هيثم طفيلي

روائي وكاتب مسرحي سوري

نحن مع أهل اليمن

في ميزان الإعلام جريمة واحدة أهم من ألف مجزرة!

في ميزان الإعلام رجل واحد أثقل من أهل اليمن!
في ميزان الإعلام جريمة واحدة أهم من ألف مجزرة!

 

تجعل حواء التلفاز صامتاً بعصبية ثم تجلس وهي تزفر الهواء باتجاه آدم كعادة كل أنثى حين تنادي رجلها ليحضنها. تستمر في الزفير حتى يلتفت إليها.
آدم: يبدو عليك أنك غاضبة ... لماذا؟
حواء: لا أفهم هذا العالم. كل المجازر ودموع الجياع والقبور التي تنبت في اليمن، ولا شغل لهذا العالم الأبله سوى الحديث عن جريمة قتل رجل واحد.
آدم: تقصدين جريمة قتل جمال خاشقجي ... أيعقل أنك لم تحفظي إسمه بعد؟
حواء: أحاول ألا أحفظه. أن أقف على مسافة واحدة من كل هذا الدم هنا. فإن حفظت إسمه وجب عليّ حفظ أسماء شهداء اليمن وأطفاله. فمن يخبرني بكل الأسماء التي طارت وتطير وستطير في سمائنا؟ وأي ورق في القلب سيتسع لحشدها المظلوم الذي نام في القبور من دون أن يلتحف الأسماء؟
آدم: إنه ميزان الإعلام في أولوية الخبر والحدث
حواء: نعم، في ميزان الإعلام رجل واحد أثقل من أهل اليمن، وجريمة واحدة أهم من ألف مجزرة. أعذرني لكن هذا ليس ميزاناً عادلاً.

يبتسم آدم وكأنه يودّ بابتسامته أن يخفّف من عصبيتها.

آدم: قصص الإعلام لا تحتكم إلى العدل بل إلى التشويق

تتابع كلامها من دون أن تترجّل عن غيمة غضبها.

حواء: بل تحتكم إلى المال الأسود والسياسة القذرة. أما إذا كان الأمر يتعلق بالتشويق فدعني أنصح أهل اليمن أن يلعبوا الغميّضة ويخفوا أشلاء شهدائهم الأبرياء ويصنعوا جسراً من أطفالهم الجوعى لعل مأساتهم تملك من التشويق ما يكفي لتصير خبراً مهماً على الفضائيات.

آدم: قدر تراجيديا اليمن أن تكون على خشبة مسرح العتمة، من دون باب صوت أو نافذة ضوء.
حواء: ما هذه الإنسانية التي تصير عرجاء عندما تتقدم لتطعم طفلاً جائعاً، وعمياء حين يمد لها مسكين يده لتنقذه وصمّاء حين تصرخ مظلومة قهرها أمامها.

يبتسم آدم ساخراً لكن بقهر المعترض الذي لا يملك لساناً.

آدم: لا أصدق دهشتك لتغاضي الإعلام عن مظلومية أهل اليمن، كأنك لا تعرفين أن القتلة صاروا يملكون الصوت والصدى. هذا الزمن صار ملكاً للظالمين.

تنظر إلى عينيه بثقة.

حواء: إن كان عنق اليوم بيد الظالمين فإن الغد حتماً سيكون حنجرة للمظلومين. قم وقف إلى جانبي. قم واصرخ معي ملء حنجرتك وقلبك "نحن مع أهل اليمن".

يتمتم آدم غناء وكأنه صدى صوتها.

آدم: نحن مع أهل اليمن.