جهاد أبو ريا

محام ومدير جمعية فلسطينيات الناشطة في شؤون التهجير والعودة والبلدات الفلسطينية المهجرة والتصدي لمحاولات التهجير المستمرة في فلسطين.

جولة في مثلث الجمال الثاني: دمرت البيوت على من فيها

واصل ناشطو جمعية فلسطينيات جولتهم على القرى المهجرة، وزاروا مثلث الجمال الثاني الذي يضم قرى قبية ونعلين وشقبا، كما جالوا في قلعة الخواجا، والتقوا الحاجة حوا الخواجا المهجرة من بلدتها خربة الضهيرية سنة 1948.

جولة في مثلث الجمال الثاني: دمرت البيوت على من فيها

ناشطة مع الحاجة حوا الخواجا
ناشطة مع الحاجة حوا الخواجا

مقدمة: واصل ناشطو جمعية فلسطينيات جولتهم على القرى المُهجَّرة، وزاروا مُثلَّث الجمال الثاني الذي يضمّ قرى قبية ونعلين وشقبا، كما جالوا في قلعة الخواجا، والتقوا الحاجّة حوا الخواجا المُهجَّرة من بلدتها خربة الضهيرية سنة1948.

أنهينا جولتنا في مُثلّث الجمال الأول، بلدات جمزو، ودانيال، والضهيرية، ونحن في طريقنا إلى نعلين لإنهاء التحضيرات الأخيرة لنشاط عودة المُسنّين المُهجّرين إلى بلداتهم.

يقع مُثلّث الجمال الأول إلى الشرق من مدينة اللد، وتبعد الواحدة عن جارتها نحو كيلومتر ونصف الكيلومتر، وكيلومترات قليلة عن القرى الثلاث: نعلين وقبية وشقبا، مُثلّث الجمال الثاني. لكن الوصول إليه من الطرف الآخر أمرٌ شبه مستحيل، وسكان القرى المُهجّرة الذين يسكنون اليوم في نعلين وقبية وشقبا يطلّون على قراهم، لكنهم لا يستطيعون الوصول إليها.

أيضاً شقبا وقبية ونعلين هي ثلاث، نُسمّيها هنا مُثلّث الجمال الثاني، لكن لا أدري أي مُثلّث هي، فنحن الفلسطينيون نحب تسمية المناطق بالمُثلّث، فعندنا مُثلّث يوم الأرض: سخنين وعرابة ودير حنا، وعندنا منطقة المُثلّث التي لا تشبه المُثلّث، وعندنا مُثلّث الرُعب المكّون من قرى أجزم وجبع وعين غزال، وعندنا أيضاً مُثلّث الصمود المكّون من جنين ونابلس وطولكرم. أتساءل أي مُثلّث تكوّن قبية ونعلين وشقبا؟ لا هَمَّ.. لتكُن مُثلّث الجمال الثاني.

وجهتنا بيت الحاجّة حوا الخواجا في نعلين، هناك سيتم اللقاء، والتوافق على تفاصيل الجولة والنشاط. الحاجّة حوا في انتظارنا على أحرِ من الجَمر، هذا ما أخبرتنا عنه ابنتها خولة.


صورة من قبية
صورة من قبية

في هذه الأيام أراضي الضهيرية مليئة بالخيرات، لعلّ أفضل هدية يمكن أن نأخذها معنا إلى الحاجّة حوا بعضاً من خيرات قريتها من شومَر وزعتر وورق اللوف، سوف تكون سعيدة بهديّة تحمل عَبَق ورائحة قريتها.

وصلنا في ساعات الظهيرة إلى مدخل بلدة نعلين، الجنود الصهاينة يحرسون المدخل ويصوّبون بنادقهم باتجاه القادمين. يقترب منا أحد الجنود، وبندقيته مُصوّبة باتجاهنا، ليُخبرنا أن الدخول لحمَلة الجنسية الإسرائيلية ممنوع. هذه الأوامر التي حصل عليها ولا يمكن مناقشتها معه، وعلينا المغادرة حالاً.

يقترب منا أحد شباب البلدة، يقول لنا ألا جدوى من مناقشة الجنود، وأشار إلينا التوجّه شمالاً إلى بلدة شقبا، ومن ثم إلى قبية، ومن هناك يمكن الوصول إلى نعلين.

مع دخولنا بلدة قبية، تراءت أمامي صورة امرأة مُتسمّرة بين الركام، وآثار الصدمة بادية على وجهها. أشلاء زوجها مُمزّقة أمامها، وأطراف أطفالها الأربعة تطلّ عليها من بين الردم. لقد تم التقاط الصورة، التي علقت في ذاكرتي، بعد المجزرة التي نفّذها الجنود الإسرائيليون في قرية قبية يوم 14\10\1953.


قبية في المجزرة
قبية في المجزرة

تقع البلدات شقبا ونعلين وقبية على الحد الفاصل بين الأراضي المحتلة عام 48 والأراضي المحتلة عام 67. بعد النكبة كانت هذه البلدات تحت سُلطة الحكومة الأردنية، بعد الاحتلال الأول عجَّت هذه البلدات باللاجئين، خاصة من قُرى مُثلّث الجمال الأول.

الأسماء شقبا ونعلين وقبية تُعيدنا إلى الوراء خمسة وستين عاماً، إلى عام 1953، عندما أصدر بن غوريون أوامره إلى جنوده بدخول القرى الثلاث، وإعدام أهلها، وهدم البيوت فوق رؤوسهم. لم يُنفَّذ الأمر في نعلين وشقبا، ولكن تم تنفيذه بالكامل في قبية، الصورة التي تراءت أمامي كانت من تلك المجزرة الرهيبة.

 


عملية قبية
عملية قبية

كان ذلك في ساعات الليل من يوم 14/10/1953، حينها هاجم المئات من الجنود الإسرائيليين قرية قبية، كان أهلها نائمين، فقام الجنود بتفجير البيوت فوق رؤوسهم، أطفالاً، ونساء، وشيوخاً، ورجالاً أعدموا. لا نعرف عددهم بالضبط، لكنها كانت من المجازر الرهيبة.

لم يتأخّر الانتقام كثيراً، ففي تاريخ 25/11/1987 ، أي بعد أربعة وثلاثين عاماً على مجزرة قبية كانت "عملية قبية"، أو كما يُسمّيها الإسرائيليون عملية الطائرات الشراعية، حينها دخل فدائيون بالطائرات الشراعية من الحدود اللبنانية إلى معسكر جيش إسرائيلي شمال فلسطين للانتقام لشهداء قبية، فأطلقوا عليها إسم عملية "قبية”.


الشهيدان بن لومة وأكر
الشهيدان بن لومة وأكر

خليّة قبية الفدائية مُكوّنة من أربعة أشخاص، إثنان فلسطينيان لا نعرف إسمهما حتى اليوم، وآخر سوري إبن مدينة حلب يُدعى خالد محمّد أكر، والرابع تونسي إسمه ميلود ناجح بن نومة، الوحيد الذي نجح في الوصول بطائرته الشراعية إلى معسكر الجيش.

 


من أبطال عملية قبية
من أبطال عملية قبية

كان ميلود قد فاجأ الجنود الإسرائيليين داخل معسكرهم المُسمّى معسكر جيبور، وهو للنخبة العسكرية الإسرائيلية للواء جولاني، فقام بقتل ثمانية من الجنود، وجرح أحد عشر قبل أن يستشهد. ضحّى الشهيد التونسي بروحه من أجل فلسطين، أيضاً الحلبي خالد أكر استشهد خلال محاولته دخول الحدود.


الحاجة حوا الخواجا باكية
الحاجة حوا الخواجا باكية

وصلنا إلى بيت الحاجّة حوا الخواجا، وكانت في انتظارنا مع أقربائها. يبدو عليها أنها مُنفعلة، ومتأثّرة من هذا اللقاء. استقبلتنا بوجهها الجميل، وابتسامتها العذبة، رغم أنها كانت قلقة من تأخّرنا في الوصول. استقبلتنا بحفاوة بالغة، وهي تلبس الزيّ الفلسطيني كأنها في عرس لأحد أبنائها


الحاجة حوا الخواجا
الحاجة حوا الخواجا

لا تتذكّر كم كان عُمرها عندما هُجِّرت من خربة الضهيرية في النكبة، لكنها تتذكّر إنها كانت متزوّجة، وفي حضنها طفلها البكر، وكان عُمره خمس سنوات. لقد فقدته في النكبة في طريقها من نعلين من شدّة العطش والحرّ.

"كانت حياة خير وعزّ ولم ينقصنا شيء"، هذا ما تقوله الحاجّة حوا. تصف لنا خربة الضهيرية، وجمزو، ودانيال، وتتحدّث عن زياراتها ليافا، وحنينها إلى العودة.

يتواجد معنا صلاح الخواجا، هو سلف الحاجّة حوا - أخ زوجها وإبن أختها، وهو من القادة المركزيين في المقاومة الشعبية. يقترح علينا أن نقوم أولاً بزيارة قلعة الخواجا، والتعرّف إليها، وبعد ذلك العودة لتناول الغذاء، ومن ثم مناقشة تفاصيل النشاط.

يُحدّثنا جعفر الخواجا إبن الحاجّة حوا بفخرٍ واعتزاز عن تاريخ قلعة الخواجا، كحصن حضاري تاريخي، عُمرها أكثر من مئتي عام، وقد بناها أحد وجهاء عائلة الخواجا، ويُدعى مصطفى درويش الخواجا.

 


جولة في قلعة الخواجا
جولة في قلعة الخواجا

يُضيف صلاح الخواجا إنه حتى فترة ليست بعيدة، كانت سبعون عائلة من عائلة الخواجا تسكن في القلعة. اليوم تم ترميمها لتخدم أهالي البلدة، والبلدات المجاورة، فأصبحت مركزاً ثقافياً موسيقياً وتربوياً. هنا يتعلّمون الموسيقى، والكمبيوتر، وفي هذا المكان تمّت مُعالجة نحو مئة شخص كانوا قد تورّطوا في المخدّرات. يقول صلاح الخواجا إن مثل هذه الخدمات ليست أقل أهمية من مقاومة الاحتلال.

نعود إلى بيت الحاجّة حوا الخواجا، يُشاركنا في الاجتماع هناك أيضاً عمر عساف رئيس تجمّع القرى المُهجّرة، إبن القرية المُهجّرة بيت نبالا القريبة من مُثلّث الجمال الأول، يُحدّثنا عن قريته ويقترح ضمّها إلى النشاط القادم، أما القرار الذي اتفقنا عليه، فهو إقامة نشاط العودة مع المُسنّين المُهجّرين يوم الجمعة 23/3/2017، وعيون الحاجّة حوا تقول لنا إنها تنتظر ذلك اليوم بفارِغ الصبر.

 


لوحة تعريف في قلعة الخواجا
لوحة تعريف في قلعة الخواجا

من الجولة في قلعة الخواجا
من الجولة في قلعة الخواجا

جانب من قلعة الخواجا
جانب من قلعة الخواجا

استراحة لفريق الجولة على قلعة الخواجا
استراحة لفريق الجولة على قلعة الخواجا

جانب آخر من قلعة الخواجا
جانب آخر من قلعة الخواجا