أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

تونس: معركة التنوير ضد الإرهاب

تونس مدينة العلم والحضارة, وجغرافيا الوئام و الطيبة قيل في تعريفها الكثير ومنهم من قال أنها سميت تونس لأنها تؤنس فهي مؤنسة مؤانسة, تجربة تونس التنويريّة ليست وليدة الصدفة، بل متجذّرة تاريخيًّا بما أشرنا إليه من محاولات المفكّرين التونسيّين في القرن التاسع عشر تقريب الفكر الإنسانيّ ومظاهر الحضارة الجديدة من أبناء هذا الوطن... وبناءا عليه يحاول الإرهاب أن ينال من القلعة التونسية بين الفينة والأخرى إلا أنه ظل سقيما عقيما, فإنهزم الإرهاب وإنتصرت تونس, تونس الحضارة والمدنية والتسامح والحب والمودة.... والإرهاربيون بمختلف مسمياتهم يتصورون أن تونس منطقة رخوة يمكن التأسيس فيها لعمل ارهابي فاعل, أو يمكن التأسيس لحالة إرهابية تمتد لاحقا إلى كل المغرب العربي, إلا أنهم أخطأوا التصور والإعتقاد, لأن نور و تنوير تونس سيهزم ظلاميتهم, وستبقى تونس قبلة للسياحة ومصدرا للإشعاع ... ومرزا للتنوير.

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم.

تونس مدينة العلم والحضارة، وجغرافيا الوئام والطيبة. قيل في تعريفها الكثير، ومنهم من قال إنها سُميت تونس لأنها تؤنس فهي مؤنسة مأنسة، وقيل هي آلهة الأنثى، وقال العلامة إبن خلدون إبن المنطقة إن أصل كلمة تونس التي أطلقت على حاضرة شمال إفريقيا بسبب ما عرف عن المدينة من ازدهار عمراني وحيوية اقتصادية وحركية ثقافية واجتماعية. وأشار إلى أن إسم تونس اشتق من وصف سكانها والوافدين عليها مما عرف عنهم من طيب المعاشرة وكرم الضيافة وحسن الوفادة. كما يوجد تفسير آخر يقول إن الكلمة مشتقة من فعل آنس الأمازيغي، والذي يعني قضاء ليلة مع تغيّر المعنى في الزمن والمكان.

ولتونس علاقة وطيدة بحركة التنوير، فقد كانت حاضرة علم لكثير من علماء المغرب العربي وحتى المشرق العربي، وأنتجت خيرة المفكرين والمثقفين والتنويريين، وللإشارة فإن الموسوعة التونسية المفتوحة أشارت إلى ظهور المطبعة قديماً في تونس، إذ صدر أول عدد من جريدة الرائد التونسي في 22 تموز يوليو 1860 بافتتاحية حرّرها المصلح الحداثي الشيخ محمود إبن محمّد إبن محمّد إبن عمر قباضو. ومما قاله تقرير التربويين التنويريين إن تجربة تونس التنويرية ليست وليدة الصدفة، بل متجذرّة تاريخياً بما أشرنا إليه من محاولات المفكرين التونسيين في القرن التاسع عشر كتقريب الفكر الإنساني ومظاهر الحضارة الجديدة من أبناء هذا الوطن، وخير الدين التونسي والطاهر الحداد والطاهر بن عاشور، والثعالبي ومئات التنويريين ما هم إلا أسماء في جغرافيا تونس المنيرة دوماً. وبناء عليه، يحاول الإرهاب أن ينال من القلعة التونسية بين الفينة والأخرى إلا أنه ظل سقيماً عقيماً، فانهزم الإرهاب وانتصرت تونس، تونس الحضارة والمدينة والتسامح والحب والمودّة، والإرهابيون بمختلف مسمّياتهم يتصوّرون أن تونس منطقة رخوة يمكن التأسيس فيها لعمل إرهابي فاعل، أو يمكن التأسيس لحال إرهابية تمتد لاحقاً إلى كل المغرب العربي، إلا أنهم أخطأوا التصوّر والاعتقاد لأن نور وتنوير تونس سيهزم ظلاميتهم، وستبقى تونس قبلة للسياحة ومصدراً للإشعاع ومزاراً للتنوير والتنويريين.

إن تاريخ التعليم العالي في تونس، وإن لم يكن ممتداً إلى تاريخ عميق بسبب الحركة الاستعمارية الغربية التي عملت على شلّ تونس، إلا أنه كان عاملاً مهماً لتوجّه تونس إلى التحديث، والعقلانية والفكر التنويري، وما طبع تونس من انفتاح وتسماح واعتدال.

"تونس معركة التنوير ضد الإرهاب" عنوان برنامج أ ل م،  ويشاركنا في النقاش من تونس الحبيبة الدكتور مازن الشريف المفكّر التونسي والخبير الاستراتيجي في الشؤون الأمنية والعسكرية، ومن الجزائر الحبيبة الأستاذ الفاضل أحمد ميزاب الخبير في القضايا الأمنية والاستراتيجية.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور مازن قصة التنوير في تونس ليست صدفة وليست وليدة اللحظة، تونس على علاقة وطيدة بالتنوير. هلّا حّدثتنا عن (المصل) الذي تلقته تونس من كيس التنوير، بل من مصادر الثقافة العربية والإسلامية وحتى العالمية وأضحت بالفعل محصنة ضد الفكر الظلامي الإرهابي؟

مازن الشريف: حياك الله دكتور يحيى، وجزاكم الله خيراً عن هذه الكلمات الطيبة التي تصدر من أصيل ومدقّق في التاريخ. وكما قلت في إحدى قصائدي يا تونس الأحرار والأمجاد حيّاك بالأشعار حرف الضاد، لا تعجبي إن جاء صوبك عاشقاً فيض الحروف بصبوة الأجداد من حنّابعل إذا أردت تعمقاً أو إن مددت الطرف لإبن زياد.

الحقيقة أن الحضارة التونسية هي امتداد تاريخي عميق يرتبط بحضارة الأمازيغ العظيمة التي امتدت على بلاد المغرب والتي من أعلامها من سينيسا، وإملكار ويوغرتا.

وتمتد إلى الحضارة الفينيقية بعناق مع أرض فينيقيا وأرض لبنان مع ملحمة عليسا، ومع أمجاد حنا بن بعل الذي وصل إلى مشارف روما ثم زادها الإسلام عزاً، وظهر فيها أعلام في الفكر والثقافة والدين من بينهم جامع المدوّن المالكي الإمام سحنون، وأبو العربي التميمي، وعلي إبن زياد.

وظهر أيضاً الإمام إبن عرفة مجدّد القرن الثامن كما ذكر شكيب إرسلان، وكان عالماً في المنطق وظهر أيضاً العلامة إبن خلدون الذي هو مؤسّس علم الاجتماع والتاريخ طويل حقيقة وفيه الكثير من معالم الحضارة، والمفكر إبن رشيد الذي دوّن الكثير من الفكر واللغة العربية إبن منظور القفصي وسواهم.

أعتقد أن الحال الاستعمارية حاولت خنق الشعلة التونسية، ولكن تجربة إحدى الصوَر وغيرها من التجارب الفكرية والثقافية ساهمت مساهمة كبيرة في إبقاء الجذوة مشتعلة.

من علامات الحركة الحضارية التونسية الرافضة للانغلاق رد الشيخ عمر المحجوب على رسالة إبن عبد الوهاب والتي كان فيها الكثير من العلم والمعرفة الدقيقة بالدين والفهم الذي فيه تنوير وفيه محبة. أيضاً البلاد التونسية كانت تشهد نشاطاً كبير للطرق الصوفية، وللزوايا الصوفية التي كانت منارات للغة العربية، وللإسلام وأيضاً للمحبة وللرقيّ الحضاري. وبخلاف ما يروّج له الفكر التكفيري فإن تونس حاضنة دينية أساسية مهد الزيتونة التي أثرت واثرت ومعلوم أن خضر حسين كان شيخ الأزهر وهو من هذه البلاد، معلوم ما فعله الطاهر بن عاشور من تجديد في الفكر المقاصدي والتأسيس لعلم كامل في التحرير والتنوير وكل المحاولات التي أرادت أن تنزع تونس من تربتها العربية ومن حضارتها الإسلامية أو أن تغلقها هي محاولات فاشلة مهما ظهر من زبدها فإن الزبد يذهب جفاء وإن ما ينفع الناس يمكث في الأرض. وقد مكث في أرض تونس، والدليل أنها صمدت ولم تسقط في فخاخ الإرهاب برغم كل المحاولات والضربات، والدليل أنها مازالت تنبض إلى اليوم فناً وثقافة وأدباً وعلماً.

يحيى أبو زكريا: والحمد لله رب العالمين هذه تونس التي نعرفها، تونس الفكر والثقافة والتنوير والحرف العربي. لعَمري عندما أتجوَّل في تونس في شوارعها، وحتى في مدنها العريقة أشعر بكثير من الاعتزاز أنني في تونس هي كوطني الجزائر أحبها وأعشقها يقيناً.

أستاذ أحمد ميزاب هذا الواقع الثقافي الحضاري في تونس حصّنها من الإرهاب، لكن لماذا الإرهابيون بين الفينة والأخرى يختارون طعن تونس في الظهر؟ تارةً في تونس العاصمة، تارةً في الضواحي التونسية، أو في بعض المحافظات التونسية. من أين يأتي هؤلاء بمصادر قدومهم؟ هل يأتون من ليبيا؟ هل يأتون من الحدود الجزائرية؟ هل يدخلون عنوة من أماكن أخرى؟

أحمد ميزاب: تحيةً طيبة إليك، وإلى ضيفك الكريم. في الحقيقة انطلق من حيث انتهى الضيف الفاضل الأستاذ مازن حينما تحّدث على أن تونس من حواضر الفكر التنويري تونس الزيتونة، وحتى كذلك القيروان، وخرج منها حتى كذلك أعلام جزائريون من هذه المدارس الكبرى بفكر تنويري. وكذلك بمنطلقات تحصّن المجتمعات، بل حتى كذلك في مفهوم الوسطية والاعتدال. لكن علينا ألا نستوعب شيئاً مهماً جداً في إطار تحليل وقراءة هذا الواقع، وحتى كذلك في فهم هذه المخاضات التي تعيشها المجتمعات بالدرجة الأولى في المنطقة، بالإضافة كذلك إلى التحديات التي يعيشها الفكر التنويري بدرجة ثانية، وما تعيشه الدول في هذه المنطقة، وخاصة تونس  بدرجة ثالثة وهو المتغيّر الدولي لا ننسى بأننا اليوم نتحدّث على العصر الرقمي الحديث، هذا العصر الرقمي الحديث الذي حاول البعض أن يعطيه صبغة التنوير أو الفكر الحداثي، ومن خلاله يتم تسريب الأفكار الشاذّة، وحتى كذلك الأفكار التي تؤدّي إلى الانحراف والانزلاق وإحداث الثغرات ما يسهّل عملية تفكيك المجتمعات، ويسهّل كذلك عملية تقويض إرادة الدول، ويسهّل كذلك التشكيك في المنطلقات الأساسية المكوّنة للمفهوم العقائدي، وحتى كذلك للمفهوم المجتمعي باعتبار أننا اليوم أصبحنا نطرح بشكل كبير جداً في إطار مناقشة قضايا الإرهاب، أو حتى كذلك مناقشة مفهوم التطرّف نتحدّث على مفهوم العقد الاجتماعي، أين هو؟ أو كيف نذهب إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد يمكننا من خلاله تحصين هذه الأفكار؟

تونس لم تكن بمعزل عن هذه المخاضات، ولم تكن بمعزل عن هذه التفاعلات، بل كانت في مركز التركيز، ويمكن أن نعود إلى ثمانينات القرن الماضي حينما بدأ يتفكّك الاتحاد السوفياتي ومع أفغانستان حينما كان هناك محالة لاختراق المجتمع التونسي من خلال التطرّف، ومن خلال كذلك تجنيد التونسيين في الحرب في أفغانستان بمفاهيم معينة، أو كذلك بأديولوجيات معينة، ولكن كانا هناك محاولة لتأليب الفكر المجتمعي ومحاولة كذلك لاختراق المجتمع التونسي.

