ما هي المتغيرات في الإستراتيجية الدفاعية اللبنانية بعد الحرب السورية؟

يمثلّ لبنان حاجة دولية وإقليمية أمنية بالدرجة الأولى، بغض النظر عن واقعه السياسي والإقتصادي المأزوم. وهو، في عهده الحديث، لطالما استفاد من هذه الحاجة ليحافظ على وجوده على الرغم من مشاكله الكثيرة.

ما هي المتغيرات في الإستراتيجية الدفاعية اللبنانية بعد الحرب السورية؟
ما هي المتغيرات في الإستراتيجية الدفاعية اللبنانية بعد الحرب السورية؟

"الاستراتيجية الدفاعية" أحد عناوين السجال الرئيسية في العقد الأخير على الساحة اللبنانية، من دون أن يرقى النقاش في هذا الملف إلى مستوى الجدّية والعلمية التي يمكن أن تُفضي إلى مصلحة وطنية، نظرًا لأن دور حزب الله، أحد الأطراف الرئيسية المعنية بهذه المسألة، محل تصويب من قبل القوى السياسية المناهضة له. حتى أن مطالب بعض المعارضين لأي دور للحزب في "الاستراتيجية الدفاعية" تُسقط، عن علم أو جهل، ألف باء التخطيط الإستراتيجي باعتبار الملف برّمته شأنًا محليًا لا يرتبط بما يجري في الجوار!
وهكذا تصبح حالة الأمر الواقع بعداء "إسرائيل" شأنًا يخضع، وفق هؤلاء، لحماية المجتمع الدولي الذي لم يتحرك يومًا للدفاع عن الجنوبيين.
غير أن تجربة التنظيمات الإرهابية والتكفيرية في السنوات الأخيرة بعد دخولها المعترك اللبناني وسّعت النقاش في الإستراتيجية الدفاعية، بل يمكن القول انها أعادت النقاش بها إلى المربع الأول، كون تعريف هذه الإستراتيجية بات مرتبطًا بجبهتين على الأقل في الوقت الراهن؛ هما الجنوبية والشمالية (ومعها السلسلة الشرقية باعتبارها امتدادًا مع سوريا أيضًا). وبالتالي فإن الحديث عن موارد القوة في لبنان لم يعد حكرًا على الموقف السياسي من وجود "إسرائيل" او الإعتراف بها، بل صار ينحو اكثر منحى قياس المخاطر والتهديدات. وهو منحًى كان يجب أن يتخذه جميع الأفرقاء قبل بدء الحرب السورية بسنوات بعيدة، ذلك أنّ أهمية أي استراتيجية قومية تُستمد من الحاجات الأمنية للدفاع عن البلاد والسكان.
من هنا، يستند كلام رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون حول ضرورة البحث في العناصر المستجدة في "الاستراتيجية الدفاعية" إلى قاعدة عسكرية وعلمية متينة. إذ أن جملة المتغيرات التي طرأت على الوضع اللبناني والجوار في السنوات الأخيرة تُجبر الساسة اللبنانيين، شاؤوا أم أبوا، على الأخذ بعين الإعتبار بهذه المتغيرات.
وفي مقدمة العوامل المتغيرة، نشوء عدو خارجي بطبيعة مختلفة عن العدو التاريخي المعهود. فالتنظيمات التكفيرية التي هددت الداخل اللبناني وسيطرت على مساحات واسعة من حدوده شمالًا وشرقًا لأشهر طويلة، كنتيجة للحرب السورية، تتحرك وفق آليات مختلفة تمامًا عن الجيش الإسرائيلي ومؤسساته الرديفة. وليس المقصود هنا الحراك العسكري فقط، بل تنسحب المتغيرات إلى البيئة التي ينطلق منها الخطر التكفيري مستفيدًا من الإنشقاق السياسي المحلي في لبنان، فسهولة نقل موارده ضمن حراك أمني يستفيد من الطبيعة الفردانية لعمل هذه التنظيمات أحيانًا، وقدرتها على التسبب بأضرار فادحة وخطيرة من دون الحاجة لنقل قوات كبيرة، كما هو الحال في الجيوش الكلاسيكية.
عامل اخر لا تلحظه نقاشات السياسيين اللبنانيين المطالبين حزب الله بالذوبان في استراتيجية دفاعية تخضع لقرار الدولة المنقسمة في الأصل على نفسها، ويتمثلّ في الواقع الجغرافي الذي أفرزته الحرب السورية. إذ ان الواقع انتقل من الحديث عن مساحة جغرافية رسمية لبنانية تمتد على 10452 كيلو متر مربع إلى أوسع من ذلك بكثير، مع دخول الحزب إلى الأراضي السورية حماية لخاصرته وظهره.
ومن مفارقات المشهد اللبناني المأزوم دومًا، أن "أسرائيل" كانت أول من التقط خطورة وأهمية هذا التغير قبل اللبنانيين جميعًأ، فرفعت الصوت محذرةً من دور حزب الله في سوريا باعتباره عنصر خطر استراتيجي عليها، لا للخبرات العسكرية التي اكتسبها الحزب هناك فقط، بل كونه بات قادرًا على التحرك ضمن جغرافية أعمق بكثير من الجغرافية اللبنانية و أكثر مرونة على استثمار عمقه السوري في التصدّي للتهديد الإسرائيلي.
وعلى الرغم من كل الغارات الإسرائيلية في الداخل السوري بزعم استهداف قوافل سلاح حزب الله، إلا أن الحزب (ومعه إيران) لم يجدا للحظة أن هناك ما يبرر الرد على "إسرائيل"، ذلك أن حجم المكتسبات لا يزال أعلى من أي فعل إسرائيلي عاجز عن كسر الواقع الجديد.
في طبيعة العدو وفي الجغرافيا هناك مستجدات إذا يجب على أي "استراتيجية دفاعية" أن تلحظها، ولكن في الموارد العسكرية والبشرية اللبنانية أيضا ما يجب لحاظه.
لم يطرأ على الجيش اللبناني، المؤسسة العسكرية الرسمية في لبنان، تغييرات جذرية في العقد الأخير لناحية العدة والعديد بما يؤثر على الدور المرتجى منه في حماية البلاد، بل إنّ ظلّ ملجأ السياسيين في المهمات الحساسة التي لا يمكن لغير الجيش القيام بها.
لكن الطارئ على صعيد الموارد البشرية والعسكرية اللبنانية يكمن في القوة التي راكمها حزب الله بعد حرب تموز 2006 وحتى الساعة.فالحزب نفسه "وإسرائيل" متفقان على أن قدرات الأول باتت غير مسبوقة وبما لا يُقاس والمراحل السابقة من الصراع. وبالتالي، فإن كل نقاش سابق أيضًا لطبيعة الاستراتيجية الدفاعية اللبنانية بات يتطلب تحديثًا للبيانات وأوراق القوة، لناحية الكم والنوع. وضمن هذا الكم والنوع تدخل أيضًا حسابات الطاقة في البحر المتوسط، باعتبارها مسألة دولية لا محلية أو إقليمية فقط.
لا تعني المتغيرات أعلاه انها العوامل الوحيدة المستجدة في طرح "الاستراتيجية الدفاعية" بعد "التحرير الثاني" عند الحدود اللبنانية – السورية، ولكن عوامل بارزة يجب إضافتها إلى قائمة طويلة من مقومات بديهية كـ"الاقتصاد"،"نقاط ضعف العدو"، "التربية الوطنية"، "الفرص اللبنانية الخارجية" وغيرها من العناوين التي يجب دراستها عند محاولة تحديد أي استراتيجية تحاكي الواقع اللبناني. فهل يقدر اللبنانيون على تحديد أمنهم القومي وحمايته ضمن رؤية علمية أم أنهم قد حكموا على أنفسهم بالبقاء ساحة لصراعات الخارج؟