أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

الزواج المدني

الزواج المدني بين الدين والسياسة والقانون... من يعارضه وكيف توقف في أدراج المشرّعين؟ علاقته بحقوق الإنسان والمواطنة... أفقه والمستقبل...

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، في لبنان ديانتان لكن لكل مذهب زواجه الخاص ومحاكمه، إنها غابة من المحاكم والقوانين تضخّ المال لأصحاب الملل والنِحل وتُنزل الخسائر بالمجتمع، ولكل دولة يتزوج فيها اللبناني مدنياً حضور قانوني فيما يناضل اللبناني نفسه منذ قرن لتشريع الحب والإنسانية عبر الزواج المدني. قد يقال إن لبنان أفضل حالاً من دول عربية كثيرة، فهناك البكاء وصرير الأسنان، نعم لذلك سنطرح قضية الزواج المدني مع الدكتورة أوغاريت يونان، هي أستاذة جامعية خرّيجة السوربون ومؤسسة ورئيسة جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان في العالم العربي، والمحامي والنائب السابق غسان مخيبر الذي كان مقرّر لجنة حقوق الإنسان في البرلمان اللبناني، وهو بالمناسبة ناشط في مجال حقوق الطفل والمرأة، نبدأ بتقرير عن الزواج المدني.

تقرير:

الزواج المدني عقد ثنائي بين رجل وامرأة بالغين يتم بالرضا والقبول مثل سائر العقود المدنية، موضوعه الاتفاق على إقامة حياة زوجية مشتركة دائمة، وقد أقرته معظم الدول الأجنبية وبعض الدول الإسلامية إما بشكل إلزامي وإما بشكل اختياري، وهو إلزامي في فرنسا وألمانيا وسويسرا وبلجيكا والسويد وإيطاليا ورومانيا والنروج وموناكو ولوكسمبورغ والبرازيل وأميركا اللاتينية وروسيا، واختياري في إنكلترا والولايات المتحدة واليونان وإسبانيا.

أما في لبنان فلا يوجد حتى اليوم قانون موحّد للأحوال الشخصية فلكل طائفة قوانينها الخاصة ومحاكمها الروحية والشرعية والمذهبية، لذلك هو عقد ثنائي علني ذو صفة دينية يتفق فيه رجل وامرأة على الحياة معاً بغية تكوين أسرة، لكن الزواج المدني في لبنان يعود إلى ما قبل ولادة الدستور عام 1926 وهو حق معترف به رسمياً في القانون اللبناني منذ عام 1936 من خلال القرار 60 ل.ر، وقُدّم منذ عام 1970 إثنا عشر مشروعاً واقتراحاً لم تبصر النور لدى المشرّع، لذلك يبدو هذا الحق مؤجلاً حتى الساعة حيث يُسمح به إذا عُقد في الخارج فيتم تسجيل الزواج، وعندما يتم في الداخل تظهر المعوّقات وبذلك يتم التحايل على القانون عبر ذهاب الآلاف من اللبنانيين سنوياً لتسجيل زواجهم المدني في دول أخرى ثم تسجيله بعدها في لبنان.

غسان الشامي: تحية لكم من أجراس المشرق، أهلاً بكما ضيفيّ العزيزين، سأبدأ من عندك دكتورة أوغاريت يونان، الحضور الديني طاغٍ في السياسة وفي المجتمع في بلادنا ليس فقط في لبنان بل في هذا المشرق وفي العالم العربي، كيف يمكن قبول الزواج المدني وإقناع الناس به وأن يعتبره الناس قضية لهم بعد هذه التجربة في مقارعة الوقوف ضد الزواج المدني؟

أوغاريت يونان: بداية أشكرك على استضافتي، هذه القضية قديمة ونحن نعتبر في هذه الليلة أننا نتحدث عن حق، على الناس أن تعي أنه حق وليس مشكلة، وهذا الحق الذي يريدونه يناضلون من أجله بالآلاف منذ سنوات عديدة، وكما تفضلت لدينا قرن من النضال في لبنان تقريباً حول هذا الموضوع، والأمر الواقع في لبنان أن آلاف الناس متزوّجون مدنياً بما أتيح لهم من السفر إلى الخارج أو هنا إلى آخره، يتزوّجون مدنياً لأن الحب فوق كل شيء ولحُسن الحظ أن الموضوع متعلق بالحب وهذا ما ينقذ هذا النوع من الحقوق، لا تتعلق فقط بتنظيم أمور معينة بل يتعلق بالحب بشكل عام. إذا تحدثنا عن الموضوع الطائفي، أفضّل القول الحضور الطائفي وليس الديني لأن الطائفية هتي التي تحكم النظام في لبنان، يجب على ممثلي الطوائف أن يقرروا في النهاية بعد كل هذه السنوات والمعاناة موجودة والألم موجود والصراعات داخل العائلات موجود وعند كل المذاهب، ويومياً تُطلق الصرخة في التلفزيونات وفي الإعلام وفي كل مكان، يجب عليهم أن يتخذوا قراراً ضميرياً برأيي قبل القانوني، ضميري للقول هل أنهم يتواطئون مع الأذى؟ هل يقبلون بالتخويف والترهيب؟ هل يقبلون على أنفسهم هذا الدور؟ هل يقبلون على أنفسهم الدور بأن يكونوا مواطنين يقفون عقبة أمام الدولة لتستكمل بناء ذاتها بأن تشرّع قانوناً لها للعائلة اللبنانية أياً تكن هذه العائلة اللبنانية، وهي إما تختار وإما أن يكون موحّداً لكل اللبنانيين. يجب أن يقرر ممثلو الطوائف ومَن يلبسون الثوب الديني ومَن يتحدثون في الأديان، نحن نعتبر مَن يتحدث في الدين بأنه يتحدث مبدئياً في الأخلاق، الأخلاق تتناقض مع الأذى، مَن يسمح لنفسه بأن يتحمل مسؤولية الأذى الموجود داخل العائلات؟ أعتقد أن هذا الأمر خطير جداً ومشكلة كبيرة، الاستفادة إن كانت مالية أو قانونية أو نفوذاً أو حصصاً لأنه كما تعرف فإن لبنان هو تركيبة حصص والكل يسعى للحفاظ على حصته أو مضاعفتها، لذلك نحن لا نمتلك نظاماً يقيم بناءً للوحدة اللبنانية، هو يقيم بناءً لوحدة لبنانية ولكنها تحتوي على حصص، وجاءت قوانين الأحوال الشخصية لتجسّد هذا الواقع. إنطلاقاً من معرفتي بهذا الموضوع الذي أناضل فيه منذ سنوات عديدة اكتشفت وتأكّدت وأنا أجوب كل لبنان من الشمال إلى الجنوب إلى كسروان إلى جبل لبنان إلى الشوف إلى بيروت، أينما ذهبنا وتحدثنا عن قضية الأحوال الشخصية حتى في المناطق التي تسمّى بالمغلقة، في مناطق الترهيب، الجميع يتوصل إلى جملة بعد الهدوء ومن دون تخويف، يقولون إذا كان الأمر كذلك فلماذا تخوّفوننا منه؟ إذا كان للحقوق والعدالة لمَ تخوّفوننا منه؟ نحن لدينا الحل، كيف سنتوصل إليه؟ الدولة احترمت في المادة 9 من الدستور أنظمة الملل والطوائف للأحوال الشخصية ولكن لم تعطها الحق الحصري.