اليوم نحن نتحدّث في القرن الحادي والعشرين أن هذا المشروع تبلور، وتراكم من خلال مجموعة من الأحداث وأيضاً نتحدّث عن داء كان يتحرّك بصمت داخل هذه المجتمعات، وصنع لنا فكراً جديداً، ويحاول أن يحمل الفكر التنويري، ولكن هو في حقيقة الأمر هو مضاد تماماً للفكر التنويري وبدليل قد يشاطرني به الدكتور مازن حينما نتحدّث عن الطرُق الصوفية، ونتحدّث عن الزوايا كانت هناك محاولة لتحريف هذا الموضوع منذ ثلاثة عقود عبر خلق طرق صوفية دخيلة على مجتمعات المنطقة، وحتى كذلك زوايا دخيلة على المجتمعات من أجل تفكيك هذا الرابط الذي كان يشكّل أحد مقومات مفهوم الوحدة الوطنية بالنسبة لدول شمال إفريقيا، وكان يشكل أيضاً صمّام الأمان الذي يمكن العودة إليه في إطار التصويب وتصحيح المسارات. فبالتالي أعتقد بأننا اليوم قاب قوسين أو أدنى من صراع الحضارات، ويمكن ان نعود إلى كتاب صامويل هانتينغتون في هذا الموضوع الذي نظر لهذه المسألة، بالإضافة كذلك إلى أننا في مشكلة أخرى، وهي إحداث التفرقة من خلال البوابة الدينية ومن خلالها يمكن التجنيد واستهداف الدول.

يحيى أبو زكريا: أستاذ أحمد أضفت إلى الإشكال إشكالاً، وهذا جميل في حد ذاته لأنه يطوّر الفكرة، ويعطيها أبعاداً أخرى، وفي الفلسفة لا يوجد جواب يوجد سؤال وينتهي للجواب، هذا الجواب هو عينه إشكال جديد.

دعني أنقل فقط الجملة المتعلقة بأن ربّ تنويرٍ يحمل تدميراً إلى الدكتور مازن.

دكتور مازن، كيف تعلّق على ما ذكره أنه ليس كل تنوير تنوير؟ ربما الحركة الامبريالية والحركة الاستعمارية، والحروب الناعمة اليوم أيضاً تحمل عناوين التنوير، لكن كيف تعلّق على ما ذكره ضيفي من الجزائر الحبيبة الأستاذ أحمد ميزاب؟

مازن الشريف: تحية للأستاذ أحمد، الحقيقة فقد أفاد بأفكار مهمة. وكان ضمن سنوات اشتغالي على المسألة التنويرية من باب فلسفي ومنطقي وانتروبولجي نظرت لنظريتين:

الأولى هي التنظير والتكفير والتفجير التي يقوم عليها الفكر المتطرف الداعشي الذي ينظر ويبني نظرياته على إسقاطات وتنميطات ومغالطات في الدين وفي غيرها، ثم يكفر. فيبدأ الشاب بتكفير ذاته ثم أسرته، ثم العالم،  ثم يفجّر. وهكذا فإنها تبدأ بعملية عنف وتنتهي إلى تنظيمات مثل التنظيمات الإرهابية.

والنظرية الثانية النظرية العامة تقوم على قسمين: التنوير والتزوير. هنالك منوّرون إلى طريق الحق، وهنالك مزوّرون يعيشون بين بُعدين، بُعد تكفيري وبُعد تعهيري  تمييعي. وكلاهما يخدم مساراً واحداً، وعنصراً واحداً، ومحرّكاً واحداً. فهناك محرّك إذا سأل الشاب ما الدين؟ ما الإسلام؟ يقول له الإسلام هو الفكر التكفيري، وإذا قال ما الحرية؟ يقول له الحرية أن تكون شاذاًّ، وأن تخرج من أمّتك، وأن تكون مُتصهيناً يعني أن تكون كارِهاً لحضارتك، وهم على  البُعدين يتراقصون. هنالك مبرّرات، التبرير هو الذي يتوسّط هذه النظرية الذي يبرّر للتكفير، فيقول إنك تنصر المؤمنين والصحابة، وإنك تحقق الخلافة. ومن يأتي إلى الطرف الآخر الانبتاتي يقول أنك تنصر العلم، وتنصر الحضارة حتى أن الملاحِدة يقولون نحن نختار العلم على الدين وكأن العلم هو ضد الدين.

على الجانب التونسي عاشت البلاد إلى اليوم الصراع بين المدرستين، مدرسة أتت بأفكارها وقالت نحن نعيد الإسلام إلى تونس. لا ننسى عندما جاء مشايخ الوهّابية إلى تونس بعد الثورة التونسية، وهم يهتفون لقد رجع الإسلام إلى تونس، وكأن المسلمين في تونس كانوا يعبدون البقر لمدة 1000 سنة، وكأن البيئة التونسية لم تنتج فكراً، ولم تنتج ثورة ضارية، ولم ينتج من  ذلك أثر في الأندلس. فالمعروف مثلاً أن إبن رشد الأندلسي هو تلميذ الإمام المازني، وأيضاً القاضي عياد استكتبه. هنالك فجوة كبيرة بين المغرب الكبير وبين غرب الصحراء، وبين إفريقيا جنوب الصحراء وبين الأندلس، وبين أوروبا.

فهذا الجانب الذي جاء إلى البلاد التونسية كان له أتباع نتجوا عن الفراغ الديني، وهؤلاء الأتباع مضى قسم منهم إلى سوريا، وهم يعتقدون أنهم يحققون أمجاد النبوّة والملاحم وغير ذلك، وانحرفت البوصلة التونسية مما كان عليه البطل لأزهر الشرايطي الذي قاتل في فلسطين وقاتل في تونس، وقاد المقاومة التونسية في معارك كبيرة ضد فرنسا إلى انحرافات أخرى لتدمير الشام والعراق.

معلوم أن العمليات التي قام بها التونسيون لنصرة القضية الفلسطينية سواء سنة 48 أو ما بعدها حتى مع المقاومة اللبنانية هي عمليات كبيرة، ومعروف جهدهم في عمليات الطائرات الشراعية وسواها.

إذاً، حصل انحراف.

الانحراف الثاني هو انحراف تزويري يوهم بالتنوير من خلال نزع الأخلاق والمقاومات العربية والإسلامية حتى أن بعضهم يظن أن كلمة عروبة، أو كلمة إسلام هي كلمة تدل على التخلّف وعلى الاندثار الحضاري، ولعبوا على أوتار من بينها الأوتار القومية.

الإنصهار الذي تم بين العرب والأمازيغ في البلاد التونسية والمغرب العربي انصهار كبير، وهنالك مصاهرات وعندما درست تاريخ القبائل التونسية رأيت أنه لا يمكن إلا نادراً الفصل أن تكون قبيلة بأكملها هي قبيلة أمازيغية. هنالك انصهار كبير تم في شمال البلاد وجنوبها، ونحن نعيش إخوة حتى الجانب الديني لا وجود لمشاكل بين الأقليات الدينية في البلاد التونسية. فالمسارات التي اتخذت ما بين مسار انحرافي على اليمين وعلى اليسار والتي عمل عليها ويعمل عليها وعلى تغذيتها.

