نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

الهجرة الاستيطانية اليهودية إلى فلسطين (1840-1881م)

بقي مشروع توطين اليهود في فلسطين أحد أهم الأهداف الأساسية التي سعت السياسة البريطانية لتحقيقها، وظهر اتجاه تبناه ساسة ومفكرون إنكليز لتوطين اليهود في فلسطين، حتى لو اقتضى الأمر احتلال فلسطين، وهذا ما تم بالفعل مباشرة بعد الحرب العالمية ألأولى. وقد أجرى الباحث الفلسطيني، وعضو الملتقى الثقافي الأدبي الفلسطيني عمر حسن الراشد، بحوثا خص الميادين نت بعدة فصول وحلقات منها، كشف فيها الكثير من المغمور عن خلفيات الاستيطان، وتاريخه، وترابطه مع الحركة الاستعمارية الغربية التي وفدت إلى المنطقة منذ أيام نابليون بونابرت، وربما قبله أيضا. وقد وضع الراشد بحثا نستعرض منه فصولا من الاستيطان في أكثر من حلقة. كتب الراشد استهلالا لحركة الاستيطان:

اوليفر كرمويل عن ويكيبيديا
اوليفر كرمويل عن ويكيبيديا

بريطانيا وفكرة توطين اليهود في فلسطين

اعتبرت حركة الإصلاح الديني في أوروبا في القرن السادس عشر الميلادي بأنها "بعث عبري"، وأكدت الحركة على عودة اليهود إلى فلسطين، ومهدت الطريق للأفكار الصهيونية، وروجت الأفكار عن الأمة اليهودية، والبعث اليهودي، وكون فلسطين "وطنا لليهود" (1). وأصبحت فكرة ضرورة إعادة فلسطين في أربعينات القرن السابع عشر الميلادي، ووصلت اليقظة العبرية ذروتها في عهد الثورة البيوريتانية في إنكلترا عندما لاقت الفكرة الاستعداد عند أوليفر كرومويل الذي كان رئيسا للكومنولث البيوريتاني من 1649-1658م. وهو المتعاطف مع اليهود، وعودتهم إلى فلسطين (2).

أدت الأحداث المتسارعة في القرن التاسع عشر الميلادي إلى تغيير في النظرة السياسية لبريطانيا، فكان محور النشاط البريطاني في مجالين: الأول، تأسيس قنصلية بريطانية في القدس. والثاني، تأسيس أسقفية أنجليكانية في القدس أيضا. ومن أجل تحقيق المجالين، أرسل وزير خارجية بريطانيا بالمرستون 1784-1865م. رسالة مؤرخة في 17 تشرين الثاني 1837م، إلى بونسونبي- السفير البريطاني في الاستانة- يطلب فيها تعيين قنصل بريطاني في مدينة القدس (3).

ـــــــــــــ

1 و 2- الشريف، ريجينا: الصهيونية غير اليهودية- عالم المعرفة- العدد (96) الكويت، كانون الأول 1985م. ص (9، 30، 31، 34، 49).

 

3- الوعري، نائلة: دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين. الإصدار الأول 2007م. ص (240-241).

 

 


وزير خارجية بريطانيا بالمرستون
وزير خارجية بريطانيا بالمرستون

خطط ومشاريع

وفي تموز عام1838م. افتتحت بريطانيا أول قنصلية لها في القدس، وكان من مهامها الأساسية حماية المصالح الحيوية لليهود بهدف تحويل اليهود في القدس إلى نصارى بروتستانت (1) وكان هذا دليلا واضحا على الاهتمام البريطاني المتزايد بفلسطين، وسارت الدول الأوروبية على خطى بريطانيا، وافتتحت قنصليات لها في القدس، تبعتها ألمانيا، ففتحت قنصليتها عام 1841 م. والنمسا عام 1849 م. وروسيا عام 1858 م.(2)

عين وزير الخارجية البريطاني بالمرستون صهيونيا مسيحيا هو وليم يونغ، قنصلا في القدس، وأمر أن يجعل من مهامه الأساسية حماية اليهود، القاطنين في القدس، وكان عددهم في فلسطين عام 1838 م. حوالي 9690 يهوديا. ويونغ هو صديق للورد شافتسبري الذي عُرف باسم "أنتوني أشلي كوبر"، واحد من أبرز الشخصيات الإنجليزية في القرن التاسع عشر، ويعتبر من أبرز من كتب في بلورة العقيدة الصهيوينة.

رأت بريطانيا أن مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين يتطابق مع أهداف الحفاظ على الدولة العثمانية، وكانت العلاقة بين اليهود والبريطانيين قائمة على مباديء السلب، والنهب، والاستيطان، والتحكم بمقدرات الشعوب. (3)

لعب القنصل البريطاني في القدس وليم يونغ (1839-1845 م) دورا خطيرا بمساعدة اليهود وحمايتهم، وسهل دخولهم إلى فلسطين بجوازات سفر بريطانية، باعتبارهم رعايا بريطانيين، وان يونغ يتسلل بقاربه إلى الباخرة التي تحمل يهودا، من الذين يرغبون بالدخول إلى فلسطين، والاستيطان فيها، ويحمل معه مئات جوازات السفر، وتذاكر المرور على ظهر الباخرة قبالة شواطيء فلسطين: حيفا، ويافا، وعكا، ويقوم بتغيير الأسماء، والديانة، ويسلم كل يهودي جوازا، أو تذكرة باسم آخر، وديانة أخرى، ويدخله فلسطين، ثم يشمله بالعناية، والرعاية، والحماية في المستوطنات التي أنشئت، أو التي هي قيد الانشاء. (4)

_________

1و3و4: مصدر سابق: دور القنصليات...ص (105)، (101)، (17-18).