غسان الشامي: دعيني أسأل الأستاذ غسان مخيبر، بتجربتك غير القليلة في العمل النيابي وفي لجنة حقوق الإنسان، هل العائق الذي يقف أمام إقرار الزواج المدني إن كان زواجاً مدنياً أو زواجاً مدنياً اختيارياً في لبنان هو ديني أم سياسي؟

غسان مخيبر: إذا كنت سأجيب بسرعة فهو الإثنين معاً. دعني أبدأ ببعض المفاهيم وبالبُعد السياسي والديني والقانوني، هذه الأبعاد الثلاثة برأيي يجب أن نفهمها كي نعرف سبب عدم وجود زواج مدني. دعني أبدأ من البُعد القانوني، غالبية الناس لا تعرف أن النظام القانوني اللبناني مختلف عما يوصف به كما تفضلت، لبنان قائم على أفراد منتسبين إلى ديانتين المسيحية والإسلامية في حين أن الدستور والقانون ليسا كذلك، الدستور ومن دون أن ندخل في التفاصيل للمشاهدين إن كان في المادة 9 أو القرار 60 ل.ر المكمّل للمادة 9 من الدستور والصادر عام 1936، الدستور اللبناني صدر في العام  1926 أي بعد عشر من صدور الدستور اللبناني، النظام الدستوري يقوم على  فكرة أن اللبنانيين كمواطنين ينقسمون إلى ثلاث فئات: لبنانيون منتسبون إلى الطوائف التاريخية ذات الأحوال الشخصية وهي الطوائف ال 18 المتعارف عليها وهي المسيحية والإسلامية واليهودية بكل تفرعاتها المذهبية. النوع الثاني هم اللبنانيون المنتسبون إلى طوائف الحق العادي وهي طوائف جديدة يمكن أن تنشأ تخضع للقانون المدني للأحوال الشخصية، والنوع الثالث هم اللبنانيون غير المنتسبين إلى أية طائفة، وبالتالي الفكر الدستوري الفرنسي اللبناني عند صوغ الدستور في ذلك الوقت كان ينظر إلى النظام القانوني الدستوري على أن الإنسان له كامل الحرية في أن يؤمن أو لا يؤمن، وهذه المادة 9 من الدستور التي تبدأ بعبارة "حرية الضمير" liberté de conscience   بالأصل الفرنسي التي تُرجمت بحرية الاعتقاد ولكن الأصل الفرنسي للعبارة هو liberté de conscience وهو تفسير دستوريين كبار في لبنان قالوا أن يؤمن أو لا يؤمن وهذا صدى للإيمان الإسلامي والمسيحي اللذين يقولان بذلك، ينتقل للقول في المادة 9 من الدستور إن الدولة إذ تؤدي آيات الإجلال لله تعالى أي إن الدولة لديها مستوى من الإيمان لأنها تؤمن بالله تقول أنا أحترم جميع الأديان والمذاهب وأضمن لهذه المذاهب احترام أنظمة الأحوال الشخصية مع احترام نظام الأمن العام اللبناني على ألا يتعارض أي دين مع النظام العام اللبناني، قالت أنا أحترم ولكن لم تقل أنا أتنازل عن حقي بالتشريع، وبالتالي هنالك مشكلة في التفكير إن القانون اللبناني لا يقوم سوى على أنظمة طائفية وهذا خطأ مزدوج إن كان في صوغ المادة 9 أو في صوغ القرار 60 ل.ر الذي يقول أن هناك طوائف خاضعة للقانون المدني واللبنانيون غير المنتسبين لأية طائفة يخضعون للقانون المدني في أحوالهم الشخصية، وبالتالي هناك تقصير من المشرّع منذ العام 1926 حتى اليوم في صوغ ذلك القانون المدني للأحوال الشخصية الذي يرعى أقلّه الطوائف غير ال 18 واللبنانيين غير المنتسبين لأية طائفة. قد يثير البعض تساؤلاً بأنه هل هناك لبنانيون غير منتسبين لأية طائفة، الجواب هو نعم، إذا نظرت إلى قوائم الناخبين فهناك أكثر من 70 ألف لبناني غير منتسبين لأية طائفة.

غسان الشامي: شطبوا.

غسان مخيبر: كلا.

غسان الشامي: غير الذين شطبوا؟

غسان مخيبر: غير الذين شطبوا، هناك أناس شطبوا.

غسان الشامي: شطبوا القيد الطائفي.  

