هيثم طفيلي

روائي وكاتب مسرحي سوري

لا حطب ولا نبيذ

الشتاء مأساة الفرادى، قليلو الحظ

يقف آدم مُبتسماً عند النافذة ويضرب بحصى عينيه السماء بثقة، بينما تتقدّم حواء منه وتتوسّد برأسها على كتفه.

حواء: ألست جائِعاً؟

يميل برأسه باتجاه رأسها مُبتسماً.

آدم: لا ، قد أطعمني رأسك حين ارتاح هنا

حواء: و ما سرّ ابتسامة النصر على وجهك؟

آدم: لم أصل النصر لكني ضمنت عدم الهزيمة.

حواء: نصر وهزيمة أمام مَن؟

آدم: منذ أربع سنوات لم أكره فصلاً كما كرهت الشتاء، لطالما طلبت منه ألا يأتي أو أن يتمهّل على هزيمتنا نحن الفقراء لعلّنا نجهّز "مونته" وندفع له ضريبة الاحترام.

حواء: أكنت فقيراً معدماً لهذه الدرجة؟

آدم: لم تتغيّر أحوالي المادية ، فمنذ عقدٍ من الزمن وأنا أمتلك هذا المنزل وهذه السجادة التي أقسم البائع أنها فارسية وهي لم تلمس متراً واحداً من ذاك التراب، منذ عقد من الزمن و أنا أمتلك ذات المعطف الطويل والجزمة الجلدية التي ملّت قدمي ولم أملّها.

حواء: أكان ذاك الشتاء فقيراً بالخبز والحطب؟

آدم: كان فقيراً بهما عن السنة التي سبقته لكنه غنّي بهما بالنسبة لهذه السنة، كما ستكون هذه السنة غنية بالخبز بالنسبة للسنة القادمة، بكل الأحوال لم أقصد هذا النوع من الفقر.

حواء: أيّ نوع تقصد إذاً، أو بالأحرى ماذا نقصك في ذاك الشتاء؟

آدم: أنت

حواء: أنا؟

آدم: أجل أنت، لا حطب ولا نبيذ، لا قمح ولا زنجبيل ... "مونة" الشتاء حبيب.

حواء: وماذا ستقدّم لك عاجزة مثلي؟

آدم: رغيف عناق إذا ما جاعت الروح ولحاف قبلة إذا ما اقترب صقيع الوحدة.

حواء: صدقت، فإذا كان طقس الخريف يُنادي حزننا للسفر على وجوهنا دموعاً فإن عتم الشتاء يغري لون الشوق ليرسم عناقاً، ويد الموسيقى أن تنحت من حجارة صنمين "أجسادنا" رقصاً واحداً.

آدم: لطالما كان الشتاء أرقّ مواسم الحب حين يكون عناقاً وأشدّه إيلاماً حين يكون فراقاً، الشتاء ظالم ينحاز للأيادي المُتشابكة ويضرب بقسوة على أيدي كل الماشين فرادى.

حواء: صدق الغريب حين قال "أعان الله في الشتاء الفرادى"

آدم: تعالي نغني أغنية الغريب معاً

يتقدّمان من النافذة ثم يفتحانها أمام الريح ويبدآن بالغناء معاً:

"مَن لم يجمع في الصيف قمحاً حبة حبة

سيموت جوعاً، هكذا توّعد الشتاء

........

من لا يمتلك عناق حبيبة، رجل مسكين دخل ليالي باردة عارياً من دون معطف

هكذا همس الريح

........

من لا يملك حبيبة، رجل سيمشي رصيف الأشهر الستة القادمة بكل مطرها وثلجها

من دون نار من دون مظلة، هكذا قال الغيم

........

الشتاء مأساة الفرادى، قليلو الحظ

أعان الله على الشتاء الفرادى