قرية نموذجية في لبنان تصحو على الدبكة

هي البلدة الأخيرة في أعالي منطقة الشوف، معروفة ببيوتها التراثية القرميدية المعقودة على الطراز اللبناني القديم، وفي حجارتها تاريخ ينطق بفن العمارة. من هذه البيوت ما يعود إلى مئات السنين، الأمر الذي جعلها تستحق أن تصنف كإحدى البلدات النموذجية من قبل وزارة السياحة في لبنان.

قرية معاصر الشوف في لبنان تحتضن سنوياً مهرجان الدبكة
قرية معاصر الشوف في لبنان تحتضن سنوياً مهرجان الدبكة

ما بعدها ليس إلا طريقاً فرعياً غير معروف للكثيرين، يلتف بين قمم الجبال وسفوحها ويربط جبل لبنان بالبقاع الغربي. بلدة معاصر الشوف كانت مؤخراً على موعد مع تراث لا يزال حياً في أعراس اللبنانيين واحتفالاتهم. فولكلور الدبكة الذي تعرفه أيضاً سائر بلاد الشام، صار من تقاليد البلدة منذ العام 2015.

في الطريق إلى معاصر الشوف، متعة المشوار تكاد توازي متعة الدبكة التي دعينا إليها. بعيداً من الرطوبة المرتفعة التي تجثم على صدور المقيمين على السواحل اللبنانية هذه الأيام، يغدو التوجه إلى "المعاصر" فرصة للتنفس والاستمتاع بالطبعية الخلابة. هنا تغدو الملفات السياسية الملحة والحديث عن التشكيلة الحكومية أقل وطأة، وتتحرر الأنفاس من التلوث البيئي المعلق على معاجلة لم تجد طريقها بعد إلى التنفيذ.

في معاصر الشوف لا تلوث، بحسب ما يؤكد رئيس محمية أرز الشوف شارل نجيم مستعيناً بأبحاث مخبرية قامت بها إدارة المحمية. كيف لا والبلدة تتربع بين أشجار الأرز المعمرة والصنوبر وتقع في المجال الحيوي لمحمية أرز الشوف، أكبر محمية طبيعية في لبنان.

خلال الأمسية التي سبقت المهرجان كانت رئيسة جميعة "جبلنا" يولا نجيم تتأكد من اكتمال الاستعدادات لصباح اليوم التالي.. ربات البيوت يضعن اللمسات الأخيرة على أنواع الطعام والمونة البلدية التي سيعرضونها غداً ضمن السوق الشعبي المواكب للمهرجان، والذي يقع في نفس الشارع الذي أقيم عليه المسرح إنما على بعد مئات الأمتار إلى الخلف، من أجل إتاحة الفرصة للزائرين لمشاهدة العرض.

تقول نجيم إن المنتجات القروية التي تبيعها هؤلاء النسوة من البلدة ومن بلدات مجاورة تساهم في تأمين أقساط المدارس لأولادهن. فالجمعية التي ترأسها لا تنظم مهرجان الدبكة سنوياً فحسب إنما تهدف أيضاً إلى المساهمة في التنمية الاجتماعية.

المهرجان يشكل إذاً فرصة للسكان المحليين والمنتجين الصغار لعرض منتجاتهم وبيعها، ما يشجعهم على المتابعة بمهنهم الصغيرة للثبات في قراهم وهذا من أهداف التنمية المستدامة.

وتوضح نجيم أن رسالتها من وراء المهرجان هي الحياة والفرح وأنه ما من شيء لا يمكن للإنسان أن يتخطاه مؤكدة على أن "الحرب كذبة"، وذلك في إشارة إلى الأحداث المأساوية المؤسفة التي شهدتها البلدة المختلطة إبان ما يسمى بـ "حرب الجبل" خلال الحرب الأهلية اللبنانية، حينما أدت أعمال القتل إلى تهجير أهلها المسيحيين. وحاولت الجميعة من خلال بعض النشاطات التي قامت بها سابقاً ترسيخ المصالحة بين أهلها، ومهرجان الدبكة الذي أقيم الأحد الفائت هو أحد مظاهر هذا الاندماج الاجتماعي.

بعيداً من الحرب وخلال الليل الذي نحن فيه جمعت أمسية فنية أهالي البلدة والمدعوين من الخارج. بعض فرق الدبكة كانوا أيضاً بين الحضور. هذه الفرق المشاركة في المهرجان وفي مسابقة أفضل دبكة جاءت من مناطق لبنانية شتى وكذلك من مخيمات اللاجئين الفلسطينين. هذا العام شهد أيضاً مشاركة جورجية وروسية وأرمنية وضم فرقاً لبنانية محترفة وهواة.

سكن الليل واستكانت البلدة وجال النسيم عبر دفات خشب "الأباجور" الذي يصون عتق النوافذ العالية المفتوحة على الأحلام. في الصباح استيقظت العيون قبل موعدها المعتاد وبدأ الزائرون بالتوافد إلى البلدة تباعاً. من الشوف والبلدات المجاورة ومن مختلف المناطق اللبنانية. أصوات الطبل والمزمار تصدح في الأرجاء. ظهراً حمي الوطيس. تشابكت الأيدي، مرّ المشاركون على المسرح، وقفز البعض إلى حيث يقف الجمهور الذي تفاعل واستلم دفة الدبكة. توضح يولا نجيم أنها تريد لهذه العفوية أن تبقى في صلب مهرجان الدبكة الذي بات ينظم سنوياً بالتعاون مع بلدية معاصر الشوف ومحمية أرز الشوف وبرعاية وزارتي البيئة السياحة.

عفوية تشبه روح البلدة، وتشبه مسابقة "أجمل أداء مرتجل" التي تتخلل المهرجان. المهرجان الذي نجح بعد ثلاث سنوات على بدايته في ترسيخ حضوره وسط زحمة المهرجانات التي يشهدها لبنان والذي يدلّ على أن الفرح والغناء ما زال حاضراً ومتوارثاً في خطوات تثير الحماس من دون تكلف، وتستقطب الناس من دون كلفة.


يولا نجيم: الحرب كذبة ورسالتنا هي الفرح والحياة

من أجواء الدبكة التي شهدها مهرجان معاصر الشوف