القرار الوجودي فوق-أوروبي.. الاتحاد الأوروبي باقٍ ويتقلص؟

هل يتفكك الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا؟ التي حصلت على "يوم استقلال" وفق أغلبية 23 حزيران، وهي الدولة الوحيدة التي لم تكن محتلةً من قبل. ولكن مهلاً، هل أن تفكك الاتحاد الأوروبي هو بهذه البساطة؟

خروج بريطانيا يعصف بمصير الاتحاد.
عشرات القضايا طرحها خيار أغلبية البريطانيين بالخروج من الاتحاد الأوروبي. إقتصاد اليورو، السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، علاقات الدول الأوروبية الكبرى على المستوى الدولي، الموقف الأميركي وقبضة واشنطن على القرار الأوروبي، أفق العلاقة الأوروبية مع روسيا، ألمانيا، مسألة الهجرة، وحدة بريطانيا نفسها. ولكن أبرز التساؤلات وأكبرها هو ذلك المتعلق بمصير الاتحاد الأوروبي ككيانٍ سياسيٍ موحد، وكنموذجٍ سُوّق له منذ مطلع التسعينيات على أنه الرؤية المستقبلية التي يجب على كل دول العالم التطلع إليها ومماثلتها، حتى لهثت الدول طمعاً بعضويته، وجن جنونها من مماطلة بروكسل، كما حصل مع تركيا على سبيل المثال.

لقد خسر الاتحاد الأوروبي بعد 23 حزيران-يونيو دولةً هي من أبرز أركانه. ببساطة لقد خسر "فيتو" من اثنين تملكهما دول من أعضائه. وارتدادات ذلك ستكون واقعةً لا محالة على النفوذ الأوروبي الذي لا يزال ماثلاً في أذهان بعض دول العالم الثالث، على الرغم من فقدان الأوروبيين قدرتهم على تسيير معظم قراراتهم السيادية لمصلحة الإنخراط في المنظومة الأكبر التي تقودها واشنطن.

لقد قُدّم النموذج الأوروبي على أنه القوة الاقتصادية الهائلة التي ستبلع ما حولها، وعلى كل الجيران الأوروبيين (لأوروبا الغربية تحديداً) ترك دولهم الوطنية والمسارعة إلى الإنخراط، وتقديم فروض الطاعة للسيد القائم على هذه "التحفة". حتى أنه مع بداية الألفية الجديدة، ذهب الكثير من الأكاديميين لوصف القرن البازغ بـ"القرن الأوروبي"، إعجاباً ودهشةً بقدرة الدول الأوروبي صاحبة التاريخ المشترك الدموي على الاتحاد، وتجاوز بحار الدم ودهور العداوة والصراع.

لندن تدير ظهرها لبروكسل
أما وقد خرجت بريطانيا، فإن العين الآن على دولتين هما ألمانيا وفرنسا. ما الذي ستفعلانه هاتان الدعامتان المتبقيان؟ بروكسل الجامعة باتت تقف على قائمتي برلين وباريس فقط. ولكن في العاصمتين المذكورتين من يحسد بريطانيا على قرار أغلبيتها الشعبية أمس. زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية ماري لوبان وصفت نتائج الاستفتاء بـ" انتصار الحرية"، فقالت في تغريدة على "تويتر" إنه "انتصار الحرية كما أطالب منذ سنوات، يجب الآن إجراء الاستفتاء نفسه في فرنسا والدول الأخرى في الاتحاد". التحفز عند اليمين الأوروبي عند أعلى مستوياته. لا شك أن خروج بريطانيا يمثل دفعة هائلة لدعاة العودة إلى الدولة الوطنية في أوروبا. البعض يرى أنهم يأخذون القارة إلى بيئة صناعة الحروب الكبرى. البعض الآخر من الرومانسيين يقول إنهم سئموا من الرفاه البارد، وهم بحاجةٍ إلى ممارسة غريزة التدمير القابعة في زاوية روح كل الناس مهما تمدّنوا.

