ما يلجم المواجهة بين أميركا والصين

رغم الخطر الصيني الذي تقره استراتيجية الأمن القومي الأميركية إلا أن عدداً من الاقتصاديين الأميركيين يدافع عن العلاقة مع بكين. تجمع أميركا والصين مصالح مشتركة. تحول اعتبارات اقتصادية ومالية دون مواجهة مباشرة وكاسرة بين الطرفين. الصين أكبر دائن للولايات المتحدة. لكن "طريق الحرير" الصيني يهدد التفوق الأميركي. الموقف معقّد. الصين بالنسبة لواشنطن شريك وخصم في آن معاً. هنا مقال يفنّد أبرز المصالح المتشابكة في صراع الدول الكبرى والتحديات التي تنتظر الصين وروسيا. تستند المقالة إلى آراء الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة وهي جزء من ملف "2018.. المخاض العسير".

تشابك المصالح الاقتصادية والتجارية بين البلدين وصل إلى مستوى يجعل تبعات أي مواجهة عسكرية صعبة على الطرفين.

"دعوا الصين تربح، فهذا جيد لأميركا". هذا خلاصة ما توصّل إليه جوشوا كورلانتزيك من "مجلس العلاقات الخارجية الأميركي" في صحيفة "واشنطن بوست". الصين باتت اليوم أكبر دائن للولايات المتحدة الأميركية. تعتمد الأخيرة على الودائع الصينية في مصارفها. تشابك المصالح الاقتصادية والتجارية بين البلدين وصل إلى مستوى يجعل تبعات أي مواجهة عسكرية صعبة على الطرفين.

رغم ذلك يعتري الغضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ صعوده قمة السلطة في بلاده. هدّد مرات عدة بالتصعيد دون أن ينعكس هذا التهديد بإجراءات عملية على الأرض.

فصادرات الصين إلى الولايات المُتحدة الأميركية تُشكل 19% من إجمالي صادرات الصين (463 مليار دولار أميركي). في حين تُصدّر الولايات المُتحدة الأميركية ما يوازي 115 مليار دولار أميركي للصين. عجز الميزان التجاري الأميركي الناتج من هذا التبادل يبلغ نحو 347 مليار دولار أميركي. بمعنى آخر هناك نحو 347 مليار دولار أميركي تذهب سنوياً من الاقتصاد الأميركي لتصب في الصين.

الجدير ذكره أن شراء الصين لسندات الخزينة الأميركية كان هدفه ربط اليوان الصيني بالدولار الأميركي بشكل غير مباشر. ينتج من ذلك أن ضعف الدولار يُضعف اليوان الصيني تلقائياً. هذا يُعطي أفضلية للصادرات الصينية التي تبقى أسعارها تنافسية مقابل البضائع الأميركية والعالمية.

في الواقع مقولة "دعوا الصين تربح، فهذا جيد لأميركا" ما هو إلا تعبير عن الاستراتيجية التي يدافع عنها عدد من الاقتصاديين الأميركيين. يرى هؤلاء أن المُجتمع الصيني ما زال فقيراً، وبالتالي فإن دخول الأموال إلى الصين سيرفع من المستوى الاجتماعي للصينيين. من شأن هذا الأمر أن يؤدي إلى نشوء سوق تجاري هائل للبضائع الأميركية من منطلق أن الماكينة الإنتاجية الصينية لن تستطيع تلبية الصينيين في هذه الحالة.


المصالح الأميركية.. الصين لا روسيا

من منظور أميركي، تفوق المصالح الصينية الأميركية أهمية المصالح الروسية الأميركية

من منظور أميركي، تفوق المصالح الصينية الأميركية أهمية المصالح الروسية الأميركية، خصوصاً على صعيد الإستثمارات. باستثناء بعض المدن، ما زال المُجتمع الصيني مجتمعاً فقيراً. عدد من المدن الصينية ما زال يفتقد الكهرباء. من هنا يأتي الاهتمام الأميركي بقطاع الطاقة الصيني. هذا الاهتمام بالصين هو ترجمة للقدرة الاستهلاكية التي سيشكّلها السوق الصيني في حال فتحت الأبواب لرؤوس الأموال الأميركية. لكن هذا التوجه دونه شرط أساسي هو أن تتناسب القوانين الصينية مع الاستثمارات الأميركية وهذه إحدى المطالب الأميركية. القوانين الصينية ما زالت ذات طابع شيوعي لا يتلاءم وطبيعة النظام الرأسمالي الأميركي الذي يُقلّل كثيراً من دور الدولة في الإنتاج. في حين أن النظام الشيوعي يضع كل شيء تحت سيطرة الدولة. هذا الواقع يلجم شهية الأميركيين على الاستثمار في الصين.

في المقابل يرى الأميركيون في السوق الروسي (144 مليون شخص) سوقاً ضعيفاً مع فقدان القدرة الشرائية لقسم كبير من الروس. قلة الإهتمام هذه يُمكن ملاحظتها من خلال العقوبات التي فرضتها الولايات المُتحدة، ولاحقاً الأوربيون، على روسيا كنتاج لسياستها الخارجية.

في مطلق الأحوال يجب معرفة أن المصالح الاقتصادية الأميركية هي المُحرّك الأساسي للسياسة الخارجية الأميركية. بالتالي يُمكن استنتاج الاهتمام الأميركي بالصين أكثر من روسيا.


طريق الحرير.. التنين خارج معقله

عام 2013 أعلنت الصين عن إطلاق "طريق الحرير" الجديد والطموح.

عام 2013 أعلنت الصين عن إطلاق "طريق الحرير" الجديد والطموح. في أيار مايو عام 2017 احتفلت بإطلاق مبادرة تحت عنوان "الحزام والطريق". يجري الحديث عن إنفاق صيني بنحو 150 مليار دولار سنوياً في الدول الـ 68 التي وافقت على المشاركة في المبادرة. كثير من الدول التي انضمت إلى المبادرة سبق لها أن انضمت إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية.

"طريق الحرير" هي من أكثر السياسات الخارجية طموحاً. تعمل على الاستثمار في البنى التحتية لمجموعة من الدول التي تمرّ فيها هذه الطريق. ينطوي التخطيط الجديد على طرق بحرية إضافة إلى الطرق البرية. هذه الإستراتيجية تستخدمها الصين حالياً في أفريقيا ومن غير المتوقع أن يكون هناك عائدات قبل سنوات عدة. لكن الصين تعتمد على قدرتها الإنتاجية التي ستُعطيها قدرة تنافسية مقارنة بمعظم الدول حيث ستمر هذه الطريق.

المشروع الضخم الذي يمر عبر عشرات الآلاف من الطرقات البرية والجسور، سيُشكّل تجربة غير مسبوقة لقدرة دولة على تمويل وإنجاز هذا الكم الهائل من مشاريع البنى التحتية. يبقى السؤال عن ردّة فعل الأميركيين. من الواضح أنهم سيكونون من أكثر المتضررين في حال تنفيذه نظراً إلى امتداده إلى قلب الأسواق الأوروبية، والآسيوية والأفريقية.


أسعار النفط.. ما يجمع الخصوم

الدول المُستهلكة للطاقة في ظل تحسّن الإقتصاد ستتضرر من ارتفاع الكلفة ومنها أميركا والصين.

في حال تحسّن الاقتصاد العالمي فإن تداعياته ستنعكس مباشرة على أسعار النفط. هذا بديهي بحكم أن أسعار النفط ترتبط بثلاثة عوامل: العرض والطلب، وسعر صرف الدولار الأميركي، إضافة إلى المُضاربة في الأسواق المالية.

إذا ما اعتبرنا أن تحسن الاقتصاد العالمي سينعكس على الطلب في ظل اتفاقية لجم الإنتاج التي تتبعها منظمة الأوبك وروسيا، فإن الأسعار سترتفع حكماً. إلا أن ارتفاع الأسعار هذا سيدفع شركات النفط الصخري الأميركي إلى رفع إنتاجها وبالتالي سيزيد العرض ومعه ستُلجم أسعار النفط ويُمكن أن تنخفض من جديد إذا ما تخلّت دول الأوبك وروسيا عن الإتفاقية أو رفعت شركات النفط الأميركية إنتاجها بشكل كبير.

إن أسعار نفط مُرتفعة في ظل بدء تحسّن الإقتصاد العالمي وخاصة الأميركي، سيكون له تداعيات سلبية على هذا النمو. لذا إقتصادياً السعر المنطقي الذي يعكس الطلب والعرض الحالي هو 60 دولار أميركي للخام الأميركي. من هنا نرى أن ارتفاع أسعار النفط سيُقابله ارتفاع في العرض وسيمضي العام 2018 على تأرجح بين 55 إلى 70 دولار أميركي للبرميل الواحد.

بالطبع الدول المُستهلكة للطاقة في ظل تحسّن الإقتصاد ستتضرر من ارتفاع الكلفة. على رأس هذه الدول الصين والهند والولايات المُتحدة الأميركية. لذا يتوقع أن يلعب النفط الصخري الأميركي دوراً أساسياً في لجم هذا الارتفاع. في المقابل ستتحسّن القدرة الاستثمارية في دول الخليج وروسيا وسيكون لهذا الإرتفاع آثار إيجابية على نموها الاقتصادي وعلى عجز موازناتها.


تحديات الصين

بالنسبة إلى الصين هناك مجموعة تحديات تنتظرها عام 2018 هذه أبرزها:

  • التحسن في الاقتصاد العالمي يجب أن ينعكس إيجابياً على الاقتصاد الصيني بحكم أن الناتج المحلي الصيني هو بقسم كبير منه ناتج من التصدير. لذا يبرز التحدي الأول في كيفية تعظيم هذه الاستفادة في ظل وجود عدد من المنافسين من دول جنوب شرق آسيا. انخفاض الاستثمارات الصينية في الفترة التي تلت أزمة عام 2008 ستفرض إعادة النظر بها تحت طائلة فقدان القدرة التنافسية.
  • يبقى السوق الداخلي للصين ضعيفاً، ما يجعل الصين عرضة لتقلبات الاقتصاد العالمي. هذا الأمر يفرض على الصين وضع استراتيجية لتطوير هذا السوق ورفع حصته من الناتج المحلّي الإجمالي.
  • تحسين الاستثمار والاستهلاك في الصين يبقى رهينة القروض. من هنا يتوجّب على الصين وضع استراتيجية قروض مؤاتية لحاجة السوق الداخلية. يفرض هذا التحدي الكبير تحرير القروض من قيود القانون.
  • سعر صرف اليوان الصيني يعدّ المُشكلة الرئيسية التي ستواجهها الصين مع شركائها في التجارة وعلى رأسهم الولايات المُتحدة الأميركية. لذا من المتوقّع أن تزيد الضغوطات على الصين للجم عمليتها الهادفة إلى إضعاف اليوان.
  • من المعروف أن البضائع الصينية هي بضائع لا تتمتّع بنوعية اقتصادية عالية. من هذا المُنطلق ستواجه الصين مُشكلة الإنتاج ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، سيما أن البضائع المُنتجة في الصين باتت تواجه منافسين ينتجون النوعية نفسها وبأسعار موازية.


روسيا في ظل العقوبات

في ما يتعلق بروسيا يمكن الحديث عن أبرز التحديات الاقتصادية هذا العام وفي السنوات اللاحقة على الشكل التالي:

  • البحث عن رؤوس أموال أجنبية للاستثمار. بات الاقتصاد الروسي يُعاني نتيجة العقوبات الأميركية والأوروبية التي تمنع على المصارف تمويل مشاريع لمدّة تفوق الستة أشهر. هذا الأمر يحرم الاقتصاد الروسي من فرص الارتفاع النوعي للنمو الاقتصادي.
  • في مجال الطاقة، ومع إكتشاف عدد من الحقول الغازية في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المُتوسطّ، باتت روسيا معنية في البحث عن أسواق جديدة لأن المنافسة في الأسواق الأوروبية ستزداد مع الوقت.
  • مالياً، تبقى روسيا بحاجة ماسة إلى تنويع اقتصادها لأن الاعتماد على النفط (حتى ولو إرتفعت الأسعار في العام 2018) يجعل من موازنتها رهينة الأسعار، أي يحجب عنها إمكانية الاستثمار ويأكل من احتياطها من العملات الأجنبية.