ماذا عن تحرير الليرة اللبنانية... بعملة رقمية؟

في الوقت الذي تتزايد أعداد الدول المتضررة من السياسات الأميركية يسمح إطلاق العملة الرقمية اللبنانية بالتحرر من التبعية جزئياً من العملات الأجنبية.

  • من شأن إطلاق عملة رقمية خاضعة لسيطرة الدولة ضمان سيطرة الحكومة على اتجاهات الاقتصاد

يصعب مقاربة قضية اقتصادية شديدة الحساسية كتحرير (تعويم) العملة الوطنية في بلد كلبنان، من دون الانطلاق من معطيات كاملة وتحديد رؤية واقعية بمعزل عن آراء القطاع المصرفي المتهم بالإسهام في الواقع الذي يعيشه اللبنانيون.

ولو أن قضية كهذه تم طرحها قبل عقد أو أكثر من الزمن، لكانت الإجابة البديهية والسريعة الاستغراب والنفي القاطع لأي فائدة مرجوّة من خطوة كهذه تُعتبر "انتحاراً"، خاصة في بلد انهارت قطاعاته الإنتاجية تباعاً بفعل الفساد وسوء التخطيط.

ولا تشجع تجارب قلة من دول العالم في السنوات الأخيرة على سلوك خيار تحرير العملة الوطنية، ذلك أن خطوة كهذه لا تتم بمنأى عن الضغوط السياسية وتوجهات الدول الكبرى، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية.

ومع أن الظرف الجيو-سياسي اللبناني الحالي يتيح طرح أسئلة حقيقية حول ضرورة التفكير بفتح آفاق اقتصادية وتجارية مختلفة عن المألوف، فإن الاستقطاب الدولي الحاد وتزايد أعداد الدول المتضررة من السياسات الأميركية و"الحصار" الاقتصادي تجمع هذه الدول على فرص جديدة أيضاً، شرط أن تعزز قدراتها الذاتية وتزيد من قدراتها التنافسية محلياً.

وبما أن النموذجين الصيني والهندي غير قابلين للمقارنة، فإن بقية التجارب الحديثة كالأرجنتين والبرازيل لا تشجع بطبيعة الحال على تبنّي خيار تعويم العملة.

ولكن التعريف التقليدي لتحرير العملة الورقية يشهد تحولاً أيضاً كسائر المفاهيم الاقتصادية.

فمنذ ظهور العملات الرقمية المشفّرة، تعالت الأصوات ما بين مؤيد ومعارض لتأطير هذه العملات ضمن آليات حكومية. وبالتالي فإن ما نقصده في عنوان هذه المقالة هو اللجوء إلى خيار يدعم العملة المحلية بعملة رقمية تكون متحررة من العملات الأجنبية.

ومع أن الولايات المتحدة الأميركية تعارض بشدة أي محاولة لقيام نظام مالي جديد، وآخرها عاصفة الضغوط التي تعرضت لها "فيسبوك" بعد إعلانها عن نيتها إطلاق عملة رقمية عالمية، فإن دولاً كروسيا والصين وفنزويلا وغيرها، تدرس خيارات العملات الرقمية كإحدى وسائل إنعاش الاقتصاد والتحرر من الضغوط الأميركية. بل إن دولاً حليفة للولايات المتحدة كبريطانيا، سنغافورة وكندا تدرس هذا الخيار من باب ترشيد الحكومة وتسهيل التعاملات المالية.

ويتطلب الحُكم على اقتراح لجوء لبنان إلى التفكير في إطلاق عملته الرقمية الإضاءة على ما يمكن أن توفره هذه الخطوة، في بلد معروف بخضوع الإدارة فيه لظاهرتي الفساد وعدم التجديد في التشريعات والآليات.

إن من شأن إطلاق عملة رقمية خاضعة لسيطرة الدولة ضمان سيطرة الحكومة على اتجاهات الاقتصاد. وفي بلد كلبنان، تبدو هذه المسألة حاجة شرط توافر سياسة حكومية تنموية، تراعي ضرورة الاهتمام بالمناطق النائية وإعادة الاعتبار إلى القطاعات الإنتاجية كالزراعة، وتنويع ركائز الاقتصاد وعدم الاعتماد على مورد أحادي.

ومن شأن الاعتماد على عملة رقمية ضبط عملية جباية الضرائب، وهي مسألة فشلت الحكومات المتعاقبة في تطبيقها لأسباب عديدة.

ويسمح إطلاق العملة الرقمية اللبنانية بالتحرر من التبعية جزئياً من العملات الأجنبية، من دون أن يعني ذلك تحرر العملة الورقية أيضاً، ذلك أن استخدام أي عملة رقمية خارج الحدود الجغرافية يبقى رهينة توافق الدولتين المعنيتين، وهو ما تدرسه دول عديدة متضررة من الحصار الاقتصادي الأميركي، من دون أن تُضطر في الوقت نفسه إلى تحرير عملتها بالكامل من الدولار الأميركي.

ويوفر هذا الخيار الأخير إمكانية إنشاء شبكة تحويل مالية غير خاضعة للنظام العالمي بنحو مباشر، ولكنه خاضع لإدارة الدولة اللبنانية بالكامل.

على أن التفكير في إيجابيات خطوة كهذه يتطلب قبل كل شيء سياسات شفافة ورؤية استراتيجية لخيارات لبنان ودوره في المستقبل. علماً بأن أحد إنجازات الحراك الشعبي غير المنظورة حتى الساعة هو اضطرار اللبنانيين آجلاً إلى فتح نقاش جدّي حول الهوية النهائية وشكل لبنان الذي يريدون، وهو نقاش يتطلب مبادرات غير تقليدية وأفكاراً من خارج المألوف.