في الدول الأقل تأثيراً في الاتحاد خرجت أيضاً دعوات الحسد لبريطانيا. دعونا نحصل على شيء مماثل. هذا ما عبّر عنه "حزب الحرية" اليميني الهولندي. أحد نواب الحزب قال حرفياً: "نريد أن نتولى مسؤولية إدارة شؤون بلدنا وأموالنا وحدودنا وسياستنا للهجرة".

وزيرا خارجية ألمانيا وفرنسا أسفا لنتائج التصويت البريطاني، الوزير الفرنسي جان مارك آيرولت تحدث عن ضرورة "استعادة ثقة الشعوب". نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير قال إنه" يوم حزين لأوروبا وبريطانيا".

ألمانيا أكثر من غيرها معنية بهذا الاتجاه المتنامي في أوروبا. دعوات اليمين تتوالى من أجل التخلي عن الاقتصادات الأوروبية المنهكة، واستعادة ألمانيا التي تفكر بألمانيا فقط. هم لا يريدون دفع فاتورة غيرهم. هم الأقوى وبالتالي الأقل تأثراً بأي تفكك يصيب بنية "الاتحاد المعجزة".

الأميركيون معنيون أكثر ربما، هم يهجسون بملامح تحالف ألماني-روسي. هذا التحالف يمكن أن يعيش في ظل أوروبا مفككة، وهو لو قام فسيشكل القوة العالمية الأكثر تهديداً لمصالح واشنطن. رئيس الوزراء البريطاني "المنتهي" أمس تحدث صراحة عن استفادة روسيا من خروج بلاده. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفى ذلك بشدّة، ولكنه استدرك بالقول إننا "سنشهد تصحيحاً قريباً للاوضاع بعد نتائج الاستفتاء البريطاني".

صحيفة "فايننشال تايمز" تحدثت عن خطرٍ جيوسياسي تواجهه قارة الدول العجوزة. الاتحاد الأوروبي بات في مواجهة مع أكبر تحدٍ وجودي له منذ سقوط جدار برلين"، أضافت الصحيفة. وأكّدت أنها "اللحظة التي كان يخشاها كل القادة الأوروبيين". ولكنها لم تغفل عن لب المسألة، فكتبت: الكثير من الأمور تعتمد على أميركا ومدى التزامها مع الاتحاد.

 

صحيفة "الغارديان" قالت في أحد عناوينها: "استيقظنا في بلد مختلف"، وأضافت انه "بالنسبة لحملة المغادرة والغالبية التي صوتت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي فإن هذه مناسبة لكي يحتفلوا. فهذا اليوم كما يصرّون سيذكر في التاريخ على أنه "يوم الاستقلال". لكن بالنسبة للثمانية والأربعون بالمئة الآخرين الذين صوتوا في الاتجاه الآخر فإن بريطانيا تغير بطريقة تجعل القلب يتلوى حرقة.

إذن، حصلت بريطانيا وفق أغلبية شعبها على "يوم استقلال"، وهي الدولة الوحيدة التي لم يكن لديها عيد استقلال، قبل يوم أمس، كونها لم تكن محتلةً من قبل.

ولكن مهلاً، هل أن تفكك الاتحاد الأوروبي هو بهذه البساطة؟ من المؤكد أن عناية واشنطن ستكون منصبّةً الآن على ألمانيا وفرنسا لمنع انهيار الاتحاد. واشنطن، تلك العاصمة تبثت يومياً أنها لا تزال تمسك بزمام المنظومة الكونية، والقادرة على استيعاب الصدمات والتغيرات بسرعة ومضية. صحيح أن بريطانيا قبل 23 حزيران لم تعد موجودة. ولكن المنظومة التي تمسك بما هو فوق-أوروبي تريد الحفاظ على قوة اليد القابضة على قرار الأوروبيين.

ومساعي تفكيك المنظومة الأوروبية ستبقى تدور ضمن منظومة عالمية أكثر اتساعاً، وأكثر دهاءً، لأنه من غير المسموح ترك القوى الأوروبية فريسةً لمن يفكرون بنسج تحالفات صاعدة، قد تكون لها لاحقاً فرصة المنافسة. واقع التشابكات الدولية، والتفاعلات في قلب النظامين الدوليين، الاقتصادي والسياسي، هي مسائل تشير إلى أمر واحدٍ: الاتحاد الأوروبي باقٍ ويتقلص.