محمد عادل

قاص وعضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

أم هاشم تحلم برؤية ابنها في اللحظات الأخيرة

كم من أمّ تحلم برؤية ابنها في اللحظات الأخيرة وهي تنازع سكرات الموت

كم من أمّ تحلم برؤية ابنها في اللحظات الأخيرة وهي تنازع سكرات الموت
كم من أمّ تحلم برؤية ابنها في اللحظات الأخيرة وهي تنازع سكرات الموت

     على زاوية الطريق وبمحاذاة بيت طينيّ كانت أم جلست هاشم في انتظار عودة ابنها, رافضة تصديق أيّ إشاعة تقول إنّ ابنها قد استشهد, تتحدى الجميع، تقول لكل من يطلب منها العودة إلى دارها: إنّ ابنها مازال حيّاً، وهي مؤمنة بأنّه سيأتي إليها عبر هذا الطريق الذي تعرفه جيدا, وتحفظه عن ظهر قلب، وتستطيع أن تمشي فيه في أصعب أيام الشتاء والعواصف، وأحلك الليالي دون خوف، لم يتمكن أهل البلد من إقناعها بأنّ ابنها وعدداً من رفاقه قد استشهدوا في معركة حامية الوطيس, وأنّ الجيش "الإسرائيلي" رفض تسليم جنازاتهم للهلال الأحمر أو أيّ جهة أخرى، وقد حنق الصهاينة على ابنها لشجاعته ويقظته، فكان يتنقل مع مجموعته من مكان إلى آخر، لا يستقرّون في مكان بعينه، وأوقعوا في صفوف الجنود الإسرائيليين خسائر جسيمة، وقد بذلت الاستخبارات الإسرائيليّة محاولات عديدة دون أن تتمكن من قتل هاشم أو إلقاء القبض عليه، وكان هاشم مدار حديث القرية لجرأته وحذقه.

    أم هاشم تبصر ابنها يسير على الطريق الذي اعتادت أن تراه يمشي عليه إلى جانب الصخور والأشجار، تراه يجلس تحت شجرة الخروب الكبيرة التي اعتاد الجلوس تحتها أيام الصيف، يما ... يما أنا جاي ...التفتت أم هاشم اتجاه مصدر الصوت ...إنّه صوت هاشم نهضت, بل قفزت وأخذت تركض نحو الصوت, كان الظلام حالكاً، قدماها تتعثران بالحصى والحجارة، ولكنها تسعى مسرعة ...إنّه ابني .. روح قلبي .. حياتي .. نور عيني ...الصوت مازال يتردد بالقرب من الشجرة ...يما... يما أنا جاي ... ترد عليه أم هاشم: أنا اللي جايّة انتظر ....

  وصلت إلى الشجرة وقفت هناك صرخت بأعلى صوتها ..هاشم … أين أنت ...أنا هنا .. اسمعني صوتك لا تبتعد عني ...كلهم قالوا إنّك استشهدت ولكني مازلت أبحث عنك, أريد أن أراك قبل أن أموت، أعط  لقلب أمّك الحياة والنور, لا تتركني وحيدة أدور في الشوارع، أريد أن أراك وأفارق الدنيا .

كان على أم هاشم أن تنتظر  وتصبر حتى ترى ابنها الذي لم يظهر لها بعد...لقد سمعت الصوت ...سمعته وحددت من أين آتي ...لم تصدق أن هذا حلماً بل حقيقة انه رآها وكان يريد الحضور ولكنه لسبب ما قد عاد,  ولهذا هي جالسة ولن تقبل أن تبتعد عن هذا المكان ...وفجأة شعرت أن يداً حانيةً تمسك بيدها تقبل يدها تقبل رأسها تحضنها بقوة، ويسمع نشيج بكاء مر ...شعرت براحة تسلّلت إلى صدرها ودمعات ساخنة تتقاطر من عيني ابنها، ذاقت طعم ملوحة الدمع وهي تقبل ابنها ... نادت أهل البلد ...ها هو هاشم انظروا إليه ...الم أقل لكم إنّه حيّ مثل الحصان .. وجهه كالبدر .. لم يعد يخاف من اليهود , بل جاء ليقول لكم أنا المقاتل الذي لا يهابهم بل يطاردهم , احتضنته مرة أخرى , قبلته كأنه طفل صغير آه ليتها تتمكن من حمله، ووضعه على كتفها كما كانت تفعل من قبل, فهو الآن مثل الحصان ...تجمع عدد من أبناء القرية ... نظرت إليهم وقالت: هاهو هاشم يعود من جديد, تعالوا سلموا عليه ...نظر أحدهم فوجد أم هاشم تكلّم نفسها ...هاشم غير موجود ...لم يستطع أن يقول لها شيئاً ...طلب ممن  يقف إلى جانبه عدم مقاطعتها ...دعوها تكمل حديثها ...قالت أم هاشم: هاهو هاشم ابني يعود ,انتظرته طوال السنين الماضية ... لم تكتحل عيني بالنوم بعد فراقه إلاّ لماماً ...لم  أنقل نظري عن الشارع الشرقي ...كنت أعرف أنّه سيأتي من هناك ...أراه رغم الظلام ...أعرفه، كنت أعرف أنّه لن يتأخر ويعرف مدى قلقي عليه.. لقد حضر الآن .. لقد حضر ...الآن اطمأن قلبي بعد عودته ... طلبت من الله أن لا أفارق هذه الدنيا إلا بعد أن أحتضنه وأودعه, الآن اطمأن قلبي ...صمتت أسندت ظهرها للشجرة بهدوء وابتسمت ...

أحد أصدقاء ابنها قال لأهل البلد : ألم تسمعوا بالأمهات اللواتي رفضن تصديق استشهاد أولادهن، وأصررن على انتظارهم .... وارتعن كلما طرق ألباب ... وخفقت قلوبهنّ وانقبضن كلما سمعن وقع خطوات بالقرب من بيوتهنّ …

وكم من أمّ تحلم برؤية ابنها في اللحظات الأخيرة وهي تنازع سكرات الموت، وكم منهن حلمن بلقاء أولادهن ورؤيتهم قبل الوداع لتظلّ آخر صورة في أذهانهن لأولادهن الذين غابوا وهنّ يرغبن في رؤيتهم ..إنّها أول الصور ..وآخر الصور .. وأجمل الصور ..الأم  وولدها.

أهل البلد حملوا أم هاشم التي رأت ما لم يره أحد، وحدها كانت تحمل حبّ وحنان وأمل وحلم الأم المؤمنة التي حظيت بوداع ابنها، لقد أوفى بوعده ولم يخذلها، فجاء لوداعها!                                                                    


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً