مواقف أميركية تفجُّر سجالات يمينية داخل حكومة نتنياهو

يخشى نتنياهو من مواجهة المعضلة النهائية - التوقيع على اتفاق سلام وتخليده في التاريخ على انه رئيس الحكومة الذي مكّن من إقامة دولة فلسطينية. وفقاً لبعض الوزراء في حكومته، فإنه يعارض بالفعل هذه الفكرة. لكن إذا نجحت المفاوضات ووُضع اتفاق على الطاولة فسوف يكون على نتنياهو اتخاذ أصعب قرار في حياته. هذا هو أكبر مخاوفه.

سخونة التصريحات والمواقف الأميركية بدأت تلقي بثقلها داخل حكومة نتنياهو
سخونة التصريحات والمواقف الأميركية بدأت تلقي بثقلها داخل حكومة نتنياهو

قبل أسبوع على زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إسرائيل، تتوالى تصريحات المسؤولين في الإدارة الأميركية حول ما يحمله ترامب، في زيارته الأولى المُرتقبة إلى المنطقة. خاصة لقاءاته المُقررة مع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني في القدس المحتلة وبيت لحم. 
ويبدو أن سخونة التصريحات والمواقف الأميركية بدأت تلقي بثقلها داخل حكومة نتنياهو القلقة من اندفاعة ترامب التسووية، رغم أن المواقف الأميركية لا تفوّت فرصة لتأكيد الدعم لإسرائيل وأمنها على حساب كافة دول وشعوب المنطقة.

وفي هذا السياق، أكَّد مستشار الأمن القومي الأميركي هربرت ماكماستر، في الاستعراض اليومي لمراسلي البيت الأبيض، أن ترامب الذي سيحاول خلال زيارته إلى إسرائيل في 22 أيار/ مايو الحالي، عقد قمة ثلاثية تجمعه مع نتنياهو وعباس لإطلاق محادثات التسوية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، سيؤكد  في محادثاته المقررة مع نظيره الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، ونتنياهو "العلاقة غير القابلة للانفصام" بين أميركا وإسرائيل. كما سيُعرب خلال اجتماعه مع عباس عن تطلّعه إلى تقرير المصير للفلسطينيين. 
ولم يُفصح ماكماستر ما إذا كان تقرير المصير يشمل إقامة دولة فلسطينية وفق حدود العام 1967، كما يطالب الجانب الفلسطيني، وهو ما أشارت إليه أوساط إسرائيلية موضحة أن "تقرير المصير يمكن أن يكون بأشكال متنوعة، ومن ضمنها تلك التي تضمن لإسرائيل اعترافاً بالأمن، وماكماستر لم يقل إن ترامب يؤيّد دولة فلسطينية، وتقرير المصير هو مصطلح ليّن أكثر بكثير من دولة فلسطينية. وهو يسمح لإسرائيل بحيِّز للمناورة".

إلى جانب مواقف مستشار الأمن القومي الأميركي، شدد وزير الخارجي الأميركي ريكس تيلرسون، على أن ترامب لا يزال يبحث نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، ومدى تأثيرها على العملية السياسية في المنطقة. 
وقال تيلرسون في مقابلة مع قناة "إن بي سي" الأميركية، إن ترامب "يعمل على تقييم ما إذا كانت عملية النقل ستضر بمحاولات التوصّل إلى اتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن الرئيس حريص للغاية على الاستماع إلى رؤية الطرفين لمعرفة جدوى قرار النقل، وإذا كانت إسرائيل تعتبره مفيداً لمبادرة سلام أم مدمرًا لها". 
يشار إلى أن ترامب سيكون بعد أسبوعين مطالباً بأن يقرر هل سيوقّع – مثلما فعل كل أسلافه – على مرسوم تأجيل لنصف سنة أخرى نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة.

التصريحات الأميركية أثارت سجالاً حاداً داخل اليمين الإسرائيلي المتطرف، وخاصة بين نتنياهو ووزير التربية والتعليم ورئيس حزب  "البيت اليهودي" نفتالي بينيت، الذي دعا نتنياهو إلى الإيضاح بأن إسرائيل تتوقّع من الولايات المتحدة نقل السفارة إلى القدس، و"الاعتراف بالقدس الموحدة تحت سيادة إسرائيل". 
أما في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية فقد سارعوا إلى نشر رد رسمي على تصريحات تيلرسون، ولكنه كان موجَّهاً بالذات نحو بينيت، وجاء فيه: إن "موقف إسرائيل قيل مرات عديدة للإدارة الأميركية وللعالم. نقل السفارة إلى القدس ليس فقط لم يضر المسيرة السلمية، بل العكس، سيقدمها من خلال إصلاح ظلم تاريخي ومن خلال تحطيم الخيال الفلسطيني في أن القدس ليست عاصمة إسرائيل".

سجال نتنياهو وبينيت لم يتوقَّف عند هذه المسألة، فقد ردَّ بينيت أيضاً على كلام مستشار الأمن القومي الأميركي، حول تقرير المصير للفلسطينيين، وقال:"ليس بالإمكان الاستمرار في سياسة الملجأ. وعلى إسرائيل المبادرة إلى طرح رؤيتها، وإلا، كما يبدو مجدداً، فإن مصيرها سيحدده آخرون". 
وأضاف بينيت الذي يعارض قيام دولة فلسطينية، إن "خطاب بار إيلان (الذي ألقاه نتنياهو في العام 2009) كان في فترة الرئيس السابق باراك أوباما، وهذا الخطاب والموافقة على إقامة دول فلسطينية جلبا علينا المقاطعة والإرهاب، وتهديد ديموغرافي خطير، والآن هو الوقت المناسب للإعلان عن إلغائه". 
وحدد بينيت، طريقين أمام إسرائيل، إما استمرار سياسة بار إيلان التي تؤيد قيام دولة فلسطين ثانية، إضافة إلى تلك التي بغزة، وهذه معادلة فاشلة برأيه أدت حتى الآن إلى سفك دماء، وتدهور سياسي، وستقود إلى كارثة ديموغرافية؛ وإما بإمكان إسرائيل طرح رؤيتها لمستقبل المنطقة: تطوير اقتصادي إقليمي يستند إلى مبادرات، ومنع قيام دولة فلسطينية ثانية إضافة إلى تلك التي في غزة، وفرض ما أسماه "السيادة" على ما اعتبرها المناطق الإسرائيلية في الضفة الغربية. 

تعليقات بينيت، التي تعكس أصلاً رؤية وتوجهات الحكومة الإسرائيلية اليمينية، وقوانينها العنصرية التي تعمل على إقرارها، ومن ضمنها القوانين المتعلقة بتطبيق القوانين الإسرائيلية على المستوطنين في الضفة، كمقدمة كقوانين الضم المطروحة، استدعت رداً عاجلاً من حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو، قائلاً إن أقوال بينيت "مثال لجلد الذات المهووس وهذه المرة من جانب اليمين. رئيس الحكومة نتنياهو هو الذي يحارب من أجل قبول الدولة اليهودية في العالم مثلما نسمع من الرئيس ترامب ومثلما يقود رئيس الحكومة نتنياهو قانون القومية". 
وأضاف بيان الليكود إن من ليس قادراً على الوقوف أمام ضغوط اليسار في وزارة التربية والتعليم الذي يتولاها، عليه ألاَّ يعظ رئيس الحكومة الذي يقف بصورة شديدة وحازمة أمام كافة الضغوط الدولية، أكثر من أي رئيس حكومة آخر في العقود الأخيرة.

وأمام تصاعد السجالات داخل حكومة نتنياهو اليمينية، كشفت التقارير الإسرائيلية عن المخاوف التي تعتري نتنياهو، مما يحمله ترامب من مبادرة سياسية للتسوية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وأبرز هذه المخاوف:

1- من المتوقع أن يطلب ترامب من نتنياهو استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين وتحديد إطار زمني لها. منذ عودته إلى رئاسة الوزراء في عام 2009، امتنع نتنياهو عن إعلان خطته للتسوية. وفي حال بدء محادثات كاملة سيضطر للكشف عن خطته، بما في ذلك الحدود التي يتصورها لدولة فلسطينية مستقبلية.

2- لاستئناف محادثات التسوية، قد يطلب ترامب من نتنياهو تقديم تنازلات قبل بدء المحادثات، وقد يكون ذلك تجميداً في البناء في المستوطنات، أو إطلاق سراح أسرى فلسطينيين، كما حدث في عام 2013 ، وهي المرة الأخيرة التي تعرضت فيها حكومة نتنياهو لضغوط من قبل إدارة أوباما لاستئناف المحادثات مع الفلسطينيين. وقد ذكر نتنياهو في السنوات الأخيرة أنه لن يوافق على شروط مسبقة . هذه المرة يخشى نتنياهو من أن يجبره ترامب.

3- كل ما سبق سوف يثير مشكلة سياسية لنتنياهو. من غير المحتمل أن ينسحب زعيم حزب البيت اليهودي نفتالي بينيت، من الائتلاف لمجرد استئناف محادثات السلام، إلاَّ انه من المحتمل أن يضغط إذا قرر نتنياهو تقديم تنازلات. ومعروف أن بينيت يسعى لتمييز نفسه عن نتنياهو، وتجاوزه عن اليمين، وإعلان نفسه زعيماً لمعسكر اليمين الإسرائيلي. وأفضل طريقة للقيام بذلك هي الانسحاب من الحكومة بسبب التنازلات للفلسطينيين.

4 - الإجماع العام في إسرائيل هو أنه من غير المحتمل التوصّل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، يخشى نتنياهو أن يُنظر إليه على أنه المسؤول عن فشله. فبعد انتهاء كل شيء، يريد (نتنياهو) أن ينظر ترامب إلى إسرائيل على أنها الجانب الذي كان مستعداً لإحلال السلام والفلسطينيون هم المتعنتون. سيتعين على نتنياهو المناورة بعناية كي لا يُغضب الرئيس ترامب، الذي ثبت فعلاً أنه لا يمكن التنبؤ به إلى حد كبير.

5- يخشى نتنياهو من مواجهة المعضلة النهائية - التوقيع على اتفاق سلام وتخليده في التاريخ على انه رئيس الحكومة الذي مكّن من إقامة دولة فلسطينية. وفقاً لبعض الوزراء في حكومته، فإنه يعارض بالفعل هذه الفكرة. لكن إذا نجحت المفاوضات ووُضع اتفاق على الطاولة فسوف يكون على نتنياهو اتخاذ أصعب قرار في حياته. هذا هو أكبر مخاوفه.