يحيى أبو زكريا: حقيقةً راق لي كثيراً هذا العقل وهذا التدقيق والتحليل من عقلك التونسي العربي والمسلم ومن عقل أحمد ميزاب، رحم الله إبن رشد لعله كان سبباً في هذه العقلانية المغاربية.

مشاهدينا فاصل قصير، ثم نعود إليكم. فابقوا معنا.

 

"تاريخ التكفير في تونسي" شكري المبخوت.

يقدّم الكاتب ثلاث محطات رئيسة عرفت هذا الاشتباك بين البنى التقليدية للمجتمع التونسي وبنى التحديث الرافضة لكل أشكال الوصاية. هي عبد العزيز الثعالبي في الفصل الثاني الموسوم بقصة تكفير عبد العزيز الثعالبي ومحاكمته من فضائح القرون الوسطى في غرّة القرن العشرين. والطاهر الحداد في الفصل الثالث الموسوم بمأساة الطاهر الحداد مع الإكليروس، والزعيم حبيب بورقيبة في الفصل الرابع الموسوم بالمجاهد الأكبر. وهي فصول لن نحرم القارئ التونسي والعربي من متعة الإطّلاع عليها والتطلّع إليها.

أيضاً بعيداً عن أية محاولة لتحكيم أية ضائقة سواء كانت علمية أو تاريخية أو سردية لكونها أولاً نتاج أصيل بين أكثر من حقل معرفي وفني أيضاً. وثانياً لكي نوفّر للقارئ فرصة تفكيك هذه النصوص وفقراتها بعيداً عن تيارات الشدّ والجذب التي باتت تتحكّم في الفضاء العام الذي بدا بدوره خاضعاً لإكراهات الماضي وشخوصه وسياقاته، ولاسيما حروبه.

فصول الكتاب تحاور الشخصية التونسية وتستنطقها، بل وتحاكمها علانية من خلال أبطال روايتها الأصيلة واصطدامهم بجرافات الجمود والتكلّس والتكفير.

وبالتأكيد فإن شكري المبخوت وهو يوجه دفّة قارئه نحو هذه البحيرة الإسمنتية لم يكن يسعى إلى تقديم درس مدرسي، أو قصص ليلية تهدهد التونسي الذي يعيش ممزّقاً بين صراعات الماضي وأعطاب الحاضر. وإنما يفكّك الخلفيات السيسيولوجية والسياسية والثقافية لكلا العقلين، أي العقلية الدينية المنسجمة مع حال العسكرة التي يمارسها على النص الديني واندماجه الماكر في لعبة السياسة مع ما توفّره هذه اللعبة من إغراءات تجد لها صدى في مفردات مُلتبسة كالحاكمية والتمكين وغيرها، وبين العقل التنويري الذي يقود هو الآخر معركة غير منفصلة عن غريمه، بل وغارفاً أيضاً من نصوصه متى احتاجها من دون أن يضيع بوصلة التحديث داخل مجتمعات هي أقرب إلى الميتا –حداثة  منها إلى الحداثة.

 

المحور الثاني:

كتاب "تونس 2040، مساهمة في تجديد المشروع الحداثي التونسي" مجموعة من الباحثين.

الكتاب هو عمل جماعي استشرافي لمستقبل تونس وتجديد مشروعها الحداثي في أفق سنة 2040 في جميع المستويات. ساهمت في إنجازه ثلّة من الباحثين الأكاديميين التونسيين ويندرج العمل ضمن الدراسات الاستشرافية التي ترمي إلى صوغ مجموعة من التنبوءات المشروطة والتي تجمع المعالم الرئيسة لأوضاع مجتمع ما أو مجموعة من المجتمعات وعبر فترة مقبلة تمتد قليلاً لأبعد من عشرين عاماً، وتنطلق من بعض الافتراضات الخاصة حول الماضي والحاضر.

لقد تحكمت ثلاث مراحل تاريخية في هذا العمل الاستشرافي:

المرحلة الأولى: هاجس التحديث وروح الإصلاح الموجودان في المجتمع ترسخا عميقاً واللذان حظيا بمساندة من النخبة التونسية منذ منتصف القرن التاسع عشر، فقد تحقق التحديث في تلك الفترة بفعل تحرير العبيد عام 1846، وعهد الأمان عام 1857، وأول دستور في  تونس عام 1861، وتأسيس المعهد الصادقي عام 1875.

المرحلة الثانية: ظهور روح التحديث والإصلاح في عشريات الاستقلال الأولى عام 1956، ومنذ ذلك الوقت أصبحت تونس في مقدمة البلدان التي تدعى في طريق النمو لأجل نظامها التربوي، وتحريرها للمرأة ومراقبة الولادات وسياسة التخطيط والنمو الشاملين، والأهمية الموكولة إلى المعرفة والتكنولوجيا وروح الانفتاح والتسامح.

المرحلة الثالثة: تميّزت بتقهقر المشروع الحداثي الذي وافق تردّي الثقافة واختلالات التوازن الحالية.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، من أدرك حلقتنا نحن نعالج اليوم موضوع تونس معركة التنوير ضد الإرهاب.

وأذكّر ببعض الكتب في هذا السياق كتاب "تاريخ التكفير في تونس" لشكري المبخوت، والحمد لله أن تايخ التكفير ليس عريقاً، فتونس أنتجت فقه المقاصد، وفقه التسامح، وفقه الطاهر بن عاشور رحمة الله عليه. وأيضاً هناك كتاب مهم جداً جداً "تونس في 2040" طبع الكتاب بالفرنسية، ووضتعه مجموعة من الباحثين التونسيين، وكتبوه لجهات غربية تريد أن تستشعر الواقع والصيرورة التونسية إلى سنة 2040.

