ضحايا أبريل والكذب عالجرار..

الكثير منا طالته يد الأذى نتيجة الكذب، فهذا بنى صرحاً من الآمال على أعمدة فارغة، وتلك طرّزت فستان أحلامها على مقاس وهمي وأولئك خسروا أموالهم نتيجة وصل مزور، والكذب على الجرار..

حبل الكذب قصير
حبل الكذب قصير

في الغابة يومها تعمّدت ليلى أن تسلك الطريق الموحش، لتجر الذئب إلى بيت جدتها وتأكله والجدة معاً. من ينفي أن هذا الذي حصل؟ ومن يسمع قصة ليلى والذئب للمرة الأولى كيف تقنعه أن هناك قصة مغايرة لهذه ومن الذي يكذب هنا؟

هذه الرواية المُستحدثة الآن تختلف عن تلك التي سمعناها في الصِغر، فليلى دائماً بريئة والذئب هو المذنب الوحيد. ربما حدث العكس ولعل الذئب بريء فعلاً من يدري!

حكاية ليلى والذئب وغيرها من الحكايا تستطيع أن تُبدّل الأبطال وتُحوّل المجرم الى مجني عليه بحسب مزاج المخرج. وفي رأس كل منا يقبع مخرج صغير يخرج عند كل حدث ليسرد لنا في كل مرة حكاية مُستحدثة ومُعدّلة بحسب مصالحه وتطلعاته وانتماءاته لظالم كان البارحة مظلوماً وقس على ذلك..

من منّا لم يخسر عزيزاً و لحق به الأذى بسبب كذبة؟ من منّا لم يقع يوماً ضحية أكذوبة كانت جميلة وتمنّى لو أنها بقيت كذلك؟ الكثير منا طالته يد الأذى نتيجة الكذب، فهذا بنى صرحاً من الآمال على أعمدة فارغة، وتلك طرّزت فستان أحلامها على مقاس وهمي وأولئك خسروا أموالهم نتيجة وصل مزور، والكذب على الجرار..

ملح الرجال وسُكّر النساء والبهار المؤذي الذي يوضع في أطباق كلام الكثيرين ويضّر بالمعدة والسمعة والمستقبل. المُتفق عليه أن الكذب آفة اجتماعية لم يخلُ مجتمعَ منها، تفتك بالشخصيات وتقلب الأحداث رأساً على عقب بحسب نية الكذوب ومشروع حبكته.

في الواحد من نيسان/ أبريل يحتفل العالم بيوم الكذب افتراضياً، لا احتفال رسمياً له رغم أنه الشعار المرفوع طيلة السنة لفئة كبيرة من الناس. للكذب مقياسه ودرجاته وهواته، يتميّز بطرق وفنون، وتطاله يد الإبداع أحياناً، أحدهم يروي قصة كيف اصطاد عروس البحر وتزوّجها وعاد ورمى  بها في البحر، وآخر يقصّ حكاية خمس شبان هجموا عليه ليلاً فضرب سبعة منهم وفرّ الباقون !

بين من يقول إن يوم الكذب العالمي تقليد أوروبي قائم على المِزاح وبين من يؤكّد أن أصل هذا العيد هندي يعود إلى الهندوس، لا يختلف أحد على أن الكذب يملأ أرجاء هذا العالم، وتتعدّد ألوانه بين الكذبة البيضاء والسوداء، والكذبة "ما بين بين".

لا توجد شخصيات بيضاء أو سوداء في التاريخ، بل هناك الرمادي بدرجاته. البياض التام كان من نصيب القدّيسين وهم ليسوا موجودين بيننا والأسود الحالك شخصيات تقبع في السجون أو في مزابل التاريخ.

لو أن هناك علامة فارقة تميز الكاذب عن الصادق، كأن تزداد أنوف من يكذبون طولاً وقبحاً كاللعبة الخشبية "بينوكيو"، نستطيع أن نميزهم حينها ويكون لنا الحرية في اختيار من نتعامل معهم وأخذ الحيطة والحذر مسبقاً.

حبل الكذب قصيراً كان أم طويلاً لا يؤدّي إلاّ إلى الهلاك والضياع والكذبة فوق الكذبة تبني شخصيات هشّة تسقط عند أول منعطف صادق، أستغرب كثيراً لِمَ لا يصنعون يوماً عالمياً للصدق في مقابل يوم الكذب العالمي، هناك حينها نكون أقرب إلى إنسانيتنا وضمائرنا.

على قيد الأمل أن يكتفي الكاذبون بيوم واحد في السنة ويعودون بعدها إلى ممارسة انسانيتهم بكل واقعيّة وصدق، فالكذب مؤذٍ جداً حتى في الأول من نيسان!