غسان مخيبر: نعم هناك ما يقارب 6 أو 7 آلاف من اللبنانيين شطبوا إشارة القيد عن السجلات ليس من منطلق أنهم غير مؤمنين وإنما من منطلق أن علاقتهم بربهم وبإيمانهم هي مسألة خاصة لا يريدون إشراك الدولة بها، وهذه فصلت بها عدد من الآراء الفقهية اللبنانية التي سمحت بقيام زواج مدني في لبنان وليس فقط في الخارج، والكثير من مستمعينك ومشاهدينك لا يعرفون أن لبنان ينفرد بأمرين في كل المشرق والمنطقة العربية الإسلامية: الأولى أنه يحق للبناني أن يسافر إلى أي دولة في العالم وبالتالي يختار أي قانون ليرعى زواجه والمحاكم اللبنانية ملزمة بأن تطبّق ذلك القانون الأجنبي بكل النتائج المترتبة على الزواج والانفصال. الأمر الآخر الخاص بلبنان أن هناك حرية بأن يترك أحدهم مذهباً أو ديناً وينتسب إلى مذهب أو دين آخر أو لا ينتسب، وبالتالي في القانون الناس لا تفهم النظام الدستوري القانوني، لفترة طويلة جداً نسي اللبنانيون الحريات والحقوق التي يتمتعون بها في الدستور التي استغلّتها منظومة طائفية، التي فيها المذهب والطائفة هي سلطة.

غسان الشامي: ولكن أنت أشرت إلى شيء، سأسأل الدكتورة يونان عنه، أشرت إلى شيء أنه يحق للفرد في لبنان أن يغيّر المذهب، دكتورة يونان أنتِ تعلمين وأنتِ كتبتِ في هذا الأمر أن الزواج في المسيحية أصبح كنسياً في منتصف القرن السادس الميلادي وصار سراً من أسرار الكنيسة في منتصف القرن الحادي عشر في عهد السادس لاون السادس على ما أعتقد، وبالأصل الدين الإسلامي لا يوجد سر للزواج فيه بل هناك عقد ولكن الكثيرين في لبنان يقولون إن المشكلة هي في التالي، الإسلام يسمح بزواج المسلم من كتابية ولكن المسلمة إذا تزوّجت كتابياً تُعتبر مرتدّة عن الدين الإسلامي وهذا له أحكام، هل الخوف هو العامل الأساس في بقاء حراك الزواج المدني من دون خواتيم سعيدة في المجتمع؟

أوغاريت يونان: في الحقيقة الموضوع واسع جداً ولكن كما تفضل أستاذ غسان نحن نحدّد بعض المفاهيم التي تتضح أكثر للمشاهدين الذين يسمعوننا خاصة إذا كان الموضوع قديماً هكذا يصبح التكرار فيه يزيده غموضاً. حول السؤال الذي طرحته أستطيع أن أذكر شخصين مهمين جداً في لبنان ويُجمع الكثيرون على أنهما مفكران وهما في الوقت نفسه رجال دين. الشيخ الراحل عبد الله العلايلي في مقال أساسي كتبه وضّح بطريقة رائعة وأتى بآية من القرآن، لا نستطيع أن نزايد عليه، قال بأنه لا توجد آية تمنع الزواج المختلط وإنما هناك آية تفيد التفضيل بمعنى يُفضّل بأن يكون من بيئة الفتاة أو من بيئة الشاب، هذا إذا كان الشخص يريد أن يتقيّد بالآيات، أما إذا كان يريد أن يتقيّد بإنسانيته أو بمواطنيته أو بحريته في الحب، هل إذا أحب إنساناً آخر هل الدين هو الذي يحدّد هذا الحب أم لا؟ الأخلاق هي التي تحدّد، الحب هو الذي يحدّد. هذا الأمر متاح في لبنان ومتاحٌ الانتقال من وإلى ومتاح بأن لا يكون في أي دين، هذا أمر هام جداً في القانون اللبناني. المطران الراحل غريغوار حداد كان يقول خلال مقابلات مصوّرة أن السر الديني الذي يقال عنه هو السر الذي يجمع الشخصين ببعضهما البعض عندنا يحبان بعضهما ويقولان لله الذي يؤمنان به أننا نحب بعضنا ونحن أمامك بشكل واضح جداً. ليس دوري أن أتكلم في الدين ولكن حتى السر في المذاهب المسيحية فليس هناك اتفاق على عدد الأسرار، إحداها تقول 11 والأخرى 7 والأخرى 3. ماذا سنقول؟ ليس من شأن الدولة أن تتدخل بالأديان ولكن لها أن تتدخل في حقوق المواطنين والمواطنات، والدولة اللبنانية مقصّرة في التشريع.

غسان الشامي: إذاً أنا أتمنى أن تشرحي علاقة الزواج المدني بالمواطنة.

أوغاريت يونان: أنا مواطنة في الدولة اللبنانية، حضرتك مواطن في الدولة اللبنانية، نريد من الدولة أن تشرّع لنا قانوناً لحاجة من حاجاتنا وهي تأسيس عائلة أي مؤسّسة الزواج التي هي بحاجة لتشريع. الدولة لم تقرّ هذا القانون وتركتنا نذهب إلى الطوائف ومحاكم الطوائف والدولة ليس لها سلطة على محاكم الطوائف إذا تعسّفت أو إذا حكمت أو إذا كانت قوانينها يشوبها التمييز، يومياً نعاين القصص عند جميع العائلات، نحن كمواطنين يجب على الدولة أن تشرّع لنا قانوناً، بالتأكيد هناك تقاعس من الدولة والمشرّع لم يستكمل واجباته لتشريع هذا القانون المنصوص على وجوب إنجازه، منصوص عليه في الدستور وفي القرار 60 ل.ر الصادر عام 1936، لماذا لم يشرّعه؟ بالتأكيد هناك تقاعس منه وأحياناً هيمنة من سلطات الطوائف لأن النظام الانتخابي في لبنان خاضع أيضاً للآليات الطائفية والمحاصصة وعمّا إذا كان الشخص مرضيّاً عنه من طائفته أو ممثلي طائفته إلى آخره، ولكن أيضاً هناك المناضلون الذين يناضلون من أجل الزواج المدني أو من أجل الأحوال الشخصية المدنية، نحن نفضّل القول مناضلين من أجل قانون لبناني للأحوال الشخصية. لا يوجد لدينا قانون لبناني، لدينا قانون مسيحي كاثوليكي، أورثوذكسي، شيعي، سنّي، درزي إلى آخره، ولدينا القوانين الأجنبية التي نأتي بها من الخارج عندما يُسمح بالزواج خارج لبنان ولكن ليس لدينا قانون لبناني، نحن نطالب بقانون لبناني، هذا بماذا يخوّف اللبنانيين؟ بماذا يخوّف المواطن اللبناني؟ لا يجب أن يخيفه لأنه سيكون قانوناً عصرياً يقوم على الأخلاق والعدالة ويراعي حقوق الطفل والمرأة والرجل، نحن لسنا مع طرف ضد آخر، نحن مع الجميع، وإذا كانت الطوائف تحب الدولة اللبنانية وهي جزء من الدولة اللبنانية يجب أن تسعى كي تكون الدولة اللبنانية حضارية وتشرّع قوانينها، وإذا أرادت أن تطالب بخصوصيتها فليكن لها ذلك ونرى كيف نرتّب الأمور ولكن أن تظل حجر عثرة فهذا صعب. أريد أن أنهي هذا السؤال بهذه الجملة لأقول أنني أجريت حوارات على مدار 15 عاماً مع مختلف الناس ومع رجال دين ومع ممثلين كبار للطوائف، هناك إثنان أو ثلاث من الطوائف الكبرى في لبنان وشخصيات كبيرة لها مواقعها وصلاحياتها قالوا لي بصراحة عاجلاً أم آجلاً سوف تنجحون في إقرار هذا القانون ويقصد هنا نحن المطالبون بقانون الأحوال الشخصية المدني، سألته ما الذي يحدث إذاً؟ قال لي أن ما نقوم به هو محاولة لكسب الوقت لنؤخّر الموضوع لأن لبنان مقسّم إلى حصص.