أستاذ أحمد ميزاب توافقت مع الدكتور مازن وذهبتما إلى القول إن هنالك تنويراَ، وهنالك تزوير. المهم أن يكون لدينا أمن ثقافي يحيط علماً بكل هذه المؤامرات، لكن ماذا عن الفعل الإرهابي؟ وهو الشق الذي لم تجبني عنه من أين يأتي الخطر الإرهابي على تونس؟

أحمد ميزاب: تحدثت منذ البداية عن مسألة المتغير الدولي، وحينما أتحدث عن مصطلح الإرهاب الذي إلى اليوم عجز المجتمع الدولي أو تغاضى عن ضبط مفهوم دقيق وواضح حول مفهوم الإرهاب. أقول بأنه صناعة استخبارية، صناعة تخدم أجندات الدول الكبرى في العالم سواء كان لمصالح اقتصادية، أو حتى لمصالح سياسية. وما موضوع الإرهاب إلا أحد الأدوات التي يمكن من خلالها تفكيك الدول، وكذلك تحقيق مجموعة من الأجندات.

وحينما نتحدّث عن الإرهاب في تونس، فنحن نتحدث عن مجموعة من المعطيات التي يجب أن نستوعبها بأن الإرهاب في تونس يحدّد التوقيت، ويحدّد كذلك المجال والحيّز الذي يستهدف فيه. فبالتالي نستوعب جيداً بأن مَن يحرّك هذه الأداة يعي جيداً حدود توظيف هذه الظاهرة وحجم توظيف هذه الظاهرة دونما أن يمسّ بشكل مباشر بمصالحه.

ولو نأخذ فقط في مقارنة بسيطة الإرهاب الذي ضرب ليبيا الجارة لتونس والتي تتقاسم معها حدوداً، أو حتى الإرهاب الذي ضرب الجزائر في تسعينات القرن الماضي، أو الإرهاب الذي ضرب سوريا أيضاً، والعراق وغيرهما من الدول في المنطقة نجد بأن هنالك مفارقات بين هذه النماذج باعتبار أن كل حيّز جغرافي له وظيفة، وله كذلك مركز أهميته في المعادلة التي توضحها الدول الصانعة للإرهاب.

 ودعني أقول بأنني لا أستبعد هذه المسألة حينما أتحدث عن المشروع الصهيوني في المنطقة العربية في إطار تقويض إرادة المنطقة العربية، ودفعها نحو مبايعة مشروع صفقة القرن ومسمّياته المتعدّدة في إطار وقوع المنطقة في أحضان هذا الكيان المجهري غير المعترف به.

فبالتالي، حينما أتحدث عن توظيف أداة الإرهاب في تونس التي تخضع للمعيار السياسي وفقاً للمتغيّرات السياسية الحاصلة في تونس، وتخضع للمعيار الاقتصادي وفقاً للمعطيات الاقتصادية الحاصلة في تونس. وهنا ربما نأخذ نماذج كثيرة عما حدث في سوسة سنة 2015، وما حدث من استهداف العاصمة التونسية، وهو توقيت يمسّ بشكل كبير جداً أو بشكل مباشر جداً بالمسار الاقتصادي لتونس في فترة تعرف فيها تونس إقبالاً سياحياً كبيراً جداً، وهو يعتبر عصب الاقتصاد التونسي.

فبالتالي، نحن نتحدث عن توظيف الإرهاب كأحد الأدوات التي يمكن من خلالها ترويض إرادة الدول وتقويض كذلك إرادة المجتمعات، بل تفكيك المجتمعات. وهنا قد أفتح قوساً، وأتوجّه في إطار الاستدلال،  كذلك عطفاً على ما تم ذكره منذ قليل في ما كتبه المفكر الجزائري والعربي والإسلامي مالك بن نبي بين الرشاد والتيه.

إن توظيف أداة الإرهاب اليوم هو في إطار خلق حالة من حالات التيه داخل المجتمعات لأنه يحدث الشرخ ويحدث كذلك الفاصل الذي يمكن من خلاله تغذية الصراعات والنعرات الاجتماعية والصراعات والنعرات السياسية، ومنها يخلق نموذج الدولة الفاشلة الذي يمكن أن تسيّرها وتديرها في خدمة الأجندات مثلما شئت وكيفما شئت. يضاف إلى ذلك أننا هنا نتحدث في إطار التقارير التي تفيد دائماً بأن تونس لها أرقام معتبرة في الذين جنّدوا سواءً كان في سوريا، أو في العراق، أو حتى في ليبيا.

لكن ربما هناك قد أعود إلى مسألة ثانية أن المسألة لا تقاس بالكمّ، إنما تقاس بمعايير الآخرة لأن المقاربة للكمية أرادها الآخر بأن يوظفها في إطار حساب العملية، ولكن المسألة أو المعضلة العملية الإرهابية ليس في كمّ، وإنما في طبيعة هذا المشروع. وقد أخذ كذلك من مالك بن نبي المصطلح الذي تحدث فيه عن القابلية للاستعمار، وهنا نطرح مسألة أخرى تفرض نفسها في المنطقة بأكملها وليس فقط في تونس لوحدها، وهي القابلية للخضوع لهذه الجماعات، وهنا نعود لمعادلة الفراغ التي تحدّث عنها الأستاذ مازن أن الفراغ وكذلك صراع الأفكار جعل أن تكون هناك مساحة لتقويض الإرادات، وكذلك لتجنيد الشباب في صفوف الجماعات الإرهابية.

يحيى أبو زكريا: دعني فقط أسقط بعض ما قاله الأستاذ المفكر الكبير مالك بن نبي رحمة الله عليه في الرشاد والتيه، وأسقط نظريته على الواقع الجزائري من باب تنبيه الجزائريين والجزائري يعرف أنه مستهدَف كما جزائره.

مسألة التخوين التي ظهرت في المدة الأخيرة في الجزائر تخوين جميلة بوحيرد، تخوين هذا وتخوين ذاك. هذا التخوين سيؤدي إلى أن يفقد الجزائريون الثقة في ما بينهم، وذاك سيكون سبباً نحو الهلاك كما حدث في أكثر من دولة. كما أن نظرية أن الأمن ممسوك ثبت أنها نظرية باطلة في أكثر من دولة عربية، فكل الدول العربية التي كانت تقول إن الأمن ممسوك فإن هذا الأمر تلاشى وتبخّر واحترق الأمن فلننتبه جميعاً إلى بلادنا ودولنا.

