هيثم طفيلي

روائي وكاتب مسرحي سوري

من سيربح المونديال؟

حواء: قل لي الآن، من سيربح المونديال؟ آدم: الرابح معروف قبل انطلاق أول صافرة

حواء: لم تتأخّر عند مصفّف الشعر، لقد ذهبت وانتهيت قبلي

آدم: مللت فضيحة البشرية فهربت

حواء: ماذا؟ فضيحة البشرية هكذا مرة واحدة؟

آدم: نعم. في صالونات الحلاقة تثرثر العقول عن جشعها فيتحدث الرجال عن أموالهم وسلطاتهم، سياراتهم وممتلكاتهم بينما تغني النساء في صالوناتهن ملء قلوبهن عن الحب والغيرة والجمال والرقص والأطفال والشموع الحمراء.

حواء: وأنا أغنيك وحدك لا شريك لك في خيالي .... هل راقت لك تسريحة شعري الجديدة؟

آدم: إصرارك على الجمال هو ما يروقني حقاً، رغم كل البؤس الذي تعرّضتِ له فإنك ترقصين للفرح كأن شيئاً لم يكن .... كدمشق بعد كل حرب

حواء: وما أخبار دمشق؟

آدم: مذهولة ومشغولة كأهلها برقص الرجال

حواء: ماذا تقصد؟

آدم: أقصد هؤلاء اللاعبين الذين يركضون خلف هذه الكرة وكأنها نجمة أبديتهم

حواء: هذا الوصف يزعجني. فهذه اللعبة عاطفية جداً حتى تكاد تكون امرأة ومزاجية أكثر من أن تكون رجلاً. إنها لعبة مجنونة أكثر مما يليق برجل، وساذجة في توزيع الحظ كمعشوقة

آدم: لم أقصد أبداً أن أحرم شهقة الكون الأولى "النساء" من شهقات متعة كرة القدم. فإن كانت هذه اللعبة تسمح لشرقي أن يشجع فريقاً في أقصى الغرب من دون وخزة تخوين واحدة، وإن كانت تسمح لمسلم أن يحب لاعباً مسيحياً بل ويتعصّب إليه أحياناً والعكس بالعكس من دون طعنة تكفير قاتلة، وإن كانت تسمح لفقير وغني أن يشعرا بوحدة المصير في الفرح والحزن من دون رصاصة غرور واحدة ومن دون نظرة حسد واحدة، فالأولى بهذه اللعبة ألا تكون عنصرية ولا تفرق بين أسود وأبيض أو بين امرأة و رجل .... كل ما قصدته أن اللعبة مازالت شعبيتها بين أقدام الرجال لا النساء

حواء: ربما كان من الممتع والمُنصف مشاهدة الرجال يركضون كالأطفال خلف كرة بعد أن أمضينا حياتنا ونحن نركض خلفهم لنقتل غرور بنادقهم

آدم: مصيبة الرجال أنهم أطفال ويدّعون أنهم كبار وجرح النساء أنهن أمّهات ويدعين أنهن أطفال. وحدها هذه الكرة تعيد كل منهما إلى مكانه

حواء: قل لي من أول من اخترع الكرة ثم لعبة كرة القدم؟

آدم: الله يا عزيزتي أول من خلق الكرة ولو أن الكرات التي خلقها بحجم كوكب ونجمة. الحكيم أخبرنا بأن الإنسانية تعيش في اللعب لا في الحرب

حواء: لكن المباراة أشبه بحرب صغيرة

آدم: حرب تبدأ بثأر أبيض وتنتهي بتسعين دقيقة ثم لا تترك قتيلاً واحداً، ولا تنتهي براية بيضاء مظلومة إلى الأبد. أيا ليت كل حروبنا هكذا؟

حواء: قل لي الآن، من سيربح المونديال؟

آدم: الرابح معروف قبل انطلاق أول صافرة

حواء: من؟

آدم: البشرية. كل البشرية التي ربحت شهراً من بعض السلام، من حروب أقل وكلام في السياسة أقل

حواء: صحيح، وأيضاً شهر من اللاطائفية واللاعنصرية واللاطبقية. شهر من إلغاء الحدود ولو في المخيّلة . ليت المونديال يتكرّر كثيراً ويكون إجازة آخر السنة من كل حديث عن الحرب والمال والطاقة والسياسة