خيار التوجه شرقاً.. هل هو كافٍ لإنقاذ لبنان؟

لا تزال الحلول ممكنة إقتصادياً في لبنان على الرغم من كل أجواء التوتر الإعلامي. لسنا في معرض تناول عدم وجود قرار سياسي حقيقي بالحل نتيجة اختلاف المصالح بين اقطاب السلطة، لكن ما يهمنا توصيف الواقع الاقتصادي الرديء ومفاتيح الحلول.

  • خيار التوجه شرقاً.. هل هو كافٍ لإنقاذ لبنان؟

تبدو فكرة أن "لبنان بلد منهوب وليس مفلساً" هي الأقرب إلى الواقعية. لا يوجد حلول سحرية بالتأكيد تعيد للبلد توازنه وعافيته بين ليلة وضحاها، لكن خيارات معقولة يمتلكها لبنان وهي بمعظمها تتطلب قراراً سياسياً بالخروج من الأطر التي وضعتها السلطة للبلد نتيجة قصر النظر حيناً أو لحسابات ضيّقة حيناً آخر.

لا يمكن بأي حال قياس الأزمة في لبنان بما شهدته "اليونان" في السنوات القليلة، لعدة اعتبارات، بعضها يرتبط بتركيبة البلدين المختلفة والدور والموقع، فضلاً عن أسباب الأزمة في كل منهما.

ومع أن حجم الدين العام والعجز المالي في لبنان قد بلغ حدوداً قياسية نسبةً إلى حجم البلد وواقعه الاقتصادي، فإن لبنان أمام مفترق تاريخي يستطيع معه تحويل التهديد إلى فرصة بالإنتقال من إقتصادي ريعي قائم على الدولار إلى إقتصاد حرّ قولاً وفعلاً بالإستفادة من الموقع الجيوسياسي وتركيبة البلد التي تسمح بالإنفتاح على خيارات دولية غير معهودة في تاريخ لبنان.

والحق يُقال أن العوامل الدولية المؤثرة في تراجع الاقتصاد اللبناني تبدو غائبة عن أذهان الكثيرين، نظراً لحالة الحنق من الأداء السياسي، لكن هذه العوامل تبقى شديدة التأثير في إقتصاديات الدول النامية والفقيرة؛ ومنها أسعار النفط والتحول الاقتصادي العالمي نحو مركزيات تقودها شركات عملاقة عابرة للحدود، فضلًا عن الحروب المشتعلة في المنطقة والتي تركت بالتأكيد اثراً لا يمكن إغفاله، لا على لبنان وحده، بل على كل دول الشرق الأوسط، بما في ذلك "إسرائيل".

ومن المفارقات غير العبثية على الأرجح، أن الأزمة الراهنة تسبق عملية إعادة إعمار سوريا، العملية التي يمكن إعتبارها "حبل خلاص" كان اللبنانيون يمنّون النفس بإنطلاقتها لتحسين أوضاع البلد، لكن المشاركة اللبنانية تبدو مؤجلة في هذا المشروع كما هو حال الاستثمار في الثروة النفطية التي تتحكم بها الحسابات الدولية.

هي عودة إلى الإشكالية الأولى إذاً: لبنان بحاجة إلى قرار سياسي تاريخي يضع البلد عند مفترق وسط بين أقطاب العالم إلى حين التوصل إلى نظام جديد يتفق عليه اللبنانيون ويرسم سمات الهوية المفقودة منذ الأزل.

هل بمقدور الحراك الشعبي إنتاج هذه الهوية؟ وهل بإمكان الأحزاب السياسية التي تعتبر نفسها معنية بمحاربة الفساد إحتواء محاولة إنتاج هذه الهوية؟ الإجابة على هذه الأسئلة تبدو شائكة للغاية. لم يعرف لبنان خلال تاريخه عملية سياسية ديموقراطية تُشرك الشعب بشكل فعلي في تحديد خياراته. لا يمكن بأي حال إدراج الانتخابات النيابية ضمن العمليات الديموقراطية بالمفهوم الدقيق للكلمة. ففي الانتخابات الأخيرة، على سبيل المثال، شارك أقل من نصف اللبنانيين في إختيار ممثلي البرلمان، ناهيك عن الملاحظات الدائمة على قوانين الإنتخاب والتحالفات السياسية التي تحكمها، لا البرامج والرؤى التشريعية.

لا شكّ في أن شريحة واسعة من اللبنانيين تتفق على أن الطائفية السياسية أصل كل الشرور، لكن هذا الشرّ نفسه لم يكن بالكامل وليد عوامل خارجية، بل هو إستجابة في مكان ما لتركيبة الشعب اللبناني نفسه الذي لم ينجح في بلورة إطارات بديلة عابرة للطوائف.

من شأن أي محاولة جديدة من هذا النوع، على المستوى الشعبي، إحداث تفاعلات غير منظورة، خاصة في ما يتعلق بالقضايا الكبرى كالموقف من الجوار ووجه لبنان وشكل الحكم فيه.

يندرج خيار التوجه شرقاً هو أيضاً تحت عنوان هذه القضايا الكبرى، التي لن يكون الغرب فيها متفرجاً على خسارة نفوذه في لبنان.

وهنا المعضلة الشديدة الحساسية، فمحاولة إنقاذ البلد من الإنهيار الاقتصادي عبر نقله من ضفة إلى أخرى لن يغير الكثير في مشاكله الداخلية، وإن عالج آنياً الأزمة. إذ سرعان ما ستعيده عملية الإنتقال هذه إلى أزمات سياسية مفتعلة مدفوعة بتركيبة الداخل.

وعليه فلا مناص من معالجة جوهر المسألة اللبنانية، لا واقعها الراهن فقط، عبر الانطلاق من سياسات إقتصادية تحاكي مصلحة لبنان، أولاً بما يشبه المناقصة التي تُحتّم على دول العالم تقديم عروضها لا فرض مصالحها علينا.