دكتور مازن بالإضافة إلى كونك مثقفاً كبيراً، ورمزاً تونسياً. أنت خبير أيضاً في شؤون الإرهاب. هل يمكن القول إن تونس انتصرت استراتيجياً على الإرهاب؟ ثم مَن يخطّط لإغراق تونس في أتون الإرهاب. سمعنا أن دولاً خليجية تضع أموالاً في الساحة التونسية، سمعنا أن بعض الإقليم، وبعض المحاور تعمل على تدمير  تونس. هلاّ أجبتني بصراحة مَن هي هذه الدول على وجه التحديد؟

مازن الشريف: منذ سنة 2011 بدأنا معركة ضد الإرهاب، وشاركنا فيها سواءً في إطار المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، أو المنظمة الدولية للأمن الشامل، أو مع أشقائنا في الأمن، وفي المؤسّسة العسكرية، والعمل الذي قامت به المؤسّسة الأمنية والمؤسّسة العسكرية في البلاد التونسية هو عمل جبّار وبدأت المؤسّستان تنتصران على القيود الأولية التي كانت قيوداً سياسية بالأساس وسوء إدارة، ثم صار لديها زمام مبادرة، وصارت عمليات استباقية كبيرة خاصة لقوات الحرس الوطني الاستعلامات التونسية. وكنا على ضفة النظريات، وندعم هذا العمل وخلال هذه الدراسة اللافت ما أسميه نظرية بسيطة ربما، ولكنها معقّدة بتطبيقاتها، وتقوم على التنويع والتجويع والتطويع، أي أنه يروّع وهذا معتقد عام.

هنالك عمليات ترويع وإخافة مثلما تم في قتل قوات الجيش التونسي في الجبل، وعمليات قتل شنيعة بطريقة فيها تشفٍّ كبير، وبعد ذلك تجويع وعملية سوسة كان غايتها التجويع، وضرب السياحة. وفعلاً ضربت السياحة، هنالك آلاف الأسر التي فقدت الوظائف، وفقدت المعيشة، وباتت هناك صعوبة معيشية كبيرة مع غلاء الأسعار في البلاد التونسية.

التطويع هل يمكن أن يرتبط بالتطبيع؟ وأن نربط ذلك بوصول 2000 سائح من دولة العدو الصهيوني إلى تونس؟ هذا يبقى مناطاً للكثير من البحث والتدقيق، والدراسة التي يتورّط في الإرهاب في تونس هو ليس بعيداً عن الذي تورّط في الإرهاب في سوريا.

شبكات التسفير التي أخذت أكثر من 10000 شاب تونسي بين 7000 و10000 بحسب الأرقام إلى بئر التوتّر، وإلى تلك النقاط التي أوهموهم أنها نقاط اتصال بالجنّة، وخرج بعض المشايخ يتحدّثون عن الملائكة النازِلة من السماء على هؤلاء الشباب مع استعمال المخدّرات وغيرها وزارة الداخلية قالت إنها منعت ما بين 15000 و20000 تنظيم أنصار الشريعة كان يضم قرابة الـ 50000.

إذاً هذا العمل عمل فيه الكثير من المال، الكثير من الاستخبارات، والكثير جداً من المتحالفين من الداخل والخارج.

هذه الإدارات التي تحرّك هذا المسار أرادت في الحقيقة أن تحوّل تونس إلى طاقة مولّد، طاقة وصلت في فترة من الفترات إلى المرتبة الأولى من الشباب المشارك في تنظيم داعش أن تحوّلها إلى طاقة كبيرة جداً. لماذا؟ لأن الشباب التونسي والشباب المغاربي يتميّز بطاقة قتالية عالية تعود إلى الأصول القبلية والأصول العربية، والأصول التي سبقت ذلك، وهي كلها أصول لها قدرة قتالية عالية الذي يريد اليوم أن يكمل هذه اللعبة تتصل بالمسائل كلها بتطوّرات سياسية.

مرض الرئيس التونسي وما أشيع عن حالته الصحية، وأيضاً محاولات خلافته وغير ذلك تزامنت مع عمليتين متزامنتين. وهذا أمر خطير وأول مرة تكون هنالك عملية متزامنة، الأولى كانت في شارع رئيسي، وفي نقطة رئيسية. والثانية كانت تريد أن تنال من قوات مكافحة الإرهاب، ولكنهما عمليتان فاشلتان، والثالثة كانت تستهدف محطة إرسال التلفزيون لقطع البثّ وهذا يطرح أسئلة كثيرة في ما تم الإعلان عن وفاة رئيس الجمهورية، وهي كانت معلومة كاذبة.

إذاً، من الذي يريد أن يدمّر تونس؟ البعض يشير إلى دول الخليج، والبعض الآخر يشير إلى ما هو أعلى بالنسبة إليّ عندما أتكلّم عن تدمير هذا العالم وتدمير البلاد التونسية وغيرها، وأنا أشير مباشرة إلى الأهلية الصهيونية، وكل أذنابها والمتحالفين معها ضمن إطار صفقة القرن، وضمن إطار النزعة نحو إسرائيل الكبرى، وضمن إطار من يتحالف معهم من تنظيمات عالمية. فكل من يتحالف مع هذه الشبكة لا يروم فقط دمار تونس أو دمار بلاد الشام، يروم دمار الإنسانية. وإذا قرأنا عن كتبهم القديمة، نرى تنظيرات من هارمجيدون وسواها عن تدمير قسم كبير من الحضارة الإنسانية، فكانت الحرب العالمية الأولى والثانية ربما لم تنجح الآن يُراد ما هو أكثر منها، فتونس في هذا الإطار العالمي يُراد منها أن تكون قاعدة انطلاق، أرى أن العين تنظر للجزائر ككل مرة وأرى أن المخاطر في الجزائر تزداد أكثر، وهذا يحزنني خاصة مع ضرب الرموز، اعتقال بعض الرموز. وأيضاً التشكيك فيهم، وهذا أمر خطير لأنه عندما يشك الشعب في رموزه، على من سيستند؟ وبأي نبض سيستند؟ نفس الأمر في البلاد التونسية عندما ضربت وأحرقت الزوايا، وعندما ضربت المرجعيات الدينية وصارت مرجعية الشاب التونسي هو شيخ على الفايسبوك أو عن طريق قناة تلفزيونية لشيخ من شيوخ جهنّم أفّاك كذّاب دجّال أبناؤه في سويسرا، ويقضون صيفهم مع حور الأنس، وهو يَعِد شبابنا الفقير بالحور العين التي هي بعيدة كل البعد عن كل مَن يقتل الناس غصباً، وظلماً ومن دون أية بيّنة.

