هيثم طفيلي

روائي وكاتب مسرحي سوري

جمعيات الفتنة؟

آدم: يا شجرة أطفالي وأحلامي. إسمعي مني ما سأقوله لك الآن. اليد التي تطعم فقراء طائفتها فحسب يد قاتلة ولو بعد حين. حواء: لكنك لن تستطيع إنكار أنهم يساعدون الكثيرين.

حواء: ليتك لم تقبل دعوة جارنا إلى العشاء.

آدم: يبدو أن طعامهم لم يعجبك؟

حواء: كان طعاماً فاسداً على أي حال، لكنه حتماً ليس كفساد الحياة التي يعيشونها.

آدم: هل تزعجك حياتهم وأنت لم تزوريهم سوى ساعتين؟

حواء: بل أزعجني الرغيف الذي سرقتُه من أفواه جائعة مفتوحة تلتهم الهواء.

آدم: كنت ألوم نفسي حتى رأيت خيول الفرح تتسابق في عينيه، لقد كان جائعاً ليكون مضيفاً لنا. لقد كنا اليوم يا حواء رغيف جارنا حين أكلنا من رغيفه.

حواء: يا لبؤسهم ... ما ذنبهم حتى يحتملوا كل هذا الفقر؟

آدم: ذنب البسطاء طهارتهم، الفقر في الحرب وضوء وطهارة.

حواء: أين الجمعيات الخيرية من كل ذلك؟ لقد صار تعدادها بالآلاف؟

آدم: تقصدين مكاتب تجنيد الفتنة؟

حواء: على رسلك، أنت تبالغ كثيراً!

آدم: أنا؟ أبداً. الجمعيات الخيرية التي تنشأ على أساس ديني مذهبي هي مشانق الغد في ساحات الوطن. أرى الإنسان الخيّر هو من يترفّع عن العرقية والعنصرية والطائفية، إلا إذا كان على هيئة خير يحمل في باطنه شيطان.

حواء: متى كانت اليد التي تطعم فماً جائعاً مشنقة وقبراً.

آدم: يا شجرة أطفالي وأحلامي. إسمعي مني ما سأقوله لك الآن. اليد التي تطعم فقراء طائفتها فحسب يد قاتلة ولو بعد حين. فهي ستمتلك الجرأة غداً وتصير مجرمة، وما أصل الجماعات المسلحة إلاّ كذلك.

حواء: لكنك لن تستطيع إنكار أنهم يساعدون الكثيرين.

آدم: صحيح! لكنهم يشبهون نفاق الجزار مع الخراف حين يطعهم ليسمنوا ثم يذبحهم يبيعهم. أليس من العقل أن ننظر في الجهات المموّلة لهذه الجمعيات حتى نعرف ما هي برامجها وأهدافها؟ من يدري ربما كانت نيّة مموليها زرع شجرة قتلة مأجورين؟ في النهاية من السهل على من يطعمك أن يقنعك بالعدو الذي يشاء. هكذا قد تحارب جارك وأخيك على مبدأ "طعمي التم بتستحي العين".

حواء: أنت على حق! الفقر ضباب يساوي الأعمى بالمبصر.

آدم: أنظري إلى ثرثرتهم فتعرفين نفاقهم.

حواء: لم أفهم!

آدم: الخير كالحب فعل صمت لا ثرثرة. إني أرى هذه الجمعيات سرطان مقيت يقتل من بقي منا بيدنا.

حواء: وما الحل؟ هل على الدولة إستئصالها وإيقافها عن العمل؟

آدم: لا، بل أن تراقبها وتديرها إن احتاج الأمر. أخاف أن تكون بينها يد محبة للخير ونقطعها فيقال "إن أردت الخير لنفسك فلا تعطه لأحد".

حواء: وهل تستطيع الدولة ذلك؟

آدم: إن لم تخف من مافيات تجار الدين والحرب فإنها ستفعل ذلك بالتأكيد، خاصة إذا خافت على أعمدة سلامها أي جنودها وفقرائها.

حواء: ليتها تفعل!