هيثم طفيلي

روائي وكاتب مسرحي سوري

أمنية العام

فليكن عاماً يصير فيه المظلوم سجّاناً والظالم سجيناً.

يبدو آدم مُنشغلاً بكتابة رسالة مُستعجلة.

حواء: ماذا تكتب؟

آدم: الأماني التي تُكتَب على الورق تُنسى بسرعة، لذا اعتدت أن أرسل لكل عام مقبل أحلامي ليحملها إليّ ولا ينساها.

حواء: أسهل الأمنيات نسيانها، فليساعدنا العام القادم على ذلك.

آدم: هذا يأس سيمنعنا عن الحلم

حواء: هرمت كفاية، لم أعد طفلة طائشة تقع في فخّ الحلم

آدم: الأحلام هي أقداح الخمر التي صنعها الله لترفع عن كاهل أرواحنا التعب، إنها منشورات الأمل في أقبية القسوة بينهم والنور المُستيقظ في ظلاميّة اليأس داخلك.

حواء: ما نلنا من أحلامنا في هذه البلاد إلا همومها فحسب.

آدم: الهموم قشور الأحلام، أما أنا فعندما أكفّ عن خطيئة الحلم أهدوني قبراً وكفناً ... أوصيك يا حبيبتي بالحلم فالأحلام رغم وجع استحالتها أحياناً، إلا أنها تبقى سبب وجودنا فوق التراب، لذا ارقصي وتمنّي أحلاماً بحجم أنوثة عينيك.

حواء: لطالما أفلسنا كرمى لأحلام لم تتحقّق

آدم: صبراً صبراً، ولله لم تُبن أبراج الأحلام المُحقّقة إلا من لبنات الخيبة مع إسمنت الصبر.

حواء: هزمتني ... قل لي ما كانت أمنيتك للعام القادم؟

آدم: تمنيتُ أن تعيش البشرية من دون كل هذا الأذى وأن تكون خفيفة مؤمنة لا تُقدم على ظلم، نقيّة ضعيفة لا تقدر على حرب، وعادِلة حكيمة لا ينبت فيها فقر. تمنّيت أن نتحاور بالموسيقى والأفكار لا بالبنادق والرصاص، وأن نوقف الرياح اللئيمة التي تقطف من أشجار الأمّهات آخر الثمرات من أولادهن. تمنّيت أن يكفّ كلام الجارات في بلادي عن أخبار الموت، ويعدن إلى ثرثرة الطقس والتنظيف والطبخ. تمنّيت للصغار ما لم نحصل عليه نحن الكبار، وتمنّيت منهم ما لم نقدّمه نحن. تمنّيت لهذه البلاد ربيعاً يزهر ولا يذبُل، يُداوي ولا يقتل، يُحيي ولا يُميت، يعشق ولا يكره، ويرقص ولا يُقاتل. وأخيراً، تمنّيتنا مع بعضنا.

يصمت آدم وكأنه اكتفى فتنظر إليه حواء بعد أن أشعلها كلامه.

حواء: افتح رسالتك يا آدم وسجّل عنّي... فليكن عاماً يصير فيه القوي متواضعاً والضعيف واثقاً، والغني مهزوماً والفقير مُنتصراً، والمظلوم سجّاناً والظالم سجيناً. فليكن عاماً يصير فيه الكره قبيحاً والحب رفيعاً، المُشاجرة خطيئة والعِناق حسنة، والشيمة ذنب غرور والقبلة مفتاح جنّة. فليكن عاماً يصير فيه للعدل دولة حدودها الكون وكلمة أصابعها الموسيقى، عدل لا يُحارب الضعيف ولا يلعب الغميّضة مع القوي. فليكن عاماً تنفق فيه البشرية على المرضى والفقراء أكثر مما أنفقته في تاريخها على الحروب. فليكن عاماً يعود فيه الأسرى من السجون والمخطوفون من سراديب القبور. فليكن عام سلام لا حرب بعده.

آدم: فليكن عام سلام لا حرب بعده.