"لن نتراجع حتى لو لمونا جثث"

يحكى في العهود الغابرة أن أباً بكى ولده الغائب ثلاثين عاماً. في زمننا، أمٌ، لا تظهر في مقابلة دون أن يبتل محجراها دمعاً. لا تطلب أكثر من رؤية ولدها وتفرح به، على حد قولها. تحمل ثمانينها في صورة كريم. هي "أم كريم"، الباحثة عن طيف ابنها منذ 36 عاماً، وهي التي لم تره سوى مقيد اليدين والقدمين.

كريم أطلق موقفه يومها مستعداً لقضاء مائة عام أخرى في السجون
كريم أطلق موقفه يومها مستعداً لقضاء مائة عام أخرى في السجون

من إحدى قاعات جامعة بن غوريون في النقب بدأت الحكاية. ادلهم طريق الشاب كريم يونس ابن قرية عارة وطالب الهندسة الميكانيكية، ليجد نفسه خلف قضبان السجن، متهماً بقتل جندي إسرائيلي.

كان ذلك في السادس من كانون الثاني/يناير 1983، قبل اثنتي عشر يوماً من اعتقال ابن عمه ماهر، شريكه في التهمة وسنوات الأسر الطويلة.
لم يتوقع كريم يونس وهو في السابعة والعشرين من عمره أن يقضي زهرة شبابه في غياهب سجون الاحتلال، محكوماً بمؤبدٍ حدِد بأربعين عاماً. سنوات ستمر ويأتي حلم التحرر من القيد مدمغاً بحبر أوسلو، سرعان ما اصطدم بتعنت الاحتلال في الإفراج عن كريم بحجة أنه يحمل الجنسية الإسرائيلية كونه من عرب 48.

كريم أطلق موقفه يومها مستعداً لقضاء مائة عام أخرى في السجون، ورافضاً استخدامه كوسيلة ضغط سياسي على القيادة الفلسطينية، وذلك في فترة تعليق الافراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى مقابل الاعتراف بيهودية الدولة.

علّ ألم الفرد يذوب في سبيل أمة. أمة الأسرى. هناك خبز كريم وقمحه. فلم ينقطع عن الدراسة متخصصاً هذه المرة في العلوم السياسية والصحافة، وأمسى مشرفاً على عملية التعليم الجامعي للأسرى، ساعده في ذلك تنقله في كل سجون الاحتلال، ليتكرس شخصية نضالية فألّف كتابين هما: "الواقع السياسي في إسرائيل" عام 1990، و "الصراع الأيدولوجي والتسوية" عام 1993.

يحكى في العهود الغابرة أن أباً بكى ولده الغائب ثلاثين عاماً. في زمننا، أمٌ، لا تظهر في مقابلة دون أن يبتل محجراها دمعاً. لا تطلب أكثر من رؤية ولدها وتفرح به، على حد قولها. تحمل ثمانينها في صورة كريم. هي "أم كريم"، الباحثة عن طيف ابنها منذ 36 عاماً، وهي التي لم تره سوى مقيد اليدين والقدمين.

يبادلها كريم حرارة البعد. فيقول صديقه الأسير السابق جبر وشاح، أن كريم يخشى أن تموت أمه وهو في الأسر. ففي عام 2015، توفي والده يونس يونس، ولم يسمح له بالمشاركة في جنازته.

"لن نتراجع حتى لو لمونا جثث.." هذه جملة من كريم. عميد الأسرى، وأقدم أسير سياسي في العالم. رغم توقه للحرية، ثابت على كرامته. من هنا كانت حملة الميادين تحت عنوان #الحرية_كريم_يونس، للإضاءة على قضيته وفتح ملف الأسرى.