منطق القمم العربية.. "لاءات" بعد الهزيمة، واستجداء للسلام بعد الانتصار

سارت القمم العربية من ثلاث لاءات فيها من العنفوان ما فيها، وقيلت في لحظة غضب بعد هزيمة من الجيش الذي كان يومها لا يقهر. إلى الوقت الذي قهر فيه بعض العرب إسرائيل، حيث باتت القمم العربية تستجدي قبولاً إسرائيلياً بفكرة السلام.

لا صلح.. لا تفاوض.. لا اعتراف
 لم يبق مبدأ من مبادىء قيام الدول إلا وانتهك في العالم العربي. هذه المساحة من الأرض تسكنها عفاريت كارهة للمنطق. في كل التاريخ تحاول الأم تحويل الهزيمة إلى نصر، وتصنع بدعايتها من الانكسار انتصارا، إلا هنا، نخاف من الانتصارات وإذا ظفرنا بها أنكرنا مسؤوليتنا، وتبرأنا من صانعيها.

ومن مصاديق هذا الرأي أن تعمل الأمة على تدمير عوامل قوتها ومنعتها، لتقف عاريةً امام الأمم تستجدي سلاماً لا مبرر واقعي للحصول عليه، سوى امتلاك الحق به. والحق لا يكفي للانتصار، إلا في الروايات الرومانسية الحالمة بعالمٍ لا شر فيه.

وقد بات شعور الخيبة المتكرر عند الشعوب العربية بعد قمم قادتهم مملاً إلى حدٍ بعيد. معطوفاً على خجل من التنازلات المستمرة لإسرائيل، وما يستتبع ذلك.

لقد تدهور سقف القمم العربية من قمةً بعد قمة، إلى أن صار مجرد اجتماع القادة العرب هو الحدث بحد ذاته. فبعد أن كان هدف العرب في قمة أنشاص بمصر عام 1946 "وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتحقيق استقلالها"، أصبح أقصى طموحاتهم تصريح إسرائيلي يفيد بعدم انتهاء مبادرة السلام العربية التي قدمت في قمة بيروت عام 2002.

أكثر من 300 قرار صدروا عن القمم العربية المختلفة منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945. قمم عادية وأخرى طارئة، تأرجحت مقرراتها بين الغضب والتضامن والتنديد والإعراب عن الحزن ثم القلق، من اعتداءات إسرائيل المتكررة على الدول العربية وشعوبها، حتى أصبحت القمم اليوم برداً وسلاماً على إسرائيل، وتصب جام غضبها على الدول الأعضاء التي تظهر اختلافاً مع سياسات القوى النافذة في مجلس الجامعة.

وبعيداً من التباينات المستمرة دائماً بين الدول العربية وتحالفاتها الدولية المختلفة، فقد بقي حد أدنى من الالتزام بقضيتين أساسيتين محيداً عن الاختلاف لزمنٍ طويل، القضية الأولى كانت فلسطين، والثانية هي الوقوف إلى جانب الدول الأعضاء التي تتعرض لعدوانٍ خارجي. ففي عام 1956 وقف العرب في بيروت إلى جانب مصر في مواجهة العدوان الثلاثي عليها بدعوةٍ من الرئيس اللبناني آنذاك كميل شمعون. كما دعمت القمة نفسها حق الجزائر بالنضال ضد الاحتلال الفرنسي.

وفي جولة على مقررات القمم التالية، نجد بحثاً في مطامع إسرائيل في مياه نهر الأردن، ودعم لمنظمة التحرير الفلسطينية واعتماداً لها كممثلٍ للشعب الفلسطيني، وتوقيع ميثاق للتضامن العربي، وصولاً إلى قمة "اللاءات الثلاث" في الخرطوم بعد نكسة 1967، والتي رفعت لواء الرفض:

لا صلح.

لا مفاوضات.

لا اعتراف بإسرائيل.

 

ثم فشل العرب في القمة التالية بوضع استراتيجية موحدة لمواجهة إسرائيل. وفي عام 1973 وعلى وقع الانتصارات في الميدان، قرر العرب في قمة الجزائر استخدام النفط كسلاحٍ في المعركة، وأكدوا ضرورة تحرير كامل الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967. ثم مدّت القمم اللاحقة اليد إلى لبنان الذي كان يغرق في حربه الأهلية.

ولكن توقيع اتفاقية "كامب دايفيد" بين مصر وإسرائيل عام 1978 قصم ظهر الموقف العربي في مواجهة الاحتلال، فرفضتها قمة بغداد التي عقدت في العام نفسه بغياب مصر واعتبرتها تمس حقوق الأمة العربية والشعب الفلسطيني. ونقلت القمة مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس العاصمة، وتمسكت الدول العربية موحدةً في مقاطعة إسرائيل ودعم المقاومة الفلسطينية. ثم في عام 1980 اتفق العرب (مع مقاطعة سوريا والجزائر ولبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية) على دعم العراق في حربه ضد إيران. وفي فاس المغربية عام 1981 كانت أول "مبادرة سلام" تطلقها الجامعة وتنص اعتراف بإسرائيل بناءً على اقتراح ولي العهد السعودي يومها فهد بن عبدالعزيز. بعدها استمرت القمم التالية بالتضامن مع أية دولة عربية في مواجهاتها الخارجية، خصوصاً رفض الإرهاب الإسرائيلي ودعم الانتفاضة الفلسطينية التي انفجرت عام 1988، وفي السنة التالية عادت مصر إلى الجامعة، وأعلنت الجامعة عن دعمها للدولة الفلسطينية التي أعلنها ياسر عرفات.

ومن رفض التهديدات ضد العراق، إلى إدانته بعد اجتياحه للكويت، تواصلت القمم ملتزمةً بالمبدأين المتمثلين بدعم القضية الفلسطينية ومساندة الدول العربية التي تتعرض لعدوان خارجي، أو التي تخوض مواجهة مع دولة غير عربية. وفي عام 2000 أنشأت القمة العربية صندوقاً لدعم الانتفاضة الثانية التي اندلعت. وفي السنة التالية قررت قمة عمان تفعيل المقاطعة لإسرائيل والحد من تغلغلها في العالم العربي.

وجاءت قمة بيروت لتقر مبادرة ولي العهد السعودي عبدالله بن عبدالعزيز والتي عرفت لاحقاً بمبادرة السلام العربية، وفيها يعرض العرب على إسرائيل انسحاباً كاملاً من الأراضي التي احتلتها في 1967 مقابل سلامٍ شاملٍ وتطبيع في العلاقات مع الدول الأعضاء في الجامعة. ولكن إسرائيل رفضت المبادرة هذه أيضاً.

ولاحقاً صارت القمم العربية تجدد عرض مبادرة السلام، وتطلب من إسرائيل الموافقة عليها والالتزام فيها. وتحاول رأب الصدع داخل الدول العربية نفسها، وخصوصاً فلسطين، بعد حصول الانقسام بين حركتي فتح وحماس.

وفي قمة دمشق عام 2008 بان الانقسام العربي الحاد، فغاب نصف القادة العرب، وعالجت القمة قضايا عربية داخلية، مع تمسكهم بمبادرة السلام التي أقرتها قمة 2002. وفي السنة التالية، حدد العرب إطاراً زمنياً "لوفاء إسرائيل بالتزاماتها تجاه عملية السلام".

ومنذ اندلاع أحداث المنطقة العربية بدءاً من نهاية عام 2010، تعمق الشرخ بين الدول الأعضاء، فلم يعد ينتظر من القمم العربية سوى قراراتٍ ضد الدول الأعضاء، فأقصيت سوريا وتم تعليق عضويتها. وسارت الجامعة العربية بخلاف ميثاق تأسيسها، حتى خسرت من رصيدها عند الشعوب العربية، ولم يعد ينتظر منها الكثير في القضايا الكبرى، خصوصاً تلك المتعلقة بفلسطين.

بعد بدء ما سمي "الربيع العربي" تحول مبدآ الجامعة العربية الرئيسين، أي دعم القضية الفلسطينية ومساندة الدول الأعضاء في مواجهة العدوان الخارجي، إلى عكس مضامينهما. فالقمم العربية باتت تطلب من الدول الكبرى غير العربية التدخل في دولٍ أعضاء في الجامعة. وباتت سياسة الامانة العامة للجامعة ومعظم الدول الأعضاء تساند حرباً على دولةٍ عربية وتعرب عن استعدادها لتقديم يد العون في هذه الحرب.

اما بخصوص القضية الفلسطينية، فإن مسار التطبيع يتسارع مع الوقت. وبعد أن كانت المبادرة العربية تشير إلى الأرض مقابل التطبيع، بقيت الأرض محتلةً، وقدّم التطبيع كهديةٍ مجانية إلى إسرائيل، واخترع أعداء جدد ممن يتقاسمون مع العرب تاريخ المنطقة وثقافتها وأديانها.

باختصار، سارت القمم العربية من ثلاث لاءات فيها من العنفوان ما فيها، وقيلت في لحظة غضب بعد هزيمة من الجيش الذي كان يومها لا يقهر. إلى الوقت الذي قهر فيه بعض العرب إسرائيل، حيث باتت القمم العربية تستجدي قبولاً إسرائيلياً بفكرة السلام، مع إغراء وتلميح إلى تنازلات عن آخر ورقات التوت.