غسان الشامي: إذاً هذا نوع من التعدّي من الطوائف على الدولة.

أوغاريت يونان: نعم هذا تعدٍّ أو بالأحرى احتلال لأنهم لا يسمحون بإيجاد الدولة وهم يعرفون من الأهل، من المنتمين إلى الطائفة كيف يتّجه الشباب نحو الزواج المدني، يعرفون أن هذا سيحصل عاجلاً أم آجلاً.

غسان الشامي: أستاذ مخيبر هل توصّلت إلى أسباب غير التي ذكرتها دكتورة يونان؟ لماذا يلقى الزواج المدني ما داموا مقتنعين بأنه سيحصل عاجلاً أم آجلاً لماذا يلقى هذا الرفض؟

غسان مخيبر: لا أتفق أنه سيحصل عاجلاً أم آجلاً، بالعكس برأيي هناك رجال دين ولبنانيون يعتبرون بأنه لن يحصل أبداً، دعني أقول لك أين سيحصل ولهذا السبب بدأت أنا بالمفاهيم، وجزء من المفاهيم التي سأعلنها وسبق وتحدثت ماذا أفعل وما هي التزاماتي في الحياة، أنا أصف نفسي بأنني مؤمن علماني.   

غسان الشامي: أو علماني مؤمن؟

غسان مخيبر: كلا أنا مؤمن علماني، أنا ناضلت من أجل الزواج المدني وسعيت لكي تتمكّن مجموعة من اللبنانيين من أن يتزوجوا في لبنان على أساس القانون المدني وقد حصل ذلك مع خلود ونضال ومع ثنائيات أخرى، واليوم لدينا زواج لأصدقاء هما عبد الله سلام وزوجته ماري جوزيه اللذين تزوجا مدنياً ويجهدان لتسجيل زواجهما في بيروت. الموضوع بداية هو مفاهيمي قانوني لأن هناك أناساً تجهل حقوقها و إن هناك إداريين وسياسيين يجهلون ما قاله الدستور إنما لننتقل بداية إلى الحد الآخر وهو الحد الديني، أنا لست في وارد أن أجادل الديانات في مفهومها للدين، إذا فسّر أحدهم في أية كنيسة من الكنائس بأن الزواج هو سر من أسرار الكنيسة ولا يسع أحد حل هذا السر، العقد غير قابل للانحلال ولا يمكن سوى إبطاله، وبالتالي تنظر هذه الكنائس إلى مسعى أبنائها للزيجات المدنية على أنها وسيلة من وسائل التفلّت من سرية الزواج وبالتالي يصبح الزواج مؤسسة قابلة للانحلال بشيء من التبسيط والسهولة، هذه هي نظرة الكنائس ونظرة العدد الكبير من رجال الدين. إسمح لي أن أتحدث عن المعوّقات الدينية.

غسان الشامي: سنتابع في الجزء الثاني.

غسان مخيبر: نعود لنكمل المعوقات الدينية لأننا إذا لم نفهم أين المعوقات لا نستطيع إيجاد الحلول.

غسان الشامي: إسمح لنا أن نذهب إلى فاصل ونكمل، أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار، موضوعنا حار، الزواج المدني انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدداً في أجراس المشرق، أعود إليك أستاذ غسان مخيبر، أنهينا الجزء الأول عند الشق القانوني.

