هيثم طفيلي

روائي وكاتب مسرحي سوري

أقسى الرصاصات هي الرصاصة الأخيرة

فليرحمنا الله وليرحم قلوب المخطوفين وذويهم

حواء: كم أشتاق أن تودّعنا هذه الحرب الملعونة!

آدم: ربما ستراقصين الريبة إن أخبرتك أني أخاف من نهايتها

حواء: أتكون قد وقعت في غرامها أو اعتدت هذا الخراب؟

آدم: يقتلني خراب الحروف في الكلمات فما بالك بخراب البلاد ومَن فيها؟

حواء: إذاً لماذا تريد بقاء الحرب وهي تثقل الخطوات على ترابنا؟

آدم: حتماً أنا لا أريدها، كل ما في الأمر أني أشفق على أصحاب الآمال فيها.

حواء : منذ متى وأنت تخشى على تجّار الحرب؟

آدم: ليس هؤلاء الأنذال مَن قصدت، أعني تجّار الأحلام وبائعي الأمل لأنفسهم.

حواء: مَن هم هؤلاء؟

آدم: المخطوفون وذويهم.

حواء: لا أفهمك

آدم: قبل ثمانية أشهر عندما كتبت إحدى المعارك سطرها الأخير وبينما كنا نغنّي السلام ونرقص الفرح، رأيت في الضفة الأخرى منا مَن هطل السواد على أكتاف عيونهم ثقيلاً غليظاً، رأيت في الضفة الصادقة منا الخيبة تصلب مليون زغرودة .... لقد أقامت الرصاصة الأخيرة ألف ألف مأتم.

حواء: الرصاصة الأخيرة تقيم الأعراس ولا تفتح العزاء إلا حين تحلّ الهزيمة، عدا ذلك فإن النصر يثمر فاكهته.

آدم: فاكهة النصر التي أكلناها كانت لقمة سامّة في أفواه مساكين أجبرناهم على ابتلاعها، نحن قتلة ولو عن غير قصد.

حواء: مَن قتلنا وكيف؟

آدم: أقصد العشرة آلاف مخطوف الذين قتلوا بالرصاصة الأخيرة، الذين لم يخونوا التراب وخانهم بخل ذاكرتنا، الذين اشتروا الأرض لنا ولم نعطهم حتى قبوراً، أقصد الأمّهات اللواتي استدان الوطن منهن أولادهن ونكر في النهاية معروفهن.

حواء: يا عار ألسنتنا، كم أقسمنا على الذاكرة وكم نسينا! يا عار قلوبنا، كم خذلت قضية من نصرنا!

آدم: لهذا دائماً كنت أقول إن "أقسى الرصاصات هي الرصاصة الأخيرة"

حواء: يا حزنهم الصامت سامحنا على فرحنا الثرثار

تنهمر حواء بالبكاء فجأة.

آدم: ابكِ، أشجار القضايا التي لا تسقيها الدموع تموت بسرعة، وتُنسى كأنها لم تكن، إبكِ.

حواء: فليرحمنا الله وليرحم قلوب المخطوفين وذويهم.

يرفع عينيه إلى السماء بتوسّلٍ صادق.

آدم: يا الله، أكتب لنا النجاة وإياهم من الرصاصة الأخيرة.

حواء: يا الله، اكتب لنا النجاة وإياهم من الرصاصة الأخيرة.