محمود شقير

روائي وكاتب فلسطيني

رواية العسف وتربية الصمود لجميل السلحوت

في هذه الرواية يستند جميل السلحوت إلى رواياته الأربع السابقة لتقديم شخصية بطله الرئيس خليل، ولإغنائه بمزيد من الكشف عن تفاصيل حياته، وعن مكابداته من التعذيب أثناء الإعتقال بسبب وشاية من الجاسوس أبو سالم، لها علاقة بقيام خليل بتوزيع منشورات سرية في الليل.

  • رواية العسف لجميل السلحوت

رواية "العسف" للأديب جميل السلحوت الصادرة عام 2014 عن "دار الجندي للنشر والتوزيع" في القدس، هي الجزء الخامس من سلسلة "درب الآلام الفلسطيني" للروائي السلحوت. وتأتي بعد روايات "ظلام النهار" و"جنة الجحيم" و"هوان النعيم" و"برد الصيف". وجميعها صدرت تباعاً عن "دار الجندي للنشر والتوزيع" المقدسية.

تقع الرواية التي صمّمت غلافها الفنانة التشكيلية رشا السرميطي في 130 صفحة من الحجم المتوسط. ومما يذكر أن هذه الرواية منذ أن نشر أسعد عبد الرحمن كتابه "أوراق سجين" عن تجربة اعتقاله في سجون الاحتلال الإسرائيلي بعد هزيمة حزيران – يونيو 1967، ظهرت كتب كثيرة تتناول تجربة الإعتقال والتعذيب في السجون الإسرائيلية. وقد تنوعت أشكال التعبير عن هذه التجربة، وتراوحت ما بين الشهادات الموثقة والمذكرات ونصوص السيرة الأدبية والروايات. وأعتقد أن الشكل الأكثر شيوعاً للتعبير عن التجربة كان الشهادات.

في هذا الجزء الخامس من سلسلته الروائية يستند جميل السلحوت إلى رواياته الأربع السابقة لتقديم شخصية بطله الرئيس خليل، ولإغنائه بمزيد من الكشف عن تفاصيل حياته، وعن مكابداته من التعذيب أثناء الإعتقال بسبب وشاية من الجاسوس أبو سالم، لها علاقة بقيام خليل بتوزيع منشورات سرية في الليل، فيها، كما يبدو من السياق، تحريض ضد الاحتلال.

ومنذ سطورها الأولى وحتى آخر كلمة فيها، شكّلت الرواية درساً وطنياً وتربوياً يمكن للأجيال الجديدة أن تتعلمه وتحتذي به في حالة وقوع أفراد منها في الإعتقال، ذلك أن هذا الصمود الذي أبداه خليل تحت التعذيب، يعتبر من أهمّ ركائز العمل الوطني ضد الإحتلال.

ولقد حرص الكاتب على توظيف كل خبراته في السرد الذي لا ينقصه التشويق، وفي الإستعانة باللغة القادرة على نقل المشاعر والأحاسيس من دون مبالغة أو انجرار إلى الميلودراما، وفي إدارة الحوار المعبّر عن مدى وعي الشخصيات، وفي التنويع على السرد بالعودة إلى ماضي الشخصيات باستحضار ذكرياتها، وتوزيع الذكريات بطريقة فيها إمتاع من جهة، وفيها كشف عن طبيعة هذه الشخصيات من جهة أخرى، كما هو حال الحاج فلعوص الذي تغريه المبالغات الكاذبة حد ادعائه المشاركة مع هتلر في خوض الحرب العالمية الثانية. ناهيك عن التطرق إلى موضوعات لها علاقة بالقضية الفلسطينية وبحق الفلسطينيين في وطنهم، وكذلك بالدعاية الصهيونية المضللة وبالمنظمات الدولية التي تتابع الشأن الفلسطيني وحقوق الإنسان، وغير ذلك من الموضوعات التي يمكن أن تنشأ على هامس القضية أو في صلبها، ومثال ذلك الحديث عن الديمقراطية والحديث عن الدين أو على الأصح الفهم الخاطئ للدين.

وقد تمنيت لو أن الكاتب لم يتسرّع في إنهاء دور الأستاذ داود، وهو المسؤول عن خليل في سياق المقاومة الوطنية، وهو الذي سلّمه المنشورات لتوزيعها في القرية. ففي حين انصب التعذيب على خليل للحصول على اعترافات منه، فإن الأستاذ داود لم يخضع للتعذيب، ولم تواصل سلطات الاحتلال اعتقاله، وإنما سارعت إلى إبعاده، قبل أن تنتهي من التحقيق مع خليل.

كما تمنيت لو أن الكاتب تعامل مع مادته الواقعية بطريقة مختلفة. فثمة طغيان لنزعة التسجيل على الرواية. والحديث المفصل عن وقائع التعذيب وعن الحياة البائسة في السجن، وعن معاناة المعتقلين فيه، لا يترك مجالاً لعنصر الخيال الذي لا بد منه في أي عمل إبداعي.

صحيح أن الكاتب حرص على توفير بعض لمسات يمكن للخيال أن يجد له دوراً فيها، ومثال ذلك شبح الشيخ الملتحي الذي يزور خليلاً في لحظاته الصعبة ويشجعه على الصمود. لكن هذا لا يكفي، وكان يمكن تقديم المادة الواقعية على شكل شهادة لا تبقي تفصيلاً من تفاصيل التعذيب إلا ذكرته ووثّقته، ليشكل دليل إدانة للمحتلين جراء ما ارتكبت أياديهم من عسف ضد الفلسطينيين.

وكان يمكن لهذه الوقائع أن تردَ ضمن منظور أشمل في هذه السلسلة الروائية، بحيث يجيء الجزء الخامس منها أكثر اشتباكًا مع الحياة وتجلياتها داخل السجن وخارجه. وللتدليل على ذلك نشير إلى شخصيات الرواية، فإذا استثنينا الشخصية الرئيسة، فإن بقية الشخصيات تمر مرورراً سريعاً، ولا يبقى منها إلا القليل في ذهن المتلقي، وهذا أمر لا ينسجم مع منطق الرواية.

مع ذلك، ثمة عناصر فنية لا يمكن إنكارها، وهي غير قليلة في هذا النص الأدبي.