"أزنافور" عاش 94 عاماً غنّى منها 91

    الأسطورة الأخيرة الحية في عالم الغناء "شارل أزنافور" طوى صفحات الحياة ومضى، فراغ كبير شعر به الجميع، فالرجل أوجد مساحة رحبة من التأثير بصوته بكلماته بإحساسه الخاص، كما كان قدوة في الممارسة الفنية التي جعلته يثابر على الغناء رغم تقدّمه في السن من دون أن تتأثر طبقات صوته المُلهمة والمؤثرة في عدة أجيال متعاقبة، فحكم الذوق الشبابي كما أثّر في المخضرمين، وبقي إبداع هذا الفنان في الصدارة مع أغنيات خالدة رغم محاولات الإقتراب منه من فنانين يمثّلون جيل اليوم.

أزنافور وداعاً
أزنافور وداعاً

  رحيل "شارل أزنافور "  لم يكن مفاجئاً بل كان متوقعاً خصوصاً بعد ضغط العمل على الفنان العجوز وإضطراره عدة مرات لإلغاء بعض إرتباطاته الغنائية العالمية بفعل تداعيات السن، وشهدت اليابان آخرحفلاته حيث خاطب اليابانيين ممازحاً "أرضكم تتراقص من الهزّات على الدوام، هذا يعني أنها أرض فرح"، وكان يوم الإثنين الأول من تشرين الأول/أكتوبر آخر لقاء له مع الحياة التي نهلها بالكامل على مدى أكثر من 9 عقود.

بقاع الأرض كلها تقريباً زارها وغنّى فيها، وكانت له مودة خاصة جداً للبنان حيث تقيم واحدة من أكبر الجاليات الأرمنية في المنطقة، و"أزنافور" من أصول أرمنية وزار أرمينيا عام 1963 وعرف إستقبالاً طيباً وإفتتح هنلك لجنة خيرية تحمل إسمه، وغنى لها "من أجل أرمينيا" التي تحولت إلى ما يشبه النشيد الوطني فيما لم يتأخر أبداً في تلبية الإحتياجات الممكنة على أكثر من صعيد، وهو الذي عاش سنوات طفولته وصباه في مدينة مرسيليا الفرنسية التي إسنضافت الدفعات الكبيرة من المهاجرين الأرمن بدءاً من عشرينيات القرن الماضي، ومنها كانت الإنطلاقة إلى باريس لتقديم موهبته في كتابة الأغاني بعدما كان ذووه يتباهون بغنائه وهو لم يتعد الثالثة من عمره، مع حركات تنمّ عن وعي وطاقة مضافة على شخصية الطفل الذي كان يشبه شخصيات الصور المتحركة.

كتب في حياته 1200 أغنية منها ما غنته "إديث بياف" و "جولييت غريكو"، وشهد العام 63 غناءه في نيويورك (كارنيغي هول) لأول مرة، فأحدث هزّة فنية إيجابية طالت حتى السيد المهاب والأكثر شعبية يومها "فريد أستير" ومعه "راي تشارلز"، و"بينغ كروسبي" الذين رددوا أغنياته في حفلاتهم من دون إحراج، وذاعت أغنياته (لا ماما، لو بليزير ديموديه، la boheme، mourir d aimer، il faut savoir)، التي كانت أهميتها تنبع من تجاربه الخاصة فهو عُرف بعاطفته المتنقلة، نظراً لحساسيته الشديدة في التفاعل مع الجمال أولاً وأخيراً وكان يردد "لا تعتقدوا أنني خائن في الحب فأنا أسير الجمال أينما وُجد، أنا ضعيف أمامه، بل أنا من دون دفاع ". وهو منذ بداياته في التواصل مع الفن أراد مكاناً له في الفن السابع وقد عمل مع الفرنسي الكبير "كلود شابرول" في "أشباح شابولييه"، ومع الألماني الأشهر "فولكر شلوندورف" في "الطبل"، وفى حوالى 78 شريطاً آخر.

أزنافور الذي ظل حتى آخر أيامه يشغل منصب مندوب أرمينيا الدائم في منظمة الأونيسكو ومقرها باريس، سئل أكثر من مرة لماذا كان يقبل بالغناء في إسرائيل، وكان رده واحداً في كل الحالات "أنا ألبي دعوة جمهوري في أي مكان ولا علاقة لي بالحكام ورجال السياسة وكل الكيانات الأخرى" لكنه لم يُشر والحال هذه إلى السبب الذي جعله يعتذر عدة مرات عن الغناء في "رام الله"، وهل السبب الفعلي هو أن أرمينيا تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل.