الانتخابات الرئاسية اللبنانية بين عواصم القرار

حلقة اليوم من برنامج "عواصم القرار" على شاشة الميادين تناقش نظرة العواصم إلى موضوع الاستحقاق الرئاسي اللبناني الذي ينتظره اللبنانيّون صباح الغد.

الإستحقاق الرئاسي اللبناني بين عواصم القرار
الإستحقاق الرئاسي اللبناني بين عواصم القرار

في إطار تغطيتها الخاصة للإنتخابات الرئاسية اللبنانية، تناقش حلقة الأحد من برنامج "بين عواصم القرار" على شاشة الميادين موضوع الاستحقاق الرئاسي اللبناني الذي ينتظره اللبنانيون صباح الإثنين بعد سنتين ونصف من الشغور الرئاسي واستعراض لوجهات النظر في مكاتب الميادين في بيروت ودمشق وبيت لحم وطهران وموسكو وواشطن بخصوص هذا الاستحقاق.

انطلاقاً من بيروت، سيعيد سدّ الفراغ الرئاسي حركة الدولة من جديد وسيسمح بلملمة كل الإشكاليات التي يعاني منها كموضوع النفط ووجود حزب الله في سوريا. ويراهن رئيس الحكومة السابق سعد الحريري على أنّ وجود رئاسة قوية سيساعد في إنتاج حكومة قوية سيكون هو مرشحها الأوّل بعد التوافق مع الجنرال ميشال عون، ممّا سيهيء للانتخابات النيابية المقبلة ويعيد كل الجهات السياسية اللبنانية إلى طاولة الحوار لمناقشة وحل المواضيع المستعصية على الساحة اللبنانية. كل ذلك في وقت يُتَّهم فيه الحريري من قبل حلفائه بأنّ علاقته سيئة مع الحكومة.

من سوريا التي ستكون حاضرة على بلا شك على طاولة رئيس الجمهورية العتيد، سيكون تحديد مسار العلاقات معها من أولويات الرئيس اللبناني الجديد ضمن إدارة العلاقات الخارجية مع البلاد، وبالرغم من انكفاء العاصمة السورية عن لبنان بسبب الحرب الدائرة لديها إلّا أنه من الصعب أن تعزل دمشق عن الاستحقاق الرئاسي اللبنانيّ، وهي التي تعتبر أنها لن تجد حليفاً قوياً يدخل قصر بعبدا كالعماد ميشال عون الذي زار سوريا بعد خروجها من لبنان في العام 2005 ودعا إلى إقامة علاقات قويّة معها. ويذكر أنّ دمشق لم تصدر  حتى اليوم أي تعليق رسميّ حول ترشيح عون وتجاهلت هجوم الحريري عليها أثناء إعلان ترشيحه للجنرال للرئاسة.
وإذا أردنا الغوص في العلاقة بين الجنرال عون وسوريا، يظهر بوضوح دفاع عون عن الحكومة السورية منذ بداية الأزمة، بالإضافة إلى دفاعه عن دوافع حزب الله فيما يخص الأزمة السورية، ممّا يأخذنا إلى اعتبار وصول عون إلى سدّة الرئاسة كانتصار لمحور المقاومة، وسيعيد انتخاب عون كرئيس للجمهورية التوازن في الملفات العالقة بين سوريا ولبنان خاصة مسألة اللاجئين والمشاكل الاقتصادية على الحدود، وستكون مسألة النأي بالنفس حيال الأزمة السورية من أبرز المسائل التي سيتخذها عون كأولوية له.


وإلى الكيان الإسرائيلي الذي يرصد منذ أسبوع بشكل مكثّف الاستحقاق الرئاسي اللبناني ويراقب بقلق تطوراته، خاصة في ما يتعلّق بمخاوفها من اعتبار العماد ميشال عون مرشح "حزب الله" للرئاسة.
ويصعب على الإسرائيليين التنبؤ بمواقف وخطوات عون بعد استلامه الرئاسة، خاصةً بموضوع حزب الله والعلاقة مع سوريا. ولا توجد رؤية إسرائيلية حول الرئاسة اللبنانية ولكن التوقّعات كلّها تشير إلى أن كلّ ما سيتخذه عون من قرارات سيكون في مصلحة حزب الله.
وتقلق إسرائيل من الحديث عن انتصار محور المقاومة مع انتخاب عون للرئاسة بشكل كبير. ولا يستبعد أن تقوم إسرائيل بشنّ حملة إعلامية ضد الجنرال عون، لخفض معنويات حزب الله ومنعه من الاستمتاع بهذا النصر السياسي، بالإضافة إلى رفع معنويات الخصوم.


وهناك خصوصية فلسطينية في التعاطي مع الشأن الرئاسي اللبنانيّ، خاصةً مع وجود أكثر من 600 ألف لاجىء فلسطيني على الأراضي اللبنانية، وهو ما يعطي الاستحقاق الرئاسي قدراً أكبر من الإهتمام بالنسبة للإسرائيليين.


أما في واشنطن ما يزال الصمت سيد الموقف فيما يخص الاستحقاق الرئاسي اللبناني، فالعلاقات بين عون وواشنطن ملتبسة في السنوات الأخيرة، خاصةً بعد التفاهم الذي عقده مع حزب الله. ومن المتوقع أن يرتبط الموقف الأميركي من انتخاب العماد عون للرئاسة بكيفية تعاطيه مع حليفه حزب الله الذي تخاف واشنطن من تمكينه وتقويته في الساحة السياسية اللبنانية.
وتخشى واشنطن من أنّ يرد عون الوفاء لحزب الله الذي تمسك بترشيحه للرئاسة، ومن وجود رئيس قوي في لبنان، خاصةً أنها تتمنى وجود رئيس ضعيف وهو ما لن يُحققه لها عون بسبب خلفيته العسكرية القوية ومعاندته لمسارات إقليمية طوال تاريخه السياسي. 

في طهران لا موقف رسميّ حتى اللحظة بخصوص انتخاب عون لرئاسة الجمهوريّة اللبنانية، في ظل وضوح عدم وجود دور إيراني في عملية الانتخاب بالرغم من العلاقات الجيدة التي تجمع عون بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، وذلك لا ينفي طبعاً وجود تنسيق إيراني مع حزب الله الذي تعطيه طهران الحرية الكاملة في اختيار تحالفاته الداخليّة، خاصةً مع ثبات السياسة الخارجية الإيرانية بما يخص المنطقة.

موسكو العاصمة الأولى التي هنأت الجنرال عون على وصوله إلى كرسيّ الرئاسة، لطالما دعت إلى تفاهم اللبنانيين فيما بينهم لاختيار رئيس توافقيّ. وتَطوَّر الموقف الروسيّ بشكل كبير في لبنان على أساس المراهنة على قوّته بشكل مماثل للمراهنة الروسية القوية على بقاء وصمود سوريا.

وبحكم وجود روسيا في المنطقة تغيّرت الخارطة السياسية في لبنان. وتُعتبر موسكو المُدافعة الأساسية عن المسيحيين في المنطقة، لذا سيرتفع تلقائياً الدعم الروسي للرئيس الجديد بالإضافة إلى الدعم العسكريّ للجيش اللبنانيّ في ظل تراجع الدعم السعودي له. 


بالنسبة للسعودية فإنّ لبنان حالياً في المرتبة الثالثة من حيث أولوياتها بعد اليمن وسوريا، في ظل تضارب وجهات النظر بين مَنْ يعتبر أنه من الضروري أن تتراجع السعودية عن تدخلها المباشر في لبنان وتترك الحريري لمصيره، وبين الإصرار على استمرار التدخل السعودي لتقوية تحالفات المملكة في المنطقة.

وتتهرب السعودية التي أرسلت موفداً لمتابعة عملية انتخاب الرئيس الجديد، من تحمّل أي مسؤولية في حال أيّ إخفاق قد يقع فيه الحريري في ترشيحه للعماد عون، وفي الوقت نفسه ستتعامل مع عون على أساس أنه رئيس للبنان وليس كحليف لحزب الله.


لبنان ما بعد الرئاسة

العين على الحكومة القادمة وعلى البيان الوزاري الذي سينال على أساسه الحريري الثقة، والتساؤل المطروح بقوّة هو حول مشاركة حزب الله في الحكومة وإذا كان سينجح الحريري في صياغة بيان وزاري لا يخالف الثوابت التي يعمل عليها. أمّا في ما يتعلق بتشكيل الحكومة فقد تطول مدة إبصارها النور بشكل كبير، بالإضافة الى عامل القانون الانتخابي الجديد الذي سيُطبّق خلال الانتخابات النيابية المقبلة في العام 2017.

وبانتظار التهنئة التي سيوجهها الرئيس السوري بشار الأسد إلى الجنرال ميشال عون، هناك رهان سوري كبير على وصوله إلى الرئاسة، في ظل الحديث عن أنه لولا انتصارات الجيش السوري ميدانياً لما نجح محور المقاومة في فرض خياراته السياسية في لبنان. ومن جهة أخرى تعي دمشق أهمية الدور المسيحي للجنرال عون وهي التي لطالما عملت على حماية المسيحيين ومحاربة الإرهاب الذي استهدفهم في لبنان.

وستعمل إسرائيل على فسخ العلاقة المقدّسة بين عون وحزب الله، وقد يكون ذلك من أهدافها الاستراتيجية في لبنان في فترة ما بعد الرئاسة وامتحانها المعقّد في المنطقة بعد الحرب السورية.

وبالتأكيد ستتكيف الولايات المتحدة الأميركية مع وصول عون للرئاسة. وفي حال تولّي هيلاري كلينتون الرئاسة الأميركية، فستستمر أميركا في موقفها نفسه الذي كان خلال عهد باراك أوباما، مع محاولة حصر وإشغال اللبنانيين بالوضع الداخلي. أمّا في حال فوز دونالد ترامب، فسيعتمد على سياسة عدم التدخل المباشر في أي قرارات سياسية داخلية، مع أولوية حماية إسرائيل من أي خطر لبنانيّ.

وبلا شك هناك ارتياح إيراني كبير لانتخاب عون الذي لم يصدرعنه أي موقف مريب تجاه إيران وسوريا وحزب الله. وما يهمّ إيران فعلياً هو تعاطي عون مع الحكومة السورية وحزب الله من دون وجود أي اهتمام حول كيفية إدارته للشؤون الداخلية في بلده.

وتنظر روسيا إلى لبنان وسوريا على أنهما بلد واحد، وبمجرد العمل على تعزيز تواجدها في المنطقة تهتم موسكو ببناء علاقة جيدة وإيجابية مع الرئيس الجديد، وعلى تمتين العلاقات بين البلدين. ومن المتوقع أن تكون العلاقات بين موسكو وبيروت أفضل خلال السنوات المقبلة، وتسهم في تكريس الاستقرار في لبنان.