هل تخوض السعودية الميدان اليمني؟

مسؤولون أميركيون يتحدثون عن تحريك السعودية معدات ثقيلة باتجاه حدود اليمن الشمالية بما يوحي بإمكانية إقدام الرياض على خطوات عسكرية في اليمن. فهل سبقت التطورات الميدانية جنوباً خطة سعودية للتدخل العسكري المباشر في اليمن أم إن هذه الخطة لم تكن واردة في ظل المناخ الإقليمي السائد حالياً؟

  • عناصر من حرس الحدود السعودي عند الحدود مع اليمن
تعزيزات عسكرية سعودية تشهدها الحدود الشمالية اليمنية وفق وكالة رويترز نقلاً عن مسؤولين أميركيين. مناورات سعودية باكستانية مشتركة في مناطق جبلية تحاكي منطقة صعدة تتحدث عنها تقارير صحفية. قبلها كلام واضح لوزير الخارجية السعودي يقول فيه التالي "إذا لم يتم إنهاء الانقلاب الحوثي سلمياً سنتخذ الإجراءات اللازمة لحماية المنطقة".
فهل قررت السعودية خوض الميدان اليمني الذي شكّل تاريخياً جزءاً من نفوذها خصوصاً وأن المعلومات الواردة من الجنوب تشير إلى دخول الجيش عدن من عدة محاور وإلى مغادرة الرئيس عبد ربه منصور هادي المدينة؟

ِلا تدخل عسكرياً مباشراً في اليمن في المدى المنظور. هذا ما يؤكده السعوديون أنفسهم. يقولون إن وزير الخارجية سعود الفيصل لم يَعن بالإجراءات اللازمة ما ذهب إليه البعض بأن الرياض ستتدخل عسكرياً في محاولة لقلب المشهد لصالح حلفائها وفي مقدمهم الرئيس عبد ربه منصور هادي. لا حاجة لهذا التدخل حالياً، تقول الرياض من خلال كتابها ومحلليها. فاليمنيون قادرون بأنفسهم على وقف ما أسموه "التمدد الحوثي ومن خلفه الإيراني" في مناطق الجنوب، دون أن يعني ذلك عدم التدخل عبر الدعم اللوجستي والمادي.

الكلام نفسه عن استبعاد تدخل عسكري سعودي مباشر في اليمن تسمعه في مقلب الخصم لكن هنا تساق أسباب أخرى. أسباب مرتبطة بعدم مقدرة الرياض على القيام بهذه الخطوة سواء على المستوى العسكري أو السياسي أكثر مما هي عدم رغبة سعودية بذلك. فمن جهة لا يوحي تاريخ الجيش السعودي بأن لديه مقدرة على الدخول في حرب مع مجموعات عسكرية. وما حصل في البحرين من تدخل لقوات درع الجزيرة لا يمكن أن يتكرر في اليمن. فهناك حراك سلمي غير مسلح وهنا مجموعات مسلحة واشتباكات عسكرية. أما على مستوى الظرف الإقليمي والدولي فلا شيء يوحي بضوء أخضر لمثل هذا التدخل بل على العكس إن أي خطوة في هذا الاتجاه يمكن أن تزيد في المشهد تعقيداً وتفاقم حالة الإرباك لدى المجتمع الدولي المرتبك أصلاً أمام بؤر النار الملتهبة في المنطقة. 

لكن استبعاد سيناريو التدخل العسكري السعودي أيا تكن الأسباب الكامنة وراءه لا  يخفف من حدة التوتر الإقليمي، تحديداً بين الرياض وطهران على خلفية أحداث اليمن.
يتحدث الباحث السعودي سعد بن عمر في مقابلة مع الميادين نت عن "إرسال إيران لطائرات محملة بالأسلحة إلى اليمن"، عن "تجهيز مطار في صعدة على الحدود السعودية لاستقبال طائرات شحن ضخمة". يذهب إلى حد اتهام إيران بـ"إشعال فتنة في البلاد" والحديث عن "رغبة السعودية بقطع اليد التي تمتد إلى اليمن للعبث بأمنه واسترقاق شعبه" على حد تعبيره.

