زياد رحباني.. إحدى "حيلنا" للعيش!

زياد الذي عايشَ أكثر من جيل سمع كلماته وتأثر فيه، يكتب لابن العشرين وابن الستين معاً، كأن أعماله نقية نضرة مصممة ضدّ الغُبار فلا يمكن أن يعغو عليها الزمن، أغنياته التي لحنها منذ عشرين عاماً تشبه لبنان العالق في المشاكل نفسها منذ عقود، وهم أنفسهم الوجوه الحاكمة الكالحة ذات التعقيدات، ربطات العُنُق، والخطابات نفسها.

في ليالٍ ممتلئة بالأدب السياسي المترجم شعراً، وموسيقى وحقيقة، أطل زياد الرحباني من جديد على المسرح، وهذه المرة في مدينة صيدا جنوب لبنان. ليومين متواصلين، كان أولها أمس ليل الجمعة، ويستمر لليوم السبت. يُحيي زياد عملاً فنياً يحمل عنوان: "بهاليومين"، اسم الأغنية التي كتبها بعد مرور سنوات على الحرب اللبنانية عام 1975. منذ 43 عاماً، إلى اليوم، والعنوان يحكي القصص نفسها. بــ "هاليومين" سيتم تشكيل الحكومة، بـ "هاليومين" منحارب الفساد، بـ "هاليومين" بتجي الكهرباء، قصة بـ "هاليومين" تشبه وضع "عيّاش" إلي قد يتلفن بـ "هاليومين". الجميع يترقبون اتصاله، وما أسرع ما يتضح أن اللبنانيين جميعاً بانتظار عيّاش، وعيّاش لم يتصل بعد.
بعد النشيد الوطني اللبناني، طلب زياد الرحباني من رئيس تحرير صحيفة الأخبار اللبنانية إبراهيم الأمين الصعود الى المسرح ليلقي كلمة. قال الأمين سطوراً مختصرة، تلقائية، أخبرنا كيف وصلت البلاد إلى مرحلة لا مجال للمساومة فيها، مرحلة لا يهم إن كنت تملك مالاً أو كنت فقيراً، حكى لنا الصحافي المخضرم كيف أنّ الظلم والخراب لا يميزان أحداً، أخبرنا كيف أن الأمن في لبنان لم يعد مع الشرطي أو القاضي. وفي نهاية حديثه، أعلن أن زياد هو إحدى "حيلنا" للعيش في لبنان. لم يبالغ إبراهيم الأمين فيما قاله، فأغاني زياد الواقعية كثيراً ما تلاصقت بالواقع اللبناني، وكانت أبلغ من وصفه.
لم تنجح ربطة العنق التي يرتديها زياد في إعطائه طابعاً اجتماعياً لا يشبه كلماته. ما إن تطأ أصابعه البيانو، يخيل إليك أنّ شهيق لبنان وزفيره بـ "هاليومين" رجع. فنان الشعب وصوت الفقراء. يجمع أوركسترا موسيقية ضخمة لكي يغني "الحالة تعبانة يا ليلى". سلة متكاملة من فنٍّ تمت حياكته على مقاس المواطن اللبناني "المعتر" منذ الأزل.
يمثل زياد "فشّة خلق" في سلسلة التراكمات الكبرى منذ الحرب الأهلية التي لا تغيب عن ذهنه وأدبياته. الحرب التي حفظ زياد أسماءَها وشوارعها ونتائجها، يعيد صياغة السياسة على خشبة المسرح ليعطيها طابعاً حقيقياً، ويعريها من كل الأقنعة. في أغانيه لمسة خفيفة تحكي الحب، تغنيه، يعزف ويكتب ويؤلف كأكبر الموسيقيين، لكنها موسيقى للعامة، للدكنجي على طاولته وصاحب الفرن، والمحامي والشحاد."تعا نقعُدْ بالفَيْ " الفَي رخيص ومتوفر وشعبي "مش لحدا هالفي"... تعابير تلامس الحب بين فقراء لا يملكون أكثر من الفَي.
زياد الذي عايشَ أكثر من جيل سمع كلماته وتأثر فيه، يكتب لابن العشرين وابن الستين معاً، كأن أعماله نقية نضرة مصممة ضدّ الغُبار فلا يمكن أن يعغو عليها الزمن، أغنياته التي لحنها منذ عشرين عاماً تشبه لبنان العالق في المشاكل نفسها منذ عقود، وهم أنفسهم الوجوه الحاكمة الكالحة ذات التعقيدات، ربطات العُنُق، والخطابات نفسها.
بعد 3 ساعات من الحفل، شكرنا زياد لأننا غنّينا أكثر منه، نحن الذين نهرول عند كل عمل فني لسماع حقيقتنا، في أغنية.