نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

معرض القدس: عبق التاريخ الديني والسياسي لفلسطين

يقام في صالة جانين ربيز على الروشة في بيروت معرض تشكيلي للفنان جميل ملاعب بعنوان "القدس" يجسد فيه فلسطين، تاريخا وتراثا، في مجموعة لوحات تعبيرية، تحمل الكثير من رموز الحكايات الفلسطينية، وعبق التاريخ الديني والسياسي فيها.

معلقات في معرض القدس
معلقات في معرض القدس

يصنف معرض "القدس" لجميل ملاعب في "غاليري جانين ربيز" على الروشة، بثلاثة أصناف: مجسمات المنمنات، والمعلقات الرمزية، واللوحات التعبيرية، وفيها حشد لا يحصى، ولا يحصر من الأشكال والرموز التي تتصل بفلسطين، وقبلتها القدس، بطريقة من الطرق.

 

الأعمال تزيد عن الخمسة عشر، ويطغى على المعرض شكل المجسمات المنمنمة، يكسر رتابة تكرارها حجم اللوحة، والشكل، والألوان، لكنها تظهر متقاربة في مضمون اللوحة التي تتردد فيها أشكال يخالها الرائي عن بعد متكررة، ومتى غاص في تفصيلاتها الدقيقة، والصغيرة الحجم، أمكنه التمييز بين الأشكال، ومعرفتها، وإلى ماذا تشير.

 

 


لوحة من وحي القدس
لوحة من وحي القدس

في هذه الأعمال، الأشكال المختلفة، التي تبدو متكررة، تتماهى خلف تنمنمها، وتخفي حقيقتها للمراقب من بعيد، حتى يخال المشاهد أنه أمام منظر واحد، متكرر بشكل مسطح، بينما يتوقع متتبع الفنون تنوعات جلية تعفيه عناء البحث والتمحيص. أما في الصنفين الباقيين من الأعمال، فهناك أشكال مستطيلة طويلة، بعرض لا يزيد عن الثلاثين سنتمترا، يعرض ملاعب منها ما هو وحيدا، أو ما هو مصطف باثنتين أو سبع من اللوحات الطويلة الرفيعة العالية، وعليها رموز مقدسية كثيرة، أكبر حجما، ولا تقل تعبيرا عن القدس من سابقاتها المنمنات. ولربما ساعدت هذه الأعمال على فهم مبتغى ملاعب في منمنماته، مؤكدة أنه لم يخرج عن موضوع القدس، ولا عن المقدسيات فيه، في التصنيفات الثلاثة للأعمال.


لقطة من المعرض
لقطة من المعرض

في هذين الصنفين، المنمنات والمعلقات، الأشكال والعناصر متكررة، يستلهم ملاعب فيها مناخ الروايات الانجيلية والقرآنية، وتاريخ المسيحية والإسلام، عن فلسطين، ميلاد السيد المسيح، حكاية مريم الانجيلية، وسورتها القرآنية، الخراف التي ترافق ألعاب المغارة، والمزود، وحمار التنقل إن لدى يوسف النجار، أم لدى السيد المسيح عائدا إلى الجليل حاملا سعف النخيل، الطيور المختلفة من يمام وديكة، إلى الفاكهة كالعنب. وما لايغيب عن مختلف الأعمال، فهي قبة الأقصى، وكنيسة القيامة التي تتكرر في كل الأعمال، بأحجام وتجليات متباينة، لتوحيد الرؤى، والانتماء، والهوية لمدينة هي الأهم في العالم: القدس.


قبة الأقصى في قلب اللوحة
قبة الأقصى في قلب اللوحة

وفيهما يحشر ملاعب القدس، وفلسطين، ورواياتها الدينية المسيحية، والاسلامية. يلمس المرء فيها ذاكرة الأجيال المتعاقبة عن فلسطين التاريخ، والقضية، ويعيش مناخات المجتمع الفلسطيني بعبق التاريخ الديني، وتعاقب رواياته، وترددها في العقائد المختلفة، الملتزمة القدس أفقا للتاريخ، وفلسطين رؤاها إلى البعيد.


فلسطينيات
فلسطينيات

الصنف الثالث أعمال اعتيادية تستجيب لشروط اللوحة، وهي قليلة، تعبر عن بعض سكان فلسطين القرويين، الذين يؤثر ملاعب تقديمهم سُمر الوجوه، أو بالأحرى "غزيون" في طابعهم المتقارب مع الجنس الفرعوني- المصري، وهم في تعبيرات مبسطة، توحي بالحياة الفلسطينية التقليدية البسيطة، وبألوان الأسود والأبيض، مع البني القاتم للوجوه.


من لوحات القدس
من لوحات القدس

ربما غابت في الأعمال بعض التعبيرات التفصيلية، فالريشة لا تُفَصِل كما القلم، بالحروف والنقاط، رغم عبق القدس، وفلسطين الطاغي بما هو "لا مفر منه"، لذلك ارفق ملاعب معرضه الفني التشكيلي، ب"منارة قمرية" خاطب فيها القدس بما يمكن أن لا يتراءى للمشاهد:


جانب من المعرض

قبة من علاقة الانسان بالسماء. دائرة، أو نصف دائرة لانعكاس شمس الحضارة.

 

معادلة هندسية لعقيدة، لسؤال، لبداية، لعلامة استفهام كونية، لجمالية شكلية، لخطوط مستقيمة، أو منحنية، أو متقاطعة تقاطع الأرض، وتألق الشجر، والثمر، والتراب، وفصول الطبيعة، وتجانسها، مع نسج خيال الانسان الذي يكاد أن يطير فرحا أملا وإيمانا.

 

أنت قبلة الذين يذهبون إلى خلف الكلام وخلف المعنى.

 

أنت اللون الذي لا يصمت، والصوت الذي لا ينقطع عن همس اللحن في أقواس قناطرك، ومآذنك، وكنائسك، وفي ترابط حجر بنيانك مع التاريخ، مع الصراع، مع حروب البقاء، مع البحث لامتلاك الحقيقة الحرة.

 

أنت القدس، قبلة الجمال، مدينة الصلاة والخلاص، شعلة الحق الذي لا يموت.

 

أنت الأرض، الصخرة التي لا يمكن أن تزول مهما طالت الحروب.

 

أنت القدس، مدينة الحضارات، وشعلة ومنارة الحرية.

 

أنت حافظة القيم، وملهمة الشعر واللون، وحافظة لضمير الكلام، وأنت الصلاة التي ما بعدها صلاة.

 

أنت قدس الأقداس، وصليب التضحية، وكنيسة القيامة التي لا تزال قائمة، وجلجلة الصلب المستمر، والمتواصل لإنسان يبحث عن السلام على مذبح العدالة المنسية.

 

أنت قدسنا جميعاً، وإليك تذهب صلواتنا بخشوع في كل يوم.