نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

"إمشي" كفعل مقاومة في كل اتجاه

من ضمن مجموعات التحرك في الداخل الفلسطيني تحت عنوان العودة، تشكلت مجموعة "إمشي-اتعرف على بلدك"، وهي حركة تطوعية كمحاولة لتجاوز المحددات العنصرية التي يفرضها الاحتلال على الأرض من خلال تنظيم مسارات للمشي أسبوعياً.

مسارات مجموعة "أمشي"

من ضمن مجموعات التحرك تحت عنوان العودة، تشكلت مجموعة "إمشي-اتعرف على بلدك"، واحدة من العديد من المجموعات الأخرى، وهي حركة فلسطينية تطوعية تشكلت صيف 2012 على يد عدد من شباب، وصبايا البلد كمحاولة لتجاوز المحددات العنصرية التي يفرضها الاحتلال على الأرض من خلال المشي، من خلال تنظيم مسارات للمشي أسبوعياً.

اعتمدت المجموعة فكرة المشي لما رأت في المشي من أبعاد متعددة، منها وصل ما انقطع من الأرض، والناس، والشعب، وهي التفاعل مع الأرض، والوطن، وهي عملية تكاملية بين الأرض الانسان، فيها يمارس حياته، وضروراته في ربوعها، وهوائها، ومائها، وجبالها، ووديانها، وكل ما فيها.


الكاتب وأحد مؤسسي مجموعة "أمشي" أنور حمام
الكاتب وأحد مؤسسي مجموعة "أمشي" أنور حمام

فكرة المشي وأهميتها بنظر المجموعة، كتب عنها أحد مؤسسيها أنور حمام، وهو كاتب مقيم برام الله، وعضو بمجموعة (امشي – اتعرف على بلدك).


مجموعة "امشي" في إحدى الجولات

"امشي" هي دعوة على هيئة فعل آمر رقيق نحتاج إليه لإعادة اكتشاف فلسطين الأرض، الوجه الآخر، ولنعيد قراءة التاريخ بدرس عملي. نمر على حجارة كنعانية، وأعمدة رومانية، ونقوش إسلامية، ودروس في الحياة، والألوان، والأزهار، وقوة إرادة البقاء لدى كائنات جميلة، وعنيدة عاشت، وتعيش فوق هذه الأرض، ورسمت بفعالية، واندهاش لوحة بين الصخور كانسياب الماء، والتصاق قرن الغزال بالصخور، ونثر شقائق النعمان في مساحات شاسعة.

ونمشي لنؤكد أن الجدار هو فاصل رديء، وبائس يقطع بيأس فلسطين كجملة واحدة، لكنه لا يستطيع أن يمنع انتقال الزهر، والورد، والحمام، والفراشات ورائحة الزعتر البلدي والروز ماري وزعتر البلاط. والمشي هو تأكيد على وضوح ساحلنا البعيد من فوق تلال جبالنا، ولحظة التقاء مع زعترنا البري المسقي بكرم الصخور المستولد بقسوة، والعكوب والخرفيش والميرميه.

نمشي لنلقي التحية على يد تحفر بئراً، وعجوز يحرث قطعة أرضه في السفوح البعيدة وبدوي يصنع أجبانه بلا اكتراث، ونعجة تتمشي بكل هدوء، وغزالة تشم القادم من البعيد وشنارة ماكرة تحاول ان تغطي على فراخها او بيضها بهروبها السريع.

وللمشي عندنا في الجبال، والوديان، والتلال، والسهول ثقافة تخصه، كما أنه محاولة لإعادة ترتيب العلاقة مع أمنا الارض، وتأكيد الارتباط الوجودي بين الانسان، ومجاله الحيوي، وهناك نعيد تفعيل الذاكرة، فكل خطوة نخطوها فوق هذه الارض يترتب عنها جمالات، ومواقف، واحداث تتحول ذكريات نؤثث بها عمرنا.

والمشي تأكيد امتلاك، وحوار انيق بين الخطوات والطرقات، بين الانسان، والجبال، والجمال، وسحر الارض، وخيرها، ومسيرة شاقة، وممتعة في الوديان، تذكرنا بحكايات درويش عن موسيقى الطبيعة، والحجارة، واللغة، واختراع جماليات التراب، والصخور، والأزمنة، وتضعنا بعهدة فيروز التي حولت الجبل، والسهل، والبحر، والمدى لنغم او نشيد.

والمشي لقاء استثنائي مع حجارة الوادي المشتاقة للماء، وللرقص مع فراشات يداعبهن الهواء برقة، ونعومة.


نمشي كي نعيد توزان الطاقة في اجسادنا الهشة، وكي نصبح اكثر قوة، ونجدد علاقتنا بالحياة، والعناصر كلها، ننظف صدورنا من دخان الشوارع، ونخرج من دواخلنا كل ما علق بها من هموم المكاتب، والسياسة، والفقر، وقلة الحيلة، ولكي نتنفس بعمق، ونعيش لحظات تأمل ممكنة وحقيقية.

نمشي لنوازن الفصول الاربعة داخلنا، لنعادل الالوان حين نطل من فوق جبل مكسو بالخضرة على بحر ممتلئ بالزرقة والجمال، وهي برودة الشتاء في عز الصيف حين تسكن مغارة تحلب الماء من ثداء الصخور كحليب الارض.

***

حين نمشي تتحول الارض الى ظل خروبة، وارتفاع سروة، وهواء كينياء، وطعم برتقالة، ورائحة ازهار الليمون، وجمال ازهار اللوز، وجذور شجرة الصبر، ورائحة القهوة والشاي على مواقد الفلاحين السارحين في الحقول.

وأن تمشي يعني ان تغني بصمت أو بصوت ، وان ترقص في ملكوت ربك ونفسك ، وأن تتوفر لك فرصة لمصاحبة الصخر وحرير الوادي والزهر ورائحة البحر وأن تّعرف خير الخلوات.

وبالمشي، نعم بالمشي، نصادق في كل خطوة على أن الأرض بجلالة قدرها لنا، ونحن لها، والمشي فعل تأكيد، وامتلاك للمساحة، والهواء، وأبعاد الزمن الثلاثة، وفعل معرفة متاح، وممكن، وفي متناول أيدينا مهما ضاقت المساحات.

مشينا بإثر من مشوا، وسنبقى نمشي جيلا تلو جيل.

إمشِ وحول المشي لمقاومة بكل اتجاه.