غسان مخيبر: صحيح، كنا قد بدأنا نتحدث عن المعوقات الدينية، قلت أن هناك ثلاثة أنواع من المسائل التي تُطرح، الأول فيها القانوني والثاني الديني والثالث السياسي. الإشكالية الدينية عند الطوائف المسيحية هي الخشية الدينية لهذه الطوائف كما هي اليوم وليس كما كانت في القرنين السادس والسابع، تطوّر الحق الكنسي ليعتبر أن الزواج هو سر من أسرار الكنيسة إنما موقف رأس الكنيسة المارونية يقول أنا أقبل بالزواج المدني إذا كان إلزامياً على الجميع قبل أن ينتقل أحدهم إلى زواج ديني. المطران جورج خضر في الكنيسة الأورثوذكسية أطال الله بعمره كان من الأشخاص الذين يقولون "أنا لا أريد أن يأتي غير مؤمنين إلى كنيستي، من لا يؤمن بأن الزواج سر من أسرار الكنيسة غير قابل للانحلال فليتزوج زواجاً مدنياً"، وبالتالي رجال الدين لا سيما الذين يؤيدون فكرة الزواج المدني هو لسلامة الإيمان والدين وليس العكس، يؤيدون قيام زواج مدني في لبنان للذين لا يمتلكون المستوى الإيماني. أنتقل إلى فكرة عند المسلمين، على المستوى الديني هناك المشكلة التي ذكرتها أنت وهي زواج المسلمة من كتابي، هذه تخلق إشكالية حول إمكانية تطوير الدين من الداخل، ذكرتَ مشكلة الردّة، أنا أعرف الكثير من الفقهاء المسلمين الذين يعتبرون أن الردّة ليست من أسس الدين الإسلامي وبالتالي أتت لاحقاً لأسباب سياسية وليس لأسباب فقهية، إنما عملياً في لبنان هذا غير مطروح لأن تغيير أي لبناني لمذهبه أو لدينه غير خاضع لأية عقوبة لا مدنية ولا دينية ولا جزائية، وبالتالي اللبناني حر بالانتقال من الإسلام إلى المسيحية أو إلى أي دين أو مذهب آخر بحرية كاملة وهذا حصل، لبنان من الدول القليلة التي انتقل فيها المسلمون ليس فقط إلى المسيحية وإنما أصبحوا كهنة في الكنيسة المسيحية. المشكلة الأكبر هي سياسية لأن الدولة ضعيفة والطوائف أقوى من الدولة، بتحليل مبسّط إذا أردتَ الطوائف أقوى من الدولة وبالتالي لا تتمكن الدولة من فرض أي قانون على الطوائف كما حصل في تركيا مثلاً أو في تونس أو في فرنسا التي أقرت قوانين متعارضة جداً مع مواقف الكنائس أو الفقهاء الدينيين إنما بفرض من السلطة. لبنان لا يمكنه القيام بذلك لأن رجال الدين بسبب تأثير علاقات الدين على السياسة وخضوع العديد من القيادات السياسية للسلطات الدينية يخشون من مواجهة السلطات الدينية، لهذا السبب لا يقوى المجلس النيابي على سن أي تشريع إذا لم توافق عليه السلطات الدينية أو عل الأقل لا تعارضه سيّما وأن في المادة التاسعة من الدستور هناك تسليم باحترام قوانين الأحوال الشخصية بمعنى أن يكون لهذه المذاهب والطوائف أن تضع أحكامها إنما بتشريع من مجلس النواب، يجب أن تُعرض على مجلس النواب وهذا ما لم يكن يحصل دائماً، هي التي تضع أنظمتها، وبالتالي فالحل هو في التفسير الذي عرضته لك في البداية أن ليس كل اللبنانيين منتسبين إلى الطوائف، اللبناني حر بالخروج من الطائفة إذا كان جدياً فعلاً ويريد زواجاً مدنياً. قلت لك أنني مؤمن علماني وأنا أعطي هذا الشرح والتفسير، وكان حاضراً في إكليلي 4 مطارنة وتكلّلت في الكنيسة الأورثوذكسية وبوجود المطران العزيز على قلبي جورج خضر، ولكن هذا لا يعني بأنني من المتحمّسين لمَن لديه خيار مختلف لأي سبب من الأسباب، إذا كان يريد التفلّت من عدم قابلية عقد الزواج في المسيحية للإنحلال أو للطلاق حيث لا يوجد طلاق في غالبية الكنائس المسيحية أو لزواج مسيحي من مسلمة أو مسلم من مسيحية أو لأسباب أخرى مرتبطة بمدنيّتهم أو حتى لعدم إيمانهم بأي دين، فهؤلاء من حقهم أن يتزوجوا مدنياً في لبنان وليس أن يسافروا لأنه حتى اليوم موضوع الزواج المدني في لبنان هو كذبة كبيرة لأن الكثير من اللبنانيين متزوجين مدنياً بما فيهم رجال سياسة معروفين ومنهم وزير الداخلية السابق الذي رفض تسجيل عقد الزواج وهو متزوج مدنياً، لماذا هي كذبة كبيرة؟ لأن الزواج المدني في لبنان مجاز ومعترف به قانوناً وشرعاً وتطبّقه المحاكم بشرط السفر إنما السؤال الوحيد المطروح هو كيف نقيم زواجاً مدنياً على الأراضي اللبنانية، هذا هو السؤال إنما الزواج المدني موجود في لبنان.

غسان الشامي: أولاً هل أنتِ موافقة على ما قاله؟ ثانياً إذا كان الدستور يضمن حرية المعتقد وحرية الزواج المدني أين المشكلة؟

أوغاريت يونان: الدستور يبدو مهماً جداً.

غسان الشامي: الدستور يبدو هشّاً أو أن هناك مَن وضعه في الخرج أو مَن ركب عليه.

غسان مخيبر: الدستور بحاجة إلى من يطبّقه.  

أوغاريت يونان: في لبنان لدينا الشيء ونقيضه أو شيء ينتقص منه، لديك حرية المعتقد أو الضمير المطلقة وقلّما تجد هكذا دستور خاصة في منطقتنا وفي الوقت نفسه ضمان واحترام أنظمة الأحوال الشخصية للطوائف. أنا مع أن تقرّ الدولة اللبنانية قانوناً للأحوال الشخصية للعائلة حضارياً قائماً على علم النفس، على علم الاجتماع، على حقوق الإنسان، حقوق الطفل، حقوق المرأة، حقوق الرجل، على الحضارة، على عدم العنف، هذا القانون من المهم أن تقرّه الدولة لكل اللبنانيين من دون تجزئة حتى لو كان نظام الطوائف الدينية الصادر في العام 1936  والذي شرحه الأستاذ غسان والذي ينص على أن اللبنانيين هم ثلاث فئات إما ينتمون إلى طوائف معترف بها أو إلى طوائف لم تنشأ بعد أو نشأت ولكن لم يتم الاعتراف بها رسمياً أو للذين خرجوا من طائفتهم، لماذا نُصنَّف دائماً في طائفة أو من دون طائفة؟ لماذا نناضل للزواج المدني فقط لمَن يريد الخروج من طائفته؟ لماذا نصنّفه بأنه متعارض مع الإيمان؟ يستطيع أن يكون متوافقاً مع الإيمان كما هي الحال في الدول التي أقرت الزواج المدني مثل فرنسا أو أوروبا أو غالبية دول العالم، هذا نص قانوني لتنظيم العائلة، الحقوق وشؤون العائلة تقرّه الدولة، وبعدها مَن يؤمن ومَن يريد أخذ البركة من الكنيسة أو من المكان الديني الذي يخصه فهذا شأنه وهذا ما يحصل في جميع الدول. نحن في لبنان بحاجة إلى تجاوز مسألة إذا كنا في الطائفة أو خارج الطائفة، وأنا أخاف جداً وأحذّر الكثير من معارفي وأصدقائي عدم الخلط بين الزواج المدني والانتماء الطائفي وإلا فإننا نشبك بين الأمرين، الزواج المدني ضعيف لأنه غير موجود بعد تماماً، موجود ولكن على أجزاء والطوائف موجودة وأقوى وعندما نشبك بينهما مَن سيكسب؟ نحن بحاجة إلى قانون تقرّه الدولة لجميع المواطنين إما يكون اختيارياً وحينها يختاره المواطن ليس فقط إذا خرج من طائفته، وهذا ما ناضل من أجله آلاف اللبنانيين، أين سنذهب بكل هؤلاء المناضلين؟ 

غسان الشامي: على أساس أن هناك بين ال 3000 و3500 زواج مدني في لبنان سنوياً.

أوغاريت يونان: هذا ما نعرفه فقط، لا يوجد حي أو شارع أو مدينة تخلو من زواج مدني.

غسان مخيبر: الجميع يسافر خارج لبنان.

أوغاريت يونان: وحتى داخل لبنان فكل الذين يناضلون من أجل الزواج المدني أو ما حاولوا فعله أو ما فعلوه في الخارج أو في الداخل، هم بحاجة إلى أن تشرّع الدولة القانون لهم، لماذا يُرغمون على اختيار قوانين أجنبية؟ هذا يعني أن لا سيادة لهذه الدولة.  

غسان الشامي: دكتورة يونان سأسألكِ أيضاً سؤالاً آخر ولكن ما قاله الأستاذ غسان مخيبر، أيُّ نفاق هذا أن يكون هناك مسؤولون في الدولة وصلاحيتهم القبول يرفضون الزواج المدني للآخرين ويقبلونه على أنفسهم.

أوغاريت يونان: لذا يجب أن نتخلص من هذا النفاق ونقرّ قانوناً لكل اللبنانيين.

غسان الشامي: هذا نوع من النفاق.

غسان مخيبر: أستاذ غسان هناك نفاق آخر وهو أن نقبل بزواج مدني في الخارج ونرفضه في الأراضي اللبنانية، هذا نفاق أدهى. المشكلة الحقيقية كما قلت لك هي في البُعد السياسي، الدولة في مواجهة الطوائف هي الأضعف ولبنان في حقيقة نظامه كما شرحه دستوريون هو فيدرالية طوائف في موضوع الأحوال الشخصية، هو فيدرالية.

غسان الشامي: هو غابة.  

غسان مخيبر: لا ليس غابة، هو غابة، هو لا دولة كما تشاء.  

غسان الشامي: بلد فيها 18 قانوناً.

غسان مخيبر: أستاذ غسان هو فيدرالية مثل الولايات المتحدة، مثل الفيدرالية السويسرية، ماذا يحصل في الولايات المتحدة؟ كل ولاية لديها قانون، الأمر نفسه في لبنان سوى أنه عوضاً عن أن تكون فيدرالية جغرافية في الأحوال الشخصية هي فيدرالية شخصية، الأميركي مثلاً يختار القانون الأنسب له للزواج Forum shopping وغالبيتهم يتزوجون في لاس فيغاس، في مدن ذات قوانين سهلة. هناك حالات يكون فيها ال Forum shopping لمَن يريدون الزواج مثلياً في الدول التي تسمح بزواج المثليين يذهب الناس إليها للزواج.  

غسان الشامي: لذلك يقولون أن الزواج المدني يمكن أن يؤدّي إلى المثلية؟   

غسان مخيبر: أستاذ غسان لقد ذكرت هذا الأمر كي أكرر وأقول أن كتابة قانون مدني في لبنان لا يعني كما يقول البعض أنه سيؤدّي إلى زواج المثليين ولا سيؤدي إلى انحلال الرابط الزوجي لأن القانون المدني يمكن أن يتضمن أحكاماً صارمة تصعّب الطلاق وتحمي العائلة، وبالتالي هناك تفسير خاطئ للقوانين المدنية على أساس أنها قوانين تؤدّي إلى انحلال الرابط العائلي، أنا أقول أن هذا غير صحيح، القوانين المدنية ليست بالضرورة لأن هناك قوانين مدنية ذهبت باتجاهات مختلفة إنما القانون الذي سيُسنّ في لبنان سوف يأخذ بعين الاعتبار الأمن القانوني العام المشترك بين كل المواطنين اللبنانيين، وهم سيحدّدون المستوى الاجتماعي المرتبط بالحقوق المتساوية للمرأة والرجل، بالحضانة، بأسباب انحلال الزواج وشروطه، لهذا السبب أقول إن المفاهيم مهمة جداً وبالتالي كي نصل إلى زواج مدني لبناني يجب أن نتجاوز عدداً من المفاهيم الخاطئة وتحل محلها مجموعة من المفاهيم السليمة بما فيها أن لبنان فيدرالي. من هنا تقنياً بالمقاربة أعتبر أن تشريع الزواج المدني في لبنان عبر زيجة مثل زيجة خلود ونضال اللذين اختارا بأن يكونا في هذه الفيدرالية اللبنانية بالشقّ الذي يخضع للقانون المدني بفعل القانون والدستور هذا يفرض على المشرّع صوغ القانون ومع الزمن يمكن أن يتطور ذلك إلى شيء آخر.

أوغاريت يونان: هل أجيبه؟

غسان الشامي: أجيبي لو سمحتي ودعيني أسألك بعدها.

أوغاريت يونان: أنا مع كل اللبنانيين إذا أمكنهم القيام بهذه الثورة ليقولوا إننا نرفض أن نكون مسجّلين على طوائف وهذا لا يلغي الإيمان ولكن عندما نقول إننا نريد تشريع الزواج المدني فقط، سأقول لك ماذا يقول عنها اللبنانيون وممثلو الطوائف أيضاً، إذا شرّعنا الزواج المدني لمَن يخرج من طائفته فقط قال لنا رجال الدين أنتم تقدّمون لنا أفضل هدية، إذاً الزواج المدني هو لمَن يخرج من طائفته فقط وهذا أمر خطير جداً. ثانياً أنا أؤيّد الحرية المطلقة لكل شخص بالخروج من طائفته والزواج وخاصة إننا نتحدث عن الحب الذي يجمع بين إثنين، إذا أرادا أن يتزوجا في لبنان فحتى الآن لا يوجد قانون لذا سيختاران القوانين الأجنبية. نحن قدّمنا مشروع قانون أحيل إلى المجلس النيابي وتم تسجيله في اللجان النيابية المشتركة في العام 2011، إذاً النصوص موجودة وهناك من تقدّم بنصوص قبلنا ونحن أصبحنا في مرحلة متقدمة ولكن النضال لا يزال أضعف من أن يضغط، لو نقوم بضغط مدني فعلي فلديّ شعور ومعرفة بالواقع أننا سنصل إلى إقرار هذا القانون. هناك خطر من ربط الزواج المدني فقط بمَن يخرج من طائفته وسيبقى قانوناً غير سيادي لأنه يأتي بقانون أجنبي سواء الفرنسي أو القبرصي ولكن الزواج على الأرض اللبنانية، نحن نريد أن نوقف هذه التجزئة.

