تطبيع العلاقات الأميركية الكوبية.. مسار طويل لكن لا عودة إلى الوراء

بعد ثلاثة أيام فقط من اللقاء التاريخي بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الكوبي راوول كاسترو أعلن البيت الأبيض نيته شطب كوبا عن لائحة الدول الداعمة للإرهاب. خطوة لم تكن مفاجئة بل لعلها كانت أمراً محسوماً وبتها بشكل نهائي كان مسألة وقت ليس إلا، منذ أن قررت إدارة أوباما إنهاء القطيعة مع هافانا بفعل فشل سياسة الحصار والعقوبات التي فرضتها عليها طيلة نصف قرن من الزمن. اليوم في كوبا كما في واشنطن يؤكدون أن لا عودة إلى الوراء رغم أن المسار طويل وصعب.

أوباما مصافحاً كاسترو خلال قمة الأميركيتين في بنما
أوباما مصافحاً كاسترو خلال قمة الأميركيتين في بنما

في قمة الأميركيتين الأخيرة في بنما شاركت كوبا للمرة الأولى كشرط فرضته دول أميركا اللاتينية على أوباما. حضر الأخير وحضر كاسترو، فكانت المصافحة واللقاء. قال الرئيس الكوبي كلاماً واضحاً، استحضر التاريخ وحمّل واشنطن المسؤولية الكاملة عما عاناه ويعانيه الشعب الكوبي. تحدث بلهجة قاسية وكذلك فعل نظراؤه المشاركون في القمة. أما الرسالة الموحدة فمفادها أن على الولايات المتحدة أن تنتزع فكرة التعامل مع أميركا اللاتينية كما كانت تتعامل معها في السابق، وإذا كان أوباما صادقاً في نواياه فعليه أن يستخدم صلاحياته التي تخوله المضي في هذا المسار إلى نهايته رغم أنه سيكون طويلاً ولن يخلو من بعض العقبات.
تلخص مستشارة الميادين لشؤون أميركا اللاتينية وفيقة ابراهيم مطالب هافانا بالتالي: شطب كوبا عن لائحة الإرهاب، رفع الحصار الاقتصادي، وإعادة غوانتانامو إلى السيادة الكوبية كخطوات رئيسية لإقامة علاقات طبيعية بين البلدين.
في المطلب الأول تقول ابراهيم "إن أمام الكونغرس 45 يوماً للإجابة على تقرير البيت الأبيض، لكن ينتظر أن يوافق لأن عدم الموافقة يتناقض مع الرغبة بإعادة العلاقات مع كوبا بما يشكل مهزلة أمام الشعب الأميركي".
أما في ما يتعلق بمسألة رفع العقوبات والحصار فتلك مسألة أكثر تعقيداً وتحتاج وقتاً طويلاً قد يمتد إلى ما بعد عهد أوباما لكي ترفع بشكل كامل. في هذا السياق تشير إبراهيم إلى "أن القوانين الصادرة عن الكونغرس في هذا الجانب ليست تدابير تنفيذية وإجراءات تنفيذية بيد الرئيس وحده". تقول "لقد جعلوها قوانين لجعل عملية إزالتها صعبة". كوبا تدرك أن رفع العقوبات لن يحدث بين ليلة وضحاها لذلك فإن ما تطالب به أوباما هو ممارسة جزء من صلاحياته بما يخفف من حدة الحصار.

وفق ابراهيم فإن هافانا تنظر إلى هذه المسألة على أنها معركة مهمة للشعب الكوبي. فطيلة عشرين عاماً من جلسات التصويت في الأمم المتحدة على رفع الحصار عن كوبا كانت تسجل الأخيرة انتصاراً ساحقاً بحصولها على تأييد غالبية الدول الأعضاء. انتصار كان ما يلبث أن يجهضه صوتان رافضان، أحدهما للولايات المتحدة والآخر لربيبتها إسرائيل.

تبقى قضية معتقل غوانتانامو. هذا المعتقل خاضع للسيادة الأميركية بموجب عقد إيجار لا تنتهي صلاحيته منذ عام 1903. تقول ابراهيم "مع انتصار الثورة الكوبية أبلغ فيدل كاسترو الأميركيين أن الأرض الكوبية ليست للإيجار ولا للبيع وأعلن رفضه الاعتراف بهذا الاتفاق. لكن الأميركيين ظلوا يرسلون أموالاً وظلت كوبا في المقابل ترفضها مما كان يدفعهم إلى إرسالها إلى محكمة العدل الدولية". اليوم وفيما تفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين تصرّ كوبا على خروج أميركا من غونتانامو وإعادته إليها كخطوة أساسية في هذا المسار.


قرار التطبيع اتخذ ولا عودة إلى الوراء

في واشنطن يدركون أن المسار طويل ودونه عقبات داخلية من بينها وجود لوبي كوبي تقليدي ضاغط في مراكز القرار وفي الكونغرس. ففي الولايات المتحدة يتواجد مليون ونصف مليون كوبي يمتلكون تأثيراً كبيراً ويشكلون رقماً صعباً في وصول الرؤساء إلى البيت الأبيض لا سيما في الولايات الكبيرة التي يتواجدون فيها وأبرزها فلوريدا. بعض هؤلاء الذين غادروا كوبا في بداية الثورة عام 1956 يتظاهر ويقود احتجاجات رافضة لسياسة أوباما الجديدة واصفاً إياه بـ"الشيوعي والمجرم كونه وضع يده بيد مجرمين مثل كاسترو" على حد قوله. يقلل مدير مكتب الميادين في واشنطن منذر سليمان من تأثير هذا اللوبي على قرار أوباما بشأن كوبا، فهو "يرغب في أن ينهي عهده بتحقيق شيء يمكن اعتباره إنجازاً لإرثه السياسي وسجله". يتحدث في هذا السياق "عن تراجع في الموقف المتشدد لهذا اللوبي على المستوى الشعبي تحديداً بسبب ما يمكن أن يؤمّنه الانفتاح على كوبا من منافع لا سيما لجهة لمّ شمل العديد من العائلات التي تفرقت وتأمين القدرة  على الزيارات بسهولة".  