إذاً، في هذا الإطار العام كي لا أطيل، هنالك لعبة جيو استراتيجية دولية تونس هي في صلبها. يراد من الجزائر شر، وحاولوا هنالك مثلاً أسلحة اكتشفت في مدينة قمار، وهي على الحدود التونسية. وهذا المخزن كان مخزناً كبيراً، أعتقد أنه مرّر من مخزن آخر، كان في مدينة مدنين، وتم اكتشافه من قِبَل قوات الأمن التونسي، وهي بعض الأسلحة التي أبقيت بعد إدخال أسلحة من مدينة جرجيس إلى ليبيا في تلك الحرب الأهلية المستمرة إلى اليوم للأسف. وأعتقد أن البلاد التونسية عليها مخاطر كبيرة تتصل بإطارها الجيو ستراتيجي العام، خاصةً الإقليمي، وأرى أنه من الخطورة بمكان عدم التحليل الدقيق وعدم النظر إلى أبعاد هذه المسألة.

يحيى أبو زكريا: دكتور مازن، عملت في الصحافة اللبنانية لسنوات، وأتذكّر قبل انطلاقة الحرب الأهلية في لبنان في السبعينات كانت معظم المقالات، ومعظم التحليلات من هم اللبنانيون؟ هم فنيقيون، هم عرب، ينتمون إلى المتوسّط، ينتمون إلى العالم العربي وكثر الضجيج حول هذه المسألة وانتقل إلى الغناء والطرب وما إلى ذلك. وللأسف بعده مباشرة اندلعت حرب أهلية ضروس عانى منها لبنان الحبيب، والحمد لله أن واقاه الله منها.

نحن لم نتعلّم من لبنان للأسف الشديد، لكن عندي سؤال دكتور مازن، وأنا أجول في دمشق سألت بعض المسؤولين عن عدد التونسيين في المعتقلات السورية، قيل لي هناك كم لا بأس به من التونسيين، وذكرت أنت أنّ عدد الذين انخرطوا في الإرهاب 10000 الرقم الموجود عندي 6000.

لماذا لا تكون هنالك خطوة تونسية رسمية باتجاه دمشق؟ نحن لا نريد أن نؤذي أحداً، نريد بنك معلومات. هؤلاء كيف خرجوا؟ وكيف وصلوا إلى سوريا عبر تركيا؟ عبر الدوحة عبر أية دولة. سيشكل الالتقاء بهؤلاء قاعدة بيانات للأجهزة الأمنية التونسية من باب الإجراءات الوقائية لحماية تونس.

هل يمكننا القيام بهذه الخطوة دكتور مازن؟

مازن الشريف: أنا شخصياً حاولت مرات كثيرة، وكنت في دمشق وبيني وبين دمشق أواصر كبيرة، وبين التونسيين، وبلاد الشام أيضاً علاقات وطيدة وكبيرة.

أعتقد أن الأمر يفهم بكل بساطة أن هنالك خونة، وهنالك مَن خان بلاده، ومَن باع بلاده، ومَن فتح البلاد لتهريب الشباب، ومَن يمكن أن يذكر إسمه في هذا الأمر.

ولذلك يحرص على عدم وجود أية علاقة مع بلاد الشام. بكل بساطة هنالك أطراف، ولا أتهم قسماً بعينه. ولكن في كل قسم هنالك مندسّون، أرباب مصالح. الإرهاب تجارة مُربِحة جداً ليس الإطار دكتور يحيى لأن أحدّثك عن المبالغ المالية، وأن كل رأس يباع بمبلغ كبير يصل إلى 40000 دولار.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

مازن الشريف: وكيف يتم تنقله من منطقة لمنطقة؟ وكيف يدرّب على الأسلحة؟ ثم الأنكى والأدهى أن هنالك بين 2000 و3000 عادوا إلى تونس، ومعظمهم لم تجد لهم الدولة حلاً لا سجون تكفي لتسعهم، ولا يمكن أيضاً مراقبتهم الذي نفّذ العملية ضد قوات مكافحة الإرهاب  اعتقل ثم تمّ الإفراج عنه، هنالك ملف خطير وغامِض.

بنك المعلومات في سوريا، وبنك المعلومات في العراق، أنا كنت في العراق في عدّة زيارات، هنالك بنوك معلومات مهمة تكشف لنا بالتدقيق وبالأسماء مَن الذين قاموا بالتورّط، وكيف استخدموا نفوذهم؟ كيف استخدموا أمورهم؟ كيف حاولوا اختراق المؤسّسة الأمنية؟ كيف حاولوا اختراق البلاد؟ ولكن أعتقد أنه ملف لن يُجاب عنه في الفترة الحالية، ربما سيؤجّل وكل مرة يفتعلون للشعب التونسي مشكلة جديدة، وكل مرة يفتعلون له مسألة أخرى تشغله، ولكن ما حدث فعلاً كان خيانة حقيقية، وكان فعلاً أمراً مؤسِفاً. وفي ذلك الإطار قلت  خذي المناصب والمكاسب الأغنية التي أداها الفنان الكبير لطفي بوشناق لأنني رأيت أن هنالك من أخذ المنصب والمكسب، ولكن أراد أيضاً أن يدمّر الوطن، أتكلّم عن الوطن التونسي، وعن الوطن العربي ككل.

يحيى أبو زكريا: شكراً، وما أكثر الملفات المعلّقة والعالقة.

أستاذ أحمد اليوم تونس فعلياً بين خطرين وجوديين، الحركة الإرهابية بما تتضمّنه من دواعش ونصرة في ليبيا، والدواعش في ليبيا كما تعلم يتموضعون يكثرون ينسقون في ما بينهم ولديك ولاية داعش سيناء، ولاية سيناء لداعش أيضاً سوف تشكّل عبئاً على تونس. بالإضافة إلى جبال شعنبي وملاصقتها للجزائر، ومازالت هنالك تيارات سلفية في الجزائر، ممكن في أية لحظة تتحوّل إلى الفعل العُنفي. هل يمكن القول إن هذه التحديات الأمنية فقط التي تواجه تونس؟ أم أن هنالك تحديات أخرى؟

أحمد ميزاب: أعتقد بأننا أمام مجموعة من التحديات، ولا يمكن حصرها بزاوية واحدة لأنه علينا أن نستوعب الفضاء الإقليمي الذي  تتواجد فيه تونس، وهو فضاء إقليمي هشّ بالدرجة الأولى ويشهد العديد من الأزمات المعقّدة والمركبة منها السياسي، ومنها أيضاً الأمني، ولكن الأمني طغى على كل المعادلات.