غسان الشامي: هذا ما قاله الأستاذ غسان.

غسان مخيبر: ولكن هذا يحتاج إلى توضيح وردّ.

غسان الشامي: نحتفظ لك بحق الرد. المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الفقرة 1 موجودة ومحتواة في مقدمة الدستور اللبناني أي أن للمرأة والرجل الحق في الزواج بعد إدراك سن البلوغ وإقامة المسكن، أليس هذا الحق المكفول دستورياً ما يُنفّذ على الأرض هو نوع من غضّ النظر أو طيّ مفهوم حقوق الإنسان؟ هل الزواج الطائفي يتعارض مع حقوق الإنسان؟

أوغاريت يونان: بالنسبة لي الزواج الطائفي في لبنان في ظل قوانين الطوائف التي درسناها بنداً بنداً نعم، تتعارض جداً مع حقوق الإنسان بأنواع التمييز فيها، بالإجحاف بحق المرأة، بكيفية التعامل مع الطفل، بالحضانة، بالحقوق، بالإرث وبعدة أمور، هناك أمور خطيرة جداً في قوانين الطوائف، نحن نناضل من أجل لبنان حضاري كأي مجتمع عربي حضاري، بغض النظر عن الإيمان أنا أحترم إيمان كل شخص، أنا حرة بما أؤمن به ولكنني أحترم إيمان الآخرين شرط ألا يؤدّي إيمانهم إلى العنف ولا إلى الطائفية والتعصّب، حينها لن نحترم العنف ولا الطائفية والتعصّب. العنف يعني التمييز، يعني الانتهاكات، يعني الظلم، يعني التمييز بين أبناء العائلة الواحدة، لا يجوز، هذا كله موجود في قوانين الطوائف بغض النظر عما إذا أقرّت الدولة القانون أم لا. ثانياً الدولة اللبنانية ضمّنت مقدمة الدستور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ماذا ستفعل به؟ هل هو في مقدمة الدستور للزينة؟ ولبنان مؤسِّس في الإعلان عن حقوق الإنسان، لبنان حضاري ووقّع اتفاقيات عديدة، نعم أحياناً يتحفّظ على بنود كما حصل في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة حيث تحفّظ على المادة 16 و 9 إلى آخره، المهم في النهاية مهما كان المناخ السائد في البلد وأياً يكن السياسيون وأياً تكن الطوائف نحن نريد أن نخطو خطوة إلى الأمام أم نعود إلى الوراء؟ إلى أين يأخذنا ضميرنا؟ إلى أين تأخذنا الحقوق والعدالة؟ تأخذنا لجمع هذه العائلات التي تنشأ على أساس الحب والألفة والمودة والاحترام داخل البيت الواحد لا أن تحدث هذه القوانين شرخاً بين أبناء العائلة الواحدة، بين الزوجين بحيث يكون هناك تفاوت في الحقوق بينهما. نحن في أية حضارة؟ في أي زمن؟ بغض النظر عن كل تفسيراتنا واختلافاتنا فأنا ضد تأسيس العنف داخل العائلة الواحدة وداخل الثنائي الواحد التي هي أقرب الصلات التي تجمعك بأي شخص آخر، فما بالك بالصلات السياسية؟

غسان الشامي: تفضل في هذا الموضوع وأعتقد أن لك أيضاً رأي مغاير في موضوع حقوق الإنسان.   

غسان مخيبر: دعنا نعود إلى المسائل المفاهيمية، أتفق مع صديقتي أوغاريت.

أوغاريت يونان: نحن مناضلون سوياً. 

غسان الشامي: أنا لذلك اخترتكما.

غسان مخيبر: أستاذ غسان حتى النضال أحياناً لأجل حقوق يأخذ مسارات مختلفة إنما تتجه نحو الأهداف ذاتها، في قانون حقوق الإنسان الذي نعرفه والذي علّمناه الحق بالزواج هو حق من حقوق الإنسان، الحقوق الأخرى كمساواة المرأة مع الرجل هي من حقوق الإنسان مثل القوانين المدنية. المادة 9 من الدستور التي تحفظ للطوائف والمذاهب اللبنانية الحق بأن تكون لها تشريعات، هذه المادة غير مجافية لحقوق الإنسان، كما هي الحال في الدول الفيدرالية وكما يقال إننا في فيدرالية طوائف وكل طائفة لها أن تضع قوانينها ولكن ضمن القانون هذا القانون المذهبي والطائفي كقوانين الدولة اللبنانية يجب ألا يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان، هناك قوانين لبنانية مدنية مخالفة لحقوق الإنسان.

أوغاريت يونان: هل يستطيعون المسّ بقوانين الطوائف؟ مَن يستطيع تعديلها؟ 

غسان مخيبر: المشكلة ليست طائفية القانون وإنما مضمون القانون مثل مشكلة القوانين المدنية اللبنانية المجافية والمخالفة لحقوق الإنسان، المشكلة هي بمضمون القانون وليس بطبيعته، القانون الطائفي بطبيعته ليس مخالفاً لحقوق الإنسان.

أوغاريت يونان: ولكنه بيد الطائفة التي وحدها لها الحق القرار فيه.

غسان مخيبر: غير صحيح لأنه يجب أن يمرّ عبر المشرّع.

أوغاريت يونان: يمر مرور الكرام.

غسان مخيبر: هناك حالات يمرّ فيها وفي حالات أخرى لا يمرّ، وهنا ننظر إلى الحالات المرضية التي يخضع فيها المشرّع والسياسي إلى الطوائف والمذاهب، لذا أقول إن الدولة هي الطرف الأضعف، إذا لم تقوَ الدولة، ويجب أن يكون في الدولة مدنيون، طالما أن المواطنين قانعون بما هو قائم ونحن الذين نناضل من أجل هذا الحق المدني أقلية ويجب أن يتطور العدد. اليوم عدد الذين يمثّلون اللبنانيين غير المنتسبين لأية طائفة لا يجب أن يقال أنهم فقط مَن شطبوا قيدهم وإنما هم من ال 70 ألفاً، لهذا السبب المقاربة التي أعتبرها أكثر جدوى وهذه ناقشناها أكثر من مرة، هناك الحد الأقصى الذي يقول "كل شيء أو لا شيء"، وهناك الواقعي مثلي أنا الذي بقيت 16 سنة في مجلس النواب أعرف أين المعوّقات، الشخص يصعد السلّم درجة درجة، إذا كان هناك مصعد للوصول إلى الدولة المدنية أعتقد أن هذا المصعد في دولة مثل لبنان حالياً غير موجود.

أوغاريت يونان: أنا لست من الحد الأقصى. 

غسان الشامي: المصعد الرئيسي معطّل.

أوغاريت يونان: النائب الراحل أوغست باخوس عندما قدّم مشروع قانون موحّد في العام 1971 قالوا له حينها أن هناك إجماعاً على إقراره إذا كان اختيارياً، في مجلس الوزراء أقر الرئيس الهراوي المشروع.

غسان مخيبر: لماذا تعطّل.

غسان الشامي: لأن الرئيس الحريري وضعه في الدرج.

غسان مخيبر: الرئيس الحريري رحمه الله خضع حينها لضغط من السلطة الدينية.

أوغاريت يونان: سلطة دينية وسياسية.

غسان مخيبر: السلطة السياسية من وجهة نظري في مواضيع الأحوال الشخصية خاضعة لتأثير السلطات الدينية.

غسان الشامي: بقليل من الوقت لأن لديّ سؤالان لكل منكما.

غسان مخيبر: بمقاربة ما يسمّى بهذا النضال من أجل الدولة المدنية الخطوة الخطوة، مقولة الحد الأقصى بإلزامية الزواج المدني كما هي الحال في فرنسا.

أوغاريت يونان: أنا ضد ذلك.

غسان مخيبر: هناك مَن يقولون ذلك ولا نستطيع أن ننكر حقّهم في هذه المقولة وقد قالها البطريرك الماروني.

أوغاريت يونان: قالها من منطلق تحد  ي المسلمين، هذا موقف سياسي.

غسان الشامي: نعم هذا جزء من جدلية السياسة.

أوغاريت يونان: لقد قالوها لنا، هذا موقف سياسي.  

غسان مخيبر: أعلم ذلك.

أوغاريت يونان: أنا مع التدريجي وأنت مع التدريجي ولكن أيّ تدريجي؟  

غسان مخيبر: أنا أقول أن التدريجي هو أن يصدر مجلس النواب قانوناً مدنياً للأحوال الشخصية لكل اللبنانيين غير المنتسبين لأية طائفة كما هي الحال اليوم، ويتوسّع الأمر مع الممارسة ليشمل حالات أخرى بنضال مستمر.

غسان الشامي: أنا أتمنى لأن الوقت انتهى أن تعبّري عن رأيكِ في هذا الموضوع، كلن لديّ أمر خطير أزد قوله عن التمييز في هذه القوانين ضد المرأة، الإنسان اللبناني يدفع حسب دراسة 140 ألف دولار، هي تكلفة دفع كل إنسان للطوائف في لبنان. 

غسان مخيبر: عدا الرشاوى.

غسان الشامي: عدا الرشاوى، لو سمحتِ ردّي وبدقيقة.

أوغاريت يونان: أنا مع المنطق التدريجي القوي بمعنى عدم ربط اللبنانيين بمسألة الانتماء إلى الطوائف أو عدم الانتماء، أن يكون اختيارياً، أنا مع إيجاد قانون لكل اللبنانيين ولكن إذا كان التدريجي هو إقرار قانون لمَن يريد من اللبنانيين فلنترك تحديد هذا الأمر للبنانيين ولا نقرّ حكماً قانوناً مدنياً للأحوال الشخصية فقط للذين تركوا طائفتهم أو غير المسجّلين في طائفة وإلا نكون قد شرّعنا شيئاً يشبه طائفة، طائفة الذين لا ينتمون.

غسان الشامي: الطائفة ال 19؟

أوغاريت يونان: قد لا تحمل رقماً، أنا من خلال معرفتي والكثير من اللبنانيين يتّصلون بي يومياً والقوة موجودة، نحن بحاجة إلى حملة ضاغطة أكبر وأقوى وسنستعيدها وقريباً سنعقد مؤتمراً صحفياً لإطلاقها من جديد.

غسان الشامي: لقد حضرتُ مؤتمراً كنتما فيه حضراتكما حول الزواج المدني مؤخراً.

أوغاريت يونان: كنت مدعوّة إليه ولم أستطع حضوره.

غسان الشامي: نعم كنتما مدعوّيْن في جبيل وحضرتكَ كنتَ في اليوم الأول وأنا كنتُ في اليوم الثاني، نأمل أن يصل هذا الحراك إلى ما يوحّد بنية المجتمع اللبناني، هذا وقتي على أمل أن نلتقي قريباً لنعيد طرح هذا الموضوع الهام الذي يهمّ على ما أعتقد كل اللبنانيين، شكراً. أعزائي صحيح أن الزواج شأن خاص لكن كل ما ينجم عنه اجتماعي، لذلك تصبح مدنيّته أكثر حقوقية وعدلاً وأقل تميّزاً وهضم حقوق، أشكر الدكتورة أوغاريت يونان والمحامي النائب السابق غسان مخيبر على مشاركتهما أجراس المشرق في الإضاءة على قضية الزواج المدني عسى ولعلّ. شكراً لكم زملائي الأعزاء في البرنامج وقناة الميادين على جهودكم، تحيّتي لكم أيها المشاهدون أنّى كنتم، دائماً سلام عليكم وسلام لكم، شكراً.