هيثم طفيلي

روائي وكاتب مسرحي سوري

الناجية الأولى ... أمل حسين

عجزنا عن إضحاك أمل فصفعتنا وأبكتنا. البشرية كلها تستحق اللعنة.

بعض صوَر وموسيقى حزينة حتى يصبح الموت مُختصراً كخبر، وحتى تصير هذه الجريمة اعتيادية وكأنها مستوحاة من فيلمٍ هوليوودي، بصوتٍ هادئ لا يليق بعويل صرخات الوداع  قالت المذيعة "ماتت أمل جوعاً".

لم يكن غريباً أن يُصلب آدم دهشة من هذه الجملة.

آدم: ماتت جوعاً! هل هذا خبر أمْ جملة مسرحية تتحدّث عن حقبة العصور الوسطى؟

تُتمتم حواء وكأنها في عالمٍ آخر.

حواء: لقد نجت أمل.

يلتفت إليها باستغراب.

آدم: ماذا؟ ألمْ تسمعي الخبر جيّداً؟

حواء: أقصد أنها نجت وفي موتها صار لها اسماً لا مجرّد رقم في عدد الشهداء المتزايد.

آدم: لقد أبكتني حقاً، وربما أبكت الإنسانية جمعاء.

حواء: عجزنا عن إضحاك أمل فصفعتنا وأبكتنا. البشرية كلها تستحق اللعنة.

آدم: ومتى صارت البشرية شريكة في الجريمة لتستحق اللعنة؟

تُجيب حواء من دون أن تروّض خيول نبرتها الغاضِبة.

حواء: البشرية باعت للجلاّد سلاحه وفي أحسن الأحوال بالت على نفسها وبلعت كلماتها بعد أن أغلق السفّاح فمها بالمال. هذه البشرية هي من دون شك شريكة في مجزرة اليمن. هذا البلد الذي ينصب خيام العزاء كل عشر دقائق لم تكلّف البشرية نفسها عناء تعزيته حتى، إلى أن نفذ مذنّب أمل إلى سماء الأخبار وفضح نفاق هذه البشرية.

آدم: لعلّ البشرية تريد الاعتذار

حواء: تخيّل أن يصفعك أحدهم ثم يعتذر منك ثم يصفعك مُجدّداً وهكذا... هل يكون اعتذاره صادِقاً؟ لا أصدّق اعتذاراً لا يحمل أخلاق التوبة ولا أرى التوبة كاملة إلا بوعدٍ صادقٍ بتصحيح الخطأ لا بتكراره.

آدم: كيف نُصحّح الخطأ مع أمل؟

تُجيب بثقة.

حواء: أن ننقذ البقيّة الباقية من أطفالِ اليمن، فإذا كانت أمل قد نجت باسمها، فإن الآلاف من أطفال وطنها ماتوا في العَتمة. ماتوا فقراء مُفلسين حتى من أسمائهم. نحن فوق كل الموت الذي نفرضه على أهل اليمن، نسرق أسماء الشهداء وندفنهم في عقولنا بعددٍ يُحصيهم كما تُحصى الأغنام والحجارة.

آدم: هل تريدين منا أن نحفظ مئات الآلاف من الأسماء؟

حواء: يا لوقاحتنا ووقاحة الحرب استصعبنا حفظ أسماء الشهداء ولم نستصعب قتلهم، غنّ مع السماء أسماءهم، فالله أمرَ كل مَن في الأعلى بترتيلها وتجويدها.

آدم: فليكن، ولنبدأ باسم الناجية المحظوظة، الناجية الأولى "أمل حسين".