وعلى سبيل التمييز العنصري.. يحق لي ما لا يحق لغيري

صاحب الفرن القابع في آخر الشارع حزين على "منقوشة الزعتر"، "هي تُعامل على أنها قوت الفقير في حين أنها لذيذة بما يكفي ليأكلها الجميع"، لكن هل يعلم الفران أن "منقوشة الزعتر" ليست الوحيدة التي تشعر بالعنصرية، هناك أناس يعاملون بعنصرية لأن بشرتهم سوداء رغم أنها لم تحترق بنيران فرنه، هي صنيعة الخالق ومع هذا، تُضطهد.

العنصرية داء يفتك بالمجتمعات فتفقد توازنها
العنصرية داء يفتك بالمجتمعات فتفقد توازنها

لا يقتصر الأمر على اللون الأسود، فالعنصرية تفشت في كل الموارد، عنصرية اللون والدين والجنس، ثقافة رفض الآخر لمجرد أنه آخر.
شعوب تطلق على نفسها لقب "شعب الله المختار" تقتل وتخرب باسمه، وأخرى عينت نفسها المخلص فكانت عين الهلاك. أفراد يقنعون أنفسهم أنهم أفضل من الآخرين ولديهم القدرة على التحكم بأعمار وأقدار الناس، سياسات بأكملها قائمة على مبادئ العنصرية تزرع التفرقة وتغذي التمييز وتؤسس له لتربي جيلاً مغلوطاً يشوبه التشوه الثقافي، مقتنعاً بفكرة عارية تماماً عن الصحة "يحق لي ما لا يحق لغيري"!.

تعبر العنصرية عن السلوكيات والمعتقدات الفوقية التي تعطي الحق لفئة بالتحكم بأرزاق وأقدار فئة أخرى، وتسلبها حقوقها كافة أو جزءاً منها كون الفئة الأخرى تنتمي لعرق أو دين ما. وتبقى المهيمنة والمسيطرة عليها، كما تعتبر نفسها مؤهلة لتقرير مصير غيرها. اللغة، الثقافات، المعتقدات، الطبقات الإجتماعية وغيرها من الإختلافات الإنسانية شكلت أرضية خصبة لشعب ما للتحكم وتقرير مصير شعب آخر.
تنمو العنصرية في أحضان الجهل والتحيز والتمييز وتنطلق من مفهوم خاطئ لا علاقة له بالإنسانية. لأن الناس سواسية لا يفرقهم دين أو لون، الأخلاق بطاقة التعريف الوحيدة التي بإمكانها أن تجعل منك إنساناً أفضل. بالعلم نربي أفكارنا ونطورها، نؤسس لنفسية صلبة قادرة على الارتقاء بالمفهوم الإنساني ليصل إلى فكرة ملخصها أن البشر على القدر الإنساني متساوون، "لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".

لم تنشأ العنصرية كظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية وقانونية وفكرية ونفسية دفعة واحدة، بل مرت بمراحل عديدة واتخذت أشكالاً مختلفة، حتى غدت خطراً يهدد العلاقات الإنسانية والتفاهم والسلم والصداقة بين الشعوب، ناهيك عن كونها تنتهك أبسط مبادئ حقوق الإنسان.
سعى المجتمع الدولي إلى محاربة هذه الظاهرة عبر جهود مضنية لإصدار إعلان ضد العنصرية في العام 1963 تضمن نقاطاً عدة، حيث اعتبر أن التمييز العنصري هو انتهاك لحقوق الإنسان الأساسية وإخلال بالعلاقات الودية بين الشعوب، وأن التمييز العنصري لا يقتصر على إيذاء الذين يستهدفهم بل ويؤذي ممارسيه أيضاً.
في 21 كانون الأول/ ديسمبر من العام 1965 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم (2106 في الدورة العشرين)، وهو عبارة عن اتفاقية دولية دعت فيها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والأعضاء في أية منظمة من المنظمات الدولية المتخصصة المرتبطة بها أو أية دولة أخرى، الانضمام إليها لكي تصبح طرفاً فيها بالتوقيع والتصديق عليها.
تضمنت الإتفاقية مقدمة و25 مادة تضمنت التعريف بالتوجهات الأساسية للجمعية العامة وجملة توجهات أهمها أن البشر متساوون ويولدون أحراراً، وأن التمييز بين البشر لأي سبب كان يمثل عقبة حقيقية في سبيل تنمية العلاقات الودية والسلمية بين الشعوب.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة على النطاق العالمي لمكافحة العنصرية بأشكالها المختلفة، إلا أنها موجودة بكثرة في العالم، في المدن، في القرى، في الثقافات والعقول والأطباق حتى. 
العنصرية شر الشعوب، تقودهم إلى فقد قيمتهم الإنسانية والتحول إلى وحوش مفترسة يسعى بعضها للتحكم بالبعض الآخر. الفيروس العنصري المقيت إن بقي مستشرياً ولم يتم القضاء عليه سيظل يلطخ الجبين الإنساني ويدمر العلاقات البشرية ليحولها فيما بعد لغابة البقاء فيها للأقوى والأشرس!