يؤكد سليمان أن الرئيس الأميركي عازم على تذليل كل العقبات التي يمكن أن تعترض مسار التطبيع عبر تحصيل خطوات متراكمة ولكن غير متسرعة يمكن أن تثير الاعتراض. إنطلاقاً من هنا يمكن فهم الطريقة التي اتبعها في مسألة شطب كوبا عن لائحة الدول الداعمة للإرهاب عبر عملية إدارية قانونية داخلية تفترض مراجعة من وزارة الخارجية وليس من خلال إصدار قرار مباشر بذلك علماً أن الأمر يندرج ضمن صلاحياته.

وفق سليمان فإن مهمة أوباما لن تكون صعبة فهو "انطلق من تبدّل في المزاج العام الأميركي تجاه هذا الملف ولاحظ كيف يتم تناوله إعلامياً وفي أوساط النخبة حيث برزت أصوات مؤيدة للانفتاح على كوبا". أما الأصوات المعترضة المتمسكة بموقف إيديولوجي معارض لكوبا الشيوعية ولما تعتبره انتهاكاً لحقوق الإنسان، فيرد عليها المؤيدون لسياسة أوباما باستحضار العلاقات التي تجمع الولايات المتحدة الأميركية مع الدول الخليجية والصين.
إضافة إلى المزاج العام المؤيّد فإن ما سيساعد الرئيس الأميركي في مهمته هو الضغط الذي ستمارسه شريحة من رجال الأعمال والشركات والمؤسسات التي لها مصلحة في تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين والتي تنظر إلى ما أبعد من كوبا متطلعة الى انفراج في العلاقات مع دول أميركا اللاتينية عموماً. 

من تظاهرة ضد سياسة أوباما الجديدة تجاه كوبا
من تظاهرة ضد سياسة أوباما الجديدة تجاه كوبا

أي أفق للعلاقة؟

في كوبا يعتبرون أن ثورتهم انتصرت اليوم مجدداً
في كوبا يعتبرون أن ثورتهم انتصرت اليوم مجدداً

في كوبا كما في الولايات المتحدة الأميركية إذاً رغبة مشتركة في فتح صفحة جديدة مع إقرار الطرفين بوجود خلافات كبيرة بينهما في وجهات النظر. هافانا التي ترى نفسها في موقع القوة لصمودها طيلة هذه السنين لا سيما بعد انهيار المعسكر الاشتراكي تريد علاقات نديّة مع واشنطن على أساس الاحترام المتبادل. قال كاسترو كلاماً واضحاً في هذا الإطار "طلبنا من الولايات المتحدة الأميركية أن نتعلم كيف نتعايش بطريقة حضارية رغم الاختلاف العميق". في المقابل تنطلق الولايات المتحدة من فشل لسياستها السابقة في إحداث تغيير في كوبا لتتحدث عن أسلوب جديد يخدم الأهداف نفسها. أوباما أيضاً كلامه كان واضحاً حين قال "لن نتخلى عن أهدافنا لكن علينا أن نغيّر الأسلوب".
يقول مدير مكتب الميادين في واشنطن منذر سليمان "إن لا هدف أميركياً رسمياً معلناً بتغيير النظام في كوبا لكن هناك رغبة أميركية دائمة في التأثير في وضع البلدان التي لا تعتبر حليفة أو صديقة للولايات المتحدة"، مشيراً إلى أن "هناك فرقاً بين أن يتم ذلك بالقوة الناعمة من خلال المستويات الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية عبر الاستثمارات والتبادل التجاري والزيارات المتبادلة أو أن يتم ذلك بالمقاطعة والحصار".
هذا الأمر تتعامل معه كوبا بالكثير من الجدية والحذر. فبالرغم من المكاسب التي تحققها لها هذه العلاقات الجديدة مع الولايات المتحدة وحال الفرح التي يعيشها الشعب الكوبي الذي يعتبر أنه أجبر الأميركيين على الاعتراف بثورته، إلا أن "الكوبيين الذين اعتادوا السير على حد السكين مستعدون السير خمسين سنة أخرى على حد السكين دون أن يقعوا أو يجرحوا" كما قال راوول كاسترو.
"الثورة الكوبية اخذت احتياطاتها قدر الامكان وهم في كوبا على أتم الاستعداد لمواجهة من نوع جديد" تقول مستشارة الميادين لشؤون أميركا اللاتينية وفيقة إبراهيم، مضيفة أن "الأهم هو وجود شعب كوبي محتضن من شعوب أميركا اللاتينية".
تقول "حين انهار المعسكر الاشتراكي اعتبروا أنه بفعل الدومينو ستسقط الدولة الكوبية. منذ عشرين عاماً سقط المعسكر الاشتراكي وبدل أن تذهب كوبا أصبحت هناك كوبات في أميركا اللاتينية. وعرفت هذه الدول بكل تياراتها السياسية ورغم اختلافاتها العقائدية والدينية والإثنية والعرقية كيف تتوحّد في وجه الولايات المتحدة. هذا التسونامي فرض نفسه اليوم على أميركا".