ناجي الفليطي... أن تفيض حاجة الفقير عن حياته

وقف ناجي أمس في بيته في عرسال شمال لبنان أمام خيارات ضئيلة، بعدما استيقظت طفلته وطلبت منه ألف ليرة لبنانية لتذهب إلى المدرسة، فتمهّلها قليلاً، وذهب إلى زاروب بيته الخلفيّ وعلّق مشنقته ومات.   

  • تصميم: مريم غانم

 

لا يعرف ناجي الفليطي لعبة الأرقام، كان يخرج إلى أيّامه محمّلاً بصوت أنين زوجته المصابة بالسرطان، وبنت تستجدي ألف ليرة لبنانية (أقلّ من دولار واحد) لقوت يومها. لا يعرف ناجي كيف تتراكم الأصفار على الدفاتر ولا دوّامة دوائرها. لا يعرف ذلك إلا حين يحشر يده في جيبه فتغزل في فراغ المساحة الضيّقة.  

كان رجلاً عاديّاً، لا يعرفه أحد أكثر من الطرقات التي جابها بحثاً عن لقمة عيشه، ولا أكثر من الشّمس التي سكنت حرارتها في سمرة وجهه. سلك الدروب المعبَّدة بالشّقاء، لأنّ لا خيار له غير ذلك. كان يوفّق مرّة، وتُسدّ الأبواب في وجهه مرّات كثيرة. ليس لأنه لا يستحقّ، بل لأن خبز الفقراء مرّ، وعسلُه في أيدي محتكري "الرزق" العام. 

استيقط ناجي أمس في بيته في عرسال في شمال لبنان على خيارات ضئيلة. هل فكّر أحد فينا أن يستيقط ذات يوم ورزقه متروك في عراء لا يعرفه، لأن صاحب العمل قرر  إغلاق "المنشرة" بسبب الوضع الاقتصادي السيّء، أي أنه يستيقط عملياً ولا يملك في جيبه شيئاً أبداً؟ لا لنفسه ولا لزوجته المحفوفة أنفاسها بالموت، ولا لطفلته التي يعزّ على الأب ردّ طلبها؟ هل فكّر أحد كيف يكون العجز أمام جوع الإبنة؟ أو ألم الحبيبة؟ أو الكرامة أمام من استدان منهم المال بلا أي موعد واضح ليردّه؟ لم يحدّد ناجي صباح أمس غير موعد واحد قرر الذهاب إليه بنفسه، وفي الوقت الذي لم يجد أكثر منه مناسباً لينهي الذلّ المسكوب على جسده كالماء السّاخن. حين استيقظت طفلته وطلبت منه ألف ليرة لبنانية لتذهب إلى المدرسة، فتمهّلها قليلاً، وذهب إلى زاروب بيته الخلفيّ وعلّق مشنقته ومات.   

هكذا، بهذا الأسى، عبَرَ أب يوم أمس من أمنية الطفلة التي لجأت إلى بيت القوّة وسند قلبها، عبَرَ من خيالها الصغير إلى العدم. حمّلها ذنب موته من دون أن يقصد، فاض موته عن أيّ حاجة أخرى، كأن الفقير في هذه الرقعة من البلد عليه أن ينفجر ويفيض عن فقره لتستحقّ عائلته عيشاً كريماً. انطفأت روح ناجي، وانطفئ معها أمل فقراء كثر. ولم يعد لديهم أي أمنية سوى أن يصلوا إلى عملهم ولا يجدوا الباب موصداً. لم يكن موت ناجي بهذا الشكل قدراً، إنما نتيجة تضييق ممنهج من سلطة أبت تفكيك هذا التفاوت الطبقي الهائل، لئلا يضيق على الفقير فقره، وألا يكون الثراء غير المشروع للطبقة المصنّفة غنيّة ثقلاً على ظهر المتعبين الخائبين من إغلاق أبواب رزقهم يوماً بعد يوم.   

هذا التفاوت الطبقي الذي أخرج الناس من بيوتها إلى الشارع، منتفضين على حياة لا يعرف فيها المواطن لمَ عليه أن يُزهق ماء وجهه ليعيش بكرامة أمام من يُزهق ماء وجهه بوضوح بينما يسرق مال الناس. ولم يكن يومًا التفاوت الطبقي بين أقلية تُحكم سيطرتها على الثروات، وأغلبية تعيش على هامش خط الفقر، واضحًا في لبنان كما هو اليوم. في وقت كانت الدعوة إلى تحقيق حدّ أدنى من العدالة الاجتماعية الخطاب الجامع للمتظاهرين. وقد برز ذلك في رفع شعار "استعادة الأموال المنهوبة".