"كفرناحوم": طفلان يتمردان على مجتمع جنى عليهما ولم يقهرهما

وأخيراً قُدّم شريط "كفرناحوم" للمخرجة "نادين لبكي" الفائز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي الدولي، في عدة عروض خاصة أولاً للجنة وزارة الثقافة الخاصة بإختيار الفيلم الذي سيمثل لبنان في مسابقة أوسكار أفضل فيلم أجنبي غير ناطق باللغة الإنكليزية، ثم في عرض للصحافة، فثالث لمدعوين من مختلف الشرائح ليكون في العشرين من أيلول/سبتمبر الجاري على أوسع مساحة من الشاشات التجارية اللبنانية.

طفلان أبدعا في الحركة والسكون والتفاعل أمام الكاميرا، فأعطتهما لجنة تحكيم مهرجان كان الأخير بركتها. إنهما السوري "زين" (من منطقة درعا مواليد العام 2004) "زين الرفيع" الذي رفع دعوى ضد والديه لأنهما أنجباه، والثاني "يوناس" مواليد العام 2015 في مستشفى بيروتي من أم إريترية وأب نيجيري، وتبين بعد العرض أنه فتاة تُدعى "بولواتيف ترايجر بنقولة" (تعيش حالياً مع والدتها في كينيا) لكن الدور أرادها ذكراً وكان صعباً إكتشاف ذلك. كل الأحداث تمحورت حولهما، الأول ترك ذويه (يلعب الدوران: كوثر الحداد، وفادي يوسف) لأنه لم يعد يتحمل الشقاء والذل والجوع، والثاني لأن والدته الأفريقية "رحيل" (يوردانوس شيفراو) إعتقلتها الشرطة اللبنانية لأنها مقيمة بصورة غير شرعية في البلاد. "زين" لم يجد حرجاً في خدمة "يوناس" من تجهيز وجبة الحليب وتبديل ملابسه وحمله معه في شوارع المدينة على خاصرته، أو جرّه في وعاء معدني على قياسه في الشوارع بحثاً عن كل شيء: الغذاء الأمان ، أمه، والخلاص.

ينجح الفيلم في إيراد أدق التفاصيل عنهما، وبموازاة ذلك الإشارة إلى عمليات الإتجار بالبشر (علاء شيشنييه)، وعدم الإهتمام بتقديم ما يلزم لصغار لا حول لهم ولا قوة على تحمّل تبعات الحياة. ومن حول الطفلين هناك الشخصيات الملحقة بهما وقد إجتهدت "نادين" في إختيار نماذج واقعية للعب أدوار ذوي الطفلين مما جعل الأجواء ملائمة ومناسبة للإقناع بتدنّي مستوى العيش والقصور في تلقّي أي مساعدة لسد الإحتياجات الإنسانية الطبيعية، وبالتالي إسباغ حالة من الميلودراما على الصورة العامة تؤكد منحى التهميش والفاقة في دنيا باتت اللقمة فيها صعبة المنال. وتمكنت المخرجة الأكثر تفاعلاً مع الناس وقضاياهم من إلتقاط لحظات بالغة التأثير رسمها الطفلان، وكأننا بها تؤشّر على واقع متجانس مع محيطه المحلي للقول إن البؤس بات حالة حاضرة وقوية ميدانياً مهما حاولنا تجاهله لإعتبارات مختلفة.

"كفرناحوم" المتباري في مسابقة مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، على موعد شبه مؤكد مع تمثيل لبنان في مسابقة أوسكار أفضل فيلم أجنبي، وهو الثالث لـ "نادين" محلياً بعد "سكر بنات" (2007) و "وهلأ لوين" (2011)، والرابع في مفكرتها إذا ما ضممْنا مساهمتها في شريط "ريو أحبك" العالمي حين صوّرت مقطعاً من بطولة "هارفي كيتل" بعنوان " o milage " (2014). الشريط الجديد أنتجه وصاغ موسيقاه "خالد مزنر" وتعاون على النص (نادين لبكي، جهاد حجيلي، وميشيل كسرواني) بالإشتراك مع "خالد مزنّر" وبالتعاون مع "جورج خباز"، ولفت الإنتباه مهارة "كريستوفر عون" في إدارة التصوير وشفافية اللقطات في التعبير عن حال البؤس في مساكن الفقراء والمهمّشين في المجتمع.