علينا أن ننطلق من مجموعة من المسلّمات، وهي أننا في هذه المرحلة أمام خارطة انتشار جديدة بالنسبة للجماعات الإرهابية، لأنه منذ نهاية العام 2016 لغاية الآن الجماعات الإرهابية وبقاياها، وقد أعادت تركيب منهج وطريقة تحرّكها في المنطقة وهيكلها الداخلي لأنه حينما نتحدّث عن داعش، نتحدث اليوم ليس فقط عن داعش في تونس أو في ليبيا أو في منطقة الساحل والصحراء، وإنما نتحدث عن العائدين من بئر التوتّر من سوريا والعراق نحو ليبيا، ونحو النيجير، ونحو مالي، والبعض منهم ممَن تحدث عنهم الدكتور مازن دخلوا إلى تونس.

يضاف إلى ذلك أننا نتحدث عن منطقة التحالفات، وإن كان هنالك تعارض في طبيعة التوجّهات بين بقايا تنظيم القاعدة وتنظيم داعش إلا أن هنالك بعض التحالفات التي قد تشكل كذلك توجهاً جديداً في تطور مسار الظاهرة الإرهابية وإن كان كذلك من الناحية العلمية نتحدث عن أن الإرهاب له مفهوم واحد، وإن اختلفت الألوان والألبسة، ولكن هو ينطلق من منطلق واحد.

فبالتالي، أعتقد بأن تونس ليست فقط في مواجهة داعش وفي مواجهة كذلك العائدين، وكذلك في مواجهة الجماعات الإرهابية المتواجدة في ليبيا، أو بقايا الجماعات المتواجدة في الجزائر، وإنما كذلك هي في مواجهة طبيعية التحولات الحاصلة في الإقليم انطلاقاً من إفرازات الأزمة في السودان. وانطلاقاً كذلك من الصراع القائم اليوم في ليبيا، والذي يشهد تطوّرات مُتسارِعة، وتحوّلات مُتسارِعة قد يؤثر على واقع الإقليم يضاف إلى ذلك منطقة سيناء، وما يحدث فيها من تفاعل سواء كان بالنسبة لما يسمّى إماراة داعش، أو حتى ما هو مسكوت عنه في المنطقة لأنه علينا أن نطرح سؤالاً بسيطاً جداً. هذا الإرهاب لم يهاجم الكيان الصهيوني، وهو يقبع على حدود هذا الكيان. كيف له أن نفسّر بأنه يستهدف فقط مصر ويستهدف تونس أو الجزائر؟

وإنما علينا أن نبحث عن الأجندة التي يسير بها والفلك الذي يسبح فيه. فبالتالي، نحن نتحدّث عن أن تونس أمام مجموعة من التحديات الأمنية المعقّدة التي تستهدف تونس بأجندة واضحة وبمسارات مخطط لها تستثمر من خلال الواقع السياسي، وتستثمر من خلال الواقع الاقتصادي، وتستهدف بشكل كبير المجتمع التونسي.

وهنا أعود، وقد يتذكّر الدكتور مازن إلى 2015 طرح هذا الموضوع في تونس للنقاش كيف يمكن أن يتم التعامل مع موضوع العائدين من بؤر التوتّر حتى يتم تجنّب أية انعكاسات أو تطوّرات في هذا الملف؟

يحيى أبو زكريا: صحيح.

أحمد ميزاب: للأسف كان هنالك انقسام في الداخل التونسي حول الموضوع ما أدى إلى عدم طرح الموضوع بشكل متكرّر لأنه يسبّب إحراجاً، ونوعاً من الإشكالات. وهذا ما يؤدي إلى إحداث نوع من الشرخ.

يحيى أبو زكريا: أستاذ أحمد لو كنا نتعلم من بعضنا البعض، ولو كنا نقرأ تجاربنا في ما بيننا لما وصلنا إلى الإشكالات الكبرى لعلك تذكر أن الجزائريين العائدين من أفغانستان، وكان عددهم 2000 تقريباً هم الذين فجّروا الوضع الأمني في التسعينات.

دكتور مازن باختصار شديد، هنالك إجماع في تونس ضد الإرهاب، لكن لا يوجد هناك مشروع تنوير متكامِل. هناك صراع سياسي بين الطبقة السياسية، الكل يريد الكعكة التونسية، يريد المزيد منها، لكن أين مشروع التنوير الفعلي؟

مازن الشريف: مشروع التنوير الفعلي نحن كتبنا ونظّرنا كثيراً، وقمنا بالعديد من الندوات أنا أقسّم المسألة إلى ثلاثة أقسام:

هناك قسم إعلامي نظيف يريد أن ينفع بلاده، مفكرين وأكاديميين ما شاء الله تونس تعجّ بهم هنالك كفاءات علمية ومعرفية عالية جداً هذا القسم الأول.

القسم الثاني: المؤسّستان الأمنية والعسكرية مع الاستعلامات والمخابرات التونسية عملها عمل جبّار وَقَت البلاد من العديد من العمليات رغم ذلك تبقى بعض العمليات تطرح أسئلة مثل عملية الأمن والرئاسة، والعملية التي حدثت في سوسة أو العمليات الأخيرة.

أما القسم الثالث فهو نسبة من الجسد السياسي، جسد الحكم في تونس هذه النسبة وهي نسبة كبيرة إما أنها لا تريد تحريك الملفات بسبب وجود تورّط، أو أن انشغالها بقدم الكعكة، شغلها عن غيرها وبدليل بسيط يوم الذي أصيبت تونس بعملية متزامنة إرهابية خطيرة جداً من حيث الأداء الاستراتيجي والتكتيكي رغم أن الله سبحانه وتعالى حمى البلاد من عدد الضحايا، ولكن الدم هو الدم شهيد واحد أو 1000 شهيد. المهم أن الإرهابي قد قتل، وهنالك من قتل في نفس اللحظة كانت العقول الأخرى تجري نحو خلافة رئيس الدولة والإعلان عن موته، وهذا رقم مؤسف حقيقة. نرجو أن تحدث صحوة فكرية ويقظة سياسية في تونس.

يحيى أبو زكريا: دكتور مازن صديقي الحبيب سأختم بقصيدتك التي غنّاها الرائع لطفي بشناق خذوا المناصب، خذوا المناصب واتركوا لنا الوطن سيبقى الوطن، سيبقى الوطن، سيبقى الوطن.

الدكتور مازن الشريف من تونس الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

الأستاذ أحمد ميزاب من الجزائر الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدا ودائعه.