كيف ستتعامل الأحزاب اللبنانية مع صحوة الوعي لدى المتظاهرين؟

قد يُناقش البعض في أن بعض الممارسات الشاذة التي تصدر عن التظاهرات، على المستويين السياسي والإجتماعي، لا توحي بالطمأنينة، وهذا أمرٌ مفهوم. ولكن يجب الإلتفات إلى أنّ هذه التظاهرات العفوية التي خرجت إلى الشارع لم تمتلك قيادة موحدة.

  • كيف ستتعامل الأحزاب اللبنانية مع صحوة الوعي لدى المتظاهرين؟

"سعد الحريري وُلد من جديد". بهذه الكلمات يعبّر أحد المقربين من رئيس الحكومة اللبنانية في معرض وصفه لموقف الأخير، إزاء ما يعتبره تحرر الحريري من العراقيل السابقة التي كانت تعيق تنفيذ رؤيته في الحُكم.

لا يخلو هذا الوصف من الدعاية السياسية، ومن حسابات يجري تصفيتها بين حلفاء الأمس وخصوم اليوم، ولكنه يعكس أيضًا حجم الضغط الذي يشعر به اقطاب السلطة في لبنان بعدما فاجأ الحراك الشعبي الجميع من دون استثناء. من كان يتوقع في لبنان أن يجتمع عشرات آلاف اللبنانيين من مختلف المناطق والطوائف حول قضية واحدة غير سياسية؟

 لا يهم ما الذي سيتكشف عنه المشهد. إذ أنّ السؤال الذي يطرحه الجميع حول مصير البلد لا يخلو من درامية مفهومة تفرزها حالة عدم الاستقرار واعتياد أغلب السياسيين اللبنانيين على استخدام العاطفة في خطاباتهم.

وبغض النظر عن اختبار النوايا، فإن كلمة الرئيس الحريري "المتفهمة" للمتظاهرين أثناء تلاوته ورقة الإصلاحات تعدّ خطوة جيدة، فما الذي يمنع المتظاهرين من إعطاء الحكومة الثقة وفرصة الإصلاح؟

تكمن الإجابة على هذا السؤال في عدة مستويات تشرح العلاقة التاريخية بين السلطة والرأي العام في لبنان، كما في علاقة المكوّنات الأساسية المؤثرة في المجتمع كالمؤسسات الدينية ورجال الإقطاع كما العشائرية والفئوية.

ولئن كان جلّ نقاش الأقطاب الأربعة الرئيسية لورقة الإصلاح المقدمة من الحكومة يتمحور حول الرهان على "ملل" المتظاهرين، فإن استشراف مصير البلد في هذه المرحلة لا يرتبط أبداً بانسحاب أو بقاء المتظاهرين في الساحات!.

ففي كلا الحالتين، لا يوجد ما يؤشر إلى قدرة الأحزاب على اجتراع حل مقبول بالنسبة لشرائح واسعة من اللبنانيين الذي خبروا للمرة الأولى هشاشة "الطائفية".

بل إنّ الفراغ الذي يحذر منه البعض يبدو مستبعداً حتى في حال سقوط الحكومة، وذلك بوجود المؤسسة العسكرية الضامنة للجميع، كما في عدم رغبة أقوى مكوّن سياسي محلي في إحداث الفوضى في البلاد. وبالتالي، فإن الفراغ الذي يتحدث عنه السياسيون يرتبط بنزاعاتهم لا بما بات يُمنّي اللبنانيون أنفسهم به من ملامح نظام غير قائم على الطائفية السياسية والتحاصص المذهبي.

وإن كانت هذه الأمنية بعيدة المنال وتحتاج إلى وقت لتتحقق، فإن أهم ما في خطوة كسر الخوف الذي حققتها التظاهرات هو مراكمة منسوب الوعي، حتى بين جماهير الأحزاب وضمن بيئاتها. وهذه المراكمة يغذيها سجالات السياسيين أنفسهم حاليًا بالرغم من حساسية الوضع، ما يعزز القناعة بعدم قدرة الأسماء الحاكمة نفسها على إيجاد حلول.

قد يُناقش البعض في أن بعض الممارسات الشاذة التي تصدر عن التظاهرات، على المستويين السياسي والإجتماعي، لا توحي بالطمأنينة، وهذا أمرٌ مفهوم. ولكن يجب الإلتفات إلى أنّ هذه التظاهرات العفوية التي خرجت إلى الشارع لم تمتلك قيادة موحدة. ومسألة غياب القيادة الواضحة حتى الساعة هي - في آن - سيف ذو حدّين. كما أنّ معظم من يحللون الحراك ينتمون في الواقع إلى جيل مختلف عن الشريحة الواسعة من شباب "انستغرام" و"تويتر" ممن امتزجت "العبثية الخلّاقة" بجينات تكوينهم! ويمكن بسهولة ملاحظة هذه السمّة من خلال الكثير من الشعارات الذكية والسلوكيات المفاجئة التي تؤكد أن المتظاهرين لا ينقصهم الوعي اللازم لفهم ما بمقدورهم فعله.

حتى الساعة، يمكن القول إن خطابي الحريري ومن قبله أمين عام حزب الله نجحا في عدم "استفزاز" عاطفة المتظاهرين، وإن كان البعض منهم يرفض إعطاء الثقة لكل الطبقة السياسية. وليس المقصود هو مدى اقتناع المتظاهرين بالخطابين، بل المقصود هو أن الحريري ونصرالله أبديا استيعاباً عاليًا لما يجري، بل إن خطاب السيد نصرالله حمل بشكل واضح إشارات ذكية التقطتها مكوًنات أساسية في المجتمع المدني، فركزت على الأداء الاقتصادي للحكومة مع تجنب أي نقد سياسي لا يقدم ولا يؤخر في أحقية مطالبهم.

لا يعني هذا أنّ المتظاهرين يمتللكون خطاباً موحداً أو أهدافاً واضحة. هم يعبرّون عن عدم ثقتهم بالطبقة السياسية الحالية، من دون الخوض كثيرًا في المطالب المحددة. وهذه إحدى أبرز تجليّات بروز الوعي، ولكن هل بمقدور الأحزاب اللبنانية ترميم الثقة مع الرأي العام المتظاهر؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب إجراء مراجعات ذاتية داخل كل حزب واتخاذ قرارات محاسبة حقيقية تؤكد للناس أنه بمقدورهم الرهان على أنّ هناك تغييراً في المنهجية والعقلية الحاكمة. هذه المراجعة نفسها يجب أن تنسحب على ممثلي الأحزاب في السلطة. ومن بعدها، يمكن للتيارات السياسية أن تواجه اللبنانيين بطلب الفرصة الجديدة.