2- مناع، عادل- تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني (1700- 1918م). مؤسسة الدراسات الفلسطينية- كانون الثاني 2003م. ص (228).

 


أب الفكرة الاستيطانية اليهودية اللورد شافتسبري
أب الفكرة الاستيطانية اليهودية اللورد شافتسبري

نماذج وأسماء

نموذج آخر من عملية التسلل أو التسرب اليهودي إلى فلسطين، ما قام به القنصل البريطاني بتروشيلي الذي هجر العمل الدبلوماسي القنصلي، وأصبح تاجر أراضٍ في فلسطين، لصالح اليهود، وهناك نماذج كثيرة من الاحتيال، والغش، والتلاعب، واستنفار القوة لرمي الفلاحين الفلسطينيين وملاك الأرض إلى عالم مجهول. (1)

شكلت معاهدة لندن في 15 تموز 1840 م. فاتحة السباق الأوروبي على بلاد الشام، ومن ضمنها فلسطين، وخلال "مؤتمر لندن"، قدم شافتسبري مشروعا إلى وزير خارجيته بالمرستون، أسماه "مشروع أرض بغير شعب لشعب بلا وطن" (2)، وأن تتبنى الحكومة البريطانية إعادة اليهود إلى فلسطين، وقد تبنى بالمرستون مشروعا أمام الدول المجتمعة في مؤتمر لندن وهو خلق "كومنولث يهودي" فوق المساحة التي تشغلها فلسطين التوراة. (3)

مارس بالمرستون ضغوطا على الدولة العثمانية لكي تسمح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، وشراء الأراضي فيها، ففي 11 آب 1840 م. أرسل تعليماته إلى سفيره في الاستانة "اللورد بونسونبي" يدعوه فيها إلى حث السلطان العثماني عبد المجيد (1839-1861 م) أن يسمح لليهود بالهجرة وإقامة المستوطنات في فلسطين، وفي 4 أيلول 1840 م، بعث برسالة ثانية إلى سفيره لمتابعة طلبه لدى الباب العالي. (4)

وذهبت بريطانيا في سياستها في تأييد اليهود إلى أبعد من ذلك، إذ طلبت من الدولة العثمانية في عام 1845 م، طرد شعب فلسطين، وإسكان اليهود مكانه (5)، ولكن بالمرستون، وسفيره بونسونبي، فشلا في إقناع السلطان بالتخلي عن رفضه السماح لليهود بالهجرة الاستيطانية، غير المحدودة لفلسطين، أو منحهم امتيازات خاصة (6).

ـــــــــــــــــ

1- مصدر سابق: دور القنصليات.. ص (8).

2- حولته الصهيونية إلى "أرض بغير شعب لشعب بلا أرض".

3- 4- 6 محمود، أمين عبد الله، مشاريع الاستيطان اليهودي. عالم العرفة: (74). شباط 1984 م. الكويت. ص (21)، (22)، (23).

5- حلاق، حسن علي. موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية (1897-1909 م). جامعة بيروت العربية- بيروت (1398 ه- 1978 م). ص (51).

 

 


مستوطنة يهودية في فلسطين
مستوطنة يهودية في فلسطين

التوطين.. بريطاني

وبالرغم من ذلك، فقد بقي مشروع توطين اليهود في فلسطين أحد أهم الأهداف الأساسية التي سعت السياسة البريطانية لتحقيقها، بل ظهر اتجاه تبناه بعض الساسة، والمفكرين الانكليز بالمضي قدما في مشاريع توطين اليهود حتى لو اقتضى الأمر احتلال فلسطين، وهذا ما تم بالفعل بعد الحرب العالمية الأولى.

وعندما احتلت بريطانيا جزيرة قبرص عام 1878 م، ثم احتلت مصر عام 1881 م، أصبحت فلسطين ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لبريطانيا، وتواكب ذلك مع بداية الهجرة الاستيطانية الأولى لليهود في فلسطين (1).

وبعد حفر قناة السويس عام 1869 م، زاد التنافس بشأن فلسطين لقربها منها، بين الدول الاستعمارية الأوروبية، وقامت بريطانيا بعملية تصعيد التنافس بعد أن أشترت أسهم قناة السويس بمبلغ وقدره أربعة ملايين جنيه استرليني، عام 1875 م، وتذرعت كل من بريطانيا وبروسيا والنمسا، وفرنسا، وروسيا، بحماية المهاجرين اليهود، الذين يحملون جنسياتهم، ممن وصل إلى فلسطين وعزم على الاستقرار فيها.

 

_____________

1- شوفاني، الياس: الموجز في تاريخ فلسطين السياسي (منذ فجر التاريخ حتى سنة 1949 م)، ط.4. كانون الثاني 2003 م. مؤسسة الدراسات الفلسطينية- بيروت- ص (268 و 270).