كيف تنوي الرياض كف يد إيران؟ ليس بالتدخل العسكري المباشر، يكاد يجزم بن عمر. لكن من خلال وسائل يمكن أن توصل إلى النتائج نفسها من خلال الدعم اللوجستي والمادي والتسليحي لحلفائها.

لا أدلة وبراهين تؤكد الاتهامات السعودية لطهران بإرسال السلاح أو التدخل في مسار التطورات الميدانية في اليمن، يقول الكاتب والمتخصص بالشأن الإيراني دكتور طلال عتريسي من دون أن ينفي تأييد إيران للحوثيين. تأييد حدوده لغاية الآن سياسية وإعلامية، وفق معلوماته.

تهمة أخرى ينفيها عتريسي عن طهران لجهة مذهبة الأزمة، انطلاقاً من قراءة وتحليل للخطاب الرسمي الإيراني الذي يخلو من أي كلام يذهب في هذا الاتجاه مشجعاً على على الحوار بين المكونات المختلفة. يقول الباحث الاستراتيجي في حديثه مع الميادين نت "إن الكلام المذهبي يصدر عن خصوم أنصار الله" في إشارة إلى كلام الرئيس هادي عن رفض نقل "التجربة الإثني عشرية" إلى اليمن من دون أن يلق هذا الكلام أي انتقاد من الرياض.          

يضع عتريسي تلميح وزير الخارجية السعودي بالتدخل العسكري في اليمن في سياق "محاولة إعادة الأمور إلى نصابها وفق رؤية السعودية التي تشعر بأنها "باتت محاصرة ومطوّقة" في ظل الأجواء التي توحي بقرب التوصل إلى اتفاق نووي بين الغرب وإيران وهو ما يعني الاعتراف بمشروعية دور إيران ونفوذها في المنطقة، وبالتالي الانتزاع من حصة الدور السعودي في المنطقة" علماً أن اليمن تاريخياً كان جزءاً من النفوذ السعودي وكل الحكومات التي تعاقبت على الحكم فيه كانت حليفة للرياض قبل أن ينقلب المشهد بسيطرة حركة أنصار الله الحليفة لإيران على محافظات الوسط.


أين القاعدة من هذه المواجهة خصوصاً بعد الانسحاب الأميركي من اليمن أخيراً؟

لا ينكرون في السعودية وجود القاعدة في اليمن لكن دورها وفق بن عمر مرتبط بتحطيم الحوثيين للقيود السياسية وتهميش فئات من اليمنيين على حد قوله. يضيف "لا نستغرب أن تخرج داعش الآن وبعدها عشرون منظمة إرهابية لمكافحة الحوثيين. دخول الحوثيين الى الضالع وجميع المدن اليمنية تجعل هذه المدن تقوم بحركة مضادة لهم من خلال التفجيرات التي ستصل إلى مناطقهم".

تفجيرات كانت وصلت بالفعل حين استهدفت مساجد في العاصمة اليمنية وراح ضحيتها أكثر من 140 شخصاً. إنطلاقاً من هنا يرى عتريسي أن القاعدة ستكون ورقة بيد القوى المناوئة لحركة "أنصار الله". يوضح أن قدرة الحوثيين على السيطرة العسكرية على مناطق لا يلغي المخاطر في ظل المحاولات لجعل المواجهة مذهبية.              

يدرك الحوثيون حساسية الوضع في الجنوب وفق ما يقول عتريسي لذلك هم أكدوا مراراً أن ما يحصل ليس اجتياحاً للجنوب أو خوض قتال مع أهله إنما تحرك للجيش اليمني من أجل التصدي للقاعدة.   
وفيما تشتعل الجبهة اليمنية يتصدر الجهود السياسية خبر اقتراح الدوحة مكاناً لانعقاد الحوار كبديل من الرياض على أن يكون توقيع أي اتفاق في العاصمة السعودية. وهو ما رفضته حركة أنصار الله. ولكن لماذا الدوحة؟ يجيب عتريسي يمكن لقطر أن تلعب اليوم دور الوسيط بين اللاعبين في المسرح اليمني.
فهل يحصل ذلك أم إن الميدان الذي خلط الأوراق كلها اليوم سيسقط كل الاعتبارات التي تمنع الرياض حالياً من التدخل العسكري المباشر في ما عرف تاريخياً بأنه حديقتها الخلفية؟