صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان

عصام

يسمى به الرجل والمرأة.. ماذا يعني اسم عصام؟ وما هي اشتقاقاته؟

نَفسُ عِصامٍ سَوّدتْ عِصاما
وعَلّمتهُ الكَرَّ والإقداما
وصَيّرتهُ مٍلِكاً هُماما
حتّى عَلا وجاوَزَ الأقواما

هذان البيتان للشاعر المعروف بالنابغة الذُبياني (ت 604 م) يمدح بهما عِصام بن شَهر الجَرمي حاجبَ الملك النُعمان بن المُنذر. وكان هذا الملك أراد أن يفتك بالنابغة بسبب قصيدة وصف فيها المُتَجرِّدة زوجة النعمان الذي ظن أن للشاعر علاقة بها. فأخبر حاجبُه الشاعر بأن الملك ينوي قتله فهرب. ومدح عصاماً بهذين البيتين.
وكان عصام هذا رجلاً من عامة الناس إلا أنه كد واجتهد حتى تقرّب من النُعمان وصار حاجبه وصاحب نفوذ عنده. وقد أصبح عصام هذا مثالاً للرجل الذي يبني نفسه بنفسه لا بأبيه وجدّه. وإليه يُنسَب الرجل الذي يفعل فعله فيقال إنه رجل عِصاميّ. وإلى هذا المعنى يذهب أمير الشعراء أحمد شوقي (1868-1932)في قوله بمناسبة افتتاح مبنى الجامعة المصرية في القاهرة:

شُرُفاتُهُ نورُ السبيلِ ورُكنُهُ

للعبقَريّةِ منزلٌ ومَقامُ
يَمشي بها الفِتيانُ هذا ما لهُ
نفسٌ تُسَوّدُهً وذاكَ عِصامُ

وعصام اسم علم مُذكر وقد يُطلَق على الإناث أيضاً. ومن أمثالهم «ماذا وراءكَ يا عِصامُ؟» يُسأل به القادم عن أمر هامّ هو على عِلم به.
والمقصود هنا هو عِصام حاجب النعمان. وإذا قيل المثل بصيغة التأنيث «ماذا وراءكِ يا عِصام» فالمقصود امرأة من كِندة تدعى عصام وكانت ذات عقلٍ ولِسان وأدبٍ وبَيان.
واسم عِصام مشتَقّ من المادة اللغوية "ع ص م" تدلّ على إمساكٍ ومنعٍ ومُلازمة. ومن ذلك العِصامُ وهو الحبل الذي تُشدّ به القِربة وتُحمل. سُميَت بذلك لأنها تُمسِك الوِعاء. والعِصام أيضاً هو العهدُ على سبيل المجاز، لأن صاحب العهد أو الميثاق يتمسك به ولا يتخلّى عنه. وأبو عِصام كُنية السَويق وهو من دقيق الحِنطة والشعير.
ومن ذلك العِصمةُ وهي المنعُ. والعِصمة أيضاً اجتناب المعاصي أو الخطأ. ومنه اسم العلم عِصمة وهو مشترك بين الرجال والنساء.

ومن هذا الأصل اللغوي اشتقّ اسم العلم المذكر عاصم .والعاصم هو المانع. ومن أسمائهم معصوم وهو الذي لا يرتكب إثماً ولا يقترِف خطأ. ومُعتَصِم وهو اسم الفاعل من: اعتصم بالشيء إذا لجأ إليه وامتنع به. والمعتَصِم لقبُ ثامن الخلفاء العباسيين محمد بن هارون الرشيد، وهو الذي مدحه أبو تمّام (788-845م) بقصيدة مشهورة في مناسبة فتح عَمّورية حيث يقول:


تدبيرُ مُعتَصِمٍ باللهِ مُنتقِمِ
للهِ مُرتَقِبٍ في اللهِ مُرتٍهِبِ
لم يَغزُ قَوماً ولم يَنهض إلى بَلدٍ
لا تَقدّمهُ جيشٌ مِنَ الرُعُبِ
لو لم يَقُد جَحفلاً يومَ الوَغى لَغدا
مِن نَفسِهِ وحدَها في جَحفلٍ لَجِبِ