حكومة "التكنوقراط" في لبنان: مطلب شعبي يصطدم بمصالح السلطة

بعد انطلاق التحركات المعيشية في لبنان ليل الـ 17  من تشرين الأول تعالت الأصوات المطالبة بإسقاط الحكومة وتشكيل حكومة اختصاصيين تعرف بـ"التكنوقراط". فما هي حكومة التكنوقراط؟ وهل بالإمكان الوصول إليها في ظل الهيمنة السياسية للأحزاب في لبنان؟

  • حكومة "التكنوقراط" في لبنان: مطلب شعبي يصطدم بمصالح السلطة

بكلمة من سعد الحريري في التاسع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر، سقطت حكومته تحت ضغط المظاهرات التي انطلقت لاحتجاج على الإجراءات الحكومية وفساد السلطة الحاكمة، ومنذ ذلك الحين حصرت مطالب الشارع بتشكيل حكومة اختصاصيين (تكنوقراط) خارج النخبة السياسية الحاكمة.

عقب "الصدمة" التي اعتبرها الحريري "إيجابية" انقسمت القوى السياسية، فرأى البعض في الخطوة تهوراً قد يأخذ البلاد إلى ما لا تحمد عقباه، وأصبح أهل السياسة كما المتظاهرون في الشارع، يطالبون بحكومة اختصاصيين، يملكون الخبرة والكفاءة لاتخاذ إجراءات حاسمة تنتشل البلد من الدوامة التي يتخبّط فيها.

هذه الآمال التي حملت اللبنانيين إلى دنيا الخيال، ليصبحوا هم أسياد اللعبة، يوردون النفط لدول حوض المتوسط ومنطقة اليورو، وتنافس عملتهم الدولار الأميركي في الأسواق العالمية، والتي كانت وسيطاً لإتمام شركتي الاتصالات "تاتش" و"ألفا" صفقةً قيمتها مليارات الدولارات، لتمديد شبكات الجيل الخامس لدول جنوب شرق آسيا، سرعان ما تبددت بعد اصطدامها بلغم التوافقية السياسية والهيمنة الحزبية التي تستأثر بزمام السلطة في كافة مرافق البلد وقطاعاته. لتصبح حكومة التكنوقراط هروباً من حضن الدولة إلى كنفها.

"حكومة التكنوقراط من المستحيل أن ترى النور في لبنان"، يقول المحلل السياسي امين قمورية. فهذا النوع من الحكومات، بحسب محللين، يقوم على اختيار السلطة التشريعية لوزارء المستقبل على أساس خبرتهم وخلفياتهم المهنية، بغض النظر عن ولاءاتهم وانتماءاتهم الحزبية.

هذا في البلاد التي تتبع النظام البرلماني وفيها تعددية حزبية، أما تلك التي يحكمها حزب واحد، فقد يلجأ إلى التكنوقراط في حال الأزمات لتلبية حاجات المواطنين بعيداً عن أية مصالح أو مكاسب سياسية. وقد أثبتت هذه الحكومات نجاحها في العديد من الدول، إلا أن التجربة اللبنانية كعادتها تحمل اختلافات جمّة.

خلال السنوات الماضية ومنذ عهد الاستقلال، مر على لبنان 11 حكومةً ضمت وزراء اختصاصيين، كانت أغلبها حكومات انتقالية، وإثنتان فقط "تكنوقراط" بالكامل، وتوزعت 9 منها قبل اتفاق الطائف 1989، الذي كان بداية انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وحكومتان بعد الطائف، لتكون آخرها حكومة نجيب ميقاتي عام 2005، التي عُيّنت لإدارة العملية الانتخابية بعد مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.

إلا أن جميع هذه التشكيلات باءت بالفشل ولم تكمل مهامها لأن السلطة الفعلية، وبحسب قمورية، لم تكن في أيدي الوزراء، بل في يد المراجع السياسية الكبيرة، التي تمتلك صلاحيات اتخاذ القرار.

انطلاقاً من هنا، يؤكد قمورية أن تلك التركيبة النخبوية التي أوكل إليها الدستور اللبناني، في المادة 65 منه، العديد من المهام والصلاحيات، والتي تخولها وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات، إضافةً إلى تعديل الدستور، إبرام الاتفاقات والمعاهدات الدولية، حل مجلس النواب، سن القوانين وتعديلها، وغيرها من الصلاحيات، لا يمكن أن تتشكل في لبنان من دون وجود إرادة سياسية لذلك.

وما لم تكن الأحزاب القائمة في السلطة موافقة على تشكيلة الاتصاصيين أو منبثقة عنها، لن تقوم السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب، بمنحها الثقة أو الموافقة على القوانين التي ستطرحها لاحقاً.

يتخوف السياسيون من هذه الخطوة التي يرون فيها اقصاءً لنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، التي أفرزت تقسيمات جديدة في الحياة السياسية، والتي تهدف أيضاً، وفقاً لقمورية، إلى إلغاء دور الغالبية المستحوذة على الحصة الأكبر في المجلس النيابي وأبرزها حزب الله.

من هنا، تعمل السلطة على تشكيل حكومة "تكنو سياسية"، تنتدب فيها الأحزاب، كلًا تبعاً لحصته، اختصاصيين يعملون على تحقيق خطوات إيجابية تنقذ لبنان من الوضع الاقتصادي الراهن، ويكونون في الوقت ذاته ممثلين لأحزاب الأغلبية النيابية ويحفظون لها قدرتها السياسية ومكانتها في المجلس النيابي.

المعضلة التي تواجهها هذه الحكومة تكمن أولاً في اتفاق أهل السلطة على صيغة معينة للتشكيل. فرئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، الذي تصرّ أطراف سياسية وازنة على توليه مهمة التأليف، كي لا يتنصل من المسؤولية، يطالب بحكومة تكنوقراط خالية من السياسيين. ورغم علمه بأن هذا القرار من الصعب تنفيذه في لبنان، إلا أنه لا يزال يناور حتى اللحظة الأخيرة، في محاولةٍ لإرضاء الأطراف الداخلية والخارجية التي تعول عليه بعدم الانصياع للآراء المطالبة بتشكيل حكومة تكنو سياسية، وفق ما يشير إليه بعض المحللين.

وبالتوازي، من المتوقع أن تواجه الحكومة التكنوسياسية غضباً عارماً في الشارع اللبناني الذي لا يزال وفي أيامه الأخيرة يشهد تحركات والتفافات حوله لم تكن متوقعة، بحسب المحلل السياسي أمين قمورية.

ويتابع قمورية تأكيده أن هذا المسار طبيعي ومن المتوقع حدوثه، لأن الوجوه التي ستطرح وإن كانت جيدة، لن تحوز الرضا من جميع الأطراف، وخصوصاً المتظاهرين الذين يريدون تكليف أشخاص يشعروهم بالثقة. ولكن في الوقت نفسه، يشدد المحلل قمورية على أن الوضع يتطلب اتخاذ إجراءات جدية تحدث صدمةً إيجابية، للتخفيف من احتقان الشارع، وذلك لا يتطلب جهداً كبيراً وإصلاحات جذرية، لأن القوانين موجودة، وتحقيق إنجازات يتطلب فقط العمل على تنفيذها.

في ظل المناوشات التي تشوب التكليف ومن ثم التأليف، والاختلاف القائم على التسميات والتوصيفات، فإن الوضع الراهن الذي أفضت إليه التحركات رمى بثقله على الحياة السياسية، ونبه المسؤولين إلى المعارضة الشعبية التي ستتولى منذ اليوم الأول للحكومة عملية الرقابة والمحاسبة، وستسعى لإسقاط كل من يضر بمستحقاتها الحياتية. لذلك فإن رست عمليات التشكيل على حكومة مؤلفة بأكملها من تكنوقراطيين، أو حكومة مطعمة بسياسيين، لن يكون التنفيذ مرآةً لما عهدناه، بل سنكون أمام تحولات مصيرية شرط أن يكون المعنيون تكنقراطيي الفكر، قادرين على متابعة اللعبة السياسية، في ظل تأييد حكومي وشعبي لهم.