه في رأيكِ؟

سونيا الفرجاني: سؤال مُهمّ جداً ومُباغت

زاهي وهبي: تباغتينا بكلّ هذا الشعر، نباغتك بسؤال على الأقل

سونيا الفرجاني: أكيد عنده تأثير لأن علاقتك بالشعر في النهاية، أنت تكتُب ليس لنفسِك، أنت تكتُب لأنك في حاجة إلى مُتلقي يُعينك على هذا الثقل، فكلّما كان التواصل، هذا الحديث الذي بيننا وبين القارئ كأنه سيُبيِّن لنا نقاط الصح من الخطأ في هذا النص ونستطيع بسهولة أن نُراجع نفسنا وبسُرعة أكثر. وسائِل التواصل الاجتماعي لم تهضم الشعر ولم تهضم الكتاب، على العكس. هي ساعدت الكاتب على أن يكون مسموعاً ومقروءاً بسرعة أكثر ربما

زاهي وهبي: أوصلت النص إلى أماكن لم يكن يصل إليها

سونيا الفرجاني: في ثوان يعني، ممكن أن يقرأ النص

زاهي وهبي: اختصرت الزمان

سونيا الفرجاني: جداً، وبعد دور الزمان أن يُغرّ به، هذا دور الزمان

زاهي وهبي: حسناً، نُهدي القارئ والمُشاهِد والمُستمع الآن المزيد من شعرِك لو سمحت، من الديوان الأخير " ليس للأرض باب وسأفتحه". كيف نفتحُ باباً غير موجود

سونيا الفرجاني: أنا أصلاً لا أعرِف، هلّ فتحتُ باباً أو باب، متى فتحته؟ على ماذا فتحته؟ لماذا فتحته؟ هلّ أنا أشرعتُه أم تركته موارباً. كان ضرورياُ فتح هذا الباب ليس للهروب ولكن

زاهي وهبي: للدخول

سونيا الفرجاني: ربما للدخول. أنا أصلاً لا أعرِف لماذا فتحت هذا الباب ولكن أكيد هناك حاجة جعلتني أفتح هذا الباب غير الموجود مادياً لكن أكيد هو موجود ومعه نوافذ أيضاً

زاهي وهبي: هو باب المعنى أو باب المجاز أو باب الخيال

سونيا الفرجاني: باب الشعر

زاهي وهبي: "أمطارٌ غزيرةٌ تنزِلُ خارِج الخارِطة"

من الباب دخلت إليك القابلة

نساءُ الحيّ، جدّتكَ والرجُل الذي أحبّته أُمّك

ودخلت أمطارٌ غزيرةٌ

لم تنتبه وأنت تبكي أنها مياه الغرق في العالم

لم أكن هناك، نسيني الحظّ في صندوقٍ كبيرٍ تحت الشمس

وحين انتبه أهلي وضعني أبي في مكانٍ غامضٍ

لا أراك منه ولا تراني

لكن يُشاهدنا الحُبُّ المُدّخر في ارتطامِ أمطارٍ غزيرةٍ

خرجتُ بعدها لأضع في كفك مفتاحَ أماكن لم يتلفّظ بها أهلي

في كتبهم، في أماكن لم يتلفّظ بها أهلي في كُتبهم المشدودة بحبال

كنت تبكي فلم تنتبه ليدي. حبلُ صوتِك أم جبلُ الوريد

أم جلد الثور الذي صار قياساً

كلّها عظامٌ ضروريةٌ لأصنع هيكلاً لقلبي وإطاراً ليديك

التاريخُ عاهرٌ والعُهدة على رقصة "زوربا"

هكذا أنا، أخرُج من بابٍ وأدخل من بابٍ

لا أجدُ حراساً ولا أشجاراً أتسلقها لأبحث عن ضوءٍ

يراه اثنان مغمضان من الحُمّى  

الأبوابُ حفرٌ لا تصلح للعبور وأنا طواعيةً أُمسك لوحة "شاغال"

أرسم أبواباً وأدخل منها إليك مع أمطار غزيرة تنزلُ خارِج الخارطة

زاهي وهبي: جميل جداً. هلّ الرجُل سيدتي مُلهِم للمرأة الشاعرة كما حال المرأة بالنسبة للرجل الشاعر؟ يعني تعرفين كم في الشعر العربي، في الشعر العالمي، ولكن الشعر العربي على وجه الخصوص، كم المرأة أحد منابع أو مصادر الشعر فيه. هلّ الرجل يُشبه حال المرأة بالنسبة للمرأة الشاعرة؟

سونيا الفرجاني: هي بالنسبة للرجل أحد المنابع أو المصادر أو المظالِم لأنّ هناك نصوصاً شعرية كثيرة استغلّت جسد المرأة واستهلكته وشوّهته، وهذا يؤذيني كامرأة، وهذا من بين النقاط التي تطرقت إليها في مجازٍ في بداية الحوار. الشعر يأتي على كلّ شيء، على كلّ شيء، والرجل جزء من الشِعر رغم سلبيته في بعض النقاط. أنا لا أتحدث عن الرجُل كرجُل يخصّني ولكن بصفةٍ عامة، فالشعر لا يسلم منه أحد. كلّ شيء حولي يستطيع أن يفترسه ويلتهمه ويأتي عليه

زاهي وهبي: نتمنّى ألّا يسلم منه أحد في طبيعة الحال، نتوقف مع استراحة أخيرة ثم نتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع: 56:11       

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابع "بيت القصيد" مع الشاعرة التونسية السيّدة "سونيا الفرجاني". كنّا نتحدث عن صورة المرأة في الشعر العربي، يبدو أنها صورة غير مُرضية بالنسبة لحضرتكِ

سونيا الفرجاني: نعم، الصورة غير مرضية لأنّ حتّى الشعر القديم وشعر الجاهلية كان يتناول المرأة كعُنصُر مُتعة، كجسد، من دون الانتباه إلى أيّ جمالٍ آخر فيها، وكأنّ المرأة خُلِقت فقط لتكون جسداً يُشبِع الرغبات والغرائِز والشهوات، هذا مؤذ جداً

زاهي وهبي: هذا في شكلٍ عام ولكن يظلّ هناك تجارُب راحت أبعد

سونيا الفرجاني: قليلة

زاهي وهبي: نعم قليلة

سونيا الفرجاني: أنا أقول إنّ "محمود درويش" من الشعراء الذين تعاملوا مع المرأة، حتّى الغزل بالمرأة مثلاً في نصّ "انتظرها"، تعامل يعني راق جداً، حتّى وهو يتحدث عن مفاتن الأُنثى لا يتحدث عنها مُباشرةً برمزيةٍ مُفرِطةٍ في الجمال، وهذا ما يُمكن أن يكون حقاً جمالاً في المرأة وتكريماً لها ولأنوثتها

زاهي وهبي: لو تسمحين لي، أنا في رأيي شعر الحبّ يختلف عن شعر الغزل، يعني الغزل يتغزّل بمفاتن المرأة وفي شكلها وفي جسدها بينما شعر الحب يذهب أبعد، وهو لا يُحصَر حتّى في المرأة. يعني شعر الحب هو في المُطلق شعر إنساني. لو سمحت، قبل أن أسأل ما تبقى من أسئِلتي سأُسمِعكِ أيضاً رأياً في تجربتكِ ولكن سأترُك هذا الرأي كمُفاجئة لحضرتكٍ، "كلام يوصل"

كلام يوصل

ريما الهمامي – طالبة: مساء الخير أُستاذ "زاهي"، مساء الخير ماما. أنا أكيد لا يمكنني أن أتوقع قدر فرحتكِ وسعادتكِ في وجودك في هذا المكان، في وجودكِ في "بيت القصيد" مع الأُستاذ "زاهي وهبي"، ولكن يجب أن تعرِفي أنني أكثر سعادة منكِ وأكثر فرحة منكِ. لأنني أكثر إنسان يعرِف مدى تمنيكِ أن تكوني في هذا المكان، وأكثر إنسان يُقدِّر ربما أكثر من جميع النقاد الذين كتبوا عنكِ والكثيرين الذين قدّموا كتبكِ الأربعة. أنا أؤمن بكِ كشاعرة قبل أن أؤمن بكِ وفي مثاليتكِ كأمّ. أنا أُقدِّر جميع تضحيات ماما التي تُقدمينها لنا وأُقدِّر أن معظم وقتكِ الذي يجب أن يكون مخصصاً للشعر والإبداع يذهب أغلبه في شؤون البيت. أقل ما يمكنني أن أقوله عنكِ وعلاقتنا معكِ في الدار أنكِ مثالية، أنتِ يعني في الدار تحاولين أن توفري كلّ شيء للجميع وتوفرينه في طريقة مثالية حتّى وإن كان هذا على حساب شعركِ. أنا فخورة جداً بجميع أعمالك، فخورة بخمس وعشرين سنة من الشعر الخالص الذي تتطوّر فيه تجربتكِ، حتّى لو أنني بدأت أشهد عليها وأنا صغيرة، لكنني أراها كلّما تقدم بي العُمر، كلّما تقدمت هي وتقدّم نُضجها. نحن فخورون بكِ، (تونس) فخورة بكِ و(جربا) فخورة بكِ، نثق بكِ ونؤمن بتضحياتكِ ونُقدّرها وأنا أثق أنك ستصلين لما هو أبعد من هذا ماما. أنا أحبكِ كثيراً وأنتِ بالنسبة لنا أكثر بكثير من أُمّ وهو شيء جميل جداً أن تكوني أمّاً وشاعِرة. ممكن أن نختم بأن أسألكِ سؤالاً ربما قد يبدو لكِ مربكاً قليلاً لكن: هلّ الأمومة ماما منعتكِ من أن تكوني شاعِرة في القدر الذي تُحبّينه؟ هلّ أنها أبعدتكِ ولو قليلاً عن الشِعر، وربما في ظلّ غياب الأمومة هل كنت ستكونين شاعرة أكثر إشعاعاً؟ وربما تُعطي وقتاً أكثر للشعر. شكراً ماما، أحبكِ كثيراً

زاهي وهبي: شكراً "ريما الهمّامي"، ابنتكِ التي أنا أُحييها، عمرها سبع عشرة سنة ولكن وعي، ثقافة، طلاقة في الكلام؟ أشكرها لأنها هيامها أرشدني إليكِ، وأنا أول مرة أشاهدها تتحدث عبر فيديو يعني. تواصلنا عبر "الإنستاغرام" ودلّتني على تجربتكِ وأُعجِبت بهذه التجربة ولبيت رغبتها ولكن أنا الذي أشكرها لأنها عرّفتني على تجربتكِ. أُحيي تأثرك

سونيا الفرجاني: أنا أولاً لا أعرِف كيف تم هذا التسجيل وهذا الذكاء الذي عند "ريما" لدرجة أنني لم أنتبه لشيء من هذا

زاهي وهبي: للحقيقة هي التي أرشدتني إليكِ ولكن أنا طلبت منها أن تُعطي هذه الشهادة وألاّ تُخبركِ في الأمر. ألله يخلّيها يُخلّي "يوسف"، أليس كذلك؟ أخوها؟

سونيا الفرجاني: أجل "يوسف" يعيشك. أولاً فيديو مُفاجئ جداً وعُذراً على أيّ ارتباك. "ريما" هبة من الله، هي ابنتي البكر وهي كما قلت ما شاء الله عليها متميّزة في كلّ مراحل دراستها

زاهي وهبي: واضح

سونيا الفرجاني: تُتقن اللغات، تكتُب الأدب الإنكليزي والعربي والفرنسي ومُتقنة جداً لكلّ العلوم. أتمنّى أنت أراها كما هي تتمنّى أن تراني. سؤال "ريما" سؤال

زاهي وهبي: ذكي جداً السؤال

سونيا الفرجاني: ذكي جداً لأنها تعيش معي في كلّ مراحل الكتابة، "ريما" هي قارئي الأول، "ريما" قارئي الأول من دون استثناء

زاهي وهبي: هلّ حالت الأمومة بينكِ وبين أن تكوني شاعرة أكثر إشراقاً كما قالت؟ أكثر ربما، يعني ذهبت ربما وكنتِ أبعد في تجربتكِ الشعرية؟

سونيا الفرجاني: ربما هذا الذي جعل "ريما" تتحمل مسؤولية أن تتواصل معك. أكيد أنّ الأمومة تأخذ الكثير من وقتي، كما قالت "ريما" أنا Perfectionist

زاهي وهبي: نعم، يعني ساعية إلى الكمال

سونيا الفرجاني: جداً

زاهي وهبي: وهذا مُتعِب

سونيا الفرجاني: مُتعِب جداً. هذا يُكلّفني الكثير من حياتي. الأمومة لا بدّ من أن تكون فيها الأمّ مثالية أو لا تكون، وهذا على حساب الشعر ثم أنا أعطيت أكثر من اثنتا عشرة سنة من عُمري، يعني بين ديواني الأول وديواني الثاني ثمانية عشر عاماً من دون انقطاع

زاهي وهبي: عمرٌ كامل يعني

سونيا الفرجاني: عمر كامل نعم. هذا أنا وفّرته لأطفالي ولعائِلتي وأنا لستُ نادمة لكن هذا أكيد كان على حساب الشِعر لأنني انقطعت تقريباً حتّى عن التواصل مع الجرائِد والمجلاّت فكانت عودتي متأخرة نوعاً ما، والمُهمّ أنّي لمّا عُدت لم أجد نفسي مقطوعة ال

زاهي وهبي: نعم، لستِ غريبة عن (أورشاليم) كما يقال، وأن تأتي متأخراً خير من ألّا تأتي أبداً. ولكن الأُمومة كما تأخُذ من الجُهد ومن الوقت والعاطفة وكلّ هذه المسائِل تمنح شيئاً ما للمرأة، تمنح شعوراً مُختلفاً أليس كذلك؟

سونيا الفرجاني: تمنح الكثير، نعم. تمنح الكثير. أنا قلت لك أعيش في مثلث من المُقدسات هي الأمومة والشعر وأمّي، هذا المُثلث الذي يُشبه مثلث برمودا الذي داخله أنا أفقد السيطرة على نفسي ولا أستطيع أن أُرتِّب أمر، فأنا بين أمومتي وشِعري وأُمّي لا أستطيع أن أُرتِّب حياتي لذلك طبعاً هم كلّه منّي، أطفالي منّي، والشعر منّي وأنا من أُمّي، يعني كلّه جزء مُختلِط. أنا لا أُريد أن أظلِم أطفالي بقدر ما أستطيع أن أظلم الشعر لأنه يتحمّلني، وحده الذي يستطيع أن يتحمّلني

زاهي وهبي: على كلّ حال، أُجدّد أنا تحياتي لـ "ريما" ولأخيها "يوسف" ولأبيها بطبيعة الحال

سونيا الفرجاني: يعيّشك

زاهي وهبي: إن شاء الله تظلّون أُسرة جميلة ومتماسكة. قبل أن يُداهمني الوقت، تحدثنا عن صورة المرأة في الشعر العربي بشكلٍ خاص. حضور المرأة في المشهد الشعري في (تونس) حضور واضِح؟ جليّ؟ كما تتمنين وتشتهين أم

سونيا الفرجاني: والله هو الشعر بخير في (تونس) خاصةً بعد الثورة. عدد كبير جداً من الإصدارات ومن الشعراء الذين كانوا يختفون وراء الجدران كخجلٍ ما أو عدم ثقة في النص. هذا ما يُسميه البعض الإسهال في ظهور الشعراء وإنتاج الدواوين. أنا لا أسميه إسهالاً هو حالة صحية بالنسبة لي

زاهي وهبي: على كلّ حال نحن سُعدنا في "بيت القصيد" باستضافة كاتبات وشاعرات من (تونس)، لهنّ كلّ الاحترام والتقدير. لكن أنا أقول أنّ هلّ المرأة كشاعرة حاضرة، تنال ما تستحق من اهتمام، من تسليط الضوء؟

سونيا الفرجاني: تنال ما تستحق، حاضرة نعم في مهرجانات، في "أيام قرطاج" الشعرية الأخيرة تقريباً كان عدد الشاعرات أكثر من عدد الشُعراء. المرأة تكتُب بحريّة وتنشُر بحرية وموجودة في كلّ الملتقيات والتظاهرات، ومديرة "أيام قرطاج" الشعرية أمرأة. يعني المرأة بخير في (تونس)، شعر المرأة بخير

زاهي وهبي: إن شاء الله دائِماً. ماذا أعطاكِ الشعر؟

سونيا الفرجاني: أعطاني الكثير، أعطاني الكثير

زاهي وهبي: وماذا أخذ؟

سونيا الفرجاني: أخذ الكثير. أخذ حريتي وأعطاني حرية أُخرى

زاهي وهبي: حرية مُختلفة. نختُم شعراً إذا تريدين، من الجديد 

سونيا الفرجاني: من الجديد

زاهي وهبي: الأوراق البيضاء مشروع ديوان جديد؟

سونيا الفرجاني: إن شاء الله نعم

زاهي وهبي: يصدُر قريباً؟

سونيا الفرجاني: لا، ليس قريباً، حتّى يأخذ الديوان حقه. "أنا لن أموت"

زاهي وهبي: تفضلي

سونيا الفرجاني: أنا لن أموت

باقيةٌ هنا أُطبِق أسناني على حبّك وعلى يدك

كلّ الأزقّة في جهة قلبي رصصتها بالعسل والخمر وأنهار تجري

أتصبب قيامةً، أتصبب قيامةً فنشّفني وادخُل من أبوابها لفلكي

لا تحمل الأبد لي ولا تركب قارب "نوح"

أزواجه العُميان عثّروني فسقط الحُلمُ على التلّة

والتقفناه في عرق القمر

ماءٌ تساقط، ماءٌ تساقط على الأرضِ أول أمس، لا تُصدِّق أنه مطر

إنّه الحبّ السفاح اعتصر الغزالة ففاض الأيل وهرب من صيّادٍ ضخم الشفتين

في الطريق كتب وصيةً، علّقها في الهلال، قال: "أُقايضُ الجنة بفمها

والحورَ بلحاء شجرةٍ تُظللها، والخلود بنهدها

ردّ فمي في دمي، مذ صار حبه روضةً روثت الغيب

وتدافعتُ إلى صوري وبراهيني. قني أيها الحبّ يقيني

قني أيها الحبّ يقيني وتسلّم معي خارِطة النشأة

زاهي وهبي: ألف ألف شكر على الحضور، على القصائِد، على الإلقاء، ألف شكر شرّفتِ "بيت القصيد"

سونيا الفرجاني: وتشرفت أيضاً بهذه الدعوة. شكراً أُستاذ "زاهي"

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً. شكراً لفريق العمل، للمُحرِج "علي حيدر"، المُنتِجة "غادة